فهرس الكتاب

الصفحة 727 من 2431

7.الآيات المتحدثة عن الاستطاعة لا تعني الكسل والتقاعس عن أداء التكاليف بحجة أن هذا ما يستطيعه وهو غير مؤاخذ؛ لأن الله أعلم بنا وهو خالقنا وأعلم بمدى استطاعة كل فرد على أداء التكاليف المناطة به، فيجب أن يكون هناك وازع ديني ودافع داخلي للإنسان وتقوى من الله في أداء التكاليف ويبذل أقصى ما في وسعه تجنبًا من الوقوع في المحظور.

1.إن الله عز وجل عندما كلفنا بالتكاليف الشرعية كلفنا بما نطيق، وجعل فينا القدرة على الإتيان بها، وأعطانا أدوات هذه الاستطاعة فمن ملكها لا عذر له، ومن سلبها الله منه لحكمة من الله لا يؤاخذ، ومن هذه الأدوات: أعضاء الجسم التي بها نقوم بالعبادات كالصلاة والحج، ومنها أيضًا: النعم التي أنعم الله بها علينا كي نستطيع أداء فرائضه من مال وصحة ووقت.

أولًا: الجوارح:

وجوارح الإنسان هي أعضاؤه التي يكتسب بها 81، وهذه الجوارح قد يكسب منها المرء إما خيرًا أو شرًا، وهي التي ستنطق حينما تسكت الألسنة عن النطق.

قال تعالى: {وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [فصلت: 21] .

إن حقيقة الإيمان التي أمرنا الله عز وجل بها هي أن يتواطأ القلب مع الجوارح، فتتحقق عبودية القلب مع عبودية الجوارح، فنحسن العبادة باطنًا كما نحسنها ظاهرًا، إن الإيمان الذي في القلب لابد أن تصدقه الجوارح بأعمالها، فإن التصديق يكون بالأفعال كما يكون بالأقوال فإذا اتقى الإنسان الله بقلبه أولًا كما يجب، اتقت جوارحه وانصاعت لما أمر به الله عز وجل 82.

إن الله عز وجل جعل للعباد قدرات فيما يقدرون عليه، وجعل لهم وسائل وهي الجوارح، والقدرات موجودة قبل الفعل وبعده، لكنها لا تتمثل لنا بفعل حقيقي إلا عند الفعل الحقيقي.

ومن أهم تلك الجوارح التي أنعم الله بها على الإنسان: (الأذن، والعين، والأنف، واللسان، واليدين، والقدمين، والبطن، والفرج) ، وهذه الجوارح نعمة من الله كي يستطيع الإنسان أداء التكاليف المناطة به على أكمل وجه، فيجب أن تكون الجوارح مستعملة فيما يرضاه الله عز وجل، وأن يكون الإنسان مسئولًا عما اكتسب بجوارحه هو، لا عما اكتسبه غيره.

قال تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة: 286] .

ولله عز وجل على العبد عبوديتان عبودية باطنة وعبودية ظاهرة، فللقلب عبودية وللسان والجوارح عبودية، فإن قام العبد فقيامه بالعبودية الظاهرة مع تجرده من حقيقة العبودية الباطنة فإن ذلك لا يقربه إلى الله ولا يوجب له الثواب وقبول العمل، فإن المقصود امتحان القلوب وابتلاء السرائر، فعمل القلب هو روح العبودية ولبُها فإذا خلا عمل الجوارح منه كان كالجسد الموات بلا روح 83.

وعرف علماء الأمة الاستطاعة بأنها: سلامة الآلات ورفع الموانع، والمقصود بسلامة الآلات هي صحة الجوارح، فالمريض ليس بمستطيع؛ لأن الآلات لديه فيها خلل 84.

فإذا صحت الجوارح وارتفعت الموانع الحسية سميت استطاعة يتوجب بسببها التكليف، وأهل السنة جعلوا الاستطاعة نوعين: نوعًا قبل الفعل وهو سلامة الجوارح، ونوعًا معه وهو ما يجب به وجود الفعل 85.

قال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ} [التغابن: 16] .

قد يظن البعض أن هذه الآية تدلل على أنه لا إثم اذا فعل الإنسان بعض المحرمات والمحظورات؛ لأن الآية تعذره، وتقدم له رخصةً ومخرجًا، ويترتب على هذا الفهم الخاطئ لمعنى الآية، أن يتفاوت التزام المسلمين بالإسلام في أداء واجباته، واجتنابًا لمحرماته، بحيث يختلف الالتزام بالإسلام وتطبيقه من شخص إلى آخر كل حسب استطاعته، فتتكون لدينا الهمة الميتة، والقدرة العاجزة، والاستطاعة المريضة.

وحتى يكون فهمنا لمعنى الآية صحيحًا، وتصورنا لقيد الاستطاعة فيها صوابًا، لا بد أن نقرن معها آية أخرى، وهي قول الله عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران:102] .

حيث تأمرنا هاتان الآيتان بتقوى الله، وكل واحدةٍ منهما توضح المراد من الأخرى: فآية آل عمران تأمر بأن نتقي الله حق تقاته، والمقصود تقوى حقة صادقة مخلصة جادة، بأن نبذل غاية وسعنا، وأقصى استطاعتنا، في تحقيقها وتحصيلها، وأن نبقى على هذه التقوى طيلة حياتنا، بحيث لا يموت الإنسان منا إلا وهو مسلم، المعنى هو: بذل الوسع والجهد والاستطاعة في تحصيلها 86.

وآية التغابن تأمرنا بتقوى الله بمقدار الوسع والاستطاعة: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} ، ويوضح المراد بقوله: {مَا اسْتَطَعْتُمْ} قوله في آل عمران: {حَقَّ تُقَاتِهِ} ، فلا يحقق المسلم التقوى بقدر الاستطاعة، إلا إذا كانت هذه التقوى حق التقوى، وهذا أمر قلبي لا يستطيع أحد معرفتها إلا الله عز وجل 87.

قال ابن عطاء: «الاستطاعة على الظواهر والأعمال، وحق تقاته على القلوب والأحوال» والمقصود اتقوا الله حق تقاته بتوجيه القلوب إليه بلا التفات إلي أي شيء دونه، واتقوا الله ما استطعتم بعمل الجوارح والأعضاء قدر الطاقات التي منحها الله لكم 88.

عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج، فحجوا) ، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو قلت: نعم لوجبت، ولما استطعتم) ، ثم قال: (ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه) 89.

إنها استطاعة بخصوص الحج، الذي نص القرآن على وجوبه على المستطيع، قال تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97] .

فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يجب على سؤال الرجل وكان السبب واضحًا أن أمته لن تطيق ذلك والله ورسوله أعلم بهذا.

وكذلك هناك أمور رخص الشرع فيها لغير المستطيع، فالمسافر يرخص له في الإفطار في حال مرضه أو صحته أما المسافر غير المستطيع فالإفطار في حقه واجب، حفظًا لبدنه، فيقصر ويجمع الصلاة، ويفطر ويقضي أو يفدي، والحائض والنفساء يجب عليهما الفطر وترك الصلاة، وتقضيان الصوم ولا تقضيان الصلاة، والحج واجب على المستطيع، ولا زكاة لمن لم يملك النصاب، وأكل الميتة مباحٌ للمضطر.

وقال علماء الأمة بحق من كانت لديه أدوات الاستطاعة ولم يقم بالتكاليف التي أمره الله عز وجل دون عذر أنه لا يكون مؤمنًا، فمن كان يعتقد بقلبه ويقر بلسانه ولكنه لا يعمل بجوارحه، وعطل الأعمال كلها من غير عذر فهذا ليس بمؤمن؛ لأن الإيمان كما ذكرنا وكما عرفه أهل السنة والجماعة أنه: قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح، لا يحصل الإيمان إلا بمجموع هذه الأمور، فمن ترك واحدًا منها فإنه لا يكون مؤمنًا.

وهناك آية أخرى يعتمد عليها بعض المسلمين، ويجعلونها حجةً ودليلًا ومستندًا لهم، على تقصيرهم في أداء الواجبات والتزام الأوامر وترك المحظورات، إذ أنها تبيح لهم ذلك وتجعلهم في منأى عن المسؤولية والعقاب جزاء هذا التقصير والتفريط، فيكون الإنسان صحيح البدن معافى في جوارحه التي هي مناط التكليف فيقول: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 28] .

ولا يعرف أن الآية تشرع وتبيح له أن يأخذ من الإسلام والشريعة ما يدخل ضمن وسعه وطوقه وقدرته، مهما كانت درجة الوسع والطوق والقدرة، حتى لو كانت في أدنى مستوياتها وأضعف حالاتها 90.

ثانيًا: النعم:

من أكبر النعم على أمة الإسلام أن الله هدى المسلمين لهذا الدين ومن جزيل نعمه عليهم بعد الهداية أن جعل الدين ميسرًا حسب الاستطاعة.

إذا تأملنا منطوق التكاليف الشرعية نجدها بنيت على الاستطاعة والمقدرة، فالله سبحانه وتعالى لا يطلب منا إلا ما نستطيع تأديته، على حسب الحالة التي نحن عليها.

قال تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] .

وقال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] .

فهذه النصوص تمنحنا مساحة من الطمأنينة تجعلنا لا تضطرب ونتأثر في ممارسة الشعائر التعبدية بسبب موقف ألم بنا؛ لأن حياتنا كلها أصلًا عبادة، والغاية من إيجادنا في هذه الحياة أصلًا هو العبادة.

قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] .

ويشرع لمن أنعم الله عليه بنعمة إظهارها؛ فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، كما يشرع له بذلها لمن يحتاجها على حسب الاستطاعة.

قال تعالى: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} [الطلاق:7] .

قال الحسن البصري: إن الله تعالى أدب عباده فأحسن أدبهم، قال تعالى: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ} [الطلاق: 7] . ما عاب قومًا ما وسع عليهم الدنيا فتنعموا وأطاعوا، ولا عذر قومًا زواها عنهم فعصوه 91.

فعلى المؤمن أن يجتنب تحريم الطيبات التي أحلها الله له، وأن يتمتع بها بدون إسراف أو تقتير، وأن يداوم على شكر الله على نعمه وآلائه، وأن يجعل جانبًا من هذه النعم للإحسان إلى الفقراء والمحتاجين.

ويجب الحذر من التعامل مع نعم الله عز وجل، إذ يعتبر كل إهمال أو تقصير أو عدم استعمال جيد لأي نعمة من نعم الله عز وجل غبنًا فيها، كأن يغبن الإنسان في وقته وفي صحته وهما من أكبر النعم التي أنعم الله عز وجل به علينا.

عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ) 92.

أي: أن هاتين النعمتين إن لم يستعملهما الإنسان وفق ما أراد الله فاستمتع بالصحة واسترخى وأطال النوم ولم يقم بالواجبات المطلوبة منه، واستمتع بالفراغ فأمضاه باللهو واللعب، ونعمة الصحة لم يستفد منها في الأعمال الصالحة التي تفيد المسلمين، ونعمة الفراغ لم يستفد منها في طلب العلم، تأخذه الحسرة والندامة يوم القيامة.

فالحديث يشير إلى أن الذي يوفق للعمل الصالح، واستغلال أوقات الصحة والفراغ إنما هم قليل، أما أكثر الناس فهم في خسارة وفي ضياع، فكيف بمن له الاستطاعة وعنده النعمة، وتجده يتقاعس ويتكاسل ويعلل ذلك بعدم الاستطاعة وأن هذا ما يطيقه وأن الله عز وجل لا يكلف نفسًا إلا وسعها.

وقال ابن الجوزي: قد يكون الإنسان صحيحًا ولا يكون متفرغًا لشغله بالمعاش، وقد يكون مستغنيًا ولا يكون صحيحًا، فإذا اجتمعا فغلب عليه الكسل عن الطاعة فهو المغبون، وتمام ذلك أن الدنيا مزرعة الآخرة وفيها التجارة التي يظهر ربحها في الآخرة، فمن استعمل فراغه وصحته في طاعة الله فهو المغبوط، ومن استعملهما في معصية الله فهو المغبون، فالفراغ يعقبه الشغل، والصحة يعقبها السقم 93.

فعلى المرء استغلال هذه النعم في طاعة الله ما استطاع فقد قال المفسرون: المغبون من غبن أهله ومنازله في الجنة، ويظهر يومئذ غبن كل كافر بترك الإيمان، وحسرة كل مؤمن بتقصيره في الإحسان وتضييعه الأيام 94.

ولا يجب أن يكون نعم الله عز وجل التي أنعمها علينا نقمًا، وقال الحسن وقتادة: إن التغابن أي: «الحسرة والندامة» في ثلاثة أصناف: «رجل علم علمًا فعلمه وضيعه هو ولم يعمل به فشقي به، وعمل به من تعلمه منه فنجا به، ورجل اكتسب مالًا من وجوه يسأل عنها وشح عليه، وفرط في طاعة ربه بسببه، ولم يعمل فيه خيرًا وتركه لوارثه، فعمل ذلك الوارث فيه بطاعة ربه، ورجل كان له عبد فعمل العبد بطاعة ربه فسعد، وعمل السيد بمعصية ربه فشقي» 95.

لذا علينا استخدام نعم الله عز وجل في الطاعات وفي القربات وفي المعرفة، وفي الطاعة، وفي الأعمال الصالحة، والوقت والقوة في خدمة عباد الله و في معرفة الله، وحضور مجالس العلم، وأداء الصلوات الخمس بإتقان، وصوم رمضان، وحج البيت الحرام، وأداء زكاة المال، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.

من استعمل صحته وفراغه في طاعة الله فهو المغبوط، ومن استعملها في معصية الله فهو النادم؛ لأن كل فراغ يعقبه انشغال وأن كل صحة يعقبها مرض، ومن لم يشغل نفسه بالحق شغلته بالباطل أما إذا استعد الإنسان للقاء الله عز وجل، استغل النعم التي أسبغها عليه من مال وصحة ووقت وعلم وغير ذلك من النعم أعظم استغلال، فهو في سعادة دائمة 96.

إن الله سبحانه عادلٌ في أحكامه في عباده، وإنه لا يكلفهم بما لا يطيقون، ولا يطالبهم بالمستحيل، ولا يريد من التشريعات إرهاق عباده، أو إيقاعهم في العسر والحرج والإثم والتقصير، فإن الله سبحانه قال: {هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] .

وقال تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] .

وإن الله عليمٌ حكيم، لطيف خبير، يعلم طاقة النفس الإنسانية ومقدار تحملها ووسعها.

وقال تعالى: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14] .

ولذلك أوجب عليها التكاليف الشرعية، وهو يعلم أنه بمقدور هذه النفس الالتزام بها، وهو يعلم أنها كلها ضمن (وسعها) وطاقتها؛ لذا كان من الواجب على من ملك أدوات الاستطاعة أن يكون منصاعًا لأوامر الله عز وجل دون تردد.

ومن الواضح من الآيات السابقة:

1.في واقعنا المعاصر نجد الشباب الذين أعطاهم الله عز وجل أقوى مرحلة الشباب التي هي مرحلة قوة بين ضعفين الطفولة والشيخوخة، يضيع الشباب وقته وصحته وماله في اللهو والعبث وضعف التحصيل، فلا يهتم بنعمة الوقت وهو جالس بالساعات الطوال في الانترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، لا يأخذ وقتًا للعبادة ولا لطلب العلم، ملك كل أدوات الصحة ولا يستغلها الاستغلال الأمثل.

2.من تمتع بنعمة الصحة والعافية وملك الجوارح والمال عليه أن يبادر إلى طاعة الله، وإلى التقرب إليه لئلا يتحسر على هذه النعم، و يصعق يوم القيامة أن كيف أمضى حياته في أعمال لا ترضي الله عز وجل.

3.علينا حمد الله عز وجل على النعم التي حرم منها الكثيرون، ونحمده أن جعل فينا القدرة على عبادته، فكم من عاجز عن الحركة يتمنى أن يقوم لله ساجدًا راكعًا، وكم من فاقد القدرة على الكلام والسمع يتمنى أن يقرأ القرآن ويذكر الله عز وجل بلسانه.

4.الآيات القرآنية المتحدثة عن الاستطاعة تطالب جميع المسلمين الالتزام بكافة التكاليف الشرعية، وتعلمهم أنه في وسعهم وطوقهم أن يقوموا بهذا الالتزام؛ لأن الله هو الذي يعلم مقدار تحملهم وطاقة قدرتهم، ولذلك ألزمهم بها وهذه الآيات تقرر حقيقةً هامةً في قواعد التشريع الإسلامي، وهي أن هذا التشريع بكافة جوانبه ومجالاته يراعى فيه الطاقة والوسع، وهذا التشريع يتصف بالسماحة واليسر، فلا عسر فيه ولا حرج، وهذا كله من مظاهر فضل الله على المسلمين، وإرادته اليسر والرحمة والخير بهم، عندما كلفهم بكل ما كلفهم به.

5.ليس الإنسان هو الذي يحدد مقدار استطاعته، ولا هو الذي يحدد صورة الواجب بالنسبة له، ولكنه الشرع. إن الله عز وجل هو الذي يعلم مقدار الطاقة البشرية وحدود الاستطاعة فيها، ولذلك جاءت الرخص في الدين في بعض الحالات ولبعض الأشخاص، مراعاة لبعض الأعذار والأحوال.

6.ينبغي على المؤمن أن يحذر من أن يتساوى يومه مع أمسه، فالإنسان ينبغي أن يتطور وأن يكون في ازدياد لكل ما يرضي الله عز وجل، ويستغل النعم التي منحنا الله إياها في طاعته، فالمؤمن الساعي في السير إلى الله يعمل لاستمرار عمله حتى بعد مماته فتجده ينشر العلم ويعمل على الصدقات الجارية ويربي أبناءه خير تربية حتى يستمر أثره الإيجابي بعد وفاته.

1.هناك من البشر من ظلم نفسه باتخاذه آلهة من دون الله، يعبدونها ويقيمون لها الشعائر، وهي لا تستطيع لنفسها نفعًا ولا ضرًا، فهم إما يعبدون جمادات يحتار العقل في إمكانية عبادتها، وإما يعبدون مخلوقات خلقها الله عز وجل، مخلوقات ضعيفة لا تجلب النفع لنفسها فضلًا عن جلبه لغيرها، بل هي ضعيفة تحتاج إلى من يقوم على أمورها.

قال تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا} [الفرقان: 3] .

ففي هذه الآية تقريع للمشركين بعبادتهم ما دون الله، وتنبيه لهم على موضع خطأ فعلهم ببيان أن آلهتهم التي يعبدونها لا تخلق شيئًا، بل هي مخلوقة ومع ذلك فهي لا تملك دفع ضر عن نفسها، ولا جلب منفعة إليها، ولا تملك إماتة ولا إحياء ولا بعثًا، فهذه هي صفتها فهي لا تستحق العبادة 97.

وهذه الآيات كنظيراتها من الآيات التي تؤكد أن الله هو الإله الواحد القادر، الذي بيده ملكوت كل شيء وغيره من المعبودات لا تضر ولا تنفع، ولا تسطيع فعل أي شيء.

قال تعالى: {قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [المائدة: 76] .

ويقول عز وجل: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ} [يونس: 18] .

وفي استفهام مليء بالتقريع والتوبيخ، يخاطب الله عز وجل الذين أشركوا به أن كيف تجعلون لله شريكًا لا يخلق شيئًا، ولا يقدر على نفع لهم ولا دفع عنهم، وهم يُخلَقُون ولا يخلقون شيئًا، ولا يستطيعون لمن جعلهم شركاء نصرًا إن طلبه منهم ولا لأنفسهم أيضًا، فالمعبود الذي تجب عبادته يكون قادرًا على إيصال النفع ودفع الضر، وهذه الأصنام ليست كذلك، فكيف يليق بالعاقل أن يعبدها، ومن عجز عن نصر نفسه فهو عن نصر غيره أعجز 98.

قال تعالى: {أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الأعراف: 191 - 194] .

وقال تعالى: {وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ} [النحل: 20] .

يبين الله هنا مدى عجز ما يعبدون من دون الله، فهذه الآلهة لا تخلق شيئًا وهي تُخلَق، فكيف يكون إلهًا وهو مصنوع لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا؟ فهم عاجزون عن الخلق والتدبير ولا يعلمون شيئًا عن كيفية الخلق وتدبير أمور العباد 99.

وفي هذه الآيات ندد كتاب الله بسخافة المشركين وصغر أحلامهم، فهم يعبدون أصنامًا من دون الله، يتوجهون إلى من لا يملك لهم رزقًا، ولا يستطيع لهم ضرًا ولا نفعًا.

قال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ} [النحل: 73] .

فأولئك الشركاء لا يستطيعون أي قدر من الاستطاعة في النفع فضلًا عن الضر، وعبادة الأصنام والأوثان، بدلًا من أن يعبدوا خالقهم ورازقهم، ويفردوه بالعبادة والطاعة دون سواه 100.

وإلى ذلك يشير قوله تعالى: {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [العنكبوت:17] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت