والأيم: يقال للرجل وللمرأة 213.
قال الشاعر 214:
فإن تنكحي أنكح وإن تتأيمي
وإن كنت أفتى منكم أتأيم
ومعنى الأيامى: أي: الذين لا أزواج لهم من الرجال والنساء، واحدهم أيم، فأيامى مقلوب أيايم، واتفق أهل اللغة على أن الأيم في الأصل هي: المرأة التي لا زوج لها، بكرًا كانت أو ثيبًا، حكى ذلك أبو عمرو والكسائي وغيرهما. تقول العرب: تأيمت المرأة إذا أقامت لا تتزوج 215.
وصيغة الأمر في قوله تعالى: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى) مجملة، فتحتمل الوجوب والندب، بحسب ما يعرض من حال المأمور بإنكاحهم: فإن كانوا مظنة الوقوع في مضار في الدين أو الدنيا، كان إنكاحهم واجبًا، وإن لم يكونوا كذلك فمندوب 216. فيكون الأمر بالنكاح ندب لقوم، وإباحة لآخرين، بحسب قرائن المرء، والنكاح في الجملة والأغلب مندوب إليه.
ومن القرائن التي صرفت الأمر من الوجوب إلى الندب أنه لم يخل عصر من الأعصار من وجود الأيامى، ولم ينكر ذلك، ولا أمر الأولياء بالنكاح 217. بل قد وجد أيامى على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم لم يزوجوا، ولو كان الأمر للوجوب لزوجهم.
ويدل على عدم وجوبه أيضًا أمور:
أحدها: أنه لو كان ذلك واجبًا لورد النقل بفعله من النبي صلى الله عليه وسلم، ومن السلف مستفيضًا شائعًا؛ لعموم الحاجة إليه، فلما وجدنا عصر النبي صلى الله عليه وسلم، وسائر الأعصار بعده، قد كان في الناس أيامى من الرجال والنساء، فلم ينكروا عدم تزويجهن، ثبت أنه ما أريد به الإيجاب.
وثانيها: الإجماع على أن الأيم الثيب لو أبت التزوج لم يكن للولي إجبارها عليه.
وثالثها: اتفاق الكل على أنه لا يجبر على تزويج عبده وأمته، وهو معطوف على الأيامى، فدل على أنه غير واجب في الجميع، بل ندب في الجميع.
ورابعها: أن اسم الأيامى ينتظم فيه الرجال والنساء، وهو في الرجال ما أريد به الأولياء دون غيرهم، كذلك في النساء.
وقد قيل: يكون تزويج الأيامى واجبًا إذا التمست المرأة الأيم من الولي التزويج 218. ومنهم من قال: أن الأمر للوجوب، لا بمعنى أن يجبر الإمام الأيامى على الزواج، ولكن بمعنى أنه يتعين إعانة الراغبين منهم في الزواج، وتمكينهم من الإحصان، بوصفه وسيلة من وسائل الوقاية العملية، وتطهير المجتمع الإسلامي من الفاحشة، وهو واجب، ووسيلة الواجب واجبة.
وينبغي أن نضع في حسابنا -مع هذا- أن الإسلام بوصفه نظامًا متكاملًا يعالج الأوضاع الاقتصادية علاجًا أساسيًا، فيجعل الأفراد الأسوياء قادرين على الكسب، وتحصيل الرزق، وعدم الحاجة إلى مساعدة بيت المال، ولكنه في الأحوال الاستثنائية يلزم بيت المال ببعض الإعانات، فالأصل في النظام الاقتصادي الإسلامي أن يستغني كل فرد بدخله، وهو يجعل تيسير العمل وكفاية الأجر حقًا على الدولة واجبًا للأفراد، أما الإعانة من بيت المال فهي حالة استثنائية لا يقوم عليها النظام الاقتصادي في الإسلام.
فإذا وجد في المجتمع الإسلامي-بعد ذلك- أيامى فقراء وفقيرات، تعجز مواردهم الخاصة عن الزواج فعلى الجماعة أن تزوجهم، وكذلك العبيد والإماء، غير أن هؤلاء يلتزم أولياؤهم بأمرهم ما داموا قادرين، ولا يجوز أن يقوم الفقر عائقًا عن التزويج متى كانوا صالحين للزواج، راغبين فيه، رجالًا ونساء، فالرزق بيد الله، وقد تكفل الله بإغنائهم، إن هم اختاروا طريق العفة النظيف: (إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ?) [النور: 32] .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة حق على الله عونهم) ومنهم: (والناكح الذي يريد العفاف) 219.
وفي انتظار قيام الجماعة بتزويج الأيامى يأمرهم بالاستعفاف حتى يغنيهم الله بالزواج: (وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى? يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ?) [النور: 33] .
وفي هذه الآية قال: (وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [النور: 32] .
أي: لا يضيق على من يبتغي العفة وهو يعلم نيته وصلاحه.
هكذا يواجه الإسلام المشكلة مواجهة عملية، فيهيئ لكل فرد صالح للزواج أن يتزوج، ولو كان عاجزًا من ناحية المال؛ لأن المال هو العقبة الكئود غالبًا في طريق الإحصان 220.
واستدل بالأمر في قوله: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى?) على اعتبار الولي؛ لأن الخطاب له، وعدم استقلال المرأة بالنكاح. واستدل بعموم الآية من أباح نكاح الإماء بلا شرط، ونكاح العبد الحرة، واستدل بها من قال: بإجبار السيد على نكاح عبده وأمته 221.
ومعنى: (وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ?) أي: والقادرين والقادرات على النكاح والقيام بحقوق الزوجية من الصحة والمال، ونحو ذلك.
وفي هذه الآية رد على من قال: إن القاضي يفرق بين الزوجين إذا كان الزوج فقيرًا، لا يقدر على النفقة؛ لأن الله قال: (حَتَّى? يُغْنِيَهُمُ) ولم يقل: يفرق بينهما، وهذا انتزاع ضعيف؛ لأن هذه الآية ليست حكمًا فيمن عجز عن النفقة، وإنما هي وعد بالإغناء، كما وعد به مع التفرق في قوله: (وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ) [النساء: 130] .
ونفحات رحمة الله مأمولة في كل حال موعود بها 222.
وجملة: إن يكونوا فقراء ... إلخ استئناف بياني؛ لأن عموم الأيامى والعبيد والإماء في صيغة الأمر يثير سؤال الأولياء، والموالي أن يكون الراغب في تزوج المرأة الأيم فقيرًا فهل يرده الولي؟ وأن يكون سيد العبد فقيرًا لا يجد ما ينفقه على زوجه، وكذلك سيد الأمة يخطبها رجل فقير حر أو عبد، فجاء هذا لبيان إرادة العموم في الأحوال.
وهو كذلك وعد من الله للمتزوج من هؤلاء إن كان فقيرًا أن يغنيه الله، وإغناؤه تيسير الغنى إليه إن كان حرًا، وتوسعة المال على مولاه إن كان عبدًا، فلا عذر للولي، ولا للمولى أن يرد خطبته في هذه الأحوال 223.
وفي هذا ترغيب في الزواج بالفقير والفقيرة، وألا يكون عدم وجدان المال حائلًا عن إتمامه؛ ولهذا فقال: (إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) أي: لا تنظروا إلى فقر من يخطب إليكم، أو فقر من تريدون زواجها، ففي فضل الله ما يغنيهم والمال غاد ورائح. (وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) أي: والله ذو سعة وغنى، فلا انتهاء لفضله، ولا حد لقدرته 224.
ثالثًا: نكاح المهاجرات في سبيل الله:
أباح الله تعالى للمؤمنين نكاح المؤمنات المهاجرات بعد فراقهن لأزواجهن المشركين، وبعد استبرائهم لأرحامهن، ودفع مهورهن كاملة غير منقوصة، فقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ ? اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ ? فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ? لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ? وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا ? وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ? وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ? ذَ?لِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ ? يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ ? وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ?10?) [الممتحنة: 10] .
والسبب في نزوله هذه الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم هادن قريشًا عام الحديبة، فقالت قريش: على أن ترد علينا من جاءك منا، ونرد عليك من جاءنا منك، فوافق النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الشرط؛ لأنه لا حاجة له بمن اختار الكفر على الإيمان، ورجع إلى الكفار 225.
والآية بينت أن العهد الذي أعطى كان في الرجال دون النساء، ومن ثم لم يردهن حين جئن مؤمنات.
يقول الحق جل جلاله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ سماهن مؤمنات لنطقهن بكلمة الشهادة؛ أو لظهور إيمانهن بالامتحان؛ ولا يعلم بالامتحان إلا ظاهر إيمانهن أما الباطن فالله يعلمه؛ فالحكم عليهن معتبرًا بالظاهر. ومعنى: مُهَاجِرَاتٍ) أي: من الكفار.
ونص على امتحان المؤمنات المهاجرات فقال: فَامْتَحِنُوهُنَّ) وهو أمر بمعنى: الوجوب، أو بمعنى: الندب، والمعنى: فاختبروهن بما يغلب على ظنكم موافقة قلوبهن للسانهن، وكان صلى الله عليه وسلم يستحلفهن: ما خرجن من بغض زوج، ولا رغبة من أرض إلى أرض، ولا التماس دنيا، ولا عشقًا لرجل، بل حبًًا لله ورسوله 226.
وقيل: كان امتحانهن بالبيعة الآتية: (لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ) [الممتحنة: 12] .
ومفهومه أن الرجال المهاجرين لا يمتحنون، وفعلًا لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يمتحن من هاجر إليه، والسبب في امتحانهن دون الرجال هو ما أشارت إليه هذه الآية في قوله تعالى: (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ) كأن الهجرة وحدها لا تكفي في حقهن بخلاف الرجال، فقد شهد الله لهم بصدق إيمانهم بالهجرة في قوله: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ? أُولَ?ئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) [الحشر: 8] .
وذلك أن الرجل إذا خرج مهاجرًا يعلم أن عليه تبعة الجهاد والنصرة، فلا يهاجر إلا وهو صادق الإيمان فلا يحتاج إلى امتحان، ولا يرد عليه مهاجر أم قيس؛ لأنه أمر جانبي، ولا يمنع من المهمة الأساسية للهجرة المنوه عنه في أول هذه السورة: (إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي) [الممتحنة: 1] .
بخلاف النساء، فليس عليهن جهاد، ولا يلزمهن بالهجرة أية تبعية، فأي سبب يواجههن في حياتهن سواء كان بسبب الزوج أو غيره فإنهن يخرجن باسم الهجرة، فكان ذلك موجبًا للتوثق من هجرتهن بامتحانهن؛ ليعلم إيمانهن، ويرشح لهذا المعنى قوله تعالى: (اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ) وفي حق الرجال قال: (أُولَ?ئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) .
وكذلك من جانب آخر وهو أن هجرة المؤمنات يتعلق عليها حق مع طرف آخر وهو الزوج فيفسخ نكاحها منه، ويعوض هو عما أنفق عليها، وإسقاط حقه في النكاح، وإيجاب حقه في العوض قضايا حقوقية، تتطلب إثباتًا بخلاف هجرة الرجال 227.
وقال بعد الأمر بامتحانهن: (اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ) أي: الله أعلم بصدقهن في دعوى الإيمان؛ لأنه تعالى المطلع على قلوبهن، والجملة اعتراضية لبيان أن هذا الامتحان بالنسبة للمؤمنين، وإلا فالله عالمٌ بالسرائر لا تخفى عليه خافية؛ ولهذا قال: (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ) أي: فإن تحققتم من إيمانهن بعد امتحانهن فلا تردوهن إلى أزواجهن الكفار.
فإن قيل: كيف سمى الظن علمًا في قوله: (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ) ؟ نقول: إنه من باب أن الظن الغالب وما يفضي إليه الاجتهاد والقياس جارٍ مجرى العلم، وصاحبه غير داخل في قوله: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) [الإسراء: 36] 228.
فإن قال قائل: كيف التوفيق بين قوله: (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ) وبين قوله: (اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ) ؟ والجواب عنه: أن معنى قوله: (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ) ، أي: إيمان الإقرار والامتحان، كأنهن أقررن بالإيمان، وحلفن عند الامتحان، وكأنه يشير في قوله: (اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ) إلى أن: العلم الذي يمكنكم تحصيله هو الظن الغالب بالحلف وظهور الأمارات، فهذا ظن غالب، وإنما سماه علمًا؛ إيذانًا بأنه كالعلم في وجوب العمل به 229.
فإذا تحقق إيمانهن فلا يجوز ردهن إلى الكفار؛ ولهذا قال: (فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ) أي: فلا تردوهن إلى أزواجهن المشركين. وموقع قوله: (لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ) موقع البيان والتفصيل للنهي في قوله: (لَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ) ؛ تحقيقًا لوجوب التفرقة بين المرأة المؤمنة وزوجها الكافر بخروجها مسلمة.
والتكرير في قوله: (لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ) للتأكيد والمبالغة في الحرمة، وقطع العلاقة بين المؤمنة والمشرك 230.
فردهن إلى الكفار مفسدة كبيرة راعاها الشارع، وراعى أيضًا الوفاء بالشرط، بأن يعطوا الكفار أزواجهن ما أنفقوا عليهن من المهر وتوابعه عوضًا عنهن.
وإذا كان المخاطب بذلك النهي جميع المؤمنين، كما هو مقتضى قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ) ... إلى آخره، تعين أن يقوم بتنفيذه من إليه تنفيذ أمور المسلمين العامة في كل مكان وكل زمان، وهم ولاة الأمور من أمراء وقضاة؛ إذ لا يمكن أن يقوم المسلمون بما خوطبوا به من مثل هذه الأمور العامة إلا على هذا الوجه، ولكن على كل فرد من المسلمين التزام العمل به في خاصة نفسه، والتزام الامتثال لما يقرره ولاة الأمور 231.
وقد اختلف: هل كان النهي في شأن المؤمنات المهاجرات أن يرجعوهن إلى الكفار نسخًا لما تضمنته شرط الصلح الذي بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المشركين، أو كان الصلح غير مصرح فيه بإرجاع النساء؛ لأن الصيغة صيغة جمع المذكر فاعتبر مجملًا، وكان النهي الذي في هذه الآية بيانًا لذلك المجمل.
وقد قيل: إن الصلح صرح فيه بأن من جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم من غير إذن وليه من رجل أو امرأة يرد إلى وليه، فإذا صح ذلك كان صريحًا، وكانت الآية ناسخة لما فعله النبي صلى الله عليه وسلم.
والذي في سيرة ابن إسحاق من رواية ابن هشام خليٌ من هذا التصريح؛ ولذلك كان لفظ الصلح محتملًا لإرادة الرجال؛ لأن الضمائر التي اشتمل عليها ضمائر تذكير، فيكون الشرط في الرجال لا في النساء، فكانت هذه الآية تشريعًا للمسلمين فيما يفعلونه إذا جاءهم المؤمنات مهاجرات، وإيذانًا للمشركين بأن شرطهم غير نص، وشأن شروط الصلح الصراحة لعظم أمر المصالحات والحقوق المترتبة عليها.
وقد أذهل الله المشركين عن الاحتياط في شرطهم؛ ليكون ذلك رحمة بالنساء المهاجرات؛ إذ جعل لهن مخرجًا وتأييدًا لرسول صلى الله عليه وسلم، كما في الآية التي بعدها لقصد أن يشترك من يمكنه الاطلاع من المؤمنين على صدق إيمان المؤمنات المهاجرات، تعاونًا على إظهار الحق؛ ولأن ما فيها من التكليف يرجع كثير منه إلى أحوال المؤمنين مع نسائهم 232.
وأمر الله تعالى إذا أمسكت المرأة المسلمة أن يرد على زوجها ما أنفق، وذلك من الوفاء بالعهد؛ لأنه لما منع من أهله بحرمة الإسلام أمر برد المال حتى لا يقع عليهم خسران من الوجهين: الزوجة والمال 233. فقال: (وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا) أي: وأعطوا أزواجهن مثل ما دفعوا إليهن من المهور. والمراد بما أنفقوا ما أعطوه من المهور، والعدول عن إطلاق اسم المهور والأجور على ما دفعه المشركون لنسائهم اللائي أسلمن من لطائف القرآن؛ لأن أولئك النساء أصبحن غير زوجات، فألغي إطلاق اسم المهور على ما يدفع لهم.
وقد سمى الله بعد ذلك ما يعطيه المسلمون لهن أجورًا، بقوله تعالى: (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) والمكلف بإرجاع مهور الأزواج المشركين إليهم هم ولاة أمور المسلمين، مما بين أيديهم من أموال المسلمين العامة 234.
ولا جناح حينئذٍ على المسلمين أن ينكحوهن، ولو كان لهن أزواج في دار الشرك، ولكن بشرط أن يؤتوهن أجورهن من المهر والنفقة؛ ولهذا قال: (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) أي: ولا إثم عليكم، ولا حرج في نكاح هؤلاء المؤمنات المهاجرات، بشرط أن تتعهدوا بالمهور، وتلتزموا بأدائها، وإنما جاز هذا لأن الإسلام حال بينهن وبين أزواجهن الكفار، فكان من المصلحة أن يكون لهن عائل من المؤمنين يكفل أمر أرزاقهن 235.
ونص على دفع المهر لهن -مع أنه أمر معلوم- لكي لا يتوهم متوهم أن رد المهر إلى الزوج الكافر يغنى عن دفع مهر جديد لهن إذا تزوجن بعد ذلك بأزواج مسلمين؛ إذ المهر المردود للكفار لا يقوم مقام المهر الذي يجب على المسلم إذا ما تزوج بامرأة مسلمة فارقت زوجها الكافر.
والمراد بالإيتاء: ما يشمل الدفع العاجل، والتزام الدفع في المستقبل.
ويدل بمفهومه أن النكاح بدون الأجور فيه جناح، وقد جاء النص بهذا المفهوم في قوله تعالى: (وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ?) [الأحزاب: 50] .
فهبة المرأة نفسها بدون صداق خاص به صلى الله عليه وسلم، فقوله تعالى: (خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) لا يحله لغيره صلى الله عليه وسلم، وقوله: (إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) ظاهر في أن النكاح لا يصح إلا بإتيان الأجور.
وقد جاء ما يدل على صحة العقد بدون إتيان الصداق كما في قوله تعالى: لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ? وَمَتِّعُوهُنَّے) الآية. [البقرة: 236] .
وقد ذكر الفقهاء حكم المفوضة أنه إن دخل بها فلها صداق المثل، ويدل لإطلاق الأجور على الصداق قوله تعالى في نكاح الإماء لمن لم يستطع طولًا للحرائر: (فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ) إلى قوله: (فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ) [النساء: 25] .
وفي نكاح أهل الكتاب: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) [المائدة: 5] . الآية 236.
ونهى الله المسلمين عن إبقاء النساء الكوافر في عصمتهم، وهن النساء اللائي لم يخرجن مع أزواجهن لكفرهن، فقال: (? وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ) فلما نزلت هذه الآية طلق المسلمون من كان لهم من أزواج بمكة.
فطلق عمر بن الخطاب رضي الله عنه امرأتين له بقيتا بمكة مشركتين، وهما: قريبة بنت أبي أمية، وأم كلثوم بنت عمرو الخزاعية، وطلق طلحة بن عبيد الله إحدى زوجاته وكانت مشركة 237.
ثم قال: (وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ) أيها المؤمنون حين ترجع زوجاتكم مرتدات إلى الكفار، فإذا كان الكفار يأخذون من المسلمين نفقة من أسلمت من نسائهم استحق المسلمون أن يأخذوا مقابلة ما ذهب من نسائهم إلى الكفار، وهذا إنصاف بين الفريقين، والأمر للإباحة.
وفي هذا دليل على أن خروج البضع من الزوج متقوم، فإذا أفسد مفسد نكاح امرأة رجل برضاع أو غيره كان عليه ضمان المهر، وقوله: (ذَ?لِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ) أي: ذلكم الحكم الذي ذكره الله وبينه لكم يحكم به بينكم (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) فيعلم تعالى ما يصلح لكم من الأحكام، ويشرع لكم ما تقتضيه الحكمة 238.
أخبر القرآن الكريم عما يتعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم من خصوصيات في النكاح نوضحها فيما يلي:
أولًا: نكاح الواهبة نفسها:
أخبر الله تعالى أنه أحل لنبيه صلى الله عليه وسلم المرأة المؤمنة إذا وهبت نفسها له أن يتزوجها بغير مهر إن شاء ذلك، فقال: (وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ? قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ ? وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) [الأحزاب: 50] .
ونصبت: (وَامْرَأَةً) بفعل يفسره ما قبله، أو عطف على ما سبق، والمعنى: أعلمناك حل امرأة مؤمنة تهب لك نفسها، ولا تطلب مهرًا 239.
أو أحللنا لك امرأة. والوصف بالمؤمنة قيد معتبر، فإن وهبت امرأة يهودية أو نصرانية أو مشركة نفسها، فإنه لا يحل للنبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوجها.
ومعنى: (وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ) أنها ملكته نفسها بدون مهر تمليكًا شبيهًا بملك اليمين؛ ولهذا عطفت على (وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ) وهذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم، فليس لغير النبي صلى الله عليه وسلم أن يستبيح وطء امرأة بلفظ الهبة من غير ولي ولا مهر ولا شاهد.
والمقصود بالإحلال في الآية الكريمة: الإذن العام، والتوسعة عليه صلى الله عليه وسلم في الزواج من هذه الأصناف، والإباحة له في أن يختار منهن من تقتضي الحكمة الزواج منها، واختصاصه صلى الله عليه وسلم بأمور كثيرة تتعلق بالنكاح، لا تحل لأحد سواه، وهذا منها 240.
وفي قوله: (إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ) إظهار في مقام الإضمار؛ لأن مقتضى الظاهر أن يقال: إن وهبت نفسها لك، والغرض من هذا إظهار ما في لفظ: (إِنْ) من تزكية فعل المرأة التي تهب نفسها بأنها راغبة لكرامة النبوة 241.
وقد ورد أن النسوة اللاتي وهبن أنفسهن للنبي صلى الله عليه وسلم أربع، هن: ميمونة بنت الحارث، وزينب بنت خزيمة الأنصارية الملقبة أم المساكين، وأم شريك بنت جابر الأسدية أو العامرية، وخولة بنت حكيم بنت الأوقص السلمية، فأما الأوليان فتزوجهما النبي صلى الله عليه وسلم، وهما من أمهات المؤمنين 242.
وقوله: (إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا) [الأحزاب: 50] .
جملة معترضة بين جملة (إِن وَهَبَتْ) وبين (خَالِصَةً) وليس مسوقًا للتقييد؛ إذ لا حاجة إلى ذكر إرادة نكاحها، فإن هذا معلوم من معنى الإباحة، وإنما جيء بهذا الشرط لدفع توهم أن يكون قبوله هبتها نفسها له واجبًا عليه كما كان عرف أهل الجاهلية 243.
ونلحظ في هذه الآية أنه توالى فيها شرطان: (إِن وَهَبَتْ) ، (إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ) وهذا كثير في القرآن، من ذلك قوله تعالى إخبارًا عن نوح عليه السلام أنه قال لقومه: (وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ ?) [هود: 34] .
وكقول موسى: (يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ) [يونس: 84] 244.
وفي كلتا حالتي الشرط الوارد على شرط يجعل جواب أحدهما محذوفًا، دل عليه المذكور، أو جواب أحدهما جوابًا للآخر على خلافٍ في ذلك 245.
والعدول عن الإضمار في قوله: (أَرَادَ النَّبِيُّ) بأن يقال: إن أراد أن يستنكحها لما في إظهار لفظ: (النَّبِيُّ) من التفخيم والتكريم. والسين والتاء في (يَسْتَنكِحَهَا) ليستا للطلب، بل هما لتأكيد الفعل كقول النابغة 246:
وهم قتلوا الطائي بالحجر عنوة
أبا جابر واستنكحوا أم جابر
أي: بنو حن قتلوا أبا جابر الطائي، فصارت أم جابر المزوجة بأبي جابر زوجة بني حن، أي زوجة رجل منهم، وهي مثل السين والتاء في قوله: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ) [آل عمران: 195] 247.
ودليل هذه الخصوصية قوله: (خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) فليس لامرأة أن تهب نفسها لرجل بغير شهود، ولا ولي، ولا مهر إلا النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا من خصائصه في النكاح، كالتخيير والعدد في النساء.
ولو تزوجها غيره بلفظ الهبة لم ينعقد النكاح، وقيل: إذا وهبت نفسها منه وقبلها بشهود ومهر، فإن النكاح ينعقد، والمهر يلزم به، فأجازوا النكاح بلفظ الهبة، وقالوا: كان اختصاص النبي صلى الله عليه وسلم في ترك المهر، والله تعالى قد سمى النكاح باسمين التزويج والنكاح، فلا ينعقد بغيرهما 248.
وقد جاء ما يدل على صحة العقد بدون إتيان الصداق، كما في قوله تعالى: لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ? [البقرة: 236] .
وقد ذكر الفقهاء حكم المفوضة أنه إن دخل بها فلها صداق المثل.
وانتصب (خَالِصَةً) على الحال من (وَامْرَأَةً) أي: خالصة لك تلك المرأة، أي: هذا الصنف من النساء، والخلوص بمعنى: عدم المشاركة، أي: مشاركة بقية الأمة في هذا الحكم؛ إذ مادة الخلوص تجمع معاني التجرد من المخالطة 249.