أولًا: اسمه ونسبه:
ذكر الله تعالى اسمه ونسبه في كتابه العزيز، فسماه المسيح عيسى، ونسبه إلى أمه مريم، ولم يزد على ذلك: {إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ} [آل عمران: 45] .
فهو إذًا: المسيح عيسى ابن مريم عبد الله ورسوله.
وعيسى: اسم علم، وهو اسم أعجمي غير منصرف، وهو عبراني أو سرياني 1.
ثانيًا: لقبه:
تسميته بالمسيح: التسمية بـ (المسيح) في حق عيسى عليه السلام على سبيل المدح، قالوا: وهو لقب من الألقاب المشرفة كالصديق والفاروق.
أما سبب تسميته بالمسيح:
قيل: أصله مشيحا بالعبرانية، ومعناه: المبارك.
وقيل: سمي عيسى عليه السلام مسيحًا؛ لأنه ما كان يمسح بيده ذا عاهة إلا برئ من مرضه.
وقيل: سمي مسيحًا؛ لأنه كان يمسح الأرض، أي: يقطعها.
وقيل: كان مسيحًا؛ لأنه كان يمسح رأس اليتامى لله تعالى.
وقيل: لأنه مسح من الأوزار والآثام.
وقيل: سمي مسيحًا؛ لأنه لم يكن في قدمه خمص 2، فكان ممسوح القدمين.
وقيل: سمي مسيحًا؛ لأنه كان ممسوحًا بدهن طاهر مبارك يمسح به الأنبياء ولا يمسح به غيرهم، ثم قالوا وهذا الدهن يجوز أن يكون الله تعالى جعله علامة حتى تعرف الملائكة أن كل من مسح به وقت الولادة فإنه يكون نبيًا.
وقيل: سمي مسيحًا؛ لأنه مسحه جبريل عليه السلام بجناحه وقت ولادته؛ ليكون ذلك صونًا له عن مس الشيطان 3.
ولما كانت العادة أن ينسب الأولاد إلى آبائهم، نسب عيسى عليه السلام إلى أمه ليكون ذلك دليلًا على براءتها، وأنه لا أب له في الحقيقة.
عيسى عليه السلام نبي الله ورسوله، فهو إذًا متصف بكل الصفات التي تؤهله لهذه المكانة العالية والمقام الرفيع.
أولًا: صفاته الخُلُقية:
-أنه معاذٌ من الشيطان الرجيم: (فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى? وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى? ? وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ?36?) آل عمران: 36، وقد مر بنا قوله صلى الله عليه وسلم: (ما من بني آدم مولود إلا يمسه الشيطان حين يولد، فيستهل صارخًا من مس الشيطان، غير مريم وابنها) ثم يقول أبو هريرة: (إِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) [آل عمران: 36] 4.
-الوجاهة: (إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) [آل عمران: 45] . والوجيه: ذو الوجاهة، وهي: القوة والمنعة، ووجاهته في الدنيا النبوة، وفي الآخرة الشفاعة وعلو الدرجة 5.
-القرب من الله تعالى: (وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) [آل عمران: 45] .
-أنه من الصالحين: (وَمِنَ الصَّالِحِينَ) [آل عمران: 46] .
-كلمة الله وروح منه: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ? إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى? مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ ?) [النساء: 171] . قال الشيخ المراغي رحمه الله: «وقد خص المسيح لإطلاق الكلمة عليه وإن كان كل شيء قد خلق بكلمة التكوين؛ لأنه لما فقد في تكوينه وعلوق أمه به ما جعله الله سببًا للعلوق في العادة، وهو تلقيح ماء الرجل لما في الرحم من البويضات التي يتكون منها الجنين أضيف إلى الله، وأطلقت الكلمة على هذا المكون إيذانا بذلك، بخلاف الأشياء الأخرى، فإنها تنسب في العرف إلى الأسباب العادية» 6.
-حكيمٌ: (? وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ) [المائدة: 110] ،وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى? بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ ? فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ [الزخرف: 63] .
-عنده علم الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَ?هَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ? قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ? إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ? تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ? إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ?116?) [الزخرف: 63] .
-موحد مخلص لله تعالى: (لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ? وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا) [المائدة: 116] . (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ? وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ? إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ? وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ?72?) [النساء: 172] .لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ? وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ? إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ? وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ?72?) [المائدة: 72] .
-مجاب الدعوة: (قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ ? وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ?114?قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ? فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ ?115?) [المائدة: 114 - 115] .
-اللين والرحمة: يدل عليه قوله: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ? وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ?118?) [المائدة:118] .
-مبارك: (وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ?31?) [مريم: 31] .
-بار بوالدته: (وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا ?32?) [مريم: 32] .
ثانيًا: صفاته الخَلْقية:
كان عيسى عليه السلام مربوع القامة، ليس بالطويل ولا بالقصير 7، أحمر اللون، آدم، جعد، سبط الرأس.
فعن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ورأيت عيسى رجلًا مربوعًا، مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض، سبط الرأس) 8.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (رأيت عيسى وموسى وإبراهيم، فأما عيسى فأحمر، جعد، عريض الصدر) 9.
وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وأراني الليلة عند الكعبة في المنام، فإذا رجل آدم، كأحسن ما يرى من أدم الرجال، تضرب لمته بين منكبيه، رجل الشعر، يقطر رأسه ماء، واضعًا يديه على منكبي رجلين وهو يطوف بالبيت، فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا المسيح ابن مريم) 10.
أما قوله: (أحمر) ، و (آدم) على الروايتين: الأحمر عند العرب: الشديد البياض مع الحمرة، والآدم: الأسمر، ويمكن الجمع بين الوصفين بأنه أحمر لونه بسبب كالتعب وهو في الأصل أسمر 11.
وقوله: (جعد) ، (سبط الرأس) : فصفة الجعودة هنا في الجسم لا في الشعر؛ لأنه وصف الشعر بالسبط، والسبط من الشعر المنبسط المسترسل، وهو ضد الجعد 12، وأما الجعد في الجسم فهو المجتمع الشديد 13.
وقد شبه النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين عروة بن مسعود رضي الله عنه، فعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (عرض علي الأنبياء، فإذا موسى ضرب من الرجال، كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى ابن مريم عليه السلام، فإذا أقرب من رأيت به شبهًا عروة بن مسعود) 14.
ورد ذكر عيسى عليه السلام في القرآن الكريم (25) مرة، في (11) سورة.
وأما قصته عليه السلام فقد وردت في السور الآتية:
السورة ... الآيات
آل عمران ... 45 - 62
النساء ... 157 - 159، 171 - 173
المائدة ... 46، 110 - 118
مريم ... 22 - 34
الزخرف ... 63 - 65
الصف ... 6، 14
أولًا: اسمها ونسبها:
ورد في القرآن انتساب مريم والدة عيسى إلى عمران عليهم السلام: (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ) [التحريم: 12] .
أبوها: هو عمران الرجل العابد الطاهر وهو من رؤوس بني إسرائيل وأحبارهم 15، يصل نسبه إلى النبي الكريم داود عليه السلام.
وأمها: هي حنة العابدة الطاهرة التي كرمها الله فأجاب دعوتها ورزقها بمريم.
وزوج أختها أو زوج خالتها «أشياع» هو زكريا النبي الكريم عليهم السلام جميعًا.
فلا ريب حينئذ أن يكون هذا البيت المبارك بيت آل عمران من البيوت القليلة المباركة التي حظيت بتشريف الله تعالى لها بقوله: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى? آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ?33?ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ ? وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ?34? [آل عمران: 33 - 34] .
ثانيًا: الحمل بمريم عليها السلام:
أشار الله تعالى لقصة حمل أم مريم بها ووضعها في قوله: (إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي ? إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ?35?فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى? وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى? ? وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ?36?) [آل عمران: 35 - 36] .
ثالثًا: الوضع والوفاء بالنذر:
لما حملت أم مريم عليهما السلام حررت ما في بطنها، وكانت لم تعلم بعد ما هو ذكر أم أنثى، والمحرر عندهم لا يعمل للدنيا ولا يتزوج ويتفرغ لعمل الآخرة ويعبد الله، فيجعل للمعبد يقوم بخدمته ولا يخرج منه 16، ولم يكن يحرر إلا الغلمان.
ثم مات عمران وحنة حامل بمريم، فلما وضعت إذ هي أنثى، فقالت عند ذلك: (فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى? وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى? ? وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ?36?) [آل عمران: 36] .
و (مريم) معناه: العابدة 17.
وقد استجاب الله دعاء أم مريم هذا كما أجابها حين اشتهت الحمل، فأعاذها مريم وابنها من الشيطان، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(ما من بني آدم مولود إلا يمسه الشيطان حين يولد، فيستهل صارخًا من مس الشيطان، غير مريم وابنها) ثم يقول أبو هريرة: (فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى? وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى? ? وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ?36?) [آل عمران: 36] 18.
رابعًا: مكانة مريم عليها السلام وفضلها:
لمريم عليها السلام مكانة كبيرة تمتاز بها عن سائر نساء العالمين، فقد وضع الله مريم بين أهل الصلاح والنقاء، فترعرعت ونشأت في جو إيماني طاهر عفيف، وقد بين الله تعالى فضلها ومكانتها في مواطن من كتابه، كما جاء ذلك على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن دلائله:
· قبول الله تعالى لها، وإنباتها نباتًا حسنًا. قال تعالى: (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا) [آل عمران:37] .
· إعاذتها وذريتها من الشيطان الرجيم. قال تعالى: (وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) [آل عمران: 36] .
· كفالة نبي الله زكريا عليه السلام لها بعد أن تنازع الأحبار العباد في حق رعايتها والقيام بشؤونها. قال تعالى: (ذَ?لِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ? وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ) [آل عمران: 44] ، فقد وضعتها أمها عند المسجد، فتنازعوا فيها، كل يريد أن يكفلها، فهي بنت (عمران) إمام من كبار أئمتهم، فقال زكريا عليه السلام: أنا أحق بها، وأراد أن يؤثرها لنفسه دونهم من أجل أن زوجته أخت أمها أو خالتها على القولين، فشاحوه في ذلك، وطلبوا أن يقترع معهم، فوقع الاقتراع على زكريا عليه السلام، فأخذها وكفلها: (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ?) [آل عمران: 37] . وضمها إلى زوجه أم يحيى، واسترضع لها حتى كبرت 19.
· عناية الله بها: فقد كان زكريا يدخل على مريم عليهما السلام فيجد عندها رزقًا لم يأتها به، فيسألها من أين لك هذا؟! فتقول: هو من عند الله، قال تعالى: (لَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا ? قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى? لَكِ هَ?ذَا ? قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ? إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) [آل عمران: 37] . وقد عد عدد من العلماء ذلك من باب الكرامات وخوارق العادات 20.
· اصطفاؤها وتطهيرها: (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى? نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ?42?ے) [آل عمران: 42] .
· إعانتها على طاعة الله، وإحصانها، وتشريفها بذلك: يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ [آل عمران: 43] وقال تعالى: (وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ) [الأنبياء: 91] وقال تعالى: (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ) [التحريم: 12] .
· حملها بعيسى عليه السلام وهو النبي الكريم المتصف بمعالي الصفات. قال تعالى: (إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) [آل عمران: 45] .
· انتساب ولدها إليها: فمريم هي الأنثى الوحيدة في الوجود كله التي اختصها الله من بين النساء، فنسب إليها ولدها وذلك في مواطن كثيرة من القرآن، منها قوله تعالى: وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ) [البقرة: 87] ، (اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ) [آل عمران: 45] . (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى? مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ ?) [النساء: 171] .
· جعلها وابنها عليهما السلام آية من آيات الله تعالى: (وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ) [الأنبياء: 91] . (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً) [المؤمنون: 50] .
· قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كمل من الرجال كثيرٌ، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام) 21.
· وعن علي رضي الله عنه: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (خير نسائها مريم ابنة عمران وخير نسائها خديجة) 22.
كان حمل مريم عليها السلام معجزة لم يكتب لها التكرار، فقد أراد الله تعالى لمريم البتول الطاهرة أن تحمل بابنها عيسى عليه السلام، هذا الحمل الذي هو معجزة كبرى وآية عظمى على قدرته جل جلاله، وهو بيان لمكانة هذه الطاهرة القانتة.
بين الله تعالى هذه القصة الغريبة، والمعجزة الباهرة في كتابه تعالى فقال: {إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46) قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (47) } [آل عمران: 45 - 47] .
وقال: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (16) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (17) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (18) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (19) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (21) فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (22) } [مريم: 16 - 22] .
إذًا فمريم قد حملت، وكان حملها بغير زواج وهي التقية النقية، بل كان من غير أن يمسها بشر أيًا كان، فقد أرسل الله تعالى إليها ملائكة تبشرها بهذه البشارة: الحمل بولد هو كلمة الله تعالى، واسمه: عيسى ابن مريم، وهذا الولد له الكثير من الميزات والخصائص التي انفرد بها عمن سواه، فكانت ردة فعلها وهي الطاهرة النقية البتول العذراء أن تساءلت كيف لها أن تحمل ولم يمسسها بشر، فأخبرت بأن هذه هي إرادة الله تعالى، وأن هذا الأمر هين على الله تعالى، وهو أمر قد قضاه وتكفل به، فما كان للطائعة القانتة إلا الاستسلام.
والملك المرسل إلى مريم هو جبريل -عند أكثر المفسرين- وقد تمثل لها على هيئة بشر سوي، فخافت مريم واستعاذت بالله منه ظانة به ظن سوء، لكنه أخبرها بأنه رسول من الله، كلف ببشارتها بأن الله سيهب لها غلامًا ذكر اسمه وصفته، فوصفه بأجمل الصفات وأثنى عليه عظيم الثناء 23.
أما عن كيفية الحمل فقد نفخ فيها نفخة فحملت بإذن الله، قال تعالى: {وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (91) } [الأنبياء: 91] .
{وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} [التحريم: 12] .
قال الرازي رحمه الله: ذكر الله تعالى أمر النفخ في آيات فقال: {فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا} [التحريم: 12] .
أي: في عيسى عليه السلام، كما قال لآدم عليه السلام: {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي} [الحجر: 29] .
وقال: {فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا} [الأنبياء: 91] لأن عيسى عليه السلام كان في بطنها.
واختلفوا في النافخ فقال بعضهم: كان النفخ من الله تعالى لقوله: {فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا} [التحريم: 12] .
وظاهره يفيد أن النافخ هو الله تعالى؛ لقوله تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59) } [آل عمران: 59] .
ومقتضى التشبيه حصول المشابهة إلا فيما أخرجه الدليل، وفي حق آدم النافخ هو الله تعالى؛ لقوله تعالى: {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي} [الحجر: 29] فكذا هاهنا.
وقال آخرون: النافخ هو جبريل عليه السلام؛ لأن الظاهر من قول جبريل عليه السلام: {لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (19) } [مريم: 19] أنه أمر أن يكون من قبله حتى يحصل الحمل لمريم عليها السلام، فلا بد من إحالة النفخ إليه 24.
واختلفوا في كيفية النفخ، هل نفخ الله في درعها؟ هل نفث الله في جيبها؟
وقد كفانا الله مؤونة البحث بقوله: {قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (21) } [مريم: 21] .
قال الشيخ محمد عبده رحمه الله: «أعلم أن الكافرين بآيات الله ينكرون الحمل بعيسى من غير أب جمودًا على العادات، وذهولًا عن كيفية ابتداء خلق جميع المخلوقات، ولو كان لهم دليل عقلي على استحالة ذلك لكانوا معذورين، ولكن لا دليل لهم إلا أن هذا غير معتاد، وهم في كل يوم يرون من شؤون الكون ما لم يكن معتادًا من قبل، فمنه ما يعرفون به سببًا ويعبرون عنه بالاكتشاف والاختراع، ومنه ما لا يعرفون له سببًا ويعبرون عنه بفلتات الطبيعة.
ونحن نرى علماء الغرب وفلاسفته متفقين على إمكان التولد الذاتي، أي: تولد الحيوان من غير حيوان، أو من الجماد، وهم يبحثون ويحاولون أن يصلوا إلى ذلك بتجاربهم، وإذا كان تولد الحيوان من الجماد جائزًا فتولد الحيوان من حيوان واحد أولى بالجواز وأقرب إلى الحصول.
نعم إنه خلاف الأصل، وأن كونه جائزا لا يقتضي وقوعه بالفعل، ونحن نستدل على وقوعه بالفعل بخبر الوحي الذي قام الدليل على صدقه.
إذا تمهد هذا فنقول: إن الله المسخر للأرواح المنبثة في الكائنات، وقد أرسل روحًا من عنده إلى مريم، فتمثل لها بشرًا، ونفخ فيها، فأحدثت نفخته التلقيح في رحمها، فحملت بعيسى عليه السلام» 25.
وصدق الشيخ رحمه الله، فالاستنساخ المعروف اليوم دليل إلى ما ذهب إليه من إمكان حصول الشيء المخالف للعادة، والبعيد عن التصور.
قال الله جل جلاله: {فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (23) فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (26) } [مريم: 23 - 26] .
{وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (50) } [المؤمنون: 50] .
لما انتهت مدة الحمل أحست مريم عليها السلام ألم الوضع، فاحتضنت جذع النخلة لشدة ما تجد من الألم، وتمنت الموت حينئذ لما توقعته من أذى قومها، (وأنها ستبتلى وتمتحن بهذا المولود الذي لا يحمل الناس أمرها فيه على السداد، ولا يصدقونها في خبرها، وبعدما كانت عندهم عابدة ناسكة، تصبح عندهم -فيما يظنون- عاهرة زانية) 26، فجاءها صوت من تحتها يطمئنها، ويطلب منها ألا تحزن، وأمرت بهز جذع النخلة والأكل مما فيها من الرطب، والشرب من جدول الماء، وعلمت طريقة التصرف إن رآها بشر أو تعرض لها أحد، فقد أمرت بالصوم عن الكلام.
والذي نادى مريم من تحتها: قيل: هو جبريل عليه السلام. وقيل: بل عيسى عليه السلام أنطقه لها حين وضعته تطييبًا لقلبها، وإزالة للوحشة عنها؛ حتى تشاهد في أول الأمر ما بشرها به جبريل عليه السلام من علو شأن ذلك الولد 27، وأيًّا كان فالقصد منه طمأنتها وإيناسها.
ومكان الربوة مكان ولادة عيسى عليه السلام قيل: الغوطة بدمشق. وهذا أشهر الأقوال؛ لأن صفة الغوطة أنها ذات قرار ومعين على الكمال، وقيل: هي الرملة من فلسطين. وقيل: بأرض مصر. وقيل: الربوة بيت المقدس. ويترجح أن الربوة بيت لحم وهي قرية قريبة من بيت المقدس؛ لأن ولادة عيسى هنالك كانت، وحينئذ كان الإيواء 28.
أما الصوم: فالمقصود به الصمت، صيانةً لها عن الكلام مع المتهمين لها؛ ولأن عيسى عليه السلام تكلم عنها 29.
وأما حكمة خلق عيسى عليه السلام بلا أب فقد قال الشنقيطي رحمه الله: «من حكم خلقه عيسى من امرأة بغير زوج؛ ليجعل ذلك آية للناس، أي: علامة دالة على كمال قدرته، وأنه تعالى يخلق ما يشاء كيف يشاء، إن شاء خلقه من أنثى بدون ذكر كما فعل بعيسى، وإن شاء خلقه من ذكر بدون أنثى كما فعل بحواء، وإن شاء خلقه بدون الذكر والأنثى معًا كما فعل بآدم، وإن شاء خلقه من ذكر وأنثى كما فعل بسائر بني آدم، فسبحان الله العظيم القادر على كل شيء» 30.