فهرس الكتاب

الصفحة 1708 من 2431

مقدر فيه مضاف، أي: مثل ما وصى به نوحا، أو هو بتقدير كاف التشبيه على طريقة التشبيه البليغ مبالغة في شدة المماثلة حتى صار المثل كأنه عين مثله، والمراد: المماثلة في أصول الدين مما يجب لله تعالى من الصفات، وفي أصول الشريعة من كليات التشريع، وأعظمها توحيد الله، ثم ما بعده من الكليات الخمس الضروريات، ثم الحاجيات التي لا يستقيم نظام البشر بدونها، فإن كل ما اشتملت عليه الأديان المذكورة من هذا النوع قد أودع مثله في دين الإسلام.

فالأديان السابقة كانت تأمر بالتوحيد، والإيمان بالبعث والحياة الآخرة، وتقوى الله بامتثال أمره واجتناب منهيه على العموم، وبمكارم الأخلاق بحسب المعروف، وتختلف في تفاصيل ذلك وتفاريعه، ودين الإسلام لم يخل عن تلك الأصول وإن خالفها في التفاريع تضييقا وتوسيعا، وامتازت هذه الشريعة بتعليل الأحكام وسد الذرائع والأمر بالنظر في الأدلة وبرفع الحرج وبالسماحة وبشدة الاتصال بالفطرة، ثم بين الله تعالى وصيته لجميع أنبيائه، فقال سبحانه: {أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى:13] .

والمراد: إقامة دين الإسلام الذي هو توحيد الله وطاعته، والإيمان برسله وكتبه، وبيوم الجزاء، وسائر ما يكون الرجل بإقامته مسلما، ولم يرد الشرائع التي هي مصالح الأمم على حسب أحوالها، فإنها مختلفة متفاوتة.

قال جل وعلا: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة:48] .

ونحوه قوله تعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92) } [الأنبياء:92] 24.

وفي هذه الآيات: أن جميع الأديان وصايا الله إلى خلقه، وأن دين الإسلام هو دين جميع الأنبياء السابقين بلا استثناء، وأنه لا يخالف هذه الشرائع المسماة، وأن اتباعه يأتي بما أتت به من خير الدنيا والآخرة، وفيه إشارة إلى أهل الكتاب من اليهود والنصارى باتباعه، والتعريض بالكفار الذين أعرضوا عنه.

فهذه هي أصول الدين التي بينتها الآيات والتي هي عقيدة كل الأنبياء والرسل عليهم السلام، وهذه العقيدة هي التي بينها النبي صلى الله عليه وسلم، كما جاء من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: (خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا، ثم قال:(هذا سبيل الله) ، ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله، ثم قال: (هذه سبل) - قال يزيد: متفرقة - على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه)، ثم قرأ: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام:153] ) 2526.

قال سيد قطب: «لقد كانت المعركة الأولى التي خاضها الإسلام ليقرر وجوده هي معركة الحاكمية وتقرير لمن تكون، لذلك خاضها وهو في مكة، خاضها وهو ينشئ العقيدة، ولا يتعرض للنظام والشريعة، خاضها ليثبت في الضمير أن الحاكمية لله وحده لا يدعيها لنفسه مسلم ولا يقر مدعيها على دعواه مسلم.

فلما أن رسخت هذه العقيدة في نفوس العصبة المسلمة في مكة، يسر الله لهم مزاولتها الواقعية في المدينة، فلينظر المتحمسون لهذا الدين ما هم فيه وما يجب أن يكون، بعد أن يدركوا المفهوم الحقيقي لهذا الدين، إن وجود هذا الدين هو وجود حاكمية الله، فإذا انتفى هذا الأصل انتفى وجود هذا الدين.

وإن مشكلة هذا الدين في الأرض اليوم، لهي قيام الطواغيت التي تعتدي على ألوهية الله، وتغتصب سلطانه، وتجعل لأنفسها حق التشريع بالإباحة والمنع في الأنفس والأموال والأولاد، وهي هي المشكلة التي كان يواجهها القرآن الكريم بهذا الحشد من المؤثرات والمقررات والبيانات، ويربطها بقضية الألوهية والعبودية، ويجعلها مناط الإيمان أو الكفر، وميزان الجاهلية أو الإسلام» 27.

ثانيًا: أمور العبادات:

ولقد وصى القرآن الكريم بإقامة العبادات.

قال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (13) } [الشورى:13] .

بينت هذه الآية الكريمة أن من وصية الله تعالى لجميع الأمم والرسل إقامة الدين بكليته، والعبادات من صلاة وصيام وزكاة وغيرها هي من الدين الذي وصى الله تعالى عباده بإقامتها والمواظبة عليها، فمن ترك هذه العبادات من صلاة وصيام وزكاة وغيرها من العبادات فهو من الذين تركوا وصية الله تعالى بإقامة الدين، بل إن هذه العبادات تعد من أصول الدين وتاركها متعمدا كافر بهذا الدين الذي أمر الله تعالى بإقامته.

قال ابن عباس ومجاهد: «لم يبعث الله نبيا قط إلا وصاه بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والإقرار لله بالطاعة، فذلك دينه الذي شرع لهم» .

ووصى الله تعالى إبراهيم وإسماعيل بإقامة العبادات، قال تعالى: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة:125] .

العهد أصله الوعد المؤكد، فإذا عدي بإلى كان بمعنى الوصية المؤكد على الموصى العمل بها فعهد هنا بمعنى أرسل عهدا إليه أي أرسل إليه يأخذ منهم عهدا، فالمعنى وأوصينا إلى إبراهيم وإسماعيل بتطهير البيت من كل رجس معنوي كالشرك بالله وعبادة الأصنام، أو رجس حسي كاللغو والرفث والتنازع فيه، حين أداء العبادات كالطواف به والسعي بين الصفا والمروة والعكوف فيه والركوع والسجود، وسماه الله بيته لأنه جعله معبدا للعبادة الصحيحة، وأمر المصلين بأن يتوجهوا في عبادتهم إليه 28.

والصلاة والزكاة، أول ما نطق به عيسى عليه السلام في المهد إذ قال: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) } [مريم:31] .

يعنى: أمرني بالمحافظة على حدود الصلاة وإقامتها على ما فرضها علي، فإن قيل: كيف يؤمر بالصلاة والزكاة، في حال طفوليته وقد جاء من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال صلى الله عليه وسلم: (رفع القلم عن ثلاث الصبي حتى يبلغ) 29.

والجواب: إن قوله: {وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ} لا يدل على أنه تعالى أوصاه بأدائهما في الحال، بل المراد أوصاه بأدائهما في الوقت المعين لهما وهو البلوغ، وقيل: إن الله تعالى صيره حين انفصل عن أمه بالغا عاقلا، وهذا القول أظهر في سياق قوله: {مَا دُمْتُ حَيًّا} [مريم:31] .

فإنه يفيد أن هذا التكليف متوجه إليه في زمان جميع حياته حين كان في الأرض، وحين رفع إلى السماء وحين ينزل الأرض بعد رفعه، وفي الزكاة معنيان: أحدهما: زكاة الأموال أن يؤديها، والآخر: تطهير الجسد من دنس الذنوب، فيكون معناه: وأوصاني بترك الذنوب واجتناب المعاصي 30.

ثالثًا: أمور التشريع:

جعل الله تعالى لكل أهل ملة شريعة ومنهاجا، فلأهل التوراة شريعة، ولأهل الإنجيل شريعة، ولأهل القرآن شريعة، يحل فيها ما يشاء ويحرم ما يشاء، والدين واحد والشرائع مختلفة.

قال تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة:48] 31.

ومن التشريعات الدينية التي وصى الله تعالى بها: قوله تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) } [الأنعام:151] .

بينت هذه الآية الكريمة أن من وصية الله تعالى لجميع الأمم التوحيد والإخلاص في العبادة وطاعة الوالدين واجتناب الفواحش، والاهتمام بحقوق اليتيم، والعدل في القول مع القريب والبعيد، والعدل في البيع، وجاءت الوصية الرابعة في قوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ} [الأنعام:151] .

نهي عن كل الأخلاق القبيحة والقذرة التي تدمر الروابط والعلاقات الأسرية والاجتماعية، والفواحش: جمع فاحشة، وهي: ما عظم قبحه من الأقوال والأفعال، يقال: فحش فلان، أي: صار فاحشًا مرتكبًا للقبائح، والمتفحش هو الذي يأتي بالفحش من القول أو الفعل، كالسرقة والزنا والنميمة وشهادة الزور، وقد تعلق التحريم والنهى بهذا الوصف الذي يشعر بالعلة- كما يقول علماء الأصول- فكأنه قال: إن كل قول أو فعل تستقبحه العقول فهو فاحشة يجب البعد عنها، وحمل لفظ الفواحش على العموم في جميع الفواحش المحرمات والمنهيات فيدخل فيه الزنا وغيره؛ لأن المعنى الموجب لهذا النهي هو كونه فاحشة.

فحمل اللفظ على العموم أولى من تخصيصه بنوع من الفواحش، وأيضًا فإن السبب إذا كان خاصًّا لا يمنع من حمل اللفظ على العموم.

وفي قوله: {مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} دقيقة، وهي أن الإنسان إذا احترز عن المعاصي في الظاهر ولم يحترز منها في الباطن دل ذلك على أن احترازه عنها ليس لأجل عبودية الله وطاعته فيما أمر به أو نهى عنه، ولكن لأجل الخوف من رؤية الناس ومذمتهم، ومن كان كذلك استحق العقاب.

ومن ترك المعصية ظاهرًا وباطنًا؛ لأجل خوف الله وتعظيمًا لأمره، استوجب رضوان الله وثوابه، وقد نهى عن القرب منها، وهو أبلغ في التحذير من النهي عن ملابستها: لأن القرب من الشيء مظنة الوقوع فيه، ولما لم يكن للإثم قرب وبعد كان القرب مرادا به الكناية عن ملابسة الإثم أقل ملابسة، لأنه من المتعارف أن يقال ذلك في الأمور المستقرة في الأمكنة إذا قيل لا تقرب منها فهم النهي عن القرب منها ليكون النهي عن ملابستها بالأحرى، فلما تعذر المعنى المطابقي هنا تعينت إرادة المعنى الالتزامي بأبلغ وجه 32.

وفي الآية: إن القاعدة التي يقوم عليها المجتمع قاعدة النظافة والطهارة والعفة والأخلاق، فنهاهم الله تعالى عن الفواحش ظاهرها وخافيها؛ لأنه لا يمكن قيام أمة، ولا استقامة مجتمع، ولا أسرة في وحل الفواحش ما ظهر منها وما بطن، إنه لا بد من طهارة ونظافة وعفة لتقوم الأسرة وليقوم المجتمع.

والذين يحبون أن تشيع الفاحشة هم الذين يحبون أن تتزعزع قوائم الأسرة وأن ينهار المجتمع، والجماعة التي تشيع فيها الفاحشة جماعة ميتة، منتهية حتمًا إلى الدمار، والحضارة الإغريقية والحضارة الرومانية والحضارة الفارسية، شواهد من التاريخ، ومقدمات الدمار والانهيار في الحضارة الغربية تنبئ بالمصير المرتقب لأمم ينخر فيها كل هذا الفساد، والمجتمع الذي تشيع فيه المقاتل والثارات، مجتمع مهدد بالدمار، ومن ثم يجعل الإسلام عقوبة هذه الجرائم هي أقسى العقوبات، لأنه يريد حماية مجتمعه من عوامل الدمار 33.

ومن التشريعات الدينية الإحسان للوالدين، قال تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الأنعام:151] .

وقال سبحانه: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8) } [العنكبوت:8] .

وقال جل وعلا: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) } [لقمان:14] .

وقال عز من قائل: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15) } [الأحقاف:15] .

وصى الله تعالى الإنسان بالإحسان إلى والديه والحنو عليهما، والبر بهما في حياتهما وبعد مماتهما، لما لهما عليه من حق التربية والإنعام، وإذا لم يحسن الإنسان حرمة من هو من جنسه فهو عن حسن مراعاة سيده أبعد، ورعاية حق الوالد من حيث الاحترام، ورعاية حق الأم من حيث الشفقة والإكرام.

وذكره جل وعلا بر الوالدين مقرونا بتوحيده جل وعلا في عبادته، يدل على شدة تأكد وجوب بر الوالدين، والحسن: مصدر حسن، أي: وصيناه بحسن المعاملة، والكره: أي كان حمله مكروها لها، أي حالة حمله وولادته لذلك، وانتصب كرها على الحال، أي كارهة أو ذات كره.

والمعنى: أنها حملته في بطنها متعبة من حمله تعبا يجعلها كارهة لأحوال ذلك الحمل، ووضعته بأوجاع وآلام جعلتها كارهة لوضعه، وفي ذلك الحمل والوضع فائدة له هي فائدة وجوده الذي هو كمال حال الممكن وما ترتب على وجوده من الإيمان والعمل الصالح الذي به حصول النعم الخالدة، والفصال: الفطام.

وذكر الفصال لأنه انتهاء مدة الرضاع، فذكر مبدأ مدة الحمل بقوله: {وَحَمْلُهُ} وانتهاء الرضاع بقوله: {وَفِصَالُهُ} .

والمعنى: وحمله وفصاله بينهما ثلاثون شهرًا، ومن بديع معنى الآية جمع مدة الحمل إلى الفصال في ثلاثين شهرا لتطابق مختلف مدد الحمل، إذ قد يكون الحمل ستة أشهر وسبعة أشهر وثمانية أشهر وتسعة وهو الغالب، قيل: كانوا إذا كان حمل المرأة تسعة أشهر وهو الغالب أرضعت المولود أحد وعشرين شهرا، وإذا كان الحمل ثمانية أشهر أرضعت اثنين وعشرين شهرا، وإذا كان الحمل سبعة أشهر أرضعت ثلاثة وعشرين شهرا، وإذا كان الحمل ستة أشهر أرضعت أربعة وعشرين شهرا، وذلك أقصى أمد الإرضاع فعوضوا عن نقص كل شهر من مدة الحمل شهرا زائدا في الإرضاع؛ لأن نقصان مدة الحمل يؤثر في الطفل هزالا.

ومن بديع هذا الطي في الآية أنها صالحة للدلالة على أن مدة الحمل قد تكون دون تسعة أشهر ولولا أنها تكون دون تسعة أشهر لحددته بتسعة أشهر؛ لأن الغرض إظهار حق الأم في البر بما تحملته من مشقة الحمل، فإن مشقة مدة الحمل أشد من مشقة الإرضاع، فلولا قصد الإيماء إلى هذه الدلالة لكان التحديد بتسعة أشهر أجدر بالمقام.

وقد جعل علي بن أبي طالب رضي الله عنه هذه الآية مع قوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} [البقرة:233] . دليلًا على أن الوضع قد يكون لستة أشهر، ورووا عن معمر بن عبد الله الجهني قال: (تزوج رجل منا امرأة من جهينة فولدت لتمام ستة أشهر فانطلق زوجها إلى عثمان بن عفان فذكر له فبعث إليها عثمان، فلما أتي بها أمر برجمها، فبلغ ذلك عليا فأتاه، فقال: أما تقرأ القرآن؟ قال: بلى. قال: أما سمعت قوله: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} ، وقال: {حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} فلم نجده بقي إلا ستة أشهر، فرجع عثمان إلى ذلك) 34.

وهو استدلال بني على اعتبار أن شمول الصور النادرة التي يحتملها لفظ القرآن هو اللائق بكلام علام الغيوب الذي أنزله تبيانا لكل شيء من مثل هذا، ووعد الله على بر الوالدين قبول الطاعة بقوله جل ذكره: {أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (16) } [الأحقاف:16] .

فقبول الطاعة وغفران الزلة مشروطان ببر الوالدين، وسبيل العبد في رعاية حق الوالدين أن يصلح ما بينه وبين الله، فحينئذ يصلح ما بينه وبين غيره على العموم، وأهله على الخصوص، وشر خصال الولد في رعاية حق والديه أن يتبرم بطول حياتهما، ويتأذى بما يحفظ من حقهما، فبر الوالدين أعظم ما يتقرب به إلى الله جل ذكره، وعقوقهما من أعظم الكبائر المهلكات، وبينه الله عز وجل بقوله تعالى: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء:23] .

فنهى الله عز وجل الولد أن يقول أف إذا شم منهما رائحة يكرهها، فالنهي لما فوق ذلك أعظم، وهذا باب مختصر في الحض على بر الوالدين 35.

ومن التشريعات الدينية إعطاء الوالدين والأقربين حقهم من المال، قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180) } [البقرة:180] .

بينت هذه الآية حكم المال بعد موت صاحبه، وكان هذا أول تشريع في المال، وكانت عادة العرب في الجاهلية أن الميت إذا كان له ولد أو أولاد ذكور استأثروا بماله كله، وإن لم يكن له ولد ذكر استأثر بماله أقرب الذكور له من أب أو عم أو ابن عم الأدنين فالأدنين، وكان صاحب المال ربما أوصى ببعض ماله أو بجميعه لبعض أولاده أو قرابته أو أصدقائه، فلما استقر المسلمون بدار الهجرة واختصوا بجماعتهم شرع الله لهم تشريك بعض القرابة في أموالهم ممن كانوا قد يهملون توريثه من البنات والأخوات والوالدين في حال وجود البنين ولذلك لم يذكر الأبناء في هذه الآية، ولم يفتتح بـ (يا أيها الذين آمنوا) لأن الوصية كانت معروفة قبل الإسلام، فلم يكن شرعها إحداث شيء غير معروف، لذلك لا يحتاج فيها إلى مزيد تنبيه لتلقي الحكم.

وكان السبب في نزول هذه الآية: أن أهل الجاهلية كانوا يوصون بما لهم للبعداء رياءً وسمعةً، فصرف الله تعالى بهذه الآية ما كان يصرف إلى البعداء إلى الأهل والأقرباء، والخير ههنا المال قليلًا كان أو كثيرًا، وقال بعض الناس: الخير لا يتناول إلا الكثير، والخير قد ورد في القرآن بمعنى المال، قال تعالى: {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ} [البقرة:272] .

وقال تعالى: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (8) } [العاديات:8] .

وقيل: إن المال كما يكون خيرا قد يكون شرًا، لكن جعل الله تعالى ههنا خيرًا تنبيهًا على أن الوصية يستحب في المال الطيب دون الخبيث والمغصوب، فإن ذلك يجب رده إلي أربابه ومما تم بالوصية فقط، ثم بين الله تعالى قدر هذه الوصية في قوله: {بِالْمَعْرُوفِ} .

والمعروف الفعل الذي تألفه العقول ولا تنكره النفوس، فهو الشيء المحبوب المرضي، سمي معروفا؛ لأنه لكثرة تداوله والتأنس به صار معروفا بين الناس، وضده يسمى المنكر، والمراد بالمعروف هنا العدل الذي لا مضارة فيه ولا يحدث منه تحاسد بين الأقارب؛ بأن ينظر الموصي في ترجيح من هو الأولى بأن يوصي إليه لقوة قرابة أو شدة حاجة، فإنه إن توخى ذلك استحسن فعله الناس ولم يلوموه، ومن المعروف في الوصية ألا تكون للإضرار بوارث أو زوج أو قريب، ووكل ذلك إلى نظر الموصي فهو مؤتمن على ترجيح من هو أهل للترجيح في العطاء كما أشار إليه قوله تعالى: {حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة:180] .

وخص هذا الحق بالمتقين ترغيبا في الرضى به؛ لأن ما كان من شأن المتقي فهو أمر نفيس فليس في الآية دليل على أن هذا الوجوب على المتقين دون غيرهم من العصاة، بل معناه أن هذا الحكم هو من التقوى وأن غيره معصية، وخص المتقون بالذكر تشريفا للرتبة ليتبارى الناس إليها، وخص الوالدين والأقربين لأنهم مظنة النسيان من الموصي، لأنهم كانوا يورثون الأولاد أو يوصون لسادة القبيلة، وقدم الوالدين للدلالة على أنهما أرجح في التبدية بالوصية، وكانوا قد يوصون بإيثار بعض أولادهم على بعض أو يوصون بكيفية توزيع أموالهم على أولادهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت