فهرس الكتاب

الصفحة 1707 من 2431

الوصية

أولًا: المعنى اللغوي:

الوصية لغةً: الإيصال، مأخوذة من وصيت الشيء أصيه إذا وصلته، وسميت الوصية وصية؛ لأن الميت لما أوصى بها وصل ما كان فيه من أمر حياته بما بعده من أمر مماته 1.

قال ابن فارس: « (وصى) الواو والصاد والحرف المعتل: أصل يدل على وصل شيء بشيء، ووصيت الشيء: وصلته، ويقال: وطئنا أرضا واصية، أي: إن نبتها متصل قد امتلأت منه، ووصيت الليلة باليوم: وصلتها، وذلك في عمل تعمله، والوصية من هذا القياس، كأنه كلام يوصى أي: يوصل، يقال: وصيته توصية، وأوصيته إيصاء» 2.

والخلاصة: أن الوصية في اللغة، طلب فعل الشيء بعد موت الموصي، أو هي العهد بفعل الشيء بعد الموت، وهي مشتقة من الوصل وهي إيصال خير الدنيا بخير الآخرة.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

أن الوصية لها معنيان:

الأول: عهد خاص مضاف إلى ما بعد الموت، وقد يصحبه التبرع.

والثاني: ما يقع به الزجر عن المنهيات والحث على المأمورات، وهو ما يعهد إلى الإنسان أن يعمله من خير أو ترك شر بما يرجى تأثيره.

قال الراغب: الوصية: التقدم إلى الغير بما يعمل به مقترنًا بوعظ 3.

والمتدبر في المعنيين يجد اتصالًا بينهما، حيث إن المعنى الاصطلاحي يعني: التقدم إلى الغير بما يعمل به مقترنًا بوعظ، وهذا مرتبط بمعنى الوصية في اللغة، فيعطي معنى قوة الارتباط والاتصال لخير الدنيا بالآخرة.

وردت مادة (وصي) في القرآن الكريم (32) مرة، يخص موضوع الميثاق منها (26) مرة 4.

والصيغ التي وردت، هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 12 ... {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132) } [البقرة:132]

الفعل المضارع ... 5 ... {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ} [النساء:12]

اسم الفاعل ... 1 ... {فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (182) } [البقرة:182]

المصدر ... 8 ... {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة:180]

وجاءت الوصية في الاستعمال القرآني بمعناها اللغوي، وهو: التقدم إلى الغير بما يعمل به مقترنًا بوعظ 5.

النذر:

النذر لغةً:

ما يقدمه المرء لربه، أو يوجبه على نفسه من صدقة أو عبادة أو نحوهما، وما كان وعدًا على شرط، فعلي إن شفى الله مريضي كذا نذر 6.

النذر اصطلاحًا:

أن توجب على نفسك ما ليس بواجب 7.

الصلة بين الوصية والنذر:

أن كليهما قربة، لكن الوصية يجوز الرجوع عنها والنذر لا يجوز الرجوع عنه.

الهبة:

الهبة لغةً:

العطية الخالية عن الأعواض والأغراض 8.

الهبة اصطلاحًا:

تمليك المال بغير عوض 9.

الصلة بين الوصية والهبة:

أن كلا من الوصية والهبة تمليك، لكن الوصية بعد الموت والهبة حال الحياة 10.

الوقف:

الوقف لغةً:

الحبس، قال ابن فارس: «وقف: الواو والقاف والفاء: أصل واحد يدل على تمكث في شيء ثم يقاس عليه» 11.

الوقف اصطلاحًا:

حبس العين على ملك الواقف أو على ملك الله تعالى 12.

الصلة بين الوصية والوقف:

أن كليهما تبرع، لكنهما يفترقان في أن الوصية تكون بعد الموت وقد تكون بالعين، وقد تكون بالمنفعة، أما الوقف فهو تبرع في حال الحياة وبالمنفعة فقط 13.

المواريث:

المواريث لغةً:

جمع ميراث، وهو المال المخلف عن الميت، ولفظ ميراث يطلق في اللغة العربية على معنيين: أحدهما: البقاء، وثانيهما: انتقال الشيء من قوم إلى آخرين 14.

الميراث اصطلاحًا:

عند الجمهور: ما تركه الميت من أموال وحقوق، وعند الحنفية: هي ما تركه الميت من الأموال صافيا عن تعلق حق الغير بعين من الأموال، فالأصل عند الحنفية: أن الحقوق لا يورث منها إلا ما كان تابعًا للمال أو في معنى المال، كحق التعلي وحقوق الارتفاق، أما حق الخيار وحق الشفعة وحق الانتفاع بالعين الموصى بها فلا تورث عند الحنفية، ويدخل في التركة اتفاقا الدية الواجبة بالقتل الخطأ أو بالصلح عن العمد أو بانقلاب القصاص مالا بعفو بعض الأولياء فتقضى منه ديون الميت وتنفذ وصاياه 15.

الصلة بين الوصية والميراث:

أن الوصية قد تكون حقًا واجبًا مثل الدين، وقد تكون تبرعًا بإرادة الموصي، والميراث حق واجب في مال الموروث وبغير إرادته، والوصية عطية من المالك، والميراث عطية من الله تعالى 16.

أجمع العلماء على أنها واجبة على من عنده ودائع وعليه ديون أو نحوها، وأكثر العلماء على أن الوصية غير واجبة على من ليس عليه شيء من ذلك، موسرًا كان الموصي أو فقيرًا، وقالت طائفة: الوصية واجبة على ظاهر القرآن 17.

الموصي

لقد ذكر القرآن الكريم وصايا ربنا جل وعلا، ووصايا الأنبياء والرسل، ووصية المؤمن لوالده ولولده، ووصيته في ماله، وسنتناول ذلك فيما يأتي:

أولًا: الله جل جلاله:

الوصية من الله عز وجل: هي ما عهد إلى العباد أن يعملوه، من فعل خير، أو ترك شر، وكلمة وصية تشعر المتلقي لها بحب الموصي للموصى.

فالله جل جلاله يحب عباده، ويحب لهم الخير، ويكره لهم الشر، ولذلك وصاهم بهذه الوصايا الجليلة العظيمة، وما دام الله تعالى هو الموصي فمعنى ذلك أنها افتراض، والوصية من الله تعالى لا تكون إلا للأمور المهمة التي لا تستقيم الحياة إلا بالقيام بها، وهي في أمهات المسائل التي لا يصح أن نغفلها، والتوصية تخصيص للتشريع؛ لأن التشريع يعم أحكامًا كثيرة جدا، ولكن الوصية التي يوصي الله بها تكون هي عيون التشريع، ولقد وصى الله تعالى عباده بوصايا جليلة تشمل خير الدنيا والآخرة.

قال تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153) } [الأنعام:151 - 153] .

إن الله تعالى رحيم بنا يوصينا بأحسن الوصايا التي تنفعنا في الدنيا والآخرة، وأول وصية وصانا الله تعالى بها هي ألا نشرك به شيئا، ثم وصى بواجب الإنسان تجاه والديه وأقاربه والمساكين وأبناء السبيل والأيتام من بر وقول معروف وحفظ حق، ثم واجب الاعتدال والقصد في حالة اليسر وعدم التبرم بأحداث الحياة وضيق المعيشة وكثرة الولد في حالة الفقر والعسر.

ثم واجب احترام أعراض الناس ودمائهم وعهودهم وأسرارهم واجتناب الإثم والفحش والبغي والكبر والخيلاء والتصدي للأمور بدون علم وبينة وفائدة بأسلوب قوي محكم الحلقات، وجاءت هذه الوصايا بصيغة الأوامر والنواهي والوصايا والإلزام والتنبيه، وهي من هذه الناحية أجمع وأقوى جوامع القرآن في صدد الأخلاق الدينية والاجتماعية والشخصية التي من شأنها أن تكفل رضاء الله وعنايته، وأن تحفظ الناس من الشرور والمهالك، وأن تضمن لهم السعادة والطمأنينة، وأن تبث فيهم روح التعاون والتراحم والإخاء، وأن تجنبهم ما لا يليق بالكرامة الإنسانية والشعور الإنساني من مواقف وحركات، وهذه هي الوصايا العشر التي أجمعت عليها جميع الشرائع ولم تنسخ قط في ملة.

قال ابن عباس رضي الله عنه عن هذه الآيات: «إنها محكمات لم ينسخهن شيء من جميع الكتب» .

وقيل: «إنهن أم الكتاب من عمل بهن دخل الجنة، ومن تركهن دخل النار» ، ولم يوجد شرع جاء لينسخ واحدة من هذه الوصايا.

ولذلك يقول كعب الأحبار رضي الله عنه: «والذي نفس كعب بيده إن هذه الآيات لأول شيء في التوراة، {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} [الأنعام:151] » 18.

ثانيًا: الأنبياء والرسل والحكماء:

إن الأنبياء عليهم السلام هم القدوة الحسنة التي يجب أن نقتدي بهم في أقوالهم وأفعالهم، ولذلك جعل الله تعالى الوصية في القرآن على ألسنتهم، وإن وصايا الأنبياء عليهم السلام هي دين وتشريع من الله تعالى يجب اتباعها والعمل بها، وفيها سعادة الدنيا والآخرة، ولقد كانت وصية الأنبياء إلى أممهم هي إقامة الدين.

فقال تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132) أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133) } [البقرة:130 - 133] .

وقد تضمنت هذه الآيات الشريفة ما كان عليه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الدعاء إلى الله تعالى، حتى جعلوا ذلك وصية يوصون بها واحدا بعد واحد، وبينت الآية الكريم أن إبراهيم عليه السلام أوصى بملته الحنيفية بنيه، وأن يعقوب أوصى بذلك، وقدم بين يدي وصيته اختيار الله لهم هذا الدين، ليسهل عليهم اتباع ما اختاره الله لهم، ويحضهم على ذلك، وأمرهم أنهم لا يموتون إلا عليه، لأن الأعمال بخواتيمها، ثم ذكر سؤال يعقوب لبنيه عما يعبدون بعد موته، فأجابوه بما قرت به عينه من موافقته وموافقة آبائه الأنبياء من عبادة الله تعالى وحده، والانقياد لأحكامه.

وحكمة هذا السؤال أنه لما وصاهم بالحنيفية، استفسرهم عما تكن صدورهم، وهل يقبلون الوصية؟ فأجابوه بقبولها وبموافقة ما أحبه منهم، ليسكن بذلك جأشه، ويعلم أنه قد خلف من يقوم مقامه في الدعاء إلى الله تعالى.

وصدر سؤال يعقوب بتقريع اليهود والنصارى بأنهم ما كانوا شهدوا وصية يعقوب، إذ فاجأه مقدمات الموت، فدعواهم اليهودية والنصرانية على إبراهيم ويعقوب وبنيهم باطلة، إذ لم يحضروا وقت الوصية، ولم تنبئهم بذلك توراتهم ولا إنجيلهم، فبطل قولهم، إذ لم يتحصل لا عن عيان ولا عن نقل، ولا ذلك من الأشياء التي يستدل عليها بالعقل، ولم يقل: ووصى بها إبراهيم ويعقوب بنيهما، لئلا يتوهم أن الوصية كانت منهما في وقت واحد أو أنها خاصة بأبنائهما معا، وهم أولاد يعقوب 19.

وقد ذكر القرآن الكريم لقمان الحكيم عليه السلام وهو يوصي ابنه بالتوحيد والنهي عن الشرك.

قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (15) يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (16) يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17) وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19) } [لقمان:13 - 19] .

شملت هذه الوصية قضية التوحيد وإخلاص العقيدة لله وحده لا شريك له؛ فالشرك بالله ظلم عظيم وجرم كبير، وكون الشرك ظلما؛ لما فيه من وضع الشيء في غير موضعه، وكونه عظيما؛ لما فيه من التسوية بين من لا نعمة إلا منه سبحانه ومن لا نعمة له، كما شملت الحرص على طاعة الوالدين والبر بهما، ومراقبة الله له في كل حين، وإحاطته بكل شيء؛ وأداء الصلاة، ومواصلة الصبر في المعاملة مهما كانت الشدائد والعقبات، والحرص على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ والنهي عن الكبر والخيلاء والإعجاب بالنفس وهتك الحرمات، والخوض في أعراض الناس وتلويث البيئة بالأفعال القبيحة والصور المنفرة والأصوات المزعجة، وذلك في صور يهتز لها الوجدان، وينخلع منها القلب، وتتفق مع الفطرة والعقل جميعًا.

قال تعالى: {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا} [لقمان:18] 20.

ثالثًا: عموم الناس:

ذكر القرآن الكريم وصية المؤمن لوالده وولده ووصيته في ماله.

قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180) } [البقرة:180] .

وقد تضمنت هذه الآيات الشريفة وصية المؤمن لوالده وولده ووصيته في ماله وكانت هذه الآية أول ما نزل في الأموال، وهذه الوصية تتوقف على نظر الموصي وأمانته وعدله فقد يجور فيها ويظلم، وقد يعدل فيها ويحسن، والمطلوب العدل من الموصي فيما أوصى به.

وقد بين الله تعالى قدر هذه الوصية في قوله: {بِالْمَعْرُوفِ} والمعروف الفعل الذي تألفه العقول ولا تنكره النفوس، فهو الشيء المحبوب المرضي، سمي معروفا؛ لأنه لكثرة تداوله والتأنس به صار معروفا بين الناس، وضده يسمى المنكر، والمراد بالمعروف هنا العدل الذي لا مضارة فيه ولا يحدث منه تحاسد بين الأقارب؛ بأن ينظر الموصي في ترجيح من هو الأولى بأن يوصي إليه لقوة قرابة أو شدة حاجة، فإنه إن توخى ذلك استحسن فعله الناس ولم يلوموه.

ومن المعروف في الوصية ألا تكون للإضرار بوارث أو زوج أو قريب، ووكل ذلك إلى نظر الموصي فهو مؤتمن على ترجيح من هو أهل للترجيح في العطاء كما أشار إليه قوله تعالى: {حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} .

وخص هذا الحق بالمتقين ترغيبا في الرضى به؛ لأن ما كان من شأن المتقي فهو أمر نفيس فليس في الآية دليل على أن هذا الوجوب على المتقين دون غيرهم من العصاة، بل معناه أن هذا الحكم هو من التقوى وأن غيره معصية، وخص المتقون بالذكر تشريفا للرتبة ليتبارى الناس إليها، وخص الوالدين والأقربين لأنهم مظنة النسيان من الموصي، لأنهم كانوا يورثون الأولاد أو يوصون لسادة القبيلة.

وقدم الوالدين للدلالة على أنهما أرجح في التبدية بالوصية، وكانوا قد يوصون بإيثار بعض أولادهم على بعض أو يوصون بكيفية توزيع أموالهم على أولادهم، وخوفًا من الحيف أو الجنف تولى الشرع الحنيف تعيين المقدار الموصى به من المال وهو الثلث، والثلث كثير.

فقد ثبت في الحديث أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، قال: (جاء النبي صلى الله عليه وسلم يعودني وأنا بمكة، وهو يكره أن يموت بالأرض التي هاجر منها، قال:(يرحم الله ابن عفراء) ، قلت: يا رسول الله، أوصي بمالي كله؟ قال: (لا) ، قلت: فالشطر، قال: (لا) ، قلت: الثلث، قال: (فالثلث، والثلث كثير) 2122.

مما جاء من الوصايا في القرآن الكريم ما يأتي:

أولًا: أمور العقائد:

ذكرت العقيدة في القرآن الكريم في عدة آيات، قال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153) } [الأنعام:153] .

إن هذه الآية تتكلم عن العقيدة التي يجب أن يتمسك بها الناس، والحاكمة في عبادتهم وجميع أعمالهم وأخلاقهم وسلوكهم، عقيدة واحدة وطريق واحد هي الطريق الموصلة إلى الله تعالى، وهو التوحيد وإخلاص العبادة، وأصول الشرائع والأحكام مما لا يختلف باختلاف الأعصار كالإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة واكتساب مكارم الأخلاق وفاضل الصفات، وهي العقيدة التي جاء بها جميع الأنبياء والرسل، فالعقيدة هي أول دعوة الرسل ومعركتهم مع العقائد الأخرى التي كانت سائدة في مجتمعاتهم والتي وقفت أمام كل الأنبياء، وعن مجاهد في تفسير قوله تعالى: {وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ} [الأنعام:153] .

قال: «البدع والشبهات، وهذه السبل تعم اليهودية، والنصرانية، والمجوسية، وعباد القبور، وسائر أهل الملل والأوثان، والبدع والضلالات من أهل الشذوذ والأهواء، والتعمق في الجدل، والخوض في الكلام، فاتباع هذه من اتباع السبل التي تذهب بالإنسان عن الصراط المستقيم إلى موافقة أصحاب الجحيم» ، وذكر الصراط المستقيم منفردًا، معرفًا تعريفين: تعريفا باللام، وتعريفا بالإضافة، وذلك يفيد تعينه واختصاصه، وأنه صراط واحد، وأما طرق أهل الغضب والضلال فإنه سبحانه يجمعها ويفردها 23.

وهذه العقيدة هي التي أخبر عنها القرآن في قوله تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (13) } [الشورى:13] .

بينت هذه الآية الكريمة أن من وصية الله تعالى لجميع الأمم والرسل إقامة الدين بكليته، وقد كانت هذه الوصية عمل الرسل لأممهم ومن بعدهم، فنفذها إبراهيم عليه السلام.

قال تعالى: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132) } [البقرة:132] .

ومن بعد إبراهيم يعقوب عليه السلام، قال تعالى: {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133) } [البقرة:133] .

فهذا تواصي الأمم بأصل الإيمان وعموم الشريعة، وقوله تعالى: {مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا} [الشورى:13] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت