فهرس الكتاب

الصفحة 1081 من 2431

أي: ما مسّ الخالق وما أصابه إعياء؛ لأن الذي يستريح هو المريض المرهق، وتعالى الله عزّ وجلّ عن ذلك علوًّا كبيرًا 53.

وهذه الآية دليل واضح على قدرته تعالى على كل شيء، وأنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وبالتالي ليس غريبًا أن يكون البعث الذي يجازى فيه الخلق جميعًا.

وليس معنى ما ذكر في الآيات المكية من مدلولات وحكمٍ وأحكامٍ أن الآيات المدنية خلت من ذلك، ولكن ذلك يعني أن ما تمتاز به الآيات المكية المذكورة، وما لم تذكر هو تلك السمات العقدية التي ذكرت، وقد وردت آيةٌ مدنيةٌ تثبت أن خلق السماوات والأرض لم يكن باطلًا، ولكن السياق يدلل هذا الرّسوخ الإيماني الذي تمتع به أولو الألباب أصحاب العقول النيّرة، جعلهم يقرّون بهذه الحقيقة الإيمانية، بأن الله رب كل شيء ما خلق السماوات والأرض باطلًا، فإن ذلك سيصير بإذن الله تعالى إلى الميعاد، وربّنا سبحانه هو المنزّه عن أي نقص، ثم يدعو هؤلاء المتفكرون في خلقهما بأن ينجوا من عذاب النار، مع كامل الخضوع والتذلل والانكسار والتفويض لأمر الله تعالى 54، والآية هي قوله تعالى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 191] .

تتناول هذه السطور نماذج من بدايات الخلق، مثل: خلق السموات والأرض، وخلق سيدنا آدم عليه السلام، وأن الله تعالى خلق مخلوقات قبل السماوات الأرض، وقبل سيدنا آدم عليه السلام، منه ما علمه البشر، ومنه ما لم يعلموه.

أولًا: خلق السماوات والأرض:

لقد تحدثت آيات كثيرة من القرآن الكريم عن خلق السماوات والأرض مع مجموعة من المخلوقات الأخرى التي أنعم الله تعالى بها على عباده.

ومنها قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164] .

وقوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ} [الروم: 22] .

وقوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ} [الشورى: 29] .

في حين حدّدت بعض الآيات المدة الزمنية لخلق السماوات والأرض وما بينهما، فكانت في ستة أيام.

ومن هذه الآيات: قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 54] .

وقوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ} [السجدة: 4] .

وعن ابتداء الخلق يروي أبو هريرة رضي الله عنه قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال: (خلق الله تعالى التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم عليه السلام بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل) 55.

وإن هذا لا يعني أن هناك تعارضًا بين آية خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وهذا الحديث الذي يبين أنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في سبعة أيام؛ فتكون الإجابة من عدة جوانب، منها:

إن العدد لا مفهوم له، ومن ثمّ فإنه قد لا ينحصر الأمر عند ستة أيام.

إن الخلق الأساس قد يكون في ستة أيام، أما التفاصيل فتقتضي أوقاتًا أكثر، والله أكبر وأعز وأعلم؛ لأن الله تعالى خالق كل شيء ومقدّره، وهو الذي خلق الأسباب، وله القدرة المطلقة على تحويلها كيفما يشاء.

وعن مسألة أيّهما أسبق في الخلق: السماء أم الأرض؟ ناقش هذه المسألة موضعان من كتاب الله تعالى، وهما: {أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ} [النازعات: 27 - 33] .

فهذه الآيات تبيّن أن السماء أسبق في الخلق من الأرض، والمعنى: أن الله تعالى يذكر دليلًا واضحًا بيّنًا لمنكري البعث، ومستبعدي إعادة إحياء الله تعالى للأجسام الميتة، فيقول الله تعالى: أأنتم أيها البشر أشد خلقًا أم السماء ذات الجرم العظيم، والخلق القوي، والارتفاع الباهر، فقد بناها الله سبحانه، ورفع جرمها وصورتها، وسوّاها بإحكام دقيق، وإتقان يذهل أولي الألباب، كما أظلم ليلها، فعمّت الظلمة أرجاء السماء، وأظلم كذلك وجه الأرض، كما أخرج في السماء النور العظيم عندما خلق فيها الشمس، فانتشر الناس في النهار ينتفعون بمصالحهم، وأمور دينهم ودنياهم، ثم بعد ذلك خلق الأرض، وأودع فيها منافعها من الماء والمرعى، وتثبيت الجبال لها، فالذي خلق السماوات العظام وما فيها، وخلق الأرض الكثيفة وما فيها، لابد أن يبعث الخلق المكلّفين بعبادته، فيجازيهم على أعمالهم 56.

أما قوله: {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (12) } [فصلت: 9 - 12] .

ففيه يذكر أن الأرض أسبق في الخلق من السماء، والظاهر أن هناك إشكالًا في المعنى يتعارض مع آيات النازعات، ولكن معنى آيات فصّلت: أن الله عزّ وجلّ أمر نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بتوبيخ المشركين الذين يكفرون بالله تعالى، وهو خالق السماوات والأرض، وكما سبقت الإشارة فإن المشركين يعترفون أن الله تعالى هو الخالق، ولكنهم يشركون في العبادة معه غيره من الأصنام والأوثان.

فبيّن الله تعالى في هذه الآيات أنه خلق الأرض في يومين، ثم جعل الجبال في الأرض رواسي لتثبيتها، وبارك الله تعالى فيها بما خلق من المنافع وإنبات الشجر، وخلق البحار والأنهار والدواب، كما قدّر فيها أرزاق أهلها وما يصلح لعيشهم من التجارات والأشجار والمنافع في كل بلدة ما لم يجعله في بلدة أخرى، فكل هذه الأمور خلقها الله تعالى في تتمة أربعة أيام أخرى.

ثم خلق الله تعالى السماء، وسوّاها، ثم أمر السماء والأرض أن تأتيا بما خلق فيهما من المنافع والمصالح للخلق.

وعلى هذا المعنى، فإن الله تعالى قال ذلك لهما بعد خلقهما، وهو قول الجمهور، فقالتا: أتينا طائعين، فانقادا وأجابا لأمر الله تعالى، فقضى السماوات وجعلهن سبعًا، وأكمل بناؤهن، ثم أوحى الله تعالى في كل سماء أمرها، وزيّن السماء الدنيا بنجوم تضيئها، وحفظها الله تعالى من الشياطين الذين يسترقون السمع 57.

والناظر في هذين الموضعين يرى أن آيات السورتين توهم في ظاهرهما الإشكال والتعارض، ولكن حبر الأمة ابن عباس رضي الله عنهما أزال هذا التعارض حين أتى إليه رجل، وقال له: إني أجد في القرآن أشياء تختلف عليّ، وعدّ له أربع مسائل، كان من ضمنها مسألة أيهما أسبق: خلق السماء أم الأرض؟ وساق له الآيات التي ذكرناها، فأجابه ابن عباس قائلًا: «وخلق الأرض في يومين ثمّ خلق السّماء، ثمّ استوى إلى السّماء فسوّاهنّ في يومين آخرين، ثمّ دحا الأرض، ودحوها أن أخرج منها الماء والمرعى، وخلق الجبال والجمال والآكام وما بينهما في يومين آخرين فذلك قوله: {دَحَاهَا} وقوله: {خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ} فجعلت الأرض وما فيها من شيءٍ في أربعة أيّامٍ، وخلقت السّماوات في يومين» 58.

وخلاصة القول: إن خلق الأرض نفسها كان في يومين، وكان متقدمًا على خلق السماء، ثم كان خلق السماء وما فيها من أنوار وأجرام في يومين آخرين، ثم كان دحو الأرض المخلوقة وخلق ما فيها من ضروريات الخلق ومنافعهم في يومين آخرين. وهكذا تكون السماوات خلقت وما فيها في يومين، وخلقت الأرض وما فيها في أربعة أيام، والله تعالى أعلم، وقد سبقت الإشارة إلى عظيم قدرة الله تعالى في تحويل الأسباب.

ثانيًا: خلق آدم عليه الصلاة والسلام:

بعد أن خلق الله تعالى السماوات والأرض وما فيهما، خلق آدم عليه الصلاة والسلام يوم الجمعة الذي هو خير أيام الله تعالى كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة؛ فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها) 59.

وكان الله تعالى قد خلقه من تراب، كما قال تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران: 59] .

أي: خلقه من تراب دون أب ولا أم؛ بل بكلمة {كُنْ} فكان آدم عليه الصلاة والسلام 60.

وورد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود، وبين ذلك، والسهل والحزن، والخبيث والطيب) 61.

وشرّف الله تعالى آدم عليه الصلاة والسلام حين خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، فقال تعالى: {قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ} [ص: 75] .

والمعنى: ما منعك يا إبليس عن السجود لآدم الذي تولّيت خلقه بنفسي من غير واسطة أب أو أم؟ 62، فخلقه الله تعالى في صورة بديعة وشكل حسن، حيث قال تعالى: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ} [السجدة:7] .

ثم علّمه الله تعالى جميع مسميات الأسماء، فقال تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} [البقرة:31] .

ففضّله على جميع خلقه، حتى الملائكة، فأمرها الله تعالى بالسجود له عليه الصلاة والسلام سجود تكريم، فقال تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 34] .

وبعد ذلك خلق الله تعالى له زوجه حواء، فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} [النساء: 1] .

فالله تعالى خلق حواء من ضلع آدم عليه الصلاة والسلام كما في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (استوصوا بالنّساء؛ فإنّ المرأة خلقت من ضلعٍ، وإنّ أعوج شيءٍ في الضّلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنّساء) 63.

ثم أمره الله تعالى هو وزوجه أن يسكنا في الجنة، ويأكلا منها ما شاءا، ولكن الله تعالى نهاهما عن أن يقربا شجرة عيّنها لهم، فإنهما إن قرباها وأكلا منها فسوف يكونان من الظالمين لأنفسهم، لكن الشيطان استزلّهما، وأوقعهما في الخطيئة، فأكلا من الشجرة التي نهيا عنها، فخرجا من الجنة التي كانا ينعمان فيها، حينئذ أمرهما الله تعالى بالهبوط من الجنة إلى الأرض، فهي موضع الاستقرار لهم، فلما شعر آدم عليه الصلاة والسلام بالذنب، علّمه الله تعالى كلمات يقولها، فيتوب الله تعالى عليه ويغفر له ذنبه 64.

وقد ذكر القرآن الكريم هذه الحادثة، فقال تعالى: {وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 35 - 37] .

نتناول هنا بعضًا من المعالم المتعلقة بالخلق، والتي يشير إليها القرآن الكريم عند حديثه عن الخلق، ومن تلك المعالم.

أولًا: الزوجية:

إن قاعدة الزوجية تمثّل قاعدة مهمة من قواعد الخلق في هذه الأرض، وهناك العديد من الآيات القرآنية التي جاءت تدلل على هذه القاعدة، وهي في الوقت نفسه دليل على صدق النبي عليه الصلاة والسلام، وأن القرآن من لدن حكيم خبير.

فالمعرفة التي كانت موجودة في زمن النبي عليه الصلاة والسلام لا تمكّن من الكشف عن قاعدة الزوجية في الأحياء، فضلًا عن ميادين الوجود المختلفة، أما اليوم وفي ظل هذا التقدم العلمي المشهود، والاكتشافات الكونية المتسارعة في المجالات المختلفة، استطاع العلماء الكشف عن أشكال التزاوج والارتباط في كافة ميادين الحياة، ابتداءًا بالذرة وانتهاءً بالمجرة؛ مما يؤكّد صدق الوحي والنبوة.

ومن الآيات التي تقرّر هذه القاعدة قوله تعالى: {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الذاريات: 49] .

ففي هذه الآية حقيقة عجيبة تكشف عن قاعدة الخلق في هذه الأرض، وهي قاعدة الزوجية في الخلق، وهي ظاهرة في الأحياء، ولكن كلمة {شَيْءٍ} تشمل غير الأحياء أيضًا، فالتعبير يقرّر أن الأشياء كالأحياء، مخلوقة على أساس الزوجية 65.

ومعنى قوله تعالى: {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ} : قيل: مصطحبين ومتلازمين، إشارة إلى المتضادات والمتقابلات من الأشياء كالليل والنهار، والشقوة والسعادة، والهدى والضلالة، والأرض والسماء، والسواد والبياض، والصحة والمرض، والكفر والإيمان ونحو هذا.

وقيل: هي إشارة إلى الأنثى والذكر من كل كائن حي، ويدل على ذلك قوله تعالى: {وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى} [النجم: 45] 66.

ورجّح الطبري القول الأول؛ لأنه دليل على قدرته تعالى على خلق الشيء وخلافه 67.

وختمت الآية بقوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} أي: لتعلموا أيها المشركون أن الخالق الذي يستوجب العبادة واحد لا شريك له، هو القادر على خلق الشيء وخلافه، وابتداع زوجين من كل شيء، بخلاف ما لا يقدر على ذلك.

وهو دليل على المغايرة بين المخلوق والخالق، فهو المتفرد في ذاته وصفاته وأفعاله، حيث يدرك الناس تفرّد الخالق من خلال ما يشاهدون من ظواهر تزاوج الأشياء وتركيبها، وارتباطاتها، وتوازناتها على نحو يستحيل معه العبث، والارتجال، والمصادفة 68.

وخلق الكون يقوم على مبدأ الزوجية، وقد جاءت الآيات مدلّلة على ذلك، ومن مخلوقات الكون التي يتمثل فيها مبدأ الزوجية النباتات.

قال تعالى: {وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ} [الرعد: 3] .

يقول سيد قطب: «إن كل الأحياء وأولها النبات تتألف من ذكر وأنثى، حتى النباتات التي كان مظنونًا أن ليس لها من جنسها ذكور، تبين أنها تحمل في ذاتها الزوج الآخر، فتضم أعضاء التذكير وأعضاء التأنيث مجتمعة في زهرة، أو متفرقة في العود، وهي حقيقة تتضامن مع المشهد في إثارة الفكر إلى تدبر أسرار الخلق بعد تملي ظواهره» 69.

و «قيل: إنه تعالى أول ما خلق العالم وخلق فيه الأشجار خلق من كل نوع من الأنواع اثنين فقط، فلو قال: خلق زوجين، لم يعلم أن المراد النوع أو الشخص، أما لما قال: {اثْنَيْنِ} علمنا أن الله تعالى أول ما خلق من كل زوجين اثنين، لا أقل ولا أزيد، والحاصل أن الناس فيهم الآن كثرة إلا أنهم لما ابتدءوا من زوجين اثنين بالشخص هما آدم وحواء، فكذلك القول في جميع الأشجار والزرع» 70.

ثانيًا: الأطوار:

يعدّ خلق الإنسان من آيات الله العظيمة، خاصة إذا علمنا أن كل طور من الأطوار التي مرّ فيها خلق الإنسان هو آيةٌ ودليلٌ على صدق الوحي والنبوة، فالقرآن الكريم أخبر عن هذه الأطوار قبل أن تتوصل إليها الاكتشافات العلمية الحديثة.

وإذا أردنا الحديث عن المراحل والأطوار لخلق الإنسان لابد لنا من تقسيمه إلى قسمين:

الأول: مراحل خلق الإنسان الأول (آدم عليه الصلاة والسلام) .

والثاني: مراحل خلق نسله (خلق الإنسان في بطن أمه) ، وذلك كما يأتي:

1.مراحل خلق الإنسان الأول (آدم عليه الصلاة والسلام) .

1.الطين.

وهو ذلك المركّب من تراب وماء الذي يتكوّن منه جسد الإنسان، فبداية خلق الإنسان من التراب كما قال تعالى: (ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ?) [آل عمران: 59] .

ومن الماء الذي يدخل في خلق كل شيء حي، قال تعالى: (ں ں ? ? ? ? ? ? ہ) [الأنبياء: 30] .

فإذا اختلط التراب مع الماء أصبح طينًا، قال تعالى: (? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے) [السجدة: 7] .

وقال أيضًا: (گ ? ? ? ? ? ?) [المؤمنون: 12] .

«والمراد به جنس الإنسان وأصله من خلاصة سلّت من طين، أو أول أفراده وهو آدم عليه الصلاة والسلام، وهذا دليل كاف على قدرة الله تعالى ووحدانيته، واتصافه بكل صفات الكمال» 71.

وقد وصف الله تعالى هذا الطين باللازب، (ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ? ?) [الصافات: 11] . أي: اللاصق، وقيل: اللازق، والفرق بينهما أن اللاصق: هو الذي قد لصق بعضه ببعض، واللازق: هو الذي يلتزق بما أصابه، وقيل: اللازب اللزج 72.

ويذكر سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم أن قبضة التراب التي خلق منها آدم كانت من جميع الأرض؛ لذلك خرجت ذريّته متفرّعة متنوّعة مختلفة، منها الأسود والأبيض، والطويل والقصير، والصالح والطالح، قال عليه الصلاة والسلام: (إنّ اللّه تعالى خلق آدم من قبضةٍ قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، فجاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك، والسّهل والحزن والخبيث والطّيّب) 73.

2.الحمأ المسنون.

وهي المرحلة الثانية بعد الطين، فإذا ترك الطين أصبح حمأ مسنونًا، قال سبحانه: (ھ ے ے ? ? ? ? ?) [الحجر: 26] .

والحمأ: الطين الذي تغيّر واسودّ لونه من طول مجاورة الماء، ومسنون: اختلف أهل التفسير في معناه، فقيل: مصوّر من سنة الوجه، أو منصوب لييبس ويتصوّر، كأنه أفرغ الحمأ فصوّر منها تمثال إنسان أجوف، أو منتن من سننت الحجر على الحجر إذا حككته به، فإن ما يسيل بينهما يكون منتنًا 74.

3.الصلصال.

فبعد أن أصبح الطين حمأ مسنونًا يجف بعدها، ويصبح صلصالًا كالفخار، قال تعالى: (ے ? ? ? ?) [الرحمن: 14] .

فالصلصال: الطين اليابس، والفخار: الخزف الذي طبخ بالنار، والمعنى: أنه خلق الإنسان من طين يشبه في يبسه الخزف 75.

4.نفخ الروح.

في المراحل الثلاث الأولى لا روح في آدم عليه السلام، فإن الله تعالى خلق آدم عليه السلام من طين وصوّره، ثم صار صلصالًا؛ أي: يبس الطين بعد تصويره، ثم نفخ الله الروح في جسد آدم عليه الصلاة والسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت