أولًا: المعنى اللغوي:
الحرام من حرم، فالحاء والراء والميم أصل واحد، وجمع الحرام حرم، والحرام ضد الحلال، والحرام هو المنع والتشديد 1. ويقال: الحرام والحرم -بكسر الحاء وسكون الراء-، ويجمع على حرم -بضم الحاء والراء، وحرمة الرجل: التي لا تحل لغيره، ولفلان حرمة ببني فلان أي: تحرم، وحريم الرجل: ما يجب عليه حفظه ومنعه، وأحرم الرجل إحرامًا من إحرام الحج فهو حرام وهم حرم، ولبس المحرم وهو لباس الإحرام، وقوم حرم وحرام أي محرمون، ورجل حرمي: منسوب إلى الحرم، والحرمة: المهابة، وللمسلم على المسلم حرمة ومهابة 2.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
الحرام: واحد من الأحكام التكليفية الخمسة وهي: الواجب والمندوب والحرام والمكروه والمباح، وقد عرفه العلماء بما يأتي:
1 -الحرام: «الممنوع منه إما بتسخير إلهي أو بشري، وإما بمنع من جهة العقل أو البشرية، أو من جهة من يرتسم أمره» 3.
2 -والحرام: «ما يذم شرعًا فاعله» 4.
3 -والحرام: ما يثاب على تركه ويعاقب على فعله.
وترجح الباحثة التعريف الثالث لمعنى الحرام اصطلاحًا، فهو الأشمل والأدق أما الباقي فهو وصف للحرام أكثر من كونه تعريفًا له.
ومن خلال التعريفين اللغوي والاصطلاحي للفظ (الحرام) يتضح لنا بجلاء العلاقة الوثيقة بين المعنيين، إذ إن (الحرام) اصطلاحًا يعني: ما هو ممنوع، سواء بأمر من الله عز وجل أو من البشر، والحرام لغة: مطلق المنع.
وردت مادة (حرم) في القرآن (82) مرة 5:
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل الماضي ... 34 ... {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ} [البقرة: 173]
الفعل المضارع ... 5 ... {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف: 157]
الاسم ... 9 ... {غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} [المائدة: 1]
مصدر ... 26 ... {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة: 144]
اسم المفعول ... 18 ... {بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (67) } [الواقعة: 67]
وجاء الحرام في القرآن على ثلاثة أوجه 6:
الأول: المنع: ومنه قوله تعالى: {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ} [القصص: 12] .
الثاني: التحريم: ومنه قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا} [المائدة: 87] .
الثالث: الشرف: ومنه قوله تعالى: {جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ} [المائدة: 97] .
وهناك وجه رابع ذكر في كلمة (الحرمات) وهو: أنها جمع لكلمة (الحرم) ، ومنه قوله تعالى: {وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} [البقرة: 194] .
السحت:
السحت لغة:
هو الحرام، وأسحت الرجل: وقع فيه، والسحت: جهد العذاب، وسحتناهم أي: بلغنا مجهودهم في المشقة عليهم 7.
السحت اصطلاحًا:
كل حرام قبيح الذكر يلزم منه العار كثمن الكلب والخنزير فهو سحت، وقيل: السحت مبالغة في صفة الحرام وهو الحرام الظاهر 8.
الصلة بين الحرام والسحت:
من الواضح أن الحرام والسحت من المترادفات في المعنى.
المحظور:
المحظور لغةً:
بفتح فسكون فضم، المحرم خلاف المباح، ومنه قوله: عز وجل {وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا} [الإسراء: 20] 9.
المحظور اصطلاحًا:
«المحظور في الشريعة: هو ما أعلم المكلف أو دل على قبحه، ولهذا لا يقال إن أفعال البهائم محظورة وإن وصفت بالقبح» 10.
الصلة بين الحرام والمحظور:
الحرام يكون مؤبدًا، والمحظور قد يكون إلى غاية 11.
الحلال:
الحلال لغةً:
حللت العقدة أحلها حلًا: فتحتها، والحل بالكسر: الحلال، والحل والحلال والحليل: نقيض الحرام، وحل الشيء يحل حلًا وأحله الله سبحانه وتعالى، واستحللته: اتخذته حلالًا، ومنه حللت اليمين تحليلًا وتحلة، ورجل حل من الاحرام، أي حلال، ويقال: أنت حل، وأنت حرم، وهذا لك حل، أي: حلال 12.
الحلال اصطلاحًا:
ما أطلق الشرع فعله، وكل شيء لا يعاقب عليه باستعماله 13.
الصلة بين الحرام والحلال:
الحرام والحلال من المتناقضات على الإطلاق.
حدد الإسلام السلطة التي تملك التحليل والتحريم فانتزعها من أيدي الخلق، أيًّا كانت درجتهم في دين الله أو دنيا الناس، وجعلها من حق الرب تعالى وحده، فلا أحبار أو رهبان، ولا ملوك أو سلاطين، يملكون أن يحرموا شيئًا تحريمًا مؤبدًا على عباد الله.
حذر كتاب الله من الحكم على الأشياء بالتحليل والتحريم من دون سند شرعي، وعدّ المغامرين بذلك من عند أنفسهم متطاولين على الشرع ومفترين على الله، فالتشريع المطلق -تحريمًا وتحليلًا وتشريعًا- إنما هو حق خالص لله تعالى 14.
قال الله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} [يونس: 59] .
فيحرم على المسلم التحليل والتحريم من دون استناد للشرع؛ لما فيه من الافتراء على الله تعالى.
فقد قال تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل: 116] .
وطاعة أولى الأمر من الولاة والرؤساء والعلماء وغيرهم، هي طاعة مرتبطة بطاعة الله وطاعة رسوله وهو أصل التشريع، فالعلماء لا يحلون ولا يحرمون من تلقاء أنفسهم، ولكنهم يبينون الأحكام حسب ما يستنبطون من نصوص الوحي، قال تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83] 15.
ولذلك أمر الله تعالى عباده بسؤالهم فقال: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [الأنبياء: 7] .
وأولوا الأمر كما قال ابن عباس وجابر -رضي الله عنهم-: هم الفقهاء والعلماء الذين يعلّمون الناس معالم دينهم 16.
إن قضية التشريع بجملتها مرتبطة بقضية الألوهية، والحق الذي ترتكن إليه الألوهية في الاختصاص بتنظيم حياة البشر، هو أن الله هو خالق هؤلاء البشر ورازقهم، فهو وحده صاحب الحق في أن يحل لهم ما يشاء من رزقه وأن يحرم عليهم ما يشاء، وهو منطق يعترف به البشر أنفسهم، فصاحب الملك هو صاحب الحق في التصرف فيه، والواجب على المسلم الوقوف عند حدود الله عز وجل.
وإذا بين له الحكم الشرعي في أمر أو مسألة أن يقول: سمعنا وأطعنا، فهذه صفات المؤمنين، وإذا كان اليهود والنصارى وأهل الجاهلية قد حرموا على أنفسهم ما لم يحرمه الله تعالى عليهم، فلا بد للمسلم من أن يعتقد أن التحليل والتحريم حق الله وحده، وأنه ليس لأحد من البشر مهما كانت منزلته أو علت درجته أن يحل حرامًا أو يحرم حلالًا، فالتحليل والتحريم حق لله وحده 17.
قال تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [النحل: 116] .
وطاعة الحكام أو العلماء في تحليل ما حرم الله سبحانه وتعالى، أو تحريم ما أحل الله، عبادة لهم من دون الله، ونحن نرى في عصرنا هذا علماء السلطان الذين تجرؤوا على الله وأحلوا لملوكهم ما حرم الله وحرموا ما أحل الله ابتغاء الدنيا وملذاتها، وقد نعى القرآن على أهل الكتاب (اليهود والنصارى) الذين وضعوا سلطة التحليل والتحريم في أيدي أحبارهم ورهبانهم، كما ذكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم حين قال لما سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ قوله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [التوبة: 31] .
قال: إنهم لم يعبدوهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنهم حرموا عليهم الحلال، وأحلوا لهم الحرام فاتبعوهم، فذلك عبادتهم) 18.
وهذا هو الذي تجرأ عليه الكثيرون من المسلمين الذين هم ليسوا أهلا للاجتهاد والقياس، فيقولون: هذا حرام وهذا حلال، بما تصف ألسنتهم الكذب والتهجم على شرع بما لم يأذن به الله، ومن فعل ذلك منهم فقد تجاوز حده واعتدى على حق الربوية في التشريع للخلق، ومن رضي بعملهم هذا واتبعه فقد جعلهم شركاء لله واعتبر اتباعه هذا شركًا 19.
قال تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21] .
وقال ابن وهب: قال لي مالك: «لم يكن من فتيا المسلمين أن يقولوا: هذا حرام وهذا حلال، ولكن يقولون: إنا نكره هذا، ولم أكن لأصنع هذا، فكان الناس يطيعون ذلك، ويرضون به» 20.
عن ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه، فلا تتكلفوه) 21.
ومن خلال هذه الآيات البينات، يصبح هناك معرفة يقينية أن الله وحده هو صاحب الحق في أن يحل ويحرم، في كتابه أو على لسان رسوله، وأن مهمتهم لا تعدوا بيان حكم الله فيما أحل وما حرم.
قال تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام: 119] .
وليست مهمة العلماء التشريع الديني للناس فيما يجوز لهم وما لا يجوز، وكانوا مع علمهم واجتهادهم يهربون من الفتيا، ويحيل بعضهم على بعض، خشية أن يقعوا في تحليل حرام أو تحريم حلال دون قصد منهم.
روى الإمام الشافعي عن القاضي أبي يوسف صاحب أبي حنيفة قال: «أدركت مشايخنا من أهل العلم يكرهون الفتيا، أن يقولوا: هذا حلال وهذا حرام إلا ما كان في كتاب الله عز وجل بينًا بلا تفسير» 22.
وعن الربيع ابن خيثم أنه قال: «إياكم أن يقول الرجل: إن الله أحل هذا أو رضيه، فيقول الله له: لم أحل هذا ولم أرضه! أو يقول: إن الله حرم هذا، فيقول الله: كذبت، لم أحرمه ولم أنه عنه» 23.
وقال الشيخ المراغي رحمه الله عن هذا: أنه ليس لأحد غير الله عز وجل أن يحرم شيئًا على العباد، لأن التحريم حق لله الخالق للعباد، فمن ادعاه لنفسه فقد جعل نفسه شريكًا له سبحانه وتعالى، والتحريم الذي لا يكون إلا لله هو تحريم التشريع، أما المنع من بعض الثمار لسبب غير التحريم فلا شرك فيه، فإذا منع الطيب بعض المرضى من أكل الثمر أو الخبز لأنه يضره يكون منعًا شرعيًّا أو تحريمًا لا على معنى أن الطبيب هو الذي شرع ذلك، بل الله هو الذي حرم كل ضارّ، والطبيب هو الذي عرّف المريض ضرره. وكذلك منع السلطان من صيد بعض الطيور لمصلحة عامة، كالحاجة إلى كثرته لحفظ بعض الزرع، لأنه يأكل الحشرات المهلكة مثلًا لا يكون تحريمًا 24.
ورد في القرآن الكريم نوعان من التحريم، تحريم شرعي: وهو كل منع يتعلق بالشرع، ويكون تحريمًا شرعيًّا، مثال ذلك قوله سبحانه وتعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء: 23] .
وتحريم قدري: وهو المنع الذي يتعلق بفعل الله، ويكون تحريمًا قدريًا، وهو ما ذكره الله في كتابه العزيز في قوله: {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ} [القصص: 12] .
أولًا: التحريم الشرعي:
قال تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 23] .
جاءت هذه الآية بتحريم نكاح خمسة عشر صنفًا من النساء. وهن: سبع من النسب، وسبع من جهة الرضاعة والمصاهرة، وواحدة ما دامت زوجة، وهي المحصنة، وبهذا اللفظ- التحريم- حرمت امرأة الأب والجد على الابن وابن الابن ولو لم يدخل بها الأب، ثم ذكر محرمات النسب وهن الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ، وبنات الأخت، فهؤلاء سبع محرمات من النسب، ثم ذكر المحرمات بالرضاع، وهذا التحريم من الواضح أنه تحريم شرعي 25.
قال تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ} [المائدة: 3] .
ومن التحريم الشرعي كذلك ما حرمه الله جل جلاله من الميتة، وهي: ما فارقته الروح من غير تذكيه مما له نفس سائلة، والمنخنقة، وهي: التي تنخنق فتموت، قال قتادة رحمة الله: كان أهل الجاهلية يخنقون الشاة حتى إذا ماتت أكلوها 26.
قال الزجاج رحمه الله: «وبأي وجه اختنقت فهي حرام» 27.
والموقوذة: المضروبة حتى تموت ولم تذكّ.
والمتردية: هي التي تقع من جبل أو من موضع مشرف فتموت.
والنطيحة: التي تنطحها شاة أو كبش فتموت.
وما أكل منه السبع: قال قتادة رحمة الله: «كان أهل الجاهلية إذا جرح السبع شيئًا فقتله وأكل منه أكلوا ما بقي، فحرمه الله» 28.
ثانيًا: التحريم القدري:
والمقصود بالتحريم هنا: منع النفس عن ذلك مع اعتقاده بكونه حلالًا، لا أن يكون قصد به تحريم عينه، وقد يمتنع المرء عن تناول الحلال؛ لغرض له في ذلك.
وهو كقوله تعالى: {وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ} [القصص: 12] .
والمقصود في هذا التحريم هو المجاز عن المنع، فإن من حرم عليه شيء فقد منعه، ولا يصح إرادة التحريم الشرعي؛ لأن الصبي ليس من أهل التكليف، ولا دليل على الخصوصية، فلم يرد به تحريم عينه، وإنما أريد به امتناعه من الارتضاع إلا من ثدي أمه 29.
ويقول السمعاني رحمه الله: إن المقصود منعناه من قبول الرضاع، وليس المراد من التحريم هو التحريم الشرعي؛ وإنما المراد من التحريم هو المنع 30.
وقال ابن عباس رضي الله عنه: «لا يؤتى بمرضع فيقبلها، وهذا تحريم منع لا تحريم شرع» 31.
والرسول صلى الله عليه وسلم كان قد ندب إلى حسن العشرة مع أزواجه، وإلى الشفقة عليهن، والرحمة بهن، فبلغ في حسن العشرة والصحبة معهن مبلغًا امتنع عن الانتفاع بما أحل اللّه له، وأباح له التلذذ به؛ يبتغي به حسن عشرتهن، ويطلب به مرضاتهن 32.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التحريم: 1] .
وعن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمكث عند زينب بنت جحش، ويشرب عندها عسلًا، فتواصيت أنا وحفصة: أن أيتنا دخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم فلتقل: إني أجد منك ريح مغافير، أكلت مغافير، فدخل على إحداهما، فقالت له ذلك، فقال: (لا، بل شربت عسلًا عند زينب بنت جحش، ولن أعود له) فنزلت الآية 33.
وفي الآية الكريمة عتاب مؤثر، وفيه دليل على أنه لا يجوز للمؤمن أن يحرم على نفسه ما أحله الله له من متاع الدنيا الذي حلله الله لنا جل جلاله.
والرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن حرم العسل بمعنى التحريم الشرعي، إنما كان قد قرر منع وحرمان نفسه منه، فجاء هذا العتاب يوحي بأن ما جعله الله حلالًا فلا يجوز حرمان النفس منه عمدًا وقصدًا إرضاء لأحد 34.
وقال تعالى: {قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [المائدة: 26] .
لما دعا موسى عليه السلام على بني اسرائيل حين نكلوا عن الجهاد، حكم الله عليهم بتحريم دخولها قدرًا مدة أربعين سنة، فوقعوا في التيه يسيرون دائمًا لا يهتدون للخروج منه 35.
والمعنى أن تلك البلد محرمة على بني اسرائيل أبدًا لم يرد به تحريم تعبد، وإنما أراد تحريم منع 36.
ومن التحريم القدري: قوله: عز وجل {وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ} [الأعراف: 50] .
وقال ابن عباس رضي الله عنه عن هذه الآية: «ينادي الرجل الرجل فيقول: إني قد احترقت، فأفض علي من الماء، قال: «فيقال: أجبه، فيقول: {إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ} [الأعراف: 50] » 37.
يقول سبحانه وتعالى مخبرًا عن أصحاب النار وأصحاب الجنة: أنهم ينادون أن أفيضوا علينا من الماء، وذلك لشدة عطشهم، أو من الطعام، وذلك لشدة جوعهم، فيقال لهم: إن الله منعها بسبب كفرهم فلا ينالوهما بحال من الأحوال 38.
والتحريم هنا تحريم كوني قدري، أي: منعهما من الكافرين؛ لأن التحريم يطلق في القرآن وفي لغة العرب على التحريم الشرعي، وعلى التحريم بمعنى المنع. وليس المراد هنا أنهما شرعًا محرمات؛ لأنها ليست دار تكليف، ولكنه تحريم قدري، وأن الله منع منهما الكافرين منعًا باتًّا بقدره وقضائه 39.
ومن التحريم بمعنى المنع كونًا وقدرًا قوله سبحانه وتعالى: {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ} [الأنبياء: 95] .
والمعنى: «وممنوع على كل قرية قضينا أزلًا بإهلاك أهلها لشدة طغيانهم وفسادهم، وممنوع تخلفهم عن الرجوع إلينا للحساب والجزاء، فلا بد من رجوعهم إلينا مقهورين بقدرتنا، مسخرين ببعثنا إياهم وإعادة الحياة إلى أجسادهم؛ ليلقوا عقابهم الأخروي، بعد ما ذاقوا عذابهم الدنيوي» 40.
ويقول النسفي رحمه الله: إن المقصود: ممتنع على أهل القرى الظالمة والتي حكم الله جل جلاله بإهلاكهم؛ رجوعهم من الكفر إلى الاسلام 41.
وعن ابن عباس قال: «وجب عليهم أنهم لا يرجعون، لا يرجع منهم راجع ولا يتوب منهم تائب 42.
إذن بات من الواضح أن هناك فرقًا بين التحريم الشرعي والتحريم القدري، فالخمر مثلًا أنزل الله فيها قرآنًا بتحريمها.
فهي محرمة شرعًا فضلًا عن مضارها الجسيمة التي لا يغفل عنها عاقل، وقد يحرم الشيء الحلال على بعض الناس، بمعنى المنع خوفًا من الضرر المحتمل على المرء، كما يمنع الطبيب المريض من أكل بعض المأكولات التي أحلها الله سبحانه وتعالى خوفًا على صحته.
إنّ الله عز وجل يحكم ما يريد، فالحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله.
وعند التأمل في المحرمات نجد أن لها مجالات وميادين، ومنها:
أولًا: الكبائر:
عن أنس رضي الله عنه، قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الكبائر، قال: (الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، وشهادة الزور) 43.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس) 44.
1.الشرك بالله.
وهو: جعل شريك لله تعالى في ربوبيته وإلهيته، والغالب الإشراك في الألوهية؛ بأن يدعو مع الله غيره، أو يصرف له شيئًا من أنواع العبادة، كالذبح والنذر، والخوف والرجاء والمحبة 45، والشرك أعظم الذنوب؛ وذلك لأمور:
1.أنه تشبيه للمخلوق بالخالق في خصائص الإلهية، فمن أشرك مع الله أحدًا فقد شبهه به، وهذا أعظم الظلم، ٹ ٹ (? ? ? ?) [لقمان: 13] .