قال ابن كثير: «مدح نفسه، ويجوز للرجل ذلك إذا جهل أمره، للحاجة. وذكر أنه {حَفِيظٌ} أي: خازن أمين، {عَلِيمٌ} ذو علم وبصر بما يتولاه. وسأل العمل لعلمه بقدرته عليه، ولما في ذلك من المصالح للناس، وإنما سأل أن يجعل على خزائن الأرض، وهي الأهرام التي يجمع فيها الغلات؛ لما يستقبلونه من السنين التي أخبرهم بشأنها؛ ليتصرف لهم على الوجه الأحوط والأصلح والأرشد، فأجيب إلى ذلك رغبة فيه، وتكرمة له؛ ولهذا قال تعالى: {وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (56) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [يوسف: 56 - 57] » 56.
وقال القرطبي: «دلت الآية أيضًا على أنه يجوز للإنسان أن يصف نفسه بما فيه من علم وفضل، قال الماوردي: وليس هذا على الإطلاق في عموم الصفات، ولكنه مخصوص فيما اقترن بوصفه، أو تعلق بظاهره مكسب، وممنوع منه فيما سواه؛ لما فيه من تزكية ومراءاة، ولو ميزه الفاضل عنه لكان أليق بفضله، فإن يوسف دعته الضرورة إليه لما سبق من حاله، ولما يرجو من الظفر بأهله» 57.
ومن المواطن التي يجوز فيها الثناء: ما قاله شعيب: {سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} [القصص: 27] .
قال الطبري: « {سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ} أي: في حسن الصحبة والوفاء بما قلت» 58.
وقال الزمخشري: «يريد بالصلاح: حسن المعاملة ولين الجانب. ويجوز أن يريد الصلاح على العموم» 59.
والمراد باشتراطه مشيئة الله فيما وعد من الصلاح: الاتكال على توفيقه فيه ومعونته؛ لأنه إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل ذلك 60.
يقول شمس الدين ابن قيم الجوزية عن هذا الموطن المحمود: قال: «وكذلك -يعني من الثناء الجائز- إذا اثنى الرجل على نفسه ليخلص بذلك من مظلمة وشر، أو ليستوفى بذلك حقًا له يحتاج فيه الى التعريف بحاله، أو ليقطع عنه اطماع السفلة فيه أوعند خطبته الى من لا يعرف حاله» 61.
وكذلك يكون الثناء على النفس ممدوحًا: إذا لم ينصف الإنسان أو نوزع أو عورض، أو كان بين قوم لا يعرفون مقامه، فسيدنا أبو بكر رضي الله عنه لما ولى الخلافة وخطب قائلًا: «إنى وليت عليكم ولست بخيركم» 62 على قاعدة التواضع وهضم النفس، ثم بلغه عن بعض الناس كلام، فخطب فقال: «ألست أحق الناس بها؟ ألست أول من أسلم؟ ألست صاحب كذا؟ ألست صاحب كذا؟» 63 فحدث بمناقبه وأثنى على نفسه بمحاسنه عندما تكلم بعضهم في مبايعته 64.
ومن مواطن الثناء الجائزة: المواطن التي يكون المقصد منها التحدث بنعمة الله، كما قال الله: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى: 11] .
وعن عبد الله بن غالب أنه كان إذا أصبح يقول: «رزقني الله البارحة خيرًا، قرأت كذا وصليت كذا، فإذا قيل له: يا أبا فراس مثلك يقول مثل هذا؟ قال: يقول الله تعالى: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} وأنتم تقولون: لا تحدث بنعمة الله» . وإنما يجوز مثل هذا إذا قصد به اللطف، وأن يقتدى به غيره، وأمن على نفسه الفتنة، والستر أفضل 65.
وروي عن الحسن بن علي في قوله: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} قال: «إذا أصبت خيرًا فحدث إخوانك ليقتدوا بك» . وعن عمرو بن ميمون أنه قال: «من قام لورده في الليل فلا بأس أن يحدث به الثقة من إخوانه، ويقول: رزقني الله كذا وكذا» 66.
ولما سئل أمير المؤمنين علي رضي الله عنه عن الصحابة فأثنى عليهم وذكر خصالهم، فقالوا له: فحدثنا عن نفسك فقال: «مهلًا، فقد نهى الله عن التزكية. فقيل له: أليس الله تعالى يقول: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} فقال: فإني أحدث، كنت إذا سئلت أعطيت، وإذا سكت ابتديت، وبين الجوانح علم جم، فاسألوني» 67.
استحب بعض السلف التحدث بما عمله من الخير إذا لم يرد به الرياء والافتخار، وعلم الاقتداء به 68.
وقال ابن القيم: «الشيء الواحد يكون صورته واحدة، وهو ينقسم إلى: محمود، ومذموم، فمن ذلك: التحدث بالنعمة شكرًا، والفخر بها. فالأول: القصد به إظهار فضل الله وإحسانه ونعمته، والثاني: القصد به الاستطالة على الناس والبغي عليهم، والجور والتعدي، وإهانتهم واستعبادهم، وهذا هو المذموم» 69.
قال النووي: «باب مدح الإنسان نفسه وذكر محاسنه: قال الله تعالى: {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ} [النجم: 32] .
اعلم أن ذكر محاسن نفسه ضربان: مذموم، ومحبوب. فالمذموم: أن يذكره للافتخار، وإظهار الارتفاع، والتميز على الأقران، وشبه ذلك. والمحبوب: أن يكون فيه مصلحة دينية، وذلك بأن يكون آمرًا بمعروف، أو ناهيًا عن منكر، أو ناصحًا، أو مشيرًا بمصلحة، أو معلمًا، أو مؤدبًا، أو واعظًا، أو مذكرًا، أو مصلحًا بين اثنين، أو يدفع عن نفسه شرًا، أو نحو ذلك، فيذكر محاسنه ناويًا بذلك أن يكون هذا أقرب إلى قبول قوله واعتماد ما يذكره، أو أن هذا الكلام الذي أقوله لا تجدونه عند غيري فاحتفظوا به، أو نحو ذلك» 70.
خلاصة القول: أن الثناء على النفس يبين حكمه آيتان في القرآن، الأولى قوله: {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} [النجم: 32] .
وهذا لمن يقصد الفخر والعجب والاستطالة على خلق الله، وهذا مذموم، والثانية: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى: 11] ، وهذا لمن بعد عن الفخر والعجب، ويريد التحدث بنعم الله عليه والتعريف بها، والاعتراف بفضل الله عليه، أو التعريف بنفسه لمن لا يعرفه، وعلى ذلك يحمل قول النبي: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع وأول مشفع) 71.
وأشباه ذلك كثيرة 72.
إن الناظر في آيات القرآن يجد أنه قد تحدث عن نوعين:
أولًا: التزكية الفطرية:
التزكية الفطرية هي التي تكون مع الإنسان وملازمة له منذ ولادته، وعندما يكون في مرحلة الطفولة والبراءة إلى أن يبلغ الحلم، فعنده فطرية الإيمان، ونقاء السريرة، وطهارة النفس، وصفاء القلب، يقول سبحانه وتعالى: {فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا} [الكهف: 74] .
وردت هذه الآية في سياق سرد القرآن الكريم لقصة سيدنا موسى عليه السلام مع العبد الصالح الخضر، فبعد المشهد العجيب الأول وهو خرق السفينة، كان المشهد العجيب الثاني وهو قتل الغلام الصغير، المشار إليه بقوله: {فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ} فاشتد بموسى الغضب، وأخذته الحمية الدينية، فانطلق لسانه عليه السلام ولعله هنا يمثل كل إنسان على سليقته حال رؤيته مثل هذا المشهد- حيث قال: {أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً} كيف عرف سيدنا موسى عليه السلام وحكم أن نفس الغلام زكية هكذا، رغم أنه لأول مرة يرى هذا الغلام؟، إنها التزكية الفطرية التي هي الأصل الذي يولد بها كل إنسان، لقد وصف النفس بالزاكية لأنها نفس غلامٍ لم يبلغ الحلم فلم يقترف ذنبًا فكان زكيًا طاهرًا 73 على أصل خلقته، وهذه هي التزكية الفطرية، فكل إنسان يولد على التزكية الفطرية التي تشمل كونه على عبادة الله، وطاهرًا من العيوب والذنوب 74.
أولم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، وينصرانه، أو يمجسانه .. ) 75؟.
ولما انضم إلى ذلك كون هذا القتل (بغير نفس) أى: بغير مستند لقتله 76 ازداد عجب سيدنا موسى عليه السلام فقال: {لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا} أى: منكرًا عظيمًا. يقال: نكر الأمر، أى: صعب واشتد. والمقصود: {لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا} أشد من الأول -وهو خرق السفينة- في فظاعته واستنكار العقول له 77.
ومن قبيل التزكية الفطرية أيضًا ما جاء في سورة مريم في قوله تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (16) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (17) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (18) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا} [مريم: 16 - 19] .
يقول الإمام الرازي: «لما علم جبريل عليه السلام خوفها قال: {إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ} ليزول عنها ذلك الخوف، ولكن الخوف لا يزول بمجرد هذا القول، بل لابد من دلالة تدل على أنه كان جبريل عليه السلام وما كان من الناس» 78.
قال القرطبي: «قال لها جبريل عليه السلام: {قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ} ، أسند الفعل إليه وإن كانت الهبة من الله تعالى لأنه أرسل به {لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا} . قال ابن عباس: ولدًا صالحًا طاهرًا من الذنوب» 79. وهو عيسى عليه السلام، أو ناميًا على الخير، أي مترقيًا من سن إلى سن على الخير والصلاح 80.
قال الإمام أبو زهرة: «أي: غلامًا طاهرًا ناميًا في جسمه ونفسه وروحه، وكل ما يتصل بالنمو الإنساني الكامل» 81.
خلاصة القول: أن التزكية الفطرية هى تزكية يمر بها كل إنسان يولد في هذه الحياة الدنيا، وتكون تلك التزكية الفطرية في مرحلة بداية ولادة الإنسان، إلى مرحلة أن يصير غلامًا؛ لأنه في تلك المرحلة غير مكلف، بل هو في مرحلة الصفاء والنقاء والإيمان الفطري بالله. وتمتد التزكية الدائمة من الله بعد ذلك للأنبياء دون غيرهم؛ لأنهم متصفون بالعصمة والوقوع في الزلل.
ثانيًا: التزكية المكتسبة:
يقصد بالتزكية المكتسبة: التزكية التي يكتسبها الإنسان من خلال مجاهدته لنفسه الأمارة بالسوء، ومقاومة شهواته المختلفة؛ لتتخلى تلك النفس عن القبائح والرذائل، وتتحلى بالفضائل من السلوكيات والأخلاق، من خلال العمل بالطاعات والمبرات والقربات، وهذا يعني أن التزكية المكتسبة تحتاج لأمرين: الأمر الأول: عزيمة قوية وإرادة متينة. الثاني: الاستمرار طالما بقي الإنسان على قيد الحياة.
من أجل ذلك أمر الله الحق بها، فقال تعالى: {وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} [فاطر: 81] .
يحض الحق سبحانه وتعالى على تزكية النفوس وتطهيرها فيقول: {وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} .
يقول تعالى ذكره: ومن يتطهر من دنس الكفر والذنوب بالتوبة إلى الله، والإيمان به، والعمل بطاعته، فإنما يتطهر لنفسه، وذلك أنه يثيبها به رضا الله، والفوز بجنانه، والنجاة من عقابه الذي أعده لأهل الكفر به 82.
فالجملة الكريمة دعوة من الله تعالى للناس إلى تزكية النفوس وتطهيرها من كل سوء، بعد بيان أن كل نفس مسؤولة وحدها عن نتائج أفعالها، وأن أحدًا لن يلبي طلب غيره في أن يحمل شيئًا عنه من أوزاره 83.
وقوله: {وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} يعني: وإلى الله مصير كل عامل منكم أيها الناس، مؤمنكم وكافركم، وبركم وفاجركم، وهو مجازٍ جميعكم بما قدم من خير وشر على ما أهل منه 84.
قال الرازي: «ثم قال تعالى: « {وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} أي: مصير المتزكي إن لم تظهر فائدته عاجلًا، فالمصير إلى الله يظهر عنده في يوم اللقاء في دار البقاء، والوازر إن لم تظهر تبعة وزره في الدنيا فهي تظهر في الآخرة؛ إذ المصير إلى الله» 85.
قال صاحب الظلال: « {وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ} لا لك ولا لغيرك. إنما هو يتطهر لينتفع بطهره. والتطهر معنى لطيف شفاف، يشمل القلب وخوالجه ومشاعره، ويشمل السلوك واتجاهاته وآثاره. وهو معنى موحٍ رفاف. {وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} وهو المحاسب، والمجازي، فلا يذهب عمل صالح، ولا يفلت عمل سيئ، ولا يوكل الحكم والجزاء إلى غيره ممن يميلون أو ينسون أو يهملون» 86.
إذن القرآن يدعوا إلى تزكية النفس ويدعو الإنسان إلى السعي والبحث عن الوسائل التي تساعده على تزكية نفسه، وتطهيرها من الآثام والذنوب، وسيأتي الحديث عن تلك الوسائل في السطور القادمة إن شاء الله.
لقد نسب الحق سبحانه وتعالى التزكية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه المربي والمزكي لأمته، والمرشد لها إلى طريق الخير، وهذه هي المهمة التي كلفه الله تعالى بها وأمره بأدائها.
قال تعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ} [البقرة: 151 - 152] .
وقد اختلف المفسرون في اتصال قوله: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ} بما قبلها أو بعدها على قولين: قال العلماء: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ} كاف التشبيه تحتاج إلى شيء ترجع إليه:
فقيل: ترجع إلى ما قبلها: والتقدير: لقد حولت القبلة إلى شطر المسجد الحرام لأتم نعمتي عليكم إتماما مثل إتمام نعمتي عليكم؛ بإرسال الرسول صلى الله عليه وسلم فيكم؛ إجابة لدعوة إبراهيم وإسماعيل إذ قالا: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ} وإن قلنا: إنها متعلقة بما قبلها كان وجه التشبيه: أن النعمة في أمر القبلة كالنعمة بالرسالة. وهو تشبيه يدل على عظم شأن تحويل القبلة إلى الكعبة 87.
وقيل: إن الكاف متعلقة بما بعدها وهو قوله: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} : والتقدير: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ} يعلمكم الدين القويم، والخلق المستقيم ومنحتكم هذه النعمة فضلًا مني وكرمًا، {فَاذْكُرُونِي} بالشكر عليها {أَذْكُرْكُمْ} برحمتي وثوابي، ووجه التشبيه أن النعمة بالذكر جارية مجرى النعمة بإرسال الرسول.
وتبين الآية الكريمة صفات الرسول صلى الله عليه وسلم والتي من بينها التزكية، فعدد هنا خمس صفات هي بمثابة وظائف للرسول، وهي على النحو الآتي:
الصفة الأولى: {أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ} وقوله: {فِيكُمْ} متعلق بـ {أَرْسَلْنَا} وقدم على المفعول تعجيلًا بإدخال السرور، وقوله: {مِنْكُمْ} في موضع نصب؛ لأنه صفة لقوله: {رَسُولًا} والمخاطبون بهذه الآية الكريمة هم العرب. وفي إرساله الرسول صلى الله عليه وسلم فيهم وهو منهم نعمة تستوجب المزيد من الشكر؛ لأن إرساله منهم يسبقه معرفتهم لنشأته الطيبة وسيرته العطرة، ومن شأن هذه المعرفة أن تحملهم على المسارعة إلى تصديقه والإيمان به، ولأن في إرساله فيهم وهو منهم شرف عظيم لهم، ومجد لا يعدله مجد؛ حيث جعل سبحانه خاتم رسله من هذه الأمة، ولأن المشهور من حالهم الأنفة الشديدة من الانقياد، فكون الرسول منهم ادعى إلى إيمانهم به وقبولهم لدعوته 88.
فالحق يمن على العرب بأن جعل فيهم رسولًا منهم ليقول مانًا عليهم بذلك، كما من عليهم بجعل القبلة إلى الحرم الآمن الذي قدسوه وكرموه، فالرسول صلى الله عليه وسلم أرسل فيهم وهو منهم، كما قال تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} . [التوبة: 128] .
فهو فيهم ومنهم، وهو أكثر تأليفًا لقلوبهم، ورعاية لنفوسهم وهو الحق من ربهم 89.
وقد قال كذلك: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [آل عمران: 164]
الصفة الثانية: {يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا} .
قال صاحب اللباب: «فيه نعمٌ عليكم عظيمة؛ لأنه معجزة باقية تتأدى به العبادات، ومستفاد منه مجامع الأخلاق الحميدة. وإذا كان المراد بالآيات القرآن، فالتلاوة فيه ظاهرة، وإذا كان المراد بالآيات المعجزات، فمعنى التلاوة لها تتابعها؛ لأن الأصل في التلاوة التتابع، يقال: جاء القوم يتلو بعضهم بعضًا أي بعضهم إثر بعض» 90.
وفي هذه الجملة -كما قال الألوسي- إشارة إلى طريق إثبات نبوته عليه الصلاة والسلام؛ لأن تلاوة الأمي للآيات الخارجة عن طوق البشر باعتبار بلاغتها واشتمالها على الإخبار بالمغيبات والمصالح التي ينتظم بها أمر المعاد والمعاش؛ أقوى دليل على نبوته 91.
الصفة الثالثة: {وَيُزَكِّيكُمْ} .
قال ابن كثير: «أي: يطهرهم من رذائل الأخلاق ودنس النفوس وأفعال الجاهلية» 92.
من وأد البنات، وقتل الأولاد؛ تخلصًا من النفقة، وسفك الدماء لأوهن الأسباب، ويغرس فيها فاضل الأخلاق وحميد الآداب. وبهذه الزكاة التي زكوا بها أنفسهم فتحوا الممالك الكبرى، وكانوا أئمة الأمم التي كانت تحتقر هذا الجنس، وعرفوا لهم فضلهم بعدلهم وسياستهم للأمم سياسة حكيمة أنستهم سياسة الأمم التي قبلهم، وجعلت لذلك الدين أثرًا عميقًا في نفوسهم، فدانوا لحكمه خاضعين، واهتدوا بهديه راشدين 93.
فالتزكية تطهير النفس؛ لأن في أصل خلقة النفوس كمالات وطهارات تعترضها أرجاس ناشئة عن ضلال أو تضليل، فتهذيب النفوس وتقويمها يزيدها من ذلك الخير المودع فيها.
قال تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [التين: 4 - 6] .
وفي الحديث: (بعثت لأتمم حسن الأخلاق) 94، ففي الإرشاد إلى الصلاح والكمال نماء لما أودع الله في النفوس من الخير في الفطرة 95.
«إن الإسلام كما جاء بالتوحيد الماحي للشرك، جاء بالتهذيب المطهر من سفساف الأخلاق وقبائح العادات والمعاصي التي كانت فاشية في العرب، فقد كانوا يئدون بناتهم -يدفنونهن أحياء- ويقتلون أولادهم للتخلص من النفقة عليهم، وذلك نهاية القسوة والشح، وكانوا يسفكون الدماء فيما بينهم لأهون سبب يثير حميتهم الجاهلية؛ لما اعتادوه من البغي في الثارات، ومن شن الغارات، ونهب بعضهم بعضًا، وكان عندهم من التسفل أن أحدهم يتزوج زوج أبيه أو يعضلها حتى تفتدي منه، إلى غير ذلك. وقد زكاهم النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك كله باقتدائهم بأخلاقه العظيمة في عباداته الكاملة وآدابه العالية، وجمعهم بعد تلك الفرقة، وألف الله بينهم على يديه، حتى صاروا كرجل واحد، وجعلت شريعته ذمتهم واحدة يسعى بها أدناهم، فإذا أعطى مولى أو رقيق لهم أمانا لأي إنسان محارب؛ كان ذلك كتأمين أمير المؤمنين له، فأي تزكية أعلى من هذه التزكية؟» 96.
وقدمت جملة {وَيُزَكِّيكُمْ} هنا على جملة {وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} عكس ما جاء في الآية السابقة في حكاية قول إبراهيم: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ} ؛ لأن المقام هنا للامتنان على المسلمين، فقدم ما يفيد معنى المنفعة الحاصلة من تلاوة الآيات عليهم، وهي منفعة تزكية نفوسهم اهتمامًا بها، وبعثًا لها بالحرص على تحصيل وسائلها وتعجيلًا للبشارة بها. أما في دعوة إبراهيم فقد رتبت الجمل على حسب ترتيب حصول ما تضمنته في الخارج، مع ما في ذلك التخالف من التفنن. وقيل: حيث يقدم التزكية يكون معظم المخاطبين عوامًا مقلدين ليسوا أهلًا لتعلم الحكمة والكتاب، فتكون التزكية أهم، وحيث يقدم التعليم يكون المخاطبون خواصًا، فيكون الأهم التعليم مع أن كلا الأمرين مطلوب 97.