ووصفها بالطيبة، وضرب الله بها مثلًا: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ} [إبراهيم: 24] 143. ووصفها كذلك بالوصف الخالد السرمدي كونها تخرق السبع الطباق، وتخرق الحجب {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} [فاطر: 10] .
قال المفسرون: إن الطيب من القول والكلم هو لا إله إلا الله، والطيب المطلق هو معرفة لا إله إلا الله 144.
غير أنه ليس المقصود من دعوة الرسل مجرد التلفظ بالكلمة فحسب، بل لا بد من توفر شروطها حتى تكون نافعة عند الله، وإلا لم تنفع، فهذا عدو الله فرعون لما جاءته المحنة وهي الغرق فزع إلى هذا الذكر، إلى كلمة التوحيد، قال: {آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ} [يونس: 90] ، فلم تنفعه.
أما يونس عليه السلام حينما ابتلعه بطن الحوت، ودخل في ظلمات ثلاث قال تعالى: {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87] .
استجاب الله له، فلماذا قبلت هذه الكلمة من يونس عليه السلام ولم تقبل من فرعون وكلاهما في المحنة؟ وقد قالا جميعًا: لا إله إلا الله، قال العلماء: فرعون ما عرف الله قبل المحنة لذلك ما نفعته عند المحنة، ويونس عرف الله قبل المحنة، فلما جاءت المحنة نفعته هذه الكلمة، وأيضًا أن يونس عليه السلام قال: {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ} كلمة (أنت) يخاطبه وجهًا لوجهٍ، وكأنه يرى الله معه، أما فرعون فقال: {آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ} ففرعون سمع أنه يوجد إله لموسى بيده كل شيء، فلما شرع في الغرق شعر أن إله موسى هو الذي أغرقه، فقال: {آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ} فذكر ضمير الغائب دليل على أنه غير متحقق؛ فهو لم يعرفه في الرخاء حتى يعرفه في الشدة، والمقصود أنها قبلت (لا إله إلا الله) من سيدنا يونس؛ لأنه كان من المسبحين، ولم تقبل من فرعون لأنه لم يكن من المسبحين.
فلا بد من توفر شروط هذا الذكر (لا إله إلا الله) وقد ذكر العلماء من شروط (لا إله إلا الله) ما يلي:
1.العلم بمعناها.
وذلك بأن يعلم الناطق بها معنى هذه الكلمة، وما تضمنته من نفي الألوهية عن غير الله، وإثباتها له سبحانه، قال تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} [محمد: 19] .
2.اليقين.
بمعنى ألا يقع في قلب قائلها شك فيها أو فيما تضمنته؛ لقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا} [الحجرات: 15] .
3.القبول لما اقتضته هذه الكلمة بقلبه ولسانه.
والمراد بالقبول هنا هو المعنى المضاد للرد والاستكبار، ذلك أن الله أخبرنا عن أقوام رفضوا قول لا إله إلا الله، فكان ذلك سبب عذابهم.
قال تعالى: {إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (34) إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ} [الصافات: 34 - 35] .
4.الانقياد لما دلت عليه.
بمعنى: أن يكون العبد عاملًا بما أمره الله به، منتهيًا عما نهاه الله عنه.
قال تعالى: {وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [لقمان: 22] .
قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: «العروة الوثقى هي لا إله إلا الله» 145.
5.الصدق.
ومعناه أن يقولها صادقًا من قلبه، يوافق قلبه لسانه، قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [البقرة: 8 - 9] .
6.الإخلاص.
وهو إرادة وجه الله تعالى بهذه الكلمة، قال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5] .
7.المحبة لهذه الكلمة.
ولأهلها العاملين بها الملتزمين بشروطها، وبغض ما ناقضها، قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [البقرة: 165] .
فهذا هو معنى هذه الكلمة، وهذه هي شروطها التي بها تكون سبب النجاة عند الله سبحانه، وقد قيل للحسن: «إن أناسًا يقولون: من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة، فقال: من قال: لا إله إلا الله فأدى حقها وفرضها دخل الجنة» 146.
والمقصود: أن هذا الذكر (التهليل) فضله عظيم، وقد ورد الأمر به في القرآن، قال تعالى: {فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} [التوبة: 129] .
وقد ورد في فضل هذا الذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله قد حرم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله) 147.
وقال: (أفضل الذكر لا إله إلا الله) 148.
قال المباركفوري رحمه الله: «لأنها كلمة التوحيد، والتوحيد لا يماثله شيء، وهي الفارقة بين الكفر والإيمان؛ ولأنها أجمع للقلب مع الله، وأنفى للغير، وأشد تزكية للنفس، وتصفية للباطن، وتنقية للخاطر من خبث النفس، وأطرد للشيطان» 149.
ومن صور الذكر في القرآن: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أمر الله تعالى بها في القرآن، فقال: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56] .
وهذا فيه تنبيه على كمال الرسول صلى الله عليه وسلم، ورفعة درجته، وعلو منزلته عند الله وعند خلقه، ورفع ذكره.
قال القرطبي: «وهذه الآية شرف الله بها رسوله عليه السلام حياته وموته، وذكر منزلته منه، وطهر بها سوء فعل من استصحب في جهته فكرة سوء، أو في أمر زوجاته ونحو ذلك، والصلاة من الله رحمته ورضوانه، ومن الملائكة الدعاء والاستغفار، ومن الأمة الدعاء والتعظيم لأمره» 150.
وقال ابن كثير: «والمقصود من هذه الآية: أن الله سبحانه أخبر عباده بمنزلة عبده ونبيه عنده في الملأ الأعلى، بأنه يثني عليه عند الملائكة المقربين، وأن الملائكة تصلي عليه، ثم أمر تعالى أهل العالم السفلي بالصلاة والتسليم عليه، ليجتمع الثناء عليه من أهل العالمين العلوي والسفلي جميعًا» 151.
فقوله: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ} أي: يثني الله عليه بين الملائكة، وفي الملأ الأعلى لمحبته تعالى له، وتثني عليه الملائكة المقربون، ويدعون له ويتضرعون 152.
وصلاة الله عليه هنا لا يصلح حملها على معناها اللغوي، وهو الدعاء؛ لأن المعنى غير معقول في حق الله تعالى؛ فإنه لا يدعو له؛ لأن الدعاء للغير طلب نفعه من ثالث 153.
قال الألوسي: «والجملة صيغة خبر، ومعناها الدعاء بالسلامة، وطلبها منه تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم، واستشكل ذلك فيما إذا قال الله تعالى: السلام عليك أيها النبي أو نحوه بأن الدعاء لا يتصور منه عز وجل لأنه طلب، وهو يتضمن طالبًا ومطلوبًا ومطلوبًا منه، وهي أمور متغايرة، فإن كان طلبه سبحانه السلامة لنبيه عليه الصلاة والسلام من غيره تعالى فمحاليته من أجلى البديهيات، وإن كان من ذاته عز وجل لزم أن يغاير ذاته، والشيء لا يغاير ذاته ضرورة، وهذا منشأ قول بعضهم: إن في السلام منه تعالى إشكالًا له شأن، فينبغي الاعتناء به، وعدم إهمال أمره، فقل من يدرك سره» 154.
فإن قيل: إذا صلى الله وملائكته عليه فأي حاجة إلى صلاتنا؟
وقد أجاب الرازي بقوله: «نقول: الصلاة عليه ليس لحاجته إليها، وإلا فلا حاجة إلى صلاة الملائكة مع صلاة الله عليه، وإنما هو لإظهار تعظيمه، كما أن الله تعالى أوجب علينا ذكر نفسه ولا حاجة له إليه، وإنما هو لإظهار تعظيمه منا شفقة علينا ليثيبنا عليه؛ ولهذا قال عليه السلام: (من صلى علي مرة صلى الله عليه عشرًا) » 155.
ونلحظ من هذه الآية أنه أضاف الصلاة إلى الله دون السلام، وأمر المؤمنين بهما معًا، والحكمة كما قال الحافظ ابن حجر في (الفتح) : «وقد سئلت عن إضافة الصلاة إلى الله دون السلام، وأمر المؤمنين بها وبالسلام، فقلت: يحتمل أن يكون السلام له معنيان: التحية والانقياد، فأمر به المؤمنون لصحتهما منهم، والله وملائكته لا يجوز منهم الانقياد، فلم يضف إليهم دفعًا للإيهام، والعلم عند الله» 156.
قال الشهاب الخفاجي عليه الرحمة: «قد لاح لي في ترك تأكيد السلام وتخصيصه بالمؤمنين نكتة سرية، وهي أن السلام عليه -عليه الصلاة والسلام- تسليمه عما يؤذيه، فلما جاءت هذه الآية عقيب ذكر ما يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم والأذية إنما هي من البشر، وقد صدرت منهم، فناسب التخصيص بهم والتأكيد» 157.
وقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56] . اقتداء بالله وملائكته، وجزاء له على بعض حقوقه عليكم، وتكميلًا لإيمانكم، وتعظيمًا له صلى الله عليه وسلم، ومحبة وإكرامًا، وزيادة في حسناتكم، وتكفيرًا من سيئاتكم، وأفضل هيئات الصلاة عليه -عليه الصلاة والسلام- ما علم به أصحابه: (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد) 158.
وهذا الأمر بالصلاة والسلام عليه مشروع في جميع الأوقات، وأوجبه كثير من العلماء في الصلاة 159.
والآية جمعت بين الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم فالأولى أن يقال: صلى الله عليه وسلم.
قال النووي: «إذا صلى على النبي صلى الله عليه وسلم فليجمع بين الصلاة والتسليم، ولا يقتصر على أحدهما، فلا يقل: صلى الله عليه فقط، ولا عليه السلام فقط» 160.
قال ابن كثير: «وهذا الذي قاله منتزع من هذه الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56] . فالأولى أن يقال: صلى الله عليه وسلم تسليمًا» 161.
والتعبير بالجملة الاسمية في صدر الآية؛ للإشعار بوجوب المداومة، والاستمرار على ذلك 162.
و {يُصَلُّونَ} فعل مضارع يدل على الحال والاستقبال، أي: أن الله -جل جلاله- وملائكته منذ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رسولًا يصلون عليه حال نزول الآية، ومستقبلًا وإلى يوم القيامة.
و {تَسْلِيمًا} : مفعول مطلق، أي: نسلم عليه كثيرًا ودوامًا عند زيارته في المسجد النبوي، وفي البعد، وحيث كنا من أرض الله تعالى 163. فهو تسليم عليه، وتسليم له، تسليم عليه بالدعاء له بالأمن والسلام من الله (السلام عليك أيها النبي) والتسليم له من المؤمنين بالطاعة والولاء، فهذه الصلاة وهذا التسليم من المؤمنين هو بعض ما يجزي به المؤمنون النبي من إحسان في مقابل الإحسان العظيم الذي أحسن به إليهم؛ إذ هداهم إلى الإيمان، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، وسلك بهم الطريق إلى رضوان الله، وإلى جنات لهم فيها نعيم مقيم، فما أقل ما يجزي به المؤمن هذا الإحسان الذي لرسول الله في عنقه 164.
والضمير في {يُصَلُّونَ} لله تعالى ولملائكته، وهذا قول من الله شرف به ملائكته، أو في الكلام حذف، والتقدير: إن الله يصلي، وملائكته يصلون.
قال القرطبي: «واختلف العلماء في الضمير في قوله: {يُصَلُّونَ} فقالت فرقة: الضمير فيه لله والملائكة، وهذا قول من الله تعالى شرف به ملائكته، فلا يصحبه الاعتراض الذي جاء في قول الخطيب: «من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى» فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعصي الله ورسوله) 165.
قالوا: لأنه ليس لأحد أن يجمع ذكر الله تعالى مع غيره في ضمير، ولله أن يفعل في ذلك ما يشاء، وقالت فرقة: في الكلام حذف، تقديره: إن الله يصلي وملائكته يصلون، وليس في الآية اجتماع في ضمير؛ وذلك جائز للبشر فعله» 166.
وظاهر صيغة الأمر مع قرينة السياق تقتضي وجوب أن يصلي المؤمن على النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أنه مجملٌ في العدد، فمحمله محمل الأمر المجمل أن يفيد المرة؛ لأنها ضرورية لإيقاع الفعل ولمقتضى الأمر؛ ولهذا ذكر الفقهاء أن الصلاة على النبي (خارج الصلاة) واجبة على كل مؤمن مرة في العمر، فجعلوا وقتها العمر كالحج، وقد اختلفوا فيما زاد على ذلك في حكمه ومقداره، ولا خلاف في استحباب الإكثار من الصلاة عليه، وخاصة عند وجود أسبابها، ومن أسباب الصلاة عليه: أن يصلي عليه من جرى ذكره عنده، وعند الدعاء، وعند سماع الأذان، وعند انتهاء المؤذن، وعند دخول المسجد.
وذكر الفعل المضارع في (يصلون) إشارة إلى الترغيب في الإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم تأسيًا بصلاة الله وملائكته 167.
قال القاسمي: «تدل الآية على وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم مطلقًا؛ لأن الأصل في الأمر للوجوب، فذهب قوم إلى وجوبها في المجلس مرة، ثم لا تجب في بقية ذلك المجلس، وآخرون إلى وجوبها في العمر مرة واحدة، ثم هي مستحبة في كل حال، وآخرون إلى وجوبها كلما ذكر، وبعضهم إلى أن محل الآية على الندب» 168.
قال ابن كثير: «وهذا قول غريب، فإنه قد ورد الأمر بالصلاة عليه في أوقات كثيرة، فمنها واجب، ومنها مستحب» 169.
والظاهر أيضًا أنه لا يحصل الامتثال بأي ثناء ودعاء للنبي صلى الله عليه وسلم بغير هذه الصيغة التي تحتوي على لفظ الصلاة، قال الألوسي: «والظاهر أنه لا يحصل الامتثال باللهم عظم محمدًا التعظيم اللائق ونحوه، مما ليس فيه مشتق من الصلاة، كصل وصلى، فإنا لم نسمع أحدًا عد قائل ذلك مصليًا عليه صلى الله عليه وسلم؛ وذلك في غاية الظهور، إذا كان (قولوا: اللهم صل على محمد) تفسيرًا لقوله تعالى: {صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} أي: وقولوا: والسلام عليك أيها النبي ونحوه، وهذا ما عليه أكثر العلماء الأجلة» 170.
والمقصود: أن من الأذكار العظيمة الواردة في القرآن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وقد جاء الأمر بها في القرآن، إلا أنه لم يبين لنا عز وجل كيفية تلك الصلاة في كتابه، وبينها لنا رسوله صلى الله عليه وسلم، ورغب فيها، وحث عليها، وبين أن أجرها مضاعف، فقال صلى الله عليه وسلم: (فإنه من صلى علي صلاة، صلى الله عليه بها عشرًا) 171، وقد شرعت عند ذكر اسمه، وبعد التشهد في الصلاة، وفي خطبة الجمعة والنكاح ونحوها.
وهي مما يدل على دوام أجره دون انقطاع؛ لأن صلوات الله تعالى عليه، وصلوات الملائكة والمؤمنين لا تنقطع ليلًا ولا نهارًا، وهي من الله تعالى رحمة، ومن الملائكة والمؤمنين دعاء 172.
فيا لها من مرتبة سنية حيث تردد جنبات الوجود، ثناء الله على نبيه، ويشرق به الكون كله، وتتجاوب به أرجاؤه، ويثبت في كيان الوجود ذلك الثناء الأزلي القديم الأبدي الباقي، وما من نعمة ولا تكريم بعد هذه النعمة وهذا التكريم، وأين تذهب صلاة البشر وتسليمهم بعد صلاة الله العلي وتسليمه، وصلاة الملائكة في الملأ الأعلى وتسليمهم، إنما يشاء الله تشريف المؤمنين بأن يقرن صلاتهم إلى صلاته، وتسليمهم إلى تسليمه، وأن يصلهم عن هذا الطريق بالأفق العلوي الكريم الأزلي القديم 173.
ففي الصلاة والسلام عليه اعتناء بإظهار شرفه ورفع شأنه، ومن هنا قال بعضهم: تشريف الله محمدًا صلى الله عليه وسلم بقوله: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} أبلغ من تشريف آدم بالسجود له.
سادسًا: قراءة القرآن:
ومن صور الذكر الوارد الأمر بها في القرآن: قراءة القرآن، والمتتبع لآي القرآن الكريم يجد الأمر واضحًا بتلاوته وتدبره، ويجد ما يترتب على ذلك من الأجر العظيم.
قال تعالى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} [المزمل: 20] .
والمعنى: فاقرءوا من الليل ما تيسر لكم من القرآن في صلاتكم؛ وهذا تخفيف من الله عز وجل عن عباده فرضه الذي كان فرض عليهم بقوله: {قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} [المزمل: 2 - 4] 174.
فالأمر بقراءة القرآن هنا فيه قولان:
الأول: أن المراد من هذه القراءة الصلاة؛ لأن القراءة أحد أجزاء الصلاة، فأطلق اسم الجزء على الكل، أي: فصلوا ما تيسر عليكم.
والقول الثاني: أن المراد قراءة القرآن بعينها، والغرض منه دراسة القرآن؛ ليحصل الأمن من النسيان 175. وليقف المؤمن بقراءته على إعجازه، وما فيه من دلائل التوحيد، وبعث الرسل.
فعلى القول الثاني يكون الأمر بقراءة مستقلة، ويؤيد هذا أن الله قد أمر بترتيل القرآن، فقال: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} أي: اقرأه على تؤدة وتمهل وتبين حروف، بحيث يتمكن السامع من استيعابه، وتدبر معانيه.
والأمر في قوله: {فَاقْرَءُوا} للندب، وقال قوم منهم الحسن وابن سيرين: «هو فرض لا بد منه، ولو أقل ما يمكن» ، حتى قال بعضهم: من صلى الوتر فقد امتثل هذا الأمر، وقيل: كان فرضًا ثم نسخ بالصلوات الخمس، وقيل: هو فرض على أهل القرآن دون غيرهم.
وذكر الله في هذه الآية الأعذار التي تكون لبني آدم تمنعهم من قيام الليل، فمنها: المرض، ومنها: السفر للتجارة، وهي الضرب في الأرض؛ لابتغاء فضل الله، ومنها: الجهاد، ثم كرر الأمر بقراءة ما تيسر؛ تأكيدًا للأمر به، أو تأكيدًا للتخفيف، وهذا أظهر؛ لأنه ذكره بأثر الأعذار 176.
والحاصل: أن تلاوة القرآن سنة من سنن الإسلام، والإكثار منها مستحب؛ لأنها وسيلة إلى فهم كتاب الله، والعمل به، وفضلها ثابت في القرآن الكريم والسنة الشريفة، وأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بتلاوة القرآن، كما دل عليه قوله تعالى: {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (91) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ} [النمل: 91 - 92] .
ومدح المشتغلين بتلاوته، فقال: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [البقرة: 121] .
وقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ} [فاطر: 29] .
وكان مطرف إذا مر بهذه الآية: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ} يقول: «هذه آية القراء» 177، يعني: أثنى الله عليهم بقراءة القرآن.
فقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ} يعني: يقرءون القرآن، وقيل: معناه: يتبعون كتاب الله تعالى، يقال: تلا يتلو إذا تبعه، كقوله تعالى: {وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا} [الشمس: 2] 178.
ولعل الجمع بين القولين أولى، فهم يقرءونه ويتبعونه، لا مجرد قراءة باللسان فقط.
قال السعدي: «أي: يتبعونه في أوامره فيمتثلونها، وفي نواهيه فيتركونها، وفي أخباره، فيصدقونها ويعتقدونها، ولا يقدمون عليه ما خالفه من الأقوال، ويتلون أيضًا ألفاظه، بدراسته، ومعانيه، بتتبعها واستخراجها» 179.