فهرس الكتاب

الصفحة 2148 من 2431

وبين الله سبحانه كيف كانت قيادة النبي صلى الله عليه وسلم من بداية الغزوة فقال: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [آل عمران: 121] .

أي: تبين لهم منازلهم وتجعلهم ميمنة وميسرة وحيث أمرتهم 152، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي على رجليه يسوي تلك الصفوف، ويبوئ أصحابه للقتال يقول: تقدم يا فلان! وتأخر يا فلان! حتى إنه ليرى منكب الرجل خارجا فيؤخره، فهو يقومهم كأنما يقوم بهم القداح 153.

والغدو: الخروج وقت الغداة، وهو أول النهار، وعبر عن الخروج بالغدو الذي هو الخروج غدوة، مع كونه صلى الله عليه وسلم خرج بعد صلاة الجمعة -كما سيأتي-؛ لأنه قد يعبر بالغدو والرواح عن الخروج والدخول من غير اعتبار أصل معناهما، كما يقال: أضحى، وإن لم يكن في وقت الضحى 154.

وفي هذه الآية أعظم مدح للنبي صلى الله عليه وسلم فهو الذي يباشر تدبيرهم وإقامتهم في مقاعد القتال، وما ذاك إلا لكمال علمه ورأيه، وسداد نظره وعلو همته، حيث يباشر هذه الأمور بنفسه وشجاعته الكاملة -صلوات الله وسلامه عليه-155.

6.تنظيم الحراسة الليلية واختيار خمسين من أصحابه لحراسة المعسكر.

لما أدرك النبي صلى الله عليه وسلم الليل في المكان الذي استعرض فيه الجيش، بات هناك، واختار خمسين رجلًا لحراسة المعسكر، وجعل قائدهم محمد بن سلمة، وكان هؤلاء يتجولون حول المعسكر، وتولى ذكوان بن عبد قيس حراسة النبي صلى الله عليه وسلم 156.

7.رد الصغار الذين لا يطيقون القتال من بين الجيش.

عندما وصل الجيش إلى مكان يقال له: (الشيخان) ، استعرض الجيش ورد الذين لا يطيقون القتال من الصغار، وكان منهم عبدالله بن عمر بن الخطاب، وأسامة بن زيد، وأسيد بن ظهير، وزيد بن ثابت، وزيد بن أرقم، وعرابة بن أوس، وعمرو بن حزم، وأبو سعيد الخدري، وزيد بن حارثة الأنصاري، وسعد بن حبتة، وأجاز رافع بن خديج، وسمرة بن جندب على صغر سنهما، وذلك أن رافع بن خديج كان ماهرًا في رماية النبل، وسمرة كان أقوى من رافع؛ لأنهما تصارعا بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فصرع سمرة رافعًا، فأجازه النبي صلى الله عليه وسلم 157.

قال ابن إسحاق: «ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل الشعب من أحد في عدوة الوادي إلى الجبل» 158.

8.اختيار خمسين من الرماة وجعلهم على جبل الرماة.

انتخب النبي صلى الله عليه وسلم من الجيش خمسين من الرماة الماهرين، وأعطى قيادتهم لعبدالله بن جبير بن النعمان الأنصاري، وأمرهم بالتمركز على جبل يقع على الضفة الجنوبية من وادي قناة جنوب شرق المعسكر، على بعد حوالي مائة وخمسين مترًا من مقر الجيش الإسلامي، عرف هذا الجبل بعد ذلك بجبل الرماة 159.

أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم الرماة بعدة وصايا، وذلك تأكيدًا عليهم بألا يغادروا أماكنهم، فقال لقائد الرماة: (انضح عنا الخيل بالنبل، لا يأتوننا من خلفنا، إن كانت لنا أو علينا، فاثبت مكانك لا نؤتين من قبلك) 160.

9.الانسحاب التكتيكي.

لما خالف الرماة أمر رسول الله وطوق جيش المسلمين تجمع حول النبي صلى الله عليه وسلم جماعةٌ من الصحابة؛ فيهم أبو بكر وعمر وعلي، وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام والحارث بن الصمة، ورهط من المسلمين 161، فأخذ الرسول صلى الله عليه وسلم بعملية الانسحاب المنظم إلى شعب الجبل، فشق طريقًا بين المشركين المهاجمين لبقية الجيش، حتى ينسحبوا إلى الجبل، ويتخلصوا من عملية التطويق التي حلت بهم، وبهذه الطريقة انسحب الجيش، وفشلت عملية التطويق التي كان يراد منها القضاء على ذلك الجيش 162.

10.اتخاذ القرار.

اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم قراره بالخروج لملاقاة عدوه، واتخذ قرارات أخرى في المعركة وبعدها.

ومن ذلك: قتل أسير المشركين، أبا عزة الجمحي، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أسره ببدر، ثم من عليه، فقال: يا رسول الله، أقلني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والله لا تمسح عارضيك بمكة بعدها وتقول: خدعت محمدًا مرتين، اضرب عنقه يا زبير) . فضرب عنقه. قال ابن هشام: وبلغني عن سعيد بن المسيب أنه قال: قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، اضرب عنقه يا عاصم بن ثابت، فضرب عنقه) 163.

وحين أمر صلى الله عليه وسلم بالخروج إلى حمراء الأسد في صبيحة اليوم التالي لغزوة أحد أصدر قراره بألا يخرج إلا من شهد معه القتال يوم أحد فاستأذنه جابر بن عبد الله أن يفسح له في الخروج معه، ففسح له في ذلك 164.

11.عدم تعنيف أصحابه.

لما استشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه وخيرهم بين الخروج للقاء العدو والبقاء في المدينة، واختار الغالبية الخروج، لم يعنفهم مع ما حصل لهم من الآلام والجراح، «لقد كان من حق القيادة النبوية أن تنبذ مبدأ الشورى كله بعد المعركة، أمام ما أحدثته من انقسام في الصفوف في أحرج الظروف وأمام النتائج المريرة التي انتهت إليها المعركة! ولكن الإسلام كان ينشئ أمة، ويربيها، ويعدها لقيادة البشرية. وكان الله يعلم أن خير وسيلة لتربية الأمم وإعدادها للقيادة الرشيدة، أن تربى بالشورى وأن تدرب على حمل التبعة، وأن تخطئ -مهما يكن الخطأ جسيمًا وذا نتائج مريرة-؛ لتعرف كيف تصحح خطأها، وكيف تحتمل تبعات رأيها وتصرفها. فهي لا تتعلم الصواب إلا إذا زاولت الخطأ، والخسائر لا تهم إذا كانت الحصيلة هي إنشاء الأمة المدربة المدركة المقدرة للتبعة» 165.

12.كان النبي صلى الله عليه وسلم قدوة حسنة لأصحابه في الصبر.

فقد أوذي صلى الله عليه وسلم إيذاء شديدا في بدنه حيث سقط في حفرة حفرها أبو عامر الفاسق وشج وجهه الشريف ودخلت حلقتا المغفر في وجنته الشريفة، وأوذي صلى الله عليه وسلم أذًى شديدا، بفقد عمه وأخيه من الرضاعة حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، ومع هذا كله صبر صلى الله عليه وسلم على كل هذا الأذى.

وصف الله غزوة أحد وصفا دقيقا، وبين سبحانه خفايا النفوس، ودخائل القلوب، وذكر سبحانه دروسا عظيمة يستفيد منها المسلم في سيره إلى ربه -تبارك وتعالى-، فمن تلك الدروس ما يلي:

أولًا: المعصية والتنازع سبب لتخلف النصر عن الأمة، فبسبب معصية الرماة أمر النبي صلى الله عليه وسلم، واختلافهم حول الغنائم ذهب النصر عن الأمة بعد أن لاحت بوادره.

قال سبحانه وتعالى: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 152] .

ونلحظ من خلال أحداث غزوة أحد: أن المسلمين انتصروا في أول الأمر حينما امتثلوا أوامر الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم انهزموا لما خالفوا أمره ونزل الرماة من الجبل لجمع الغنائم مع بقية الصحابة رضي الله عنهم.

قال تعالى: {إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [آل عمران: 153] .

وقال تعالى: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 165] .

وختم الآية الأولى بقوله: {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} بعد قوله: {قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} ؛ إعلامًا لهم بعموم قدرته مع عدله، وأنه عادل قادر.

وفي ذكر قدرته هاهنا نكتة لطيفة، وهي أن هذا الأمر بيده وتحت قدرته، وأنه هو الذي لو شاء لصرفه عنكم، فلا تطلبوا كشف أمثاله من غيره، ولا تتكلوا على سواه، وكشف هذا المعنى وأوضحه كل الإيضاح بقوله: {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ} [آل عمران: 166] .

ثم أخبر عن حكمة هذا التقدير، وهي أن يعلم المؤمنين من المنافقين علم عيان ورؤية يتميز فيه أحد الفريقين من الآخر تمييزًا ظاهرًا، وكان من حكمة هذا التقدير تكلم المنافقين بما في نفوسهم فسمعه المؤمنون، وسمعوا رد الله عليهم وجوابه لهم فلله كم من حكمة في ضمن هذه القصة بالغة ونعمة على المؤمنين سابغة، وكم فيها من تحذير وتخويف وإرشاد وتنبيه وتعريف بأسباب الخير والشر، ومآلهما وعاقبتهما! 166.

ثانيًا: حب الدنيا والتعلق بها قد يتسلل إلى قلوب أهل الإيمان والصلاح، وربما خفي عليهم ذلك، فقد وصف الله حال المؤمنين لما شاهدوا الغنيمة بقوله: {مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ} والقرآن يسلط الأضواء على خفايا القلوب، التي ما كان المسلمون أنفسهم يعرفون وجودها في قلوبهم.

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ما كنت أرى أن أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا، حتى نزل فينا يوم أحد: {مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ} 167.

وبذلك يضع قلوبهم أمامهم مكشوفة بما فيها ويعرفهم من أين جاءتهم الهزيمة ليتقوها 168.

ثالثًا: ويتخذ منكم شهداء.

قال تعالى: {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [آل عمران: 140] .

و «هو تعبير عجيب عن معنى عميق، إن الشهداء لمختارون، يختارهم الله من بين المجاهدين، ويتخذهم لنفسه سبحانه، فما هي رزية إذن ولا خسارة أن يستشهد في سبيل الله من يستشهد، إنما هو اختيار وانتقاء، وتكريم واختصاص، إن هؤلاء هم الذين اختصهم الله ورزقهم الشهادة؛ ليستخلصهم لنفسه سبحانه ويخصهم بقربه» 169.

رابعًا: الجنة غالية عزيزة لا تنال إلا على جسر المتاعب والمشاق والصبر على البلاء، قال سبحانه: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 142] .

و «صيغة السؤال الاستنكارية يقصد بها إلى التنبيه بشدة إلى خطأ هذا التصور، تصور أنه يكفي الإنسان أن يقولها كلمة باللسان: أسلمت وأنا على استعداد للموت. فيبلغ بهذه الكلمة أن يؤدي تكاليف الإيمان، وأن ينتهي إلى الجنة والرضوان! إنما هي التجربة الواقعية، والامتحان العملي، وإنما هو الجهاد وملاقاة البلاء، ثم الصبر على تكاليف الجهاد، وعلى معاناة البلاء» 170.

خامسًا: تمحيص المؤمنين وتمييزهم عن المنافقين، ومحق الكافرين باستحقاقهم غضب الله وعقابه، وقد جمع الله ذلك كله في قوله: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 139 - 141] .

وميز الله المؤمن الصادق من المنافق الكاذب، فإن المسلمين لما أظهرهم الله على أعدائهم يوم بدر، وطار لهم الصيت دخل معهم في الإسلام ظاهرا من ليس معهم فيه باطنا، فاقتضت حكمة الله عز وجل أنزل على عباده محنة ميزت بين المؤمن والمنافق، فأطلع المنافقون رؤوسهم في هذه الغزوة، وتكلموا بما كانوا يكتمونه، وظهرت مخبوآتهم، وعاد تلويحهم تصريحا، وانقسم الناس إلى كافر ومؤمن ومنافق انقساما ظاهرا، وعرف المؤمنون أن لهم عدوا في نفس دورهم، وهم معهم لا يفارقونهم، فاستعدوا لهم، وتحرزوا منهم.

قال الله تعالى: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ} [آل عمران: 179] 171.

سادسًا: أهمية الأخذ بالأسباب، أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بجميع الأسباب المادية المعينة له على النصر بعد الله سبحانه، وما ذلك إلا ليعلم أمته، فقد دخل صلى الله عليه وسلم بيته ومعه أبو بكر وعمر، فعمماه وألبساه، فتدجج بسلاحه وظاهر بين درعين، وتقلد السيف، ثم خرج على الناس 172.

فلما خرج قال له الذين ألحوا عليه بالخروج: يا رسول الله، ما كان لنا أن نخالفك، فاصنع ما شئت، إن أحببت أن تمكث بالمدينة فافعل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما ينبغي لنبيٍّ إذا لبس لأمته 173 أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه) 174.

سابعًا: تذكير المؤمنين بمصير الأمم السابقة التي كذبت بدعوة الله تعالى، وكيف جرت فيهم سنته على حسب عادته، وهي الإهلاك والدمار بسبب كفرهم وظلمهم وفسوقهم على أمره.

قال سبحانه: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [آل عمران: 137] .

ثامنًا: تسلية المؤمنين، وتعزيتهم على ما أصابهم من القتل والجراح يوم أحد، قال سبحانه: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139] .

قال أبو جعفر الطبري: «وهذا من الله تعالى ذكره تعزيةٌ لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما أصابهم من الجراح والقتل بأحد.

أي: ولا تضعفوا بالذي نالكم من عدوكم بأحد، من القتل والقروح عن جهاد عدوكم وحربهم، ولا تأسوا فتجزعوا على ما أصابكم من المصيبة يومئذ، فإنكم أنتم الأعلون، الظاهرون عليهم، ولكم العقبى في الظفر والنصرة عليهم، إن كنتم مصدقي نبيي محمد صلى الله عليه وسلم فيما يعدكم، وفيما ينبئكم من الخبر عما يئول إليه أمركم وأمرهم 175.

وقال سبحانه مسليا عباده المؤمنين: {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [آل عمران: 140] .

ومن تسلية الله لعباده المؤمنين في هذه الغزوة قوله تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 146 - 148] .

قال السعدي رحمه الله: «هذا تسلية للمؤمنين، وحث على الاقتداء بهم، والفعل كفعلهم، وأن هذا أمر قد كان متقدما، لم تزل سنة الله جارية بذلك، فقال: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ} أي: وكم من نبي {قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ} أي: جماعات كثيرون من أتباعهم، الذين قد ربتهم الأنبياء بالإيمان والأعمال الصالحة، فأصابهم قتل وجراح وغير ذلك.

{فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا} أي: ما ضعفت قلوبهم، ولا وهنت أبدانهم، ولا استكانوا، أي: ذلوا لعدوهم، بل صبروا وثبتوا، وشجعوا أنفسهم، ولهذا قال: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} » 176.

تاسعًا: بيان أن الموت مكتوب على كل أحد وأن الرسول ميت كغيره لا محالة؛ لأن كل نفس ذائقة الموت، ومهمة الرسول تبليغ ما أرسل به، وقد فعل، وليس من لوازم رسالته البقاء دائما مع قومه، فلا خلود لأحد في هذه الدنيا.

قال ابن القيم رحمه الله: «وقعة أحد كانت مقدمة وإرهاصا بين يدي موت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فثبتهم ووبخهم على انقلابهم على أعقابهم إن مات رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قتل، بل الواجب له عليهم أن يثبتوا على دينه وتوحيده ويموتوا عليه أو يقتلوا، فإنهم إنما يعبدون رب محمد، وهو حي لا يموت، فلو مات محمد أو قتل لا ينبغي لهم أن يصرفهم ذلك عن دينه وما جاء به، فكل نفس ذائقة الموت، وما بعث محمد صلى الله عليه وسلم ليخلد لا هو ولا هم، بل ليموتوا على الإسلام والتوحيد، فإن الموت لا بد منه سواء مات رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بقي، ولهذا وبخهم على رجوع من رجع منهم عن دينه، لما صرخ الشيطان إن محمدا قد قتل، فقال: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 144] .

والشاكرون هم الذين عرفوا قدر النعمة، فثبتوا عليها حتى ماتوا أو قتلوا، فظهر أثر هذا العتاب، وحكم هذا الخطاب يوم مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وارتد من ارتد على عقبيه، وثبت الشاكرون على دينهم، فنصرهم الله وأعزهم، وظفرهم بأعدائهم، وجعل العاقبة لهم» 177.

موضوعات ذات صلة:

غزوة الأحزاب، غزوة بدر، غزوة تبوك، غزوات الرسول مع اليهود

1 انظر: معجم البلدان، الحموي، 1/ 109.

2 سبل الهدى والرشاد، الصالحي، 4/ 243.

3 مغازي الواقدي، 1/ 199.

4 سبل الهدى والرشاد، الصالحي 4/ 231.

5 التحرير والتنوير 4/ 69.

6 مفاتيح الغيب، الرازي 8/ 178 - 179.

7 البحر المحيط في التفسير، أبو حيان 3/ 326.

8 انظر: النكت والعيون، الماوردي 6/ 310، التحرير والتنوير، ابن عاشور، 3/ 144.

9 فتح القدير، الشوكاني، 2/ 350.

10 انظر: مغازي الواقدي 1/ 201 - 202، سبل الهدى والرشاد، الصالحي 4/ 182.

11 مغازي الواقدي 1/ 197.

12 البداية والنهاية، ابن كثير 4/ 6.

13 انظر: السيرة النبوية، ابن هشام 2/ 60.

14 جامع البيان 13/ 529.

15 مغازي الواقدي 1/ 199 - 200.

16 أسباب نزول القرآن، الواحدي، ص 236 - 237.

17 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 4/ 53.

18 السير والمغازي، محمد بن إسحاق ص 323.

19 دلائل النبوة، البيهقي 3/ 397.

20 السير والمغازي، محمد بن إسحاق ص 323.

21 السيرة النبوية، ابن هشام، 2/ 61.

22 المصدر السابق 2/ 67.

23 المصدر السابق 2/ 67 - 68.

24 الرحيق المختوم، صفي الرحمن المباركفوري ص 233.

25 السير والمغازي، محمد بن إسحاق، ص 327.

26 مغازي الواقدي 1/ 220، دلائل النبوة، البيهقي 3/ 220.

27 مغازي الواقدي 1/ 204.

28 إمتاع الأسماع، المقريزي 1/ 132.

29 إمتاع الأسماع، المقريزي، 1/ 132.

30 مغازي الواقدي 1/ 210.

31 إمتاع الأسماع، المقريزي، 1/ 134.

32 الرحيق المختوم، المباركفوري، ص 226.

33 السيرة النبوية، ابن هشام 2/ 63.

34 الرحيق المختوم، المباركفوري، ص 228.

35 السير والمغازي، ابن إسحاق، ص 326، وأخرجه أحمد 19/ 265، رقم 12235.

36 السيرة النبوية، ابن هشام 4/ 10.

37 جامع البيان، الطبري 7/ 378.

38 الكشاف، الزمخشري 1/ 437.

39 في ظلال القرآن، سيد قطب 1/ 515.

40 التحرير والتنوير، ابن عاشور 4/ 134.

41 في ظلال القرآن، 1/ 496.

42 انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، 9/ 395، اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل 5/ 616.

43 فتح القدير، الشوكاني 1/ 449.

44 زاد المسير، ابن الجوزي 1/ 338.

45 فتح القدير، الشوكاني 1/ 449.

46 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 2/ 146.

47 جامع البيان، الطبري 7/ 161.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت