فهرس الكتاب

الصفحة 2227 من 2431

ويقول تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [فصلت: 11] .

فمن هذه الآيات نجد أن السماوات والأرض وهما أكبر أجرام الكون أطاعتا أمر الله دون تردد، ولم تتمردا على أمره؛ لأنهما لم تقبلا بالخيار: أي: تحمل الأمانة، أما الإنسان فإنه على خلاف ذلك، فقد كان له الحق في الخيار؛ وذلك على مسئوليته الشخصية فمن البشر من آمن بحريته دون إكراه أو إلزام، ومنهم من كفر بحريته واختياره.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ?) [الحج: 18] .

فهذه الآية تجمع في مضمونها أنواع المخلوقات جميعها بما في ذلك الناس؛ لأن النص ورد بصيغة الجمع، أي: كل من في السموات ومن في الأرض دون استثناء، ومنها مخلوقات الله المشاهدة للإنسان مثل: الشمس والقمر والنجوم ...

فهذه المخلوقات باستثناء الإنسان تسجد لله دون تردد؛ لأنها مفطورة على الطاعة، وليس لها خيار في غير ذلك.

أما الناس فكثير منهم أطاع الله سبحانه بالسجود والامتثال لأمره بحريته واختياره، وكثير منهم اتبعوا طريق الشيطان فامتنعوا عن السجود دون إكراههم على ذلك، وهو القادر سبحانه؛ لأنه لو أكرههم لما كان لهم حق الاختيار، ولما كانت لهم حرية قبول تحمّل المسئولية أو التكاليف التزامًا واجتنابًا 41.

وهنا ينشأ سؤال مهم وهو: هل الحرية فطرة أم مكتسبة؟

يقول ابن تيمية: «الحرية فطرة في النفس البشرية، ولدت مع خلافة الإنسان في الأرض، وتحمّله للأمانة دون السماوات والأرض والجبال.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأحزاب: 72] .

وهي من الصفات التي اختص بها الإنسان كالعقل والعلم والتفكير التصوري» 42.

فهي نعمة عظمى على الإنسان، لكن في الناس من يسيئون استخدامها، ربما عن عمد، وربما عن جهل، كأولئك الذين يريدون الحياة فوضى باسم الحرية، أو يعمدون إلى نشر الرذيلة، وإشاعة الفاحشة في المجتمع باسم الحرية الشخصية ... الخ، ومثل هؤلاء إن لم يأخذ المجتمع على أيديهم أوشك الله أن يعمهم بعذاب من عنده.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأنفال: 25] .

يقول ابن عباس رضي الله عنهما في تفسيرها: «أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين ظهرانيهم، فيعمهم الله بعذاب» 43.

ويعضد هذا التفسير ما رواه أبو بكر رضي الله عنه حيث قال: «إنكم تقرؤون هذه الآية: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ?) [المائدة: 105] .

وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب) » 44.

ويقول الدكتور راشد الغنوشي: «إن الحرية في التصور الإسلامي أمانة، أي: مسئولية، ووعي بالحق والتزام به، وإخلاص في طلبه، وتضحية من أجله، تبلغ حد الاستشهاد، نعم إن الحرية بالمعنى التكويني هي إباحة واختيار أو هي فطرة، فقد اختصنا الله بخلقة تملك القدرة على فعل الخير والشر، والسير في أكثر من اتجاه ... ، وكانت تلك مسئولية، أما بالمعنى الأخلاقي أو التشريعي فهي: (تكيف) حسب عبارة الأصوليين، الحرية: أن نمارس مسئوليتنا ممارسة إيجابية، أن نفعل الواجب طوعًا ... ، بإتيان الأمر، واجتناب النهي، فنستحق درجة الخلفاء، وأولياء الله الصالحين» 45.

ويرى بعض المحدثين: «أنها مكتسبة، وتعلّل لذلك بأن الشخص الذي يولد في أسرة تتمتع بتربية أفرادها على الحرية والاختيار ينشأ حرًّا مختارًا له شخصيته واختياره، ويظهر أثر ذلك في تصرفاته كلها وآرائه؛ وأما الشخص الذي ينشأ في أسرة ترزح تحت نيران الاستعباد والقهر ينشأ خائفًا جبانًا يعتمد على توجيه الآخرين له» 46 ولكن يردّ على هذا الرأي بأن عدم ظهور الشخصية كان بسبب ما تراكم عليها من أنواع الظلم والاستعباد، أما إذا تخلص من هذا الاستعباد فسوف ينتج عن ذلك نوع من الاستقلال؛ لذا فحرية الإنسان فطرية، ولكن قسر الإنسان لأخيه هو الذي يكبت هذه الحرية فيؤدي إلى عدم ظهورها.

ويرى الدكتور راشد الحارثي: «أن الحرية لها جانبان: جانب فطري تؤيده مظاهر الحرية، أو في الفطرة، ولها جانب مكتسب وذلك بإبراز هذه الفطرة وتنميتها» 47.

قلت: والحرية فطرة وهذا هو الأصل، ولكن يمكن انحراف الإنسان عن أصله وفطرته، إما بعوامل مكتسبة من البيئة، كأن يكون الشخص قد نشأ في بيئة مضطهدة مستعبدة وتريض عليها، فرغمًا عنه يخضع لبيئته، راضيًا بواقعه؛ حفاظًا على حياته، وهذه الصورة ينطبق عليها قوله صلى الله عليه وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) 48 الحديث.

وإما بعوامل ذاتية فكرية كأن ينحرف فكر الشخص ولا يهتدي للصواب رغم وضوحه، كما هو حال الكفار مع الإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم رغم معرفتهم اليقينية له بأنه الصادق الأمين، وصدق الله إذ يقول: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأنعام: 33] .

ويقول سبحانه: (ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ?) [القصص: 56] .

ثالثًا: الحرية المطلقة والفوضى:

ليس من شك أن الحرية المطلقة تقود إلى فوضى مطلقة، ومن ثمّ لابد من وجود ضوابط صارمة لممارسة الحرية بالطريقة الصحيحة، ولعل من الواضح أن المجتمعات المتخلفة لا تحسن في الغالب ممارسة الحرية بالطريقة الصحيحة، فيخطئ من يجعل الحرية مركبًا يستبيح بها كل شيء دون ضوابط، كما يخطئ من يجعل مقاييسه الشخصية معيارًا يتصرف من خلاله كما يشاء، وإن أخطر ما في الحرية أن يمارسها من لا يعرف حدودها، ولا يحسن استعمالها.

والجدير بالذكر أنه لا يوجد خلاف على أن الاستقرار في الأمة الإسلامية، بل وفي أي أمة يحتاج إلى أمن وأمان، وأن هذا الأمر لا يتحقق إلا في غياب الفوضى بكل مظاهرها؛ ولكي يتحقق ذلك لابد أن يبدأ الأمر بتصحيح السلوك الفردي والجماعي، والإحساس بقدر المسئولية المنوطة بالأعناق؛ لأن الإنسان لبنة في كيان المجتمع، وخير له ولمجتمعه أن يكون لبنة صالحة؛ كي لا يتأثر به الآخرون عن فساده وإفساده؛ لذلك يكون ضرره بنفسه ضررًا بفرد من أفراد المجتمع، كما أن ضرره بالآخرين يوجب مساءلته، فإذا قصّر المجتمع في واجبه تجاه من يريد الضرر به، أو بأحد من أفراده يتحمل هو مسئولية ذلك، وتقع عليه نتائج ما قصّر فيه، وإن تدارك السيئ إلى الأصلح خير من إهماله.

فالمسئولية أمر مجمع على وجوبه، وقد أقرتها الشريعة الإسلامية، بل وسائر المجتمعات البشرية على اختلاف عقائدها وسلوكها، تجمع على إقرارها 49.

والمسئولية تكون فردية فيما يتعلق بفرض العين، إذا قصّر به من وجب عليه، ولا يتأثر غيره بتقصيره فيه، وتكون هناك مسئولية جماعية تدخل في مفهوم الفرض الكفائي الذي إذا قام به البعض سقط إثمه عن الآخرين، كما أن درء المفاسد وجلب المصالح هو مسئولية كل فرد كما هو مسئولية الجميع، والمساءلة في ذلك لا شك أنها تكون من الأعلى للأدنى، وليس فوق الإنسان إلا خالقه جل وعلا.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ?) [الأنبياء: 23] .

وقال تعالى: (پ پ پ پ? ? ?) [الحجر: 92 - 93] .

وقال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النحل: 93] .

وكل إنسان مسئول بمفرده عما صدر منه، ولا يؤاخذ بجريرة غيره، قال تعالى: (? ? ? ? ? ?) [الإسراء: 15] .

وقال تعالى: (گ گ ? ? ?) [الطور: 21] .

والأمة تسأل عما صدر عنها، ولا تسأل عما صدر من غيرها؛ لقوله سبحانه: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 134] .

والمسئولية هي مناط التكليف.

وقال صلى الله عليه وسلم: (كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام راع، وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته، وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده، وهي مسئولة عنهم، وعبد الرجل راع على مال سيده، وهو مسئول عن رعيته، ألا كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته) 50.

إذا تقرر ذلك فبدهي أن المسئولية والحرية -من حيث الظاهر- متناقضتان؛ لأن الإنسان لا يكون حرًّا فيما إذا كان مسئولًا، فالحرية كما يتصورها بعض الناس هي الانطلاق من كل مسئولية، أي إن له أن يفعل ما يشاء، وألا يسأل عما يفعل، وهذا أمر لا وجود له في طبائع البشر؛ لأن التصرف الذي يصدر عن الإنسان ويتعدى غيره؛ لابد وأن يكون صاحبه مسئولًا عنه؛ لأن هذا التصرف قد يكون ضارًّا، فهل يقبل أي إنسان أن يصاب بالضرر ولا يكون فاعل ذلك مسئولًا؟!

إن المسئولية منوطة بالشخص ومكانته الاجتماعية، وليس هناك أصدق من قول الرسول صلى الله عليه وسلم حينما عمّم المسئولية بقوله: (كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته) والحرية لا يمكن أن تكون مطلقة دون قيود؛ لأنها تكون حينئذٍ فوضى وليست حرية، وإنما هي حيوانية انفلاتية.

ومن تقييد الحرية تحميل المسئولية للإنسان عما يصدر عنه، وهنا نجد أن الحرية والمسئولية غير متناقضتين، وإنما هما متعاونتان في تحقيق السلام والوئام، وحسن التعايش بين الأفراد، ولو لم يكن الإنسان مسئولًا لم يكن حرًّا 51.

ولهذا وجدنا الأمم جميعها تضع الشرائع والأنظمة لضبط تصرفات أفرادها، وتفرض عليهم الالتزام بها، وعدم الخروج عنها تحت طائلة العقوبة، كما أن العقوبات لم تفرض على مرتكبيها إلا لخروجهم عن الالتزام بهذه النظم، فهي كما يقال: عقوبات رادعة وزاجرة.

يقول الماوردي: «إن الحدود زواجر وضعها الله تعالى للردع عن ارتكاب ما حظر، وترك ما أمر؛ لما في الطبع من مغالبة الشهوات الملهية عن وعيد الآخرة بعاجل اللذة، فجعل الحق سبحانه من زواجر الحدود ما يردع به ذا الجهالة حذرًا من ألم العقوبة ... » 52.

وإن أبرز عقوبة على ترك الحرية للإنسان في أن يفعل بنفسه ما يريد هي العقوبة على الانتحار، وهذه العقوبة لا تعرفها المجتمعات غير المسلمة، ولكنها عقوبة رادعة وزاجرة لمن يقذف بنفسه إلى الهلاك.

وقد قال تعالى محذّرًا من ذلك: (? ? ہ ہ ہ) [البقرة: 195] .

وقال صلى الله عليه وسلم: (من قتل نفسه بحديدةٍ فحديدته في يده يتوجّأ بها في بطنه في نار جهنّم خالدًا فيها أبدًا، ومن شرب سمًّا فقتل نفسه فهو يتحسّاه في نار جهنّم خالدًا مخلّدًا فيها أبدًا، ومن تردّى من جبلٍ فقتل نفسه فهو يتردّى في نار جهنّم خالدًا مخلّدًا فيها أبدًا) 53 الحديث.

فإذا قيل: إن الإنسان حر في أن يفعل بنفسه ما يشاء، نقول له: إنك لم تخلق نفسك ولا تملك إزهاقها، فإذا تصرفت بما يضر هذه النفس المكرّمة فلابد من تحمّل العقوبة على ذلك؛ ردعًا لمن تسوّل له نفسه أن يفعل بنفسه مثل هذا، وإذا أخذنا مسئولية الوالد في تربية أولاده، تأكد لنا أن مصلحة هؤلاء الأولاد أن يلتزموا بأوامر والدهم، كما أن مصلحة المجتمع تتحقق في مؤاخذة الوالد عن تسيب أولاده؛ لأن عاقبة تصرفاتهم الضارة تعود على المجتمع، ولو أننا قلنا: إن إلزام الوالد لأولاده بما يراه في مصلحتهم ليس تقييدًا لحرياتهم لكنّا كمن يهرف بما لا يعرف، ولأضحكنا منا أصحاب العقول الذين يجمعون على أن في تربية الأولاد ما يكون فيه أخذًا على أيديهم بما يصلح شئونهم ويقيّدهم من بعض الحريات؛ لأن الأولاد كالعود النابت في مهب الرياح إن لم تضع له ما يسنده تقاذفته الريح وأهلكته 54.

وكذلك مسئولية ولي الأمر توجب عليه أن يأخذ رعاياه بما يعود عليهم بالنفع المشترك، ومن هنا كانت المسئولية هي صون الحرية من أن تهدد في غير موضعها، أو أن تهان في إساءة فهمها، أو إساءة استعمالها، كما أن فطرة الإنسان اقتضته أن يكون مسئولًا عما تحمّله أو تعهد به أمام خالقه، وإن حريته في التفلت من هذه المسئولية توقعه فيما لا يحمد عقباه؛ لهذا تكون حريته في تكريم هذه الحرية، وعدم تجاوز حريات الآخرين.

وعلى هذا تكون المسئولية مقيّدة للحرية في علاقات الناس بعضهم مع بعض، ما دام الناس يعيشون في ظل نظام يحاسبهم على سيئ أعمالهم 55.

رابعًا: شبهات وردود حول الحرية:

يزعم البعض أن إقامة الحدود فيها تضييق على الأقليات من المواطنين، وإكراه لهم أن يأخذوا بخلاف ما تقرره أديانهم ومذاهبهم، وفي هذا سلب للحرية واعتداء على قداستها، وللجواب على هذه الشبه إجمالًا نقول 56:

••إنّ الحدود التي تقام عليهم هي سبب ارتكاب أفعال محرّمة في دينهم أصلًا، فلم تبح شريعة من الشرائع الزنا أو السرقة أو القتل أو القذف ونحوها؛ ولهذا فإقامة العقوبة عليهم ليس على شيء مباح في دينهم.

••إنّ على المواطن مهما كانت ديانته أن يشترك في نهضة أمته، واستتباب الأمن، وتثبيت دعائم النظام، وطهارة الأخلاق، ولا يتأتى ذلك إلا بإقامة الحدود.

••إنّ الأقليات تحتاج إلى المحافظة على مقوماتها، ولا يكون ذلك إلا بإقامة الحدود، ولو خيّرت الأقليات بين إقامة الحدود وعدمها لاختارت إقامتها؛ لأنّها لا ترضى لمالها أن يسرق، ولا لعرضها أن يخدش، ولا لكرامتها أن تمسّ بما يؤذيها.

••إنّ من الظلم أن نقيم الحدّ على البعض دون البعض الآخر لمجرد الاختلاف في الدين، فكيف نضمن للأقلية حياة آمنة مطمئنة دون أن يطبّق عليهم ما يطبّق على غيرهم؛ ولأننا لو فعلنا ذلك لأطلقنا لهم العنان لارتكاب الجرائم دون أي مساءلة، وفي نفس الوقت كيف نضمن الأمن لأنفسهم وأموالهم وأعراضهم، وهذا لا يستقيم.

••إنّ من حق الدولة أن تدافع عن نظامها بالوسائل الكفيلة بالردع والزجر، ولها أن تنزل العقوبة الملائمة على كل يد تمتد بالإساءة إلى نظامها، لا فرق في ذلك بين الأقلية والأكثرية.

أما عن التفصيل فنقول:

الشبهة الأولى:

إنّ العقوبات الشرعية من جلد وقذف ورجم تعتبر إهدار للآدمية المحرمة، وإيذاء غير مقبول في عصرنا الحاضر، كما أنّ العقوبات تعتبر تدخلًا في الجريمة الشخصية والسلوك الخاص للإنسان، فعقوبة الزاني إذا زنا برضا المجني عليه من مصادرة الحرية، وكذا شرب الخمر.

ويردّ على هذا بالآتي 57:

••إنّ العقوبات ليس فيها هدر للآدمية ولا إهانة لها، فإنّ الإنسان متى اقترف جرمًا معينًا فقد أهان نفسه، واستحق العقاب الذي يمنعه من معاودة جرمه، كما يجعله عبرة لغيره بحيث يحمله ذلك على التفكير بالعقوبة كلما حدّثته نفسه بذلك.

••قد ثبت أنّ العقوبات البدنية مؤثرة بصاحبها، وزاجرة لغيره، أمّا غيرها من العقوبات كالحبس فقد ثبت عدم جدواها، إذ يدخل المجرم بجريمة ويخرج وقد تعلّم جرائم عدّة.

••أمّا دعوى أنّ هذه العقوبات تدخّلٌ في الحرية الشخصية فغير مسلم بها؛ وذلك:

••إنّ حقيقة الحرية لا تعني إطلاق العنان للإنسان في فعل ما يشاء بلا قيد ولا حدود، فتلك هي الفوضى بعينها، وتلك هي إهدار لحرية الآخرين، وعدوان على حقوق الله، وحقوق المجتمع.

••إنّ الآثار التي تتركها جريمتا الزنا وشرب الخمر على الفرد والمجتمع ينتفي معها أن يكون الزنا وشرب الخمر من باب الحرية الشخصية. فالزنا اعتداء على الأسرة، وهدم لكيانها، وتشكيك بالأنساب، وتضييع للأطفال، وإشاعة للريبة في النساء والزوجات، وعزوف عن الزواج، وانتشار للأمراض إلى غير ذلك من المفاسد والأضرار 58، فمن حق المجتمع أن يحمي نفسه من هذه الأضرار. ووقوع الزنا برضا الزانيين لا يجعل الزنا مشروعًا، ولا يزيل أضراره.

••إنّ ادعاء الحرية الشخصية في شرب الخمر فيه كثير من المغالطة؛ لأن الإنسان ليس حرًّا في إيذاء نفسه؛ لأنه ليس ملكًا خاصًّا لنفسه، وإنما هو مملوك لخالقه، فلا يسوغ له أن يعبث بعقل ملك لله، وشارب الخمر يعيش في المجتمع ويستفيد من وجوده فيه أمنًا ورفاهية وسعادة، فعليه إذن أن يلتزم بالنظام العام، وإنما ينفع الجماعة إذا كان سليمًا عقله، صحيحًا جسده، مستقيمًا في تصرفاته، فكل إيذاء يتعرض له الفرد سواء كان بإرادته أم بغير إرادته يعود بالضرر على المجتمع الذي يعيش فيه. وشارب الخمر هو قدوة سيئة أمام غيره، وفيهم كثير من الضعفاء سوف يقتدون به ويقلّدونه بغير وعي في بعض الأحيان. وأسوأ ما يكون الأثر على أسرة السّكير، ولو علم أيّ جريمة يرتكبها في حق أولاده لجلد نفسه بنفسه قبل أن يجلده الآخرون. ولا ننسى المشاحنة والبغضاء التي تقوم بين الشاربين حين يفقد كلٌّ وعيه، وينسى إنسانيته، فتنفلت الشرور، وتهون الجريمة، وتعطّل الإرادة الضابطة، والوعي الوازن للأمور.

••إن ترك الإنسان يعبث ويضر نفسه وغيره بحجة رعاية حريته الشخصية هو منطلق الأطفال الصغار الذين يصرخون ويولولون إذا منعوا من اقتحام النار أو تناولوا المؤذيات، أو عوقبوا على ذلك؛ لئلا يعودوا إلى أفعالهم.

الشبهة الثانية:

عارض بعض شرّاح القوانين الوضعية عقوبة الجلد؛ وذلك لسببين:

••النفور من الألم البدني.

••إنقاص الاحترام الواجب نحو شخص الإنسان.

ويردّ على هذه الشبهة بالآتي 59:

••إنّ عقوبة الجلد تمتاز بأنها موجهة إلى حساسية الجاني المادية، وأن الخوف من ألم الجلد هو أول ما يخافه المجرمون، فيجب الاستفادة من ذلك في إرهابهم.

••إن القول بأن الجلد سبب لإنقاص الاحترام الإنساني، فهو فكرة لا محل لها في العقاب، ولا يصح أن يحتجّ بها لمن لا يوفر الاحترام لنفسه.

••إن الشريعة الإسلامية عندما وضعت عقوبة الجلد لبعض الجرائم لم تضعها اعتباطًا، وإنما وضعتها على أساس من طبيعة الإنسان، وفهم لنفسيته وعقليته، فمثلًا: حينما قرّرت الشريعة عقوبة الجلد للزنا دفعت العوامل النفسية التي تدعو للزنا بعوامل نفسية مضادّة تصرف عن الزنا، فإذا تغلّبت العوامل الداعية على العوامل الصارفة وارتكب الزاني جريمته مرة؛ كان فيما يصيبه من ألم العقوبة وعذابها ما ينسيه اللذة، ويحمله على عدم التفكير فيها.

••إنّ عقوبة الجلد ما تزال مطبّقة في انجلترا، ويلجأ إليها في الولايات المتحدة كوسيلة لتأديب المسجونين، وقد اقترح إدخالها في فرنسا للمعاقبة على أعمال التعدي الشديد التي تقع على الأشخاص؛ وذلك لأنّ العادات قد تطورت تطورًا مخيفًا، وصارت طبقات العامة تلجأ إلى القوة والعنف لحسم المنازعات، وأنّ الإجرام قد تغيّر مظهره، فأصبح أعظم شدّة وأكثر حدّة من ذي قبل، ولا وسيلة لتوطيد الأمن إلا بإعادة العقوبات البدنية.

وهكذا نرى أنّ الشريعة الإسلامية قد سبقت القوانين الوضعية في تقرير عقوبة الجلد.

الشبهة الثالثة:

الاعتراضات على الحرية الدينية في الإسلام:

يعترض عادة على الحرية الدينية في الإسلام باعتراضين شهيرين، وهما: الجهاد في سبيل الله، والعقوبة على الردة، وعادة ما يشترك في توجيههما صنفان، وهما: المعارضون لكل الأديان من الملاحدة وغيرهم، وبعض أتباع الأديان الأخرى، وخاصة اليهودية والنصرانية.

وسوف نقف مع كل اعتراض وقفة سريعة موجزة، نكشف من خلالها عن حقيقة الجهاد في سبيل الله، وعن أهدافه وغاياته، وعن حقيقة عقوبة المرتد، وعن أهدافها ومصالحها، ونجيب في كل ذلك عن سؤال منافاتها للحرية بصورة واضحة وجلية.

الاعتراض الأول: مشروعية الجهاد في سبيل الله:

الجهاد في الإسلام معنى واسع جدًّا، فهو يشمل الجهاد باليد، والجهاد باللسان والبيان، والدعوة إلى الحق، وإنكار المنكر، والجهاد بالمال بإنفاقه في سبيل الله، وجهاد النفس على التزام طاعة الله تعالى.

ولكن كون جهاد العدو وقتاله باليد في سبيل الله أمرًا مشروعًا ومأمورًا به فهو من القضايا البدهية في الإسلام، وهو من أوضح الأمور وأجلاها.

وفهم حقيقة الجهاد، وحسن التعامل مع أحكامه ومع النصوص الشرعية التي جاءت في شأنه مبني بشكل أساس على معرفة المراحل التي مر بها تشريعه وإقراره في الإسلام؛ لأنه بإدراك هذه المراحل يدرك الباحث أهداف الجهاد وغايته، ويدرك أيضًا دلالات النصوص المتعلقة به، ويدرك أيضًا التطورات التي مر بها، ومن ثمّ يحسن الاستدلال بكل نص في المحل الذي يناسبه.

ومن أكبر الإشكالات الاستدلالية عند المعاصرين المنكرين لجهاد الطلب هو أنهم أغفلوا تلك المراحل، ولم يراعوا التدرج التشريعي فيه.

وقد أكد عدد كبير من العلماء في التفسير والفقه على أن المراحل التي مر بها تشريع الجهاد في الإسلام هي أربع مراحل أساسية 60، وهي:

المرحلة الأولى: مرحلة المنع من الجهاد، وهي المرحلة المكية، وقد قال الجصاص: «لم تختلف الأمة أن القتال كان محظورًا قبل الهجرة» 61.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت