فهرس الكتاب

الصفحة 1005 من 2431

الطلاق

أولًا: المعنى اللغوي:

الطلاق لغة: الحلّ ورفع القيد، وهو اسمٌ مصدره التّطليق، ويستعمل استعمال المصدر، وأصله: طلقت المرأة تطلق فهي طالقٌ بدون هاءٍ، وروي بالهاء (طالقةٌ) إذا بانت من زوجها، والطالق من الإبل: الّتي طلقت في المرعى، وقيل: هي الّتي لا قيد عليها، ونعجةٌ طالق: مخلّاة ترعى وحدها، وحبسوه في السّجن طلقًا، أي: بغير قيدٍ ولا كبل. وأطلقه، فهو مطلق وطليق، والجمع طلقاء، والطّلقاء: الأسراء العتقاء. والطّليق: الأسير الّذي أطلق عنه إساره وخلّي سبيله. وطلاق النّساء لمعنيين:

أحدهما: حلّ عقدة النّكاح.

والآخر: بمعنى التّخلية والإرسال 1.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

لا يختلف كثيرًا معنى الطلاق اصطلاحًا عن معناه اللغوي إلا أن له في الاصطلاح الشرعي شروطًا وأحكامًا وصورًا يميزها عما كانت عليه في الجاهلية، ويعرّف الفقهاء الطّلاق بأنه: رفع قيد النّكاح في الحال أو المآل، بلفظٍ مخصوصٍ، أو ما يقوم مقامه 2.

وردت مادة (طلق) في القرآن (14) مرة 3.

والصيغ التي وردت كالآتي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 9 ... {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة:230]

فعل الأمر ... 1 ... {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ} [الطلاق:1]

المصدر ... 2 ... {وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227) } [البقرة:227]

اسم المفعول ... 2 ... {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة:228]

وجاء الطلاق في القرآن بمعناه الشرعي المعروف، وهو: حل عقدة النكاح، وفيه معناه اللغوي أيضًا -وهو التخلية من الوثاق-؛ لأنه تخليةٌ للمرأة من وثاق الزوج 4. ولم يخرج في الاستعمال القرآني عن هذا المعنى.

السراح:

السراح لغةً:

قال ابن فارس: «السين والراء والحاء أصلٌ مطّرد واحد، وهو يدلّ على الانطلاق. يقال منه: أمر سريح، إذا لم يكن فيه تعويق ولا مطل، ثمّ يحمل على هذا السّراح وهو الطّلاق؛ يقال: سرّحت المرأة» 5.

السراح اصطلاحًا:

هو «إطلاق الشي على وجه لا يتهيأ للعود» 6.

الصلة بين السراح والطلاق:

إذا كان الطلاق هو رفع قيد النكاح، وإنهاء العلاقة الزوجية بين الزوجين على وجه لا يتوقع أن يعودا إلى ما كانا عليه سابقًا، فإنه -على هذا المعنى- يرادف معنى السراح.

الفراق:

الفراق لغةً:

مادة (فرق) تدلّ على تمييز وتزييلٍ بين شيئين. ومنه: فرق الشعر. يقال: فرقته فرقًا. والفرق: القطيع من الغنم. والفرق: الفلق من الشّيء إذا انفلق 7.

الفراق اصطلاحًا:

يعني: إنهاء العلاقة الزّوجيّة بين الزّوجين بحكم القاضي بناءً على طلب أحدهما لسببٍ، كالشّقاق والضّرر وعدم الإنفاق، أو بدون طلبٍ من أحدٍ حفظًا لحقّ الشّرع، كما إذا ارتدّ أحد الزّوجين ... 8.

الصلة بين الفراق والطلاق:

بما أن الطلاق هو رفع قيد النكاح، فإنه في ذات الوقت يعني: انفصال كل من الزوجين عن بعضهما البعض، فهو يرادف الفراق على هذا المعنى.

النكاح:

النكاح لغةً:

يقصد به الضم والجمع، وهو مأخوذ من نكحه الدّواء إذا خامره وغلبه، أو من تناكح الأشجار، إذا انضمّ بعضها إلى بعض، أو من نكح المطر الأرض، إذا اختلط في ثراها 9.

النكاح اصطلاحًا:

هو «عقد يرد على تمليك منفعة البضع قصدًا» 10.

الصلة بين النكاح والطلاق:

العلاقة بينهما واضحة، وهي متمثلة في التقابل، فالطلاق يقصد به التفريق بين الزوجين، والنكاح يقصد به الجمع بينهما.

ينقسم الطلاق إلى نوعين: من جهة وقته، ومن جهة عدده، وسوف نتناولهما فيما يأتي:

أولًا: أنواعه من جهة وقته:

1.الطلاق السني والطلاق البدعي.

شرع الإسلام الطلاق وقرنه بأحكامٍ وآدابٍ يهدف من خلالها إلى إنقاذ سفينة الحياة الزوجية، ورأب صدعها قبل فوات الأوان، وقيادتها إلى شاطئ الأمان، ومن تلك التشريعات الحكيمة: مشروعية الطلاق السّنّي، وهو أن يطلّق زوجته في طهر لم يجامعها فيه، والهدف من ذلك منح الزوجين فرصةً للمصالحة والمراجعة، كذلك من فوائد الطلاق السّنّيّ تقصير مدة العدة؛ تيسيرًا على المرأة، ورحمة بها.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ} [الطلاق: 1] .

وقد ورد في سبب نزول هذه الآية: عن عبد اللّه بن عمر رضي الله عنهما أنّه طلّق امرأته وهي حائضٌ على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فسأل عمر بن الخطّاب رضي الله عنه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: (مره فليراجعها، ثمّ ليمسكها حتّى تطهر، ثمّ تحيض، ثمّ تطهر، ثمّ إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلّق قبل أن يمسّ، فتلك العدّة الّتي أمر اللّه أن تطلّق لها النّساء) 11.

قال مجاهد: أي: طاهرًا من غير جماع؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (ليراجعها، ثمّ يمسكها حتّى تطهر، ثمّ تحيض فتطهر، فإن بدا له أن يطلّقها فليطلّقها طاهرًا قبل أن يمسّها، فتلك العدّة كما أمر اللّه عز وجل) 12.

وقال الخازن: «أي: لزمان عدتهن وهو الطهر؛ لأنها تعتد بذلك الطهر من عدتها، وتحصل في العدة عقيب الطلاق، فلا يطول عليها زمان العدة» 13.

وإنما نهي عن طلاق المرأة وقت الحيض لئلا تطول عليها العدة فتضارّ؛ ولأن حالة الحيض قد تكون سببًا في نفور الزوج، فيتسرع في طلاقها بخلاف ما إذا كانت طاهرًا، ولعل الزوج إذا تمهّل حتى يتحرّى السنة في تطليق زوجته فلربّما تنقشع سحابة الهجر والخصام، وتشرق شمس الصفا والوئام، هذا ويراعي الإسلام حالة المرأة النفسية والعضوية في فترة حيضها، فيرجئ الرجل عزمه على الطلاق لحين طهرها؛ لعلها تعود إلى حالتها وطبيعتها بعد انقضاء الحيض.

2.الطلاق قبل الدخول.

يتضمّن حديث القرآن عن الطلاق قبل الدخول أمرين، كلاهما يفصح عن رحمة الإسلام بالمرأة، وتخفيفه عنها:

أولهما: أن المرأة لا تعتدّ منه.

وثانيهما: أن لها الحق في نصف المهر أو في المتعة.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا} [الأحزاب: 49] .

فليس على المطلقة قبل الدخول بها عدة؛ لأن الغرض من العدة استبراء الرحم.

وللمطلقة قبل الدخول حقوق مالية.

قال تعالى: {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (236) وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [البقرة: 236 - 237] .

رفع الله تعالى الحرج عن الرجل إذا طلق المرأة قبل الدخول، ولم يسمّ مهرًا، فلا يجب عليه مهرٌ، لكن إذا طلّقها قبل الدّخول وقد فرض لها مهرًا فلها نصف هذا المهر المسمّى.

والمطلقات أربع:

1.مطلقةٌ مدخولٌ بها مفروضٌ لها، فلها حقّها كاملًا في المهر، ولا يجوز للزوج أن يأخذ مما آتاها شيئًا، وعليها العدة.

2.ومطلقة مدخول بها غير مفروض لها فلها مهر المثل.

3.ومطلقة مفروض لها غير مدخول بها، وهي المذكورة بقوله سبحانه هنا: (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ) فلها نصف المهر المسمّى.

4.ومطلقة غير مفروض لها، ولا مدخول بها، وهي المذكورة في قوله تعالى: (لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ? وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ ? حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ) [البقرة: 236] .

والمراد بالفريضة هنا: تسمية المهر، فلا مهر لها، بل المتعة، ولا عدّة عليها، وتسمية المهر بالفريضة تعظيمًا له، وتشديدًا على أدائه فهو حقٌّ للزوجة، يجب على زوجها الوفاء به.

وقوله: {وَمَتِّعُوهُنَّ} أي: أعطوهن شيئًا يكون متاعًا لهنّ، وظاهر الأمر الوجوب، وبه قال عليٌّ وابن عمر والحسن البصريّ وسعيدٌ بن جبير والزهري وقتادة والضحاك، ومن أدلة الوجوب قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا} [الأحزاب: 49] .

وقال مالك وأبو عبيد والقاضي شريح وغيرهم: إن المتعة للمطلقة المذكورة مندوبة لا واجبة؛ لقوله تعالى: {حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ} ولو كانت واجبة لأطلقها على الخلق أجمعين، ويجاب عنه بأن ذلك لا ينافي الوجوب، بل هو تأكيد له 14.

والمتعة هنا على حساب حال الزوج يسارًا أو إعسارًا، قال تعالى: {وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ} ، وقال تعالى: {مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ} أي: أن الوفاء بذلك، والقيام به شأن أهل التقوى والإحسان، وكل مسلم يجب عليه أن يتقي الله سبحانه، وأن يراعي الإحسان.

قال تعالى: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}

{إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ} أي: المطلقات، فيتنازلن عن حقّهن في المهر أو عن جزء منه {أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} أي: الزوج، بأن يمنحها المهر كلّه.

{وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} الخطاب هنا للرجال وللنساء، ترغيبٌ للجميع في العفو والتسامح، فتقوى الله تعالى درجاتٌ، هناك التقي وهناك الأتقى، والناس يتفاوتون في القرب من تقوى الله تعالى، فإذا كان العادل يتحرّى التقوى فإن العفو أعظم درجةً في التقوى، وإن العفوّ أقرب إلى التقوى، وكون عفو الزوج أقرب للتقوى من حيث إنه كسر قلب مطلقته، فيجبرها بدفع جميع الصداق لها؛ إذ كان قد فاتها منه صحبته، فلا يفوتها منه نحلته؛ إذ لا شيء أصعب على النساء من الطلاق، فإذا بذل لها جميع المهر لم تيأس من ردّها إليه، واستشعرت من نفسها أنه مرغوب فيها، فانجبرت بذلك 15.

{وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} والمعنى: أن الزوجين لا ينسيان التفضّل من كل واحد منهما على الآخر، ومن جملة ذلك أن تتفضل المرأة بالعفو عن النصف، أو يتفضل الرجل عليها بإكمال المهر 16.

وقد تضمّنت هذه الآيات أحكامًا منها:

1.جواز طلاق المرأة قبل الدخول بها، والفرض لها، مع مراعاة حقها في المتعة.

2.المتعة تقدّر على الرجال بحسب اليسار أو الإعسار.

3.للمرأة المطلقة قبل الدخول بها نصف المهر المسمّى لها إلا أن تتنازل عنه، أو عن جزء منه، أو يتنازل الزوج عنه كلّه، فيوفّيها المهر كاملًا، وهذا هو الأقرب للتقوى.

4.الترغيب في مراعاة الفضل والإحسان ومراقبة المولى عز وجل، في هذه الأحوال خاصةً، وفي سائر الأحوال.

5.المتعة واجبةٌ لكل مطلّقة لم يسمّ لها مهر، ومندوبةٌ لغيرها من المطلقات.

6.المطلّقة قبل الدخول لها نصف المهر إذا كان المهر مذكورًا.

ثانيًا: أنواعه من جهة عدده:

وهو نوعان: طلاق رجعي، وطلاق بائن.

1.الطلاق الرجعي.

الطلاق الرجعي: «هو: ما يجوز معه للزّوج ردّ زوجته في عدّتها من غير استئناف عقدٍ» 17.

ورد الحديث عن الطلاق الرجعي أحكامه وآدابه في سورة البقرة، وفي سورة الطلاق.

قال تعالى في سورة البقرة: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 229] .

وقال تعالى في سورة الطلاق: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (1) فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ} [الطلاق: 1 - 2] .

عدده:

في سورة البقرة بيّن تعالى عدده، فقال تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} أي: مرة بعد مرة، وهو الطلاق الرّجعيّ، حيث يمكن للزوج إرجاع زوجته ما دامت في العدة، فإذا انقضت عدّتها لا ترجع إليه إلا بعقدٍ جديد ومهر جديد وبرضاها {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} إمساكٌ بمعروف إذا راجعها، أي: بما هو معروفٌ عند الناس من حسن العشرة، أو تسريحٌ بإحسان إذا لم يرغب في إرجاعها، فيفارقها ويوفّيها حقّها، فهذا من الإحسان الذي أمر الله به.

حقّ الرجل في إرجاع زوجته التي طلّقها مرة أو مرتين:

للزوج أن يراجع زوجته في مدة عدتها، فإذا انتهت العدة سقط حقّه في مراجعتها، وله أن ينكحها بعقد ومهر جديدين، والأمر إليها إن شاءت قبلته أو ردّته، قال تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا} [البقرة: 228] .

وقال: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} إما أن يمسكها ويراجعها بالمعروف، وإما أن يفارقها ويسرّحها بإحسان.

قال تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا} وبعولتهن: أي أزواجهن، وإنما عبّر بالبعولة لأنها من التبعّل وهو حسن المعاشرة، وباعل الرجل أهله لاعبها، وكذلك سمي الزوج بعلًا لأنه قيّمٌ على زوجته مسئول عنها {أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} أي: في خلال مدة العدة، وهذا خاصٌّ بالطلاق الرجعيّ، أما إذا طلّقها ثلاثًا فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره {إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا} أي: بالمراجعة، أي: إصلاح حاله معها وحالها معه.

فإذا اتفق الزوجان على استئناف الحياة الزوجية فلابدّ من مراعاة الحقوق الزوجية، ومعرفة كلّ زوجٍ بما له وما عليه.

قال تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} أي: لهنّ من الحقوق الزوجية كما عليهن من الواجبات {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} بقوامة الرجل على زوجته، وإنفاقه عليها، ولزوم طاعته.

وجاء الحديث عن الطلاق الرجعي في سورة الطلاق.

قال تعالى: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} [الطلاق: 2] .

{فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} أي: فإذا شارفت المطلقة المعتدة على انقضاء عدتها، وقاربت ذلك، فالخيار للزوج فيها إن شاء أن يمسكها بمعروف، أو يفارقها بإحسان {فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} أي: فراجعوهنّ إلى عصمة النكاح مع الإحسان في صحبتهن كما أمر الله، أو اتركوهن حتى تنقضي عدتهن فيملكن أنفسهن.

2.الطلاق البائن.

إذا طلّق الزوج زوجته الطلقة الثالثة فقد بانت منه، وحرمت عليه، فلا تحلّ له إلا إذا نكحت غيره نكاحًا شرعيًّا، والنكاح هنا بمعنى العقد والدخول، فلا يكفي العقد عليها، بل لابدّ من الدخول بها.

قال تعالى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 230] .

وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن رجلًا طلّق امرأته ثلاثًا فتزوجت، فطلّق، فسئل النبي صلى الله عليه وسلم: أتحلّ للأوّل؟ قال: (لا حتّى يذوق عسيلتها، كما ذاق الأوّل) 18.

فإذا طلّقت المرأة ثلاثًا، ثم تزوجت بآخر، ثم طلّقها بعد دخوله بها فإنها تحلّ للزوج الأول إذا عقد عليها، على أن يستأنفا حياتهما الجديدة على أسسٍ متينةٍ، فكما أن الخوف من عدم إقامة حدود الله في الحياة الزوجية يعطي للمرأة الحقّ في الخلع وللرجل الحقّ في الطلاق، فإنه إن ظنّا إمكان المعاشرة والاستمتاع مع رعاية الحقوق والواجبات فيجوز لهما الرجوع ما لم تكن متزوجة بغيره، أي: إن طلّق الرجل زوجته طلقة ثالثة فقد بانت منه وحرم عليه مراجعتها إلا إذا تزوجت زواجًا شرعيًّا من غيره وطلّقت منه.

قال الإمام القرطبي: «قوله تعالى: {إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} [البقرة: 230] شرط، قال طاووس: إن ظنا أن كل واحد منهما يحسن عشرة صاحبه، وقيل: حدود الله فرائضه؛ أي: إذا علما أنه يكون بينهما الصلاح بالنكاح الثاني، فمتى علم الزوج أنه يعجز عن نفقة زوجته أو صداقها أو شيء من حقوقها الواجبة عليه، فلا يحل له أن يتزوجها حتى يبيّن لها، أو يعلم من نفسه القدرة على أداء حقوقها، وكذلك لو كانت به علةٌ تمنعه من الاستمتاع كان عليه أن يبيّن؛ كيلا يغر المرأة من نفسه.

وكذلك لا يجوز أن يغرها بنسب يدّعيه ولا مال له ولا صناعة يذكرها وهو كاذب فيها.

وكذلك يجب على المرأة إذا علمت من نفسها العجز عن قيامها بحقوق الزوج، أو كان بها علة تمنع الاستمتاع من جنون أو جذام أو برص لم يجز لها أن تغره، وعليها أن تبيّن له ما بها من ذلك، كما يجب على بائع السلعة أن يبيّن ما بسلعته من العيوب.

ومتى وجد أحد الزوجين بصاحبه عيبًا فله الرد، فإن كان العيب بالرجل فلها الصداق إن كان دخل بها، وإن لم يدخل بها فلها نصفه، وإن كان العيب بالمرأة ردّها الزوج، وأخذ ما كان أعطاها من الصداق» 19.

{وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} والإشارة إليها تنبيهٌ لها وتنويهٌ وتعظيمٌ لشأنها، وإضافتها لله تعالى لأنها شرعه، وفي الإضافة أيضًا تعظيمٌ لها {يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} يعني: يعلمون ما أمرهم الله تعالى به، وفي هذا تنويهٌ بشرف العلم ومكانة العلماء، وتوجيهٌ لمعرفة الحكم من التشريعات ومقاصدها.

حكم المطلقة ثلاثًا، ومتى تحلّ للزوج الأول:

المطلقة ثلاثًا تحرم على زوجها الأول حتى تتزوج بزوج آخر، وهي التي يسمّيها الفقهاء (بائنة بينونة كبرى) ، وذلك لأن الله تعالى ذكر الطلاق وبيّن أنه مرتان، ثم ذكر حكم الخلع وأعقبه بقوله: {فَإِنْ طَلَّقَهَا} فدلّ على أن المراد به: الطلاق الثالث، والنكاح في قوله تعالى: {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: 230] .

{حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} المراد به: الوطء لا العقد، فلا تحلّ للزوج الأول حتى يطأها الزوج الثاني.

حرمة وبطلان نكاح المحلّل:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت