فهرس الكتاب

الصفحة 667 من 2431

وظاهر الآية أن كل سوء عمله المرء جزي به يستوي في ذلك المؤمن والكافر، قال القرطبي: «قال الجمهور: لفظ الآية عام، والكافر والمؤمن مجازى بعمله السوء، فأما مجازاة الكافر فالنار، لأن كفره أوبقه، وأما المؤمن فبنكبات الدنيا» 74.

ثم استدل على ذلك بما في صحيح مسلم عن أبي هريرة، قال: (لما نزلت {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} بلغت من المسلمين مبلغا شديدا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(قاربوا، وسددوا، ففي كل ما يصاب به المسلم كفارة، حتى النكبة ينكبها، أو الشوكة يشاكها) 75.

وفي مسند أحمد عن أبي بكر بن أبي زهير، قال: أخبرت أن أبا بكر قال: (يا رسول الله كيف الصلاح بعد هذه الآية: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} فكل سوء عملنا جزينا به؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(غفر الله لك يا أبا بكر، ألست تمرض؟ ألست تنصب؟ ألست تحزن؟ ألست تصيبك اللأواء 76؟) قال: بلى. قال: (فهو ما تجزون به) 77.

والآثار في هذا الباب كثيرة 78.

وعليه فالهم والحزن ونحوها مترددة بين كونها بلاء أو عقوبة:

-فهي عقوبة عاجلة يعاقب بها الكافر في الحياة الدنيا، وما أعد الله له يوم القيامة من العذاب المهين أشد وأبقى.

-وهي شيء من العقاب الذي يصيب المؤمن في الحياة الدنيا فيحط عنه العذاب في الآخرة لأن الله لا يجمع عليه العقاب مرتين.

-وهي كذلك من البلاء الذي يرفع من درجة المؤمن عند الله ويزيد في أجره، وليس بين بلاء المؤمن وعقابه فارق إلا إن تصورنا عبدا ليس له ذنب: فبالنظر إلى أنها شيء يحط عنه عقوبة الآخرة فالغم والحزن عقاب، وبالنظر إلى أنه يعظم أجره ويرفع درجته فهو بلاء، والله أعلم.

وقد أخرج الترمذي الحكيم في نوادر الأصول عن حيان قال: صحبت ابن عمر من مكة إلى المدينة فقال لنافع: لا تمر بي على المصلوب -يعني ابن الزبير-، قال: فما فجئه في جوف الليل أن صك محمله جذعه 79، فجلس يمسح عينيه ثم قال: يرحمك الله أبا خبيب إن كنت وإن كنت، ولقد سمعت أباك الزبير يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من يعمل سوء يجز به في الدنيا أو في الآخرة) ، فإن يك هذا بذاك فهيه هيه، قال الله تعالى {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} » 80.

قال الترمذي: «وهذا عام، ثم ميز رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (يجز به في الدنيا أو الآخرة) وليس يجمع الجزاء في الموطنين» 81.

وقال القرطبي: «فدخل فيه البر والفاجر والعدو والولي والمؤمن والكافر، ثم ميز رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بين الموطنين فقال: (يجز به في الدنيا أو في الآخرة) وليس يجمع عليه الجزاء في الموطنين» 82.

قال: «ثم ميز رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث آخر بين الفريقين عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي قال: (لما نزلت {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: ما هذه بمبقية منا، قال:(يا أبا بكر إنما يجزى المؤمن بها في الدنيا ويجزى بها الكافر يوم القيامة) » 83.

والمعنى: أن ما يصيب الكافر من بأساء وضراء في الحياة الدنيا لا يضع عنه عقوبة الآخرة كما توضع بذلك عن المؤمن.

قال الحكيم الترمذي تعليقًا على حديث ابن عمر السابق: «فلما رأى ابن عمر فعله ثم رآه مصلوبًا، ذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ذلك، وذلك لأن المؤمن من يجزى بالسوء في الدنيا بالنصب والتعب ونوائب الدنيا والحزن والغم، والكافر يصيبه ذلك وليس ذاك جزاء له بالسوء الذي قد عمل، وادخر جزاؤه إلى يوم القيامة؛ لأن جميع ما يصيب الكافر من المصائب لا يصبر فيها، وإن صبر فصبره تجلد لا حسبة وتسليم.

والمؤمن في كل ذلك صابر محتسب مذعن، والكافر ساخط على ربه مضمر على عداوته، لأن المؤمن حبب إليه الإيمان وزين في قلبه فالتذت نفسه وطابت فلان القلب ورق الفؤاد وراحت النفس وطابت بلذتها فانقاد له واستسلم وألقي بيديه سلمًا، فإن جاءته أحوال المكاره تحملها وهو في ذلك راض عنه طيب النفس يحمده بلسانه ويرجوه بقلبه وطابت نفسه بما يرى من رحمة الله تعالى عليه بأنه قد محصه وطهره، وإذا خرج من الدنيا انقطع رجاؤه من جميع الخلق وكان متعلق رجائه خالقه.

فإذا أعطى صحيفته يوم القيامة فأتى على سيئاته قيل له تجاوز عن قراءتها فقد تجاوزنا عنك بما أصابك في الدنيا» 84.

لقد وصف القرآن الكريم للغم أدوية ربانية تداوي آلامه وتبدل مكانها رضا وطمأنينة وتسليمًا، ويمكن إجمالها في ما يأتي:

أولًا: الإيمان بالله:

وهو من أنفع الأدوية في النجاة من الغم وعلاجه، وقد قرر القرآن الكريم أن الإيمان بالله سبب لهوان المصائب إذا ما نزلت كما هي سبب لكبح النفس عن الطغيان في حال النعمة.

قال تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23) } [الحديد:22 - 23] .

وإننا -إذا تأملنا نصوص القرآن الكريم- نلمح أن هوان هذه المصائب ينتج عن أمرين:

أحدهما: ما ينبني على الإيمان من اعتقاد العبد أنه ملك لله المتصرف في شؤون خلقه بقدرته وحكمته وتدبيره، وإيمانه بأن المرجع إليه يوم القيامة الذي يعد الفوز فيه هو الفوز المبين، والخسران فيه هو الخسران العظيم، ولا تعد الدنيا كلها -إذا ما قيست به- إلا متاعًا قليلًا.

كما قال جل وعلا: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) } [البقرة:155 - 156] .

«ففي قول العبد إنا لله وإنا إليه راجعون تفويض منه إلى الله وأنه راض بكل ما نزل به من المصائب» 85.

وهذا القول إنما يصدر عن الذين تخلقوا بالصبر واستداموه حتى صار وصفا راسخا لهم، ولذلك «وصف الصابرين بأنهم: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا} لإفادة أن صبرهم أكمل الصبر.

إذ هو صبر مقترن ببصيرة في أمر الله تعالى، إذ يعلمون عند المصيبة أنهم ملك لله تعالى يتصرف فيهم كيف يشاء، فلا يجزعون مما يأتيهم، ويعلمون أنهم صائرون إليه فيثيبهم على ذلك.

فالمراد من القول هنا القول المطابق للاعتقاد، إذ الكلام إنما وضع للصدق، وإنما يكون ذلك القول معتبرًا إذا كان تعبيرًا عما في الضمير، فليس لمن قال هاته الكلمات بدون اعتقاد لها فضل، وإنما هو كالذي ينعق بما لا يسمع.

وقد علمهم الله هذه الكلمة الجامعة لتكون شعارهم عند المصيبة، لأن الاعتقاد يقوى بالتصريح لأن استحضار النفس للمدركات المعنوية ضعيف يحتاج إلى التقوية بشيء من الحس، ولأن في تصريحهم بذلك إعلانا لهذا الاعتقاد وتعليما له للناس» 86.

وهم إذا قالوا ذلك هانت المصائب في نفوسهم وخفت ألمها، ولهم فوق ذلك منحة أخرى: وهي أن يبدلهم الله خيرا مما فقدوا، فقد روى مسلم في صحيحه عن أم سلمة، أنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: (ما من مسلم تصيبه مصيبة، فيقول ما أمره الله: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} ، اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيرا منها، إلا أخلف الله له خيرا منها) 87.

والثاني: ما وعد الله عز وجل -ووعده الحق- من أن يلقي في نفس المؤمن الهدى، قال سبحانه: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (11) } [التغابن:11] .

وقد تضمن مطلع الآية تذكيرا بأن كل ما يصيب العبد من خير أو شر إنما هو بأمر الله، ومن علم ذلك سلم أمره لله، «وقوله تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ} يحتمل أن يريد المصائب التي هي رزايا وخصها بالذكر بأنها الأهم على الناس والأبين أثرًا في أنفسهم، ويحتمل أن يريد جميع الحوادث من خير وشر، وذلك أن الحكم واحد في أنها {بِإِذْنِ اللَّهِ} ، والإذن في هذا الموضع عبارة عن العلم والإرادة وتمكين الوقوع» 88.

وتكرر هذا في سور أخرى فأخبر سبحانه في هذه الآية «بما أخبر به في سورة الحديد: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا} [الحديد:22] .

وهكذا قال هاهنا: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} قال ابن عباس: بأمر الله، يعني: عن قدره ومشيئته {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} أي: ومن أصابته مصيبة فعلم أنها بقضاء الله وقدره، فصبر واحتسب واستسلم لقضاء الله، هدى الله قلبه، وعوضه عما فاته من الدنيا هدى في قلبه، ويقينا صادقا، وقد يخلف عليه ما كان أخذ منه، أو خيرا منه» 89.

وقال ابن عطية: «وقوله تعالى: {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} قال فيه المفسرون المعنى: ومن آمن وعرف أن كل شيء بقضاء الله وقدره، وعلمه، هانت عليه مصيبته وسلم الأمر لله تعالى» 90.

فعلى هذا القول تكون الهداية هداية الإرشاد إلى معرفة الله والإيمان بقدره وحكمته. وقد دلت الآية على أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يلقي الهداية في نفس العبد ويؤيده ما «قرأ سعيد بن جبير وطلحة بن مصرف: «نهد» بالنون» 91.

«وقرأ أبو بكر الصديق، وعاصم الجحدري، وأبو نهيك: «يهد» بياءٍ مفتوحة. ونصب الدال «قلبه» بالرفع. قال الزجاج: هذا من هدأ يهدأ: إذا سكن. فالمعنى: إذا سلم لأمر الله سكن قلبه» 92.

ومعناه حصول الطمأنينة فيه.

ومن لوازم الإيمان بالله الإيمان بالقدر خيره وشره.

ثانيًا: الإيمان بالقدر:

إذا حقق المغموم الإيمان بالقضاء والقدر، خيره وشره، وآمن أن كل شيء بقضاء الله وقدره، ولا راد لما قدر وقضى من أحدٍ من مخلوقاته، ووقف وقفة مع نفسه عند حلول الهم والحزن بسبب ما نزل به، وتذكر بأن الذي قدر هو رب الأرض والسماء، ورب العرش العظيم، ورب الخلق أجمعين، وعرف أن هذا من تمام أركان الإيمان {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49) } [القمر:49] .

(وتؤمن بالقدر خيره وشره) 93؛ نزل في قلبه الطمأنينة والسكينة، وزال عنه ما حل به الغموم والهموم والأحزان.

قال ابن القيم: «وقيل: أكثر الناس همًا بالدنيا أكثرهم همًا في الآخرة، وأقلهم همًا بالدنيا أقلهم همًا في الآخرة. فالإيمان بالقدر والرضى به: يذهب عن العبد الهم والغم والحزن» 94.

وينتج عن الإيمان بالله وبالقدر خيره وشره قناعة العبد بما قسم الله له من رزق وصحة ونحوها.

ثالثًا: القناعة:

القناعة هي قبول الحظ المقسوم للإنسان من الرزق والمال والأولاد والقوة والصحة والمتاع، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس) 95.

وأثر القناعة كسبب لدفع الهموم هام جدًا، إذ إن كل قنوع غير متشوف لما في أيد الناس، وغير ساخط على حاله من الفقر أو الصحة أو غيره. لذلك وصف الله أهل السعادة بالصبر حال البلاء والجود حال العافية، وجعلها خلقا لهم من دون سائر الناس.

قال تعالى: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (9) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (10) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (11) } [هود:9 - 11] .

ويروى: (الزهد في الدنيا يريح القلب والبدن، والرغبة في الدنيا تطيل الهم والحزن) 96.

قيل لبعض الحكماء: «فما سرور الدنيا؟ قال: الرضاء بما رزقت. قال: فما غمها؟ قال: الحرص على ما لعلك لا تناله» 97.

وقال ابن القيم: «وإنما تحصل الهموم والغموم والأحزان من جهتين، أحداهما: الرغبة في الدنيا والحرص عليها. والثاني: التقصير في أعمال البر والطاعة» 98.

وقال أيضًا: «الرابع عشر (من استواء النعمة والبلية عند المؤمن في الرضى بهما؛ لأنهما من الرضى عن الله) : أن السخط باب الهم والغم والحزن، وشتات القلب، وكسف البال، وسوء الحال، والظن بالله خلاف ما هو أهله، والرضى يخلصه من ذلك كله، ويفتح له باب جنة الدنيا قبل جنة الآخرة» 99.

رابعًا: طاعة الله ورسوله:

وطاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فرع عن الإيمان بالله، وهو أنجح وسيلة للنجاة من الغم والهم والحزن والشفاء منه، وذلك بالالتزام بما أمر الله به ورسوله، والانتهاء عما نهى الله عنه ورسوله، ففيهما كمال السعادة، وذهاب الغموم والهموم والأحزان.

قال الله تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132) } [آل عمران:132] .

وقال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا} [المائدة:92] .

وقال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [الأنفال:1] .

وقال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال:46] .

وقال تعالى: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (54) } [النور:54] .

وقال: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (52) } [النور:52] .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «إن الله قد ضمن السعادة لمن أطاعه وأطاع رسوله، وتوعد بالشقاء لمن لم يفعل ذلك، فمناط السعادة طاعة الله ورسوله، كما قال تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69) } [النساء:69] » 100.

وقال ابن القيم: «قال بعض العلماء: فكرت في سعي العقلاء فرأيت سعيهم كلهم في مطلوب واحد، وإن اختلفت طرقهم في تحصيله، رأيتهم جميعهم إنما يسعون في دفع الهم والغم عن نفوسهم؛ فهذا في الأكل والشرب، وهذا في التجارة والكسب، وهذا بالنكاح، وهذا بسماع الغناء والأصوات المطربة، وهذا باللهو واللعب. فقلت: هذا المطلوب مطلوب العقلاء، ولكن الطرق كلها غير موصلة إليه، بل لعل أكثرها إنما يوصل الى ضده، ولم أر في جميع هذه الطرق طريقًا موصلًا اليه.

بل لعل أكثرها إنما يؤثر إلى الإقبال على الله وحده، ومعالمته وحده، وإيثار مرضاته على كل شيء، فإن سالك هذا الطريق فاته حظه من الدنيا فقد ظفر بالحظ العالي الذي لا فوت معه، وإن حصل للعبد حصل له كل شيء، وإن فاته فاته كل شيء، وإن ظفر بحظه من الدنيا ناله على أهنى الوجوه، فليس للعبد أنفع من هذا الطريق، ولا أوصل منه إلى لذته وبهجته وسعادته. وبالله التوفيق» 101.

وقال أيضًا في سياق تفسير قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59) } [النساء:59] .

«وقد اتفق السلف والخلف على أن الرد إلى الله هو: الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول هو الرد إليه في حياته، والرد إلى سنته بعد وفاته؛ سعادة الدارين. ثم قال تعالى: {ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} : أي هذا الذي أمرتكم به من طاعتي وطاعة رسولي وأولياء الأمر، ورد ما تنازعتم فيه إلي وإلى رسولي، خير لكم في معاشكم ومعادكم، وهو سعادتكم في الدارين، فهو خير لكم، وأحسن عاقبة.

فدل هذا على أن طاعة الله ورسوله، وتحكيم الله ورسوله، هو سبب السعادة عاجلًا وآجلًا، ومن تدبر العالم والشرور الواقعة فيه، علم أن كل شر في العالم سببه مخالفة الرسول، والخروج عن طاعته، وكل خير في العالم فإنه بسبب طاعة الرسول، وكذلك شرور الآخرة وآلامها وعذابها، إنما هو من موجبات مخالفة الرسول ومقتضياتها، فعاد شر الدنيا والآخرة إلى مخالفة الرسول وما يترتب عليه.

فلو أن الناس أطاعوا الرسول حق طاعته لم يكن في الأرض شر قط، وهذا كما أنه معلوم في الشرور العامة، والمصائب الواقعة في الأرض، فكذلك هو في الشر والألم والغم الذي يصيب العبد في نفسه، فإنما هو بسبب مخالفة الرسول؛ ولأن طاعته هي الحصن الذي من دخله كان من الآمنين، والكهف الذي من لجأ إليه كان من الناجين؛ فعلم أن شرور الدنيا والآخرة إنما هو الجهل بما جاء به الرسول صلى الله عليه و سلم والخروج عنه، وهذا برهان قاطع على أنه لا نجاة للعبد ولا سعادة إلا: بالاجتهاد في معرفة ما جاء به الرسول صلى الله عليه و سلم علمًا، والقيام به عملًا كمال السعادة» 102.

وقد خص القرآن الكريم في هذا الباب من عموم الطاعات ثنتين: الصبر والصلاة.

خامسًا وسادسًا: الصبر والصلاة:

أمر القرآن الكريم المؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم كما أمر بني إسرائيل بأن يستعينوا على ما نزل بهم من البلاء بالصبر والصلاة، فقال سبحانه مخاطبا بني إسرائيل: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46) } [البقرة:45 - 46] .

قال ابن جرير: «يعني بقوله جل ثناؤه: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ} : استعينوا على الوفاء بعهدي الذي عاهدتموني في كتابكم من طاعتي واتباع أمري، وترك ما تهوونه من الرياسة وحب الدنيا إلى ما تكرهونه من التسليم لأمري، واتباع رسولي محمد صلى الله عليه وسلم بالصبر عليه والصلاة» 103.

و «الصبر: الإمساك في ضيق، يقال: صبرت الدابة: حبستها بلا علف، وصبرت فلانًا: خلفته خلفة لا خروج له منها.

والصبر: حبس النفس على ما يقتضيه العقل والشرع، أو عما يقتضيان حبسها عنه، فالصبر لفظ عام، وربما خولف بين أسمائه بحسب اختلاف مواقعه، فإن كان حبس النفس لمصيبة سمي صبرا لا غير، ويضاده الجزع، وإن كان في محاربة سمي شجاعة، ويضاده الجبن، وإن كان في نائبة مضجرة سمي رحب الصدر، ويضاده الضجر، وإن كان في إمساك الكلام سمي كتمانا، ويضاده المذل، وقد سمى الله تعالى كل ذلك صبرًا» 104.

ولما عطف الصبر على الصلاة قال بعض المفسرين إن المقصود به الصيام، وذلك لتضمن الصيام للصبر.

قال ابن جرير: «وقد قيل: إن معنى «الصبر» في هذا الموضع: الصوم، و «الصوم» بعض معاني «الصبر» . وتأويل من تأول ذلك عندنا أن الله تعالى ذكره أمرهم بالصبر على ما كرهته نفوسهم من طاعة الله، وترك معاصيه. وأصل الصبر: منع النفس محابها، وكفها عن هواها؛ ولذلك قيل للصابر على المصيبة: صابر، لكفه نفسه عن الجزع؛ وقيل لشهر رمضان «شهر الصبر» ، لصبر صائميه عن المطاعم والمشارب نهارا، وصبره إياهم عن ذلك: حبسه لهم، وكفه إياهم عنه، كما تصبر الرجل المسيء للقتل فتحبسه عليه حتى تقتله. ولذلك قيل: قتل فلان فلانًا صبرًا، يعني به: حبسه عليه حتى قتله، فالمقتول «مصبور» ، والقاتل «صابر» » 105.

ويحتمل أن يكون الصبر على إطلاقه وحينئذ «ففيما أمروا بالصبر عليه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه أداء الفرائض، قاله ابن عباس ومقاتل. والثاني: أنه ترك المعاصي، قاله قتادة. والثالث: عدم الرئاسة» 106.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت