فهرس الكتاب

الصفحة 330 من 2431

وفي ذلك يقول الإمام النووي رحمه الله: «اعلم أنه تستحب الشفاعة إلى ولاة الأمر وغيرهم من أصحاب الحقوق والمستوفين لها، ما لم تكن شفاعةً في حدٍ، أو شفاعةً في أمرٍ لا يجوز تركه، كالشفاعة إلى ناظرٍ على طفل أو مجنونٍ أو وقفٍ أو نحو ذلك في ترك بعض الحقوق التي في ولايته، فهذه كلها شفاعةٌ محرمةٌ تحرم على الشافع، ويحرم على المشفوع إليه قبولها، ويحرم على غيرهما السعي فيها إذا علمها؛ ودلائل جميع ما ذكرته ظاهرةٌ في الكتاب والسنة وأقوال علماء الأمة، قال الله تعالى: {مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (85) } [النساء: 85] » 41.

وقد جاء في السنة المطهرة ما يجوز وما لا يجوز من الشفاعة، فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم شفع عند بريرة كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن زوج بريرة كان عبدا يقال له: مغيث، كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي، ودموعه تسيل على لحيته، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعباس: (يا عباس، ألا تعجب من حب مغيث بريرة، ومن بغض بريرة مغيثا) ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لو راجعته) ، قالت: يا رسول الله تأمرني؟ قال: (إنما أنا أشفع) ، قالت: لا حاجة لي فيه) 42.

وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه طالب حاجة أقبل على جلسائه فقال: (اشفعوا فلتؤجروا، وليقض الله على لسان نبيه ما أحب) 43.

قال الإمام النووي رحمه الله في شرح الحديث: «فيه استحباب الشفاعة لأصحاب الحوائج المباحة سواء كانت الشفاعة إلى سلطان ووال ونحوهما، أم إلى واحد من الناس، وسواء كانت الشفاعة إلى سلطان في كف ظلم أو إسقاط تعزير أو في تخليص عطاء لمحتاج أو نحو ذلك» 44.

ويقول عليه الصلاة والسلام كما في حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: (اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ما شاء) 45.

يستفاد منه فوائد، منها: استشفاع الإمام والعالم والخليفة في حوائج الرعية، والساعي فيه مأجور وإن لم تنقض الحاجة 46.

وكذلك تجوز الشفاعة في الحدود مالم تبلغ السلطان، لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب) 47.

ولما روي عن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: «اشفعوا في الحدود ما لم تبلغ السلطان، فإذا بلغت السلطان فلا تشفعوا» 48.

فصاحب الشفاعة الحسنة يثاب عليها ولو لم تقبل شفاعته، لأنه قد بذل ما في وسعه.

ثانيًا: شفاعة محرمة:

الشفاعة المحرمة تشمل التوسل إلى الأضرحة والقبور والأصنام والأنداد وجعلهم وساطة بينهم وبين الله تبارك وتعالى، وهي أيضًا كل شفاعة أو وساطة في إبطال حق من الحقوق، أو إقرار باطل أو تعطيل حد من حدود الله تبارك وتعالى.

وقد ورد ما يفيد تحريمها في الشرع الحنيف، في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها، أن قريشًا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: ومن يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيدٍ، حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلمه أسامة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتشفع في حدٍ من حدود الله) ، ثم قام فاختطب، ثم قال: (إنما أهلك الذين قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمدٍ سرقت لقطعت يدها) 49.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «وفي هذا الحديث من الفوائد منع الشفاعة في الحدود، وقد تقدمت في الترجمة الدلالة على تقييد المنع بما إذا انتهى ذلك إلى أولي الأمر، واختلف العلماء في ذلك، فقال أبو عمر ابن عبد البر: لا أعلم خلافًا أن الشفاعة في ذوي الذنوب حسنة جميلة ما لم تبلغ السلطان، وأن على السلطان أن يقيمها إذا بلغته، وذكر الخطابي وغيره عن مالك أنه فرق بين من عرف بأذى الناس، ومن لم يعرف، فقال: لا يشفع للأول مطلقًا سواء بلغ الإمام أم لا، وأما من لم يعرف بذلك فلا بأس أن يشفع له ما لم يبلغ الإمام» 50.

وقال النووي رحمه الله مبينًا حكم الشفاعة في الحدود: «وأما الشفاعة في الحدود فحرام، وكذا الشفاعة في تتميم باطل، أو إبطال حق ونحو ذلك، فهي حرام» 51.

وقال أيضًا: «وقد أجمع العلماء على تحريم الشفاعة في الحد بعد بلوغه إلى الإمام لهذه الأحاديث، وعلى أنه يحرم التشفيع فيه، فأما قبل بلوغه إلى الإمام فقد أجاز الشفاعة فيه أكثر العلماء إذا لم يكن المشفوع فيه صاحب شر وأذى للناس، فإن كان لم يشفع فيه، وأما المعاصي التي لا حد فيها وواجبها التعزير فتجوز الشفاعة والتشفيع فيها سواء بلغت الإمام أم لا؛ لأنها أهون ثم الشفاعة فيها مستحبة إذا لم يكن المشفوع فيه صاحب أذى ونحوه» 52.

وورد ما يدل على تحريمها إذا بلغ الحد إلى السلطان حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله) 53.

فمما سبق يتبين لنا عدم جواز الشفاعة في الحدود بعد بلوغ السلطان، وكذلك إبطال الحقوق، أو إقرار باطل، والله أعلم.

أولًا: أنواع الشفاعة في الآخرة:

يوم القيامة يوم عصيب يشتد فيه البلاء بالخلق ويطول عليهم الوقوف فيه، مع ما يحصل لهم من المعاناة من حر وأهوال وكربات، فيتجه الناس للبحث عمن يخلصهم فيأتون إلى أبيهم آدم عليه السلام فيعتذر، ثم ينتقلون إلى نوح عليه السلام فيعتذر، ثم يأتون إلى إبراهيم عليه السلام فيعتذر، ثم موسى، ثم عيسى عليهم السلام وكلاهما يعتذر، ثم بعد ذلك ينتقلون إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم فيقول: أنا لها، أنا لها، فيشفع لأهل الموقف لفصل القضاء بينهم، وذلك هو المقام المحمود الذي وعده ربه تبارك وتعالى في قوله: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (79) } [الإسراء: 79] .

قال أكثر أهل العلم: ذلك هو المقام الذي يقومه صلى الله عليه وسلم يوم القيامة للشفاعة للناس ليريحهم ربهم من عظيم ما هم فيه من شدة ذلك اليوم 54.

روى الإمام الطبري عن ابن عباس رضي الله عنه قال: المقام المحمود: مقام الشفاعة 55، ونقل ابن كثير عن ابن عباس أنه قال: «إن ربك سيبعثك مقاما محمودًا، وهي الشفاعة، وكل «عسى» في القرآن فهي واجبة» 56.

وروى الإمام الطبري عن مجاهد والحسن بأن المراد بالمقام المحمود شفاعة محمد يوم القيامة 57.

وقال قتادة: «هي الشفاعة، يشفعه الله في أمته» 58.

وقال القرطبي رحمه الله: «اختلف في المقام المحمود على أربعة أقوال: الأول -وهو أصحها-: الشفاعة للناس يوم القيامة، قاله حذيفة بن اليمان، وفي صحيح البخاري عن ابن عمر قال: إن الناس يصيرون يوم القيامة جثا كل أمة تتبع نبيها تقول: يا فلان اشفع، حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود. وفي صحيح مسلم عن أنس قال حدثنا محمد صلى الله عليه وسلم قال: (إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم إلى بعض، فيأتون آدم، فيقولون له: اشفع لذريتك، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بإبراهيم عليه السلام فإنه خليل الله، فيأتون إبراهيم، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بموسى فإنه كليم الله، فيؤتى موسى، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بعيسى عليه السلام فإنه روح الله وكلمته، فيؤتى عيسى فيقول: لست لها، ولكن عليكم بمحمد صلى الله عليه وسلم، فأوتى فأقول: أنا لها) 59 وذكر الحديث.

وروى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه في قوله: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} سئل عنها قال: (هي الشفاعة) 60.

إذا ثبت أن المقام المحمود هو أمر الشفاعة الذي يتدافعه الأنبياء عليهم السلام، حتى ينتهي الأمر إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فيشفع هذه الشفاعة لأهل الموقف ليعجل حسابهم ويراحوا من هول موقفهم، وهو الخاصة به صلى الله عليه وسلم، ولأجل ذلك قال: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر) 61» 62.

وقال ابن بطال رحمه الله: «والجمهور على أن المراد بالمقام المحمود: الشفاعة، وبالغ الواحدي فنقل فيه الإجماع» 63، ورجح ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله بعد أن ذكر أقوال أئمة التفسير 64.

فالشفاعة ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، وهي واقعة لمن أذن الله تبارك وتعالى له ورضي عنه وعن المشفوع له، قال الله تبارك وتعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255] .

قال القرطبي رحمه الله: «وتقرر في هذه الآية أن الله يأذن لمن يشاء في الشفاعة، وهم الأنبياء والعلماء والمجاهدون والملائكة وغيرهم ممن أكرمهم وشرفهم الله، ثم لا يشفعون إلا لمن ارتضى، كما قال: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء: 28] .

قال ابن عطية: والذي يظهر أن العلماء والصالحين يشفعون فيمن لم يصل إلى النار وهو بين المنزلتين، أو وصل، ولكن له أعمال صالحة» 65.

وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله: «وهذا من عظمته وجلاله وكبريائه عز وجل أنه لا يتجاسر أحد على أن يشفع عنده إلا بإذنه له في الشفاعة، كما في حديث الشفاعة: (آتي تحت العرش، فأخر ساجدًا، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقال: ارفع رأسك، وقل تسمع، واشفع تشفع) ، قال: (فيحد لي حدًا فأدخلهم الجنة) 66» 67.

ثم إن العلماء اختلفوا في شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم إلى أقوال متعددة، فذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الواسطية أن شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث شفاعات، فقال رحمه الله: «أما الشفاعة الأولى؛ فيشفع في أهل الموقف حتى يقضى بينهم بعد أن يتراجع الأنبياء؛ آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى ابن مريم عن الشفاعة حتى تنتهي إليه، وأما الشفاعة الثانية؛ فيشفع في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، وهاتان الشفاعتان خاصتان له، وأما الشفاعة الثالثة؛ فيشفع فيمن استحق النار، وهذه الشفاعة له ولسائر النبيين والصديقين وغيرهم، فيشفع فيمن استحق النار أن لا يدخلها، ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها، ويخرج الله من النار أقواما بغير شفاعة؛ بل بفضله ورحمته» 68.

وقال القرطبي رحمه الله: «إذا أثبت أن المقام المحمود هو أمر الشفاعة الذي يتدافعه الأنبياء عليهم السلام حتى ينتهي الأمر إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فيشفع هذه الشفاعة العامة لأهل الموقف مؤمنهم وكافرهم ليراحوا من هول موقفهم، فاعلم أن العلماء اختلفوا في شفاعاته وكم هي؟، فقال النقاش: لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث شفاعات: العامة، وشفاعة في السبق إلى الحنة، وشفاعة في أهل الكبائر، وقال ابن عطية في تفسيره: والمشهور أنهما شفاعتان فقط: العامة، وشفاعة في إخراج المذنبين من النار، وهذه الشفاعة الثانية لا يتدافعها الأنبياء، بل يشفعون ويشفع العلماء.

قال القاضي عياض شفاعات نبينا صلى الله عليه و سلم يوم القيامة خمس شفاعات:

الأولى: العامة.

الثانية: إدخال قوم الجنة بغير حساب.

الثالثة: في قوم من أمته استوجبوا النار بذنوبهم، فيشفعه فيهم نبينا صلى الله عليه وسلم، و من شاء أن يشفع ويدخلون الجنة، وهذه الشفاعة هي التي أنكرتها المبتدعة الخوارج والمعتزلة، فمنعتها على أصولهم الفاسدة، وهي الاستحقاق العقلي المبني على التحسين والتقبيح.

الرابعة: فيمن دخل النار من المذنبين، فيخرج بشفاعة نبينا وغيره من الأنبياء والملائكة وإخوانهم من المؤمنين.

الخامسة: في زيادة الدرجات في الجنة لأهلها و ترفيعها. قال القاضي عياض: وهذه الشفاعة لا تنكرها المعتزلة، و لا تنكر شفاعة الحشر الأول» 69.

وذكر ابن أبي العز الحنفي في شرحه على الطحاوية بأن الشفاعة ثمانية أنواع 70، ومنها ما هو خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، وذكر الشيخ حافظ الحكمي رحمه الله أن الشفاعة ستة أنواع 71، وكذلك الشيخ عمر الأشقر 72، فإذا تقرر هذا فإن الشفاعة في الآخرة أنواع:

النوع الأول: الشفاعة العامة.

وهي التي يتدافعها الأنبياء آدم إلى نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام، كل واحد يحيل على الآخر إلى أن يصلوا إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، كما تقدم الكلام عليها باختصار في بداية المطلب، وهي المقام المحمود الذي يحمده عليه الأولون والآخرون.

قال الله تبارك وتعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (79) } [الإسراء: 79] .

وثبت عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم إلى بعض، فيأتون آدم، فيقولون له: اشفع لذريتك، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بإبراهيم عليه السلام، فإنه خليل الله، فيأتون إبراهيم فيقول: لست لها، ولكن عليكم بموسى عليه السلام، فإنه كليم الله، فيؤتي موسى فيقول: لست لها، ولكن عليكم بعيسى عليه السلام، فإنه روح الله وكلمته، فيؤتي عيسى فيقول: لست لها، ولكن عليكم بمحمد صلى الله عليه وسلم، فأوتى، فأقول: أنا لها، فأنطلق فأستأذن على ربي، فيؤذن لي، فأقوم بين يديه فأحمده بمحامد لا أقدر عليه الآن يلهمينه الله، ثم أخر له ساجدًا، فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعطه واشفع تشفع، فأقول: رب أمتي أمتي، فيقال: انطلق، فمن كان في قلبه مثقال حبة من برة، أو شعيرة من إيمان فأخرجه منها، فأنطلق فأفعل، ثم أرجع إلى ربي فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدًا، فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: أمتي أمتي، فيقال لي: فمن كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه منها، فأنطلق فأفعل، ثم أعود إلى ربي فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجدًا، فيقال لي: يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقال لي: انطلق فمن كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه من النار، فأنطلق فأفعل) 73.

قال النووي رحمه الله: «والحكمة في أن الله تعالى ألهمهم سؤال آدم ومن بعده صلوات الله وسلامه عليهم في الابتداء ولم يلهموا سؤال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هي، والله أعلم - إظهار فضيلة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فإنهم لو سألوه ابتداء لكان يحتمل أن غيره يقدر على هذا ويحصله، وأما إذا سألوا غيره من رسل الله تعالى وأصفيائه فامتنعوا، ثم سألوه فأجاب وحصل غرضهم فهو النهاية في ارتفاع المنزلة وكمال القرب وعظيم الإدلال والأنس، وفيه تفضيله صلى الله عليه وسلم على جميع المخلوقين من الرسل والآدميين والملائكة، فإن هذا الأمر العظيم، وهي الشفاعة العظمى لا يقدر على الإقدام عليه غيره صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين، والله أعلم» 74.

فالحكمة من جعل الناس يترددون على غير النبي صلى الله عليه وسلم فيه بيان إظهار فضله عليه الصلاة والسلام، كما يقول السفاريني رحمه الله: «وحكمة إلهام الناس التردد إلى غير النبي صلى الله عليه وسلم قبله، ولم يلهموا المجيء إليه من أول وهلة لإظهار فضله وشرفه صلى الله عليه وسلم» 75.

النوع الثاني: شفاعته صلى الله عليه وسلم في أقوام قد تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فيشفع ليدخلوا الجنة.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: «وظهر لي بالتتبع شفاعة أخرى، وهي الشفاعة فيمن استوت حسناته وسيئاته أن يدخل الجنة، أرجح الأقوال في أصحاب الأعراف أنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم» 76.

وقال ابن أبي العز الحنفي رحمه الله: «شفاعته صلى الله عليه وسلم في أقوام قد تساوت حسناتهم وسيئاتهم فيشفع فيهم ليدخلوا الجنة، وفي أقوام آخرين قد أمر بهم إلى النار أن لا يدخلونها» 77.

النوع الثالث: شفاعته صلى الله عليه وسلم في قوم قد أمر بهم إلى النار أن لا يدخلوها 78.

النوع الرابع: شفاعته صلى الله عليه وسلم في رفع درجات من يدخل الجنة فيها فوق ما كان يقتضيه ثواب أعمالهم 79.

ودليل هذا النوع عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: (دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سلمة وقد شق بصره، فأغمضه، ثم قال:(إن الروح إذا قبض تبعه البصر) ، فضج ناس من أهله، فقال: (لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون) ، ثم قال: (اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره، ونور له فيه) 80.

وعن أبي موسى رضي الله عنه، قال: دعا النبي صلى الله عليه وسلم بماء فتوضأ به، ثم رفع يديه فقال: (اللهم اغفر لعبيد أبي عامر) ، ورأيت بياض إبطيه، فقال: (اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من الناس) 81.

قال القرطبي رحمه الله: «شفاعته صلى الله عليه وسلم في زيادة الدرجات في الجنة لأهلها وترفيعها» 82.

النوع الخامس: شفاعته صلى الله عليه وسلم في أقوام أن يدخلوا الجنة بغير حساب 83.

ويستدل لهذا النوع بحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ويدخل من أمتي الجنة سبعون ألفًا بغير حساب) ، فقال رجل: يا رسول الله! أدع الله أن يجعلني منهم، قال: (اللهم اجعله منهم) ، ثم قام آخر فقال: يا رسول الله! أدع الله أن يجعلني منهم، قال: (سبقك بها عكاشة) 84.

ووجه الدلالة منه دعاؤه لعكاشة بن محصن أن يجعله من أولئك السبعين ألفًا فدعاؤه صلى الله عليه وسلم شفاعة له 85.

النوع السادس: الشفاعة في تخفيف العذاب عمن يستحقه، كشفاعته صلى الله عليه وسلم في عمه أبي طالب أن يخفف عنه عذابه 86.

ودليله ما في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر عنده عمه أبو طالب فقال: (لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح من نار، يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه) 87.

قال القرطبي في التذكرة بعد ذكر هذا النوع: «فإن قيل: فقد قال تعالى: {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (48) } [المدثر: 48] .

قيل له: لا تنفعه في الخروج من النار، كما تنفع عصاة الموحدين، الذين يخرجون منها ويدخلون الجنة» 88.

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: « (لعله تنفعه شفاعتي) ظهر من حديث العباس وقوع هذا الترجي، واستشكل قوله صلى الله عليه وسلم: (تنفعه شفاعتي) بقوله تعالى: {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} .

وأجيب بأنه خص، ولذلك عدوه في خصائص النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: معنى المنفعة في الآية يخالف معنى المنفعة في الحديث والمراد بها في الآية الإخراج من النار، وفي الحديث المنفعة بالتخفيف» 89.

وهذه الشفاعة خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم.

النوع السابع: شفاعته صلى الله عليه وسلم في أن يؤذن لأهل الجنة في دخولها 90.

ومن أدلة هذا النوع ما جاء في صحيح مسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنا أول الناس يشفع في الجنة، وأنا أكثر الأنبياء تبعًا) 91.

وفي حديث آخر عنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (آتي باب الجنة يوم القيامة، فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت، لا أفتح لأحد قبلك) 92.

وهذه الشفاعة خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أن أهل الجنة إذا عبروا الصراط، وقفوا على قنطرة فيقتص بعضهم من بعض، وهذا القصاص غير القصاص الذي يكون في عرصات القيامة، بل هو أخص يطهر الله سبحانه فيه القلوب، ويزيل ما فيها من أحقاد وضغائن، فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، ولكنهم إذا أتوا إلى الجنة وجدوها مغلقة لا تفتح لهم الأبواب حتى يشفع لهم الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت