فهرس الكتاب

الصفحة 2262 من 2431

وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يحث أصحابه على الصبر ويحذرهم القنوط، وفي حديث خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: (أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة، فقلت: يا رسول الله ألا تدعو لنا؟ فقعد وهو محمر الوجه فقال:(لقد كان من كان قبلكم ليمشط بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم أو عصب، ما يصرفه ذلك عن دين، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنتين ما يصرفه ذلك عن دينه) 118.

وما هذا التحذير من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا لأن القنوط واليأس يؤدي للاستسلام للعدو، والحذر من ذلك هو ما تحتاجه الأمة وخصوصًا في هذا العصر الذي اجتمعت فيه كل القوى ضد المسلمين وتكالبوا عليها واستسلم الكثير بعدما غفلوا عن ضرورة الصبر في مواجهة الكفار.

••تميز الشاكرين من الجاحدين.

والشكر اعتراف بنعمة الله وكرمه وإحسانه، فالشاكر لسانه رطب بحمد الله، وشكر الله من قبل الإنسان في حال الفتنة بالسراء والنعمة هو كذلك فضل من الله يحتاج إلى شكر آخر ومن الشكر استعمال نعمة الله فيما يحب، والكفر والجحود نقيض ذلك باستعمال نعمة الله فيما يكرهه سبحانه، وذلك باتباع الشرع واستعمال كل شيء في موضعه الذي وضعه الله تعالى له، وبعكسه يكون قد جحد النعمة

ومن الفتنة في هذا المجال أن الإنسان لا يحدث بالنعمة بينما يعدد المصائب، وهو الجحود بعينه وقال عنهم تعالى: (إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ) [العاديات:6] .

ومن شكر المنعم ذكر آلائه (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) [الضحى:11] .

كما أن الاستهزاء بدل الشكر جحود وأعظم كفرا، فقد قال تعالى عن بني إسرائيل: (وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَ?ذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ? وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ(58) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) [البقرة:58 - 59] .

وهناك من يلجأ إلى الله ساعة الخطر، فإذا زال تنكر كما قال تعالى: (وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ ? وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍہ) [لقمان:32] .

فيتبين حال الجاحد والكافر عند انكشاف الفتنة وزوال البلاء، فهو يجحد ويطعن وينسب الفضل في كشف ذلك لنفسه كما قال تعالى: (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ) [هود:10] .

أما الحكمة الأخرى في رفع المنزلة فتتمثل في عدة جوانب:

••الرضا الموجب لرضوان الله تعالى.

فالمصائب تنزل بكل الناس فالساخط يخسر الدنيا والآخرة، أما من رضيها فله الرضا من الله سبحانه وتعالى حيث قال: (فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ? وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ?) [التوبة:72] .

••تكفير السيئات.

وذلك يعني التمحيص للذنوب والخطايا، فقد دلت نصوص كثيرة على أن ما يتعرض له الإنسان في حياته من فتن ومحن وابتلاءات تكون بمثابة كفارات للذنوب، إذا هو صبر عليها واحتسب، ومن ثم ييسر له الله الخيرومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: (وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ(وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ) [آل عمران:141] .

قال الشوكاني: «والتمحيص: التطهير، أي ليخلص المؤمنين من ذنوبهم فتبقى صحائفهم نقية، ليس فيها إلا الحسنات» 119.

وهناك أحاديث كثيرة كلها تفيد تكفير السيئات للعبد المبتلى بالفتن والمحن صغيرها وكبيرها، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (ولا يصيب المؤمن من وصب ولا نصب حتى الهم يهمه، والشوكة يشاكها إلا كفر به عن سيئاته) 120.

••الثواب في الدنيا والآخرة.

من كرم الله سبحانه وتعالى أن يكافئ من يبتليه في الحياة الدنيا ويعوضه ما فقده، كما حصل للنبي أيوب عليه السلام فقد أعاد له أهله ومثلهم، وكما عوض الله أم سليم زوج الصحابي أبي طلحة حين صبرت على فقدها ولدها.

والأجر في الدنيا ثابت في القرآن الكريم، قال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى? وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) [النحل:97] .

وفضلًا عن مكافأة الدنيا فللابتلاء ثواب في الآخرة، ويكون الأجر حسب درجة الابتلاء، وليس المقصود هو الأجر على المصيبة بل على الصبر والرضا، لأن الأجر يترتب على الفعل المكتسب «وإن رضي بها ـ أي المصيبة كان له أجر الراضين، ولا يؤجر على نفس المصيبة لأنها ليست مني عمله فقد قال تعالى: (إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [الطور:16] 121.

كما يكون الابتلاء بالفتن والمحن وسيلة لدخول الجنة، قال تعالى: (أمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) [آل عمران:142] .

••اتخاذ الشهداء.

أن الله سبحانه وتعالى هيأ لعباده المؤمنين منازل في دار كرامته، لم تبلغها أعمالهم، ولم يكونوا بالغيها إلا بالفتن فقيض الله لهم الأسباب التي توصلهم إليها، ومن تلك المنازل «الشهادة» وقد رتب الله ذلك بعدما أوضح أن ذلك من حكم الابتلاء: (وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ ?) [آل عمران:140] .

أي: وليكرم فئة منكم بالشهادة ليمنحها عنده كرامة الشهداء ما دامت أعمارهم قد انتهت، وآجالهم قد حلت فلئن يموتوا شهداء خير لهم «122.

وفي هذه الآية بيان الحكمة من ابتلاء المؤمنين بظهور الكفار يوم أحد فمنها تمييز أهل الإيمان والصبر، ومنها إدراك بعض المؤمنين الشهادةكما وضحت آية أخرىلحكمة من ابتلاء المؤمنين بالجهاد (ذَ?لِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَ?كِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ ? وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ) [محمد:4] .

فقوله «ليبلو بعضكم ببعض» أي «فيصير من قتل من المؤمنين إلى الثواب، ومن قتل من الكفار الى العذاب» 123، ثم بين بعد ذلك الثواب وهو الجنة التي عرفها لهم.

ثانيًا: تمييز الخبيث من الطيب واختيار القيادات الراشدة:

في الفتن وخصوصًا الفتن الجماعية تظهر معادن الناس وصفاتهم من الصبر والشجاعة والزهد والتواضع والثبات والكرم، مما يناقضها كالشح والجبن والجشع والكبرياء وغيره.

وتنكشف حقيقة النفوس المدعية، فمدعي الإيمان والثبات قد يولي هاربًا ويتراجع عن كل شيء فتقام عليه الحجة.

قال تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى? نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ?31? [محمد:31] .

وفي الفتنة يثبت من عصمهم الله بالإيمان، فيتحملون الأمانة الكبرى، وبذلك يتم نفي الخبث عن الدعوة 124، بأن يسقط المنافقون والمداهنون ويتنحون عن المؤمنين، وهؤلاء لا يجدون عند الناس إلا الاستخفاف، بينما يكبر في أعين الناس وقلوبهم أولئك المجاهدون المضحون في سبيل الدعوة، بل حتى في نظر خصومهم

ومن حكمة الله تعالى عدم دخول المتكبرين المتطلعين إلى الزعامة في الإسلام ابتداءً، ولو دخلوا خلال الصف المؤمن لخذلوهم، وفرقوا بينهم.

وهكذا فالجماعات تصهرها الشدائد فتنفي عنها الخبث وتجمع قواها فيشتد عودها ويصلب، فلا يبقى صامدًا إلا أصلبها عودًا وأقواها طبيعة وأشدها اتصالًا بالله وهؤلاء هم الذين يسلمون الراية في النهاية 125.

وإن المحن تساعد على تنقية الصف المؤمن من أعدائه الباطنيين المتغلغلين بين صفوفه 126، فقد يدخل الصف المؤمن وقت الرخاء من يتظاهر بالإسلام فيكون الابتلاء وسيلة لمعرفتهم ثم تنقية الجماعة المؤمنة منهم، وهذا ما حدث أثناء حروب الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة حيث حاول المنافقون تثبيط المسلمين عن الخروج للقتال، فقال تعالى: (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى? مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى? يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) [آل عمران:179] .

قال ابن كثير: «أي: لابد أن يعقد شيئًا من المحنة يظهر فيه وليه ويفضح به عدوه، يعرف به المؤمن الصابر والمنافق الفاجر، يعني بذلك يوم أحد الذي امتحن الله به المؤمنين، فظهر به إيمانهم وصبرهم وجلدهم وثباتهم وطاعتهم لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وهتك به ستار المنافقين، فظهر مخالفتهم ونكولهم عن الجهاد وخيانتهم لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم» 127.

وقيل: «أي ما كان الله ليذركم يا معشر المؤمنين على ما أنتم عليه من الاختلاط بالمنافقين حتى يميز بينكم» 128.

ونجد كثيرًا من الآيات تربط بين الفتنة الجماعية والنفاق، وذلك لأنهم حريصون على بث الفتن والمحن والشر بين المؤمنين كما أن هناك تلازمًا بين كلمتي الفتنة والنفاق 129.

وقد كشف القرآن عن صفات المنافقين كي لا ينخدع بهم المؤمنون، وذلك في سورة التوبة التي تظهر كيدهم حيث يقول تعالى: (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ? وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ?47?لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى? جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ ?48?وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي ? أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا ? وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ ?49?) [التوبة:47 - 49] .

كما يقول تعالى في نفس السورة: (وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى? رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ(125 ) ) أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ) [التوبة:125 - 126] .

يوضح تعالى حال المنافقين حين التعرض للفتنة والابتلاء واستعدادهم للكفر مع أنهم مع المسلمين يرون دلائل صدق النبوة! وتمر الأعوام وهم يرون صدقه وخذلان أعدائه فلا يتعظون، مما يدل على فساد فطرتهم فلا يعظهم الابتلاء ولا يردهم الامتحان.

يقول الشوكاني: «وأما الذين في قلوبهم مرض: وهم المنافقون فزادتهم السورة المنزلة رجسًا إلى رجسهم أي: خبثًا إلى خبثهم، الذي هم عليه من الكفر وفساد الاعتقاد فتشددوا فيه ورسخوه في أنفسهم واستمروا عليه إلى أن ماتوا كفارًا منافقين. و «يفتنون» يختبرون ويبتليهم الله سبحانه بالقحط والشدة وبالأمراض والأوجاع أو بأمرهم بالغزو والجهاد مع النبي «ثم لا يتوبون» بسبب ذلك «ولا هم يذكرون» وهذا تعجيب من حال المنافقين وتصلبهم في النفاق «130.

ومن الأمور التي كشفها الله من أعمال المنافقين مسجد ضرار الذي بناه المنافقون قرب مسجد قباء، والذي أرادوا به فرقة المسلمين.

وبعد أن ذكرت الآيات العشر الأوائل من سورة العنكبوت أنواعًا للفتن التي يواجهها المؤمنون، قال تعالى: (ں وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ(11 ) ) [العنكبوت:11] .

أي: ليكشف المؤمنين الذين صدقوا بالجهاد والصبر من ضعفاء الإيمان والمنافقين، فالبلايا كواشف، فما كانت الفتنة إلا ليتبين الذين آمنوا ويتبين المنافقون.

وتمر بمراحل أهمها:

••الإيقاظ من الغفلة.

إن الفتن التي تصيب العبد قد تصاحبها هزة وجدانية تجعله يتيقظ ويستدرك أخطاءه وخصوصا لمن شغلته الدنيا عن الآخرة، فيفيق بالفتن وبذلك يقول ابن ناصر الدمشقي: «ومن فوائد الابتلاء مقت الدنيا لأنكادها وبعث النفس على العمل ليوم معادها، فإنه إذا تفكر في ذهاب أحبابه علم أنهم شربوا بكأس لا بد له من شرابه» ، ويقول: «تيقظ المبتلي من غفلته، وطيب نفسه ببره وإخراج صدقته» 131.

ويجعلها ابن قيم الجوزية أول منازل العبودية فاليقظة: «وهي انزعاج القلب لروعة الانتباه من رقدة الغافلين، ولله ما أنفع هذه الروعة أو ما أعظم قدرها وخطرها! وما أشد إعانتها على السلوك وكأنها هي القومة لله المذكورة في قوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ ? أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى? وَفُرَادَى? ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ?) [سبأ:46] .

فالقومة لله هي اليقظة من سنة الغفلة وأول أنوارها: لحظ القلب إلى النعمة على اليأس من عدها والوقوف على حدها والتفرغ إلى معرفة المنة بها، والعلم بالتقصير في حقها» 132.

وتتبع اليقظة خطوات أولها إعمال الفكر إلى الوجهة المطلوبة، فإذا استحكمت يقظته أوجب له الفكرة، وإذا صحت فكرته أوجبت له البصيرة من إدراك الوعد والوعيد، والبصيرة تنبت في القلب الفراسة الصادقة التي تفرق بين الحق والباطل، فعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله عز وجل) ثم قرأ (. إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ) [الحجر:75] 133.

ثم بعد ذلك يأخذ في القصد والعزم 134.

ويكون من ثمرات اليقظة من الغفلة أن يحصل أمران:

الأول: الحذر من الشيطان وكيده، وأغراء الشيطان يكون للفرد وللجماعة الغافلة فكثير من الفتن التي حولنا لا نجد لها تفسيرا إلا تحريض الشيطان، ولعل الواقع المرير ومصائبه أيقظت الكثير من الغافلين ولا يعصمهم منه إلا اللجوء إلى الله والاعتصام بشرعه.

والثاني: حصول التوبة: ومن ثمرات اليقظة من الغفلة أن يتعرف الإنسان على ذنبه فيتوب منه، والفتن والمحن طريق لذلك:

يقول ابن قيم الجوزية: «فالتوبة جامعة لمقام المحاسبة ومقام الخوف، لا يتصور وجودها بدونهما» .135

••تقوية الصف المسلم.

وذلك عند الخروج من الفتن بتعميق المحبة بينهم بعد تنقية صفهم من الأعداء فيخرج قويًا متماسكًا يصعب اختراقه وهدمه. فالابتلاء يؤلف بين القلوب ويتأسى بعضهم ببعض فتزداد المودة، لأن جو الفتن قد يسوده التراحم والتعاطف حين يرى بعضهم عنت البعض الآخر. والشدائد تزيد الجماعات تماسكا واقترابًا، وقد شبه بعض الدعاة الجماعات حين تعرضها للابتلاء بقطعة الاسفنج التي كلما زاد الضغط عليها قل حجمها وتقاربت أجزاؤها وطردت الهواء من فجواتها، فالصف المسلم يقل عدده لكنه يشتد صلابة لأنه فرغ من أصحاب الأفئدة الهواء» 136.

ويترتب على ذلك فوائد منها:

••إغاظة الأعداء: ولا شك في أن خروج المسلمين من محنهم ثابتين أقوياء في عقيدتهم وأصلب تماسكًا رغم ما أصابهم، فيه إغاظة للمشركين وكل أعداء الصف المؤمن.

••ظهور القدوة الحسنة والقيادة الراشدة: فحين تظهر الفتنة أناسا صابرين، وينالون من المكافأة والرفعة عند الله فسيكونون قدوة لغيرهم، ومثل ذلك في بقية الشيم التي تظهر في الفتنة فلا زال شهداء الأمم من الرعيل الأول قدوة للمسلمين يذكرون صبرهم عند الشدائد وفي مقارعة الأعداء سواء في معارك الأعداء أو المعارك الفكرية، فمن ذلك من صمد في محنة العقيدة كالإمام مالك وابن تيمية والغزالي، وغيرهم كثير هم قدوة ومنارة يهتدى بها على الطريق الصحيح، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى? مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) [التوبة:111] .

وبعد ظهور القيادات الراشدة واختيارها يحصل التمكين للأمة، الفتن وسيلة تربوية للإعداد وترسيخ الإيمان، والتحلي بالصبر وكظم الغيظ، وذلك لأخذ الأهبة والاستعداد لأداء الأمانة رحمة من الله بالجماعة وتعهده لها بالرعاية، واعداد الخلف من بعدهم، وعلى هذا نرى الرعيل الأول الذي تخرج من مدرسة الأنبياء يقومون بأعباء الدعوة بعد أن ورثوا تركتها الثقيلة حيث أدخلهم الله مدرسة الابتلاء مع أنبيائهم مسخرأ أعداءه ليربي بهم أولياءه ليعدهم لحمل الأمانة

وعلى هذا فالابتلاء يسبق التمكين حيث تمتحن الجماعة المؤمنة حتى يكون من يستخلفهم الله أقوياء أمناء لا يخونون ولا يفرطون، فيوسف عليه السلام يخرج من السجن ليتبوأ على عرش مصر وخزائنها، ومع ذلك يظل مراقبًا لربه يجوع يومًا ويشبع يومًا، وهنا يتجلى الفارق بين من يخرج من السجن ليتولى الحكم، ومن يخرج من الحكم إلى السجن وهم كثير.

ويندرج تحت هذه حكمة الله في ابتلاء هذه الأمة حيث لم يبتل أمة كما ابتليت أمة الإسلام بأعدائها لوعده تعالى: {وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} فالشهادة على الناس تكون من التمكين، والاجتباء للأمة لتبليغ رسالة الإسلام كما إن الرسول صلى الله عليه وسلم قد اجتباه الله لتبليغ الناس ولا يصلح لمثل ذلك إلا بعد التمحيص بأنواعه، قال تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [الحج:78] .

«والظاهر أن الأمر بالجهاد في هذه الآية يبرز فيه بوضوح جهاد الدعوة لا جهاد القتال» 137.

أولًا: الدعاء والصبر:

إن اللجوء إلى الله بالذكر والدعاء في أيام الفتن من أقوم السبل للنجاة منها كبيرها وصغيرها، ففتنة زينة الدنيا وشهواتها تصد العبد عن ربه وتوصله للغفلة، فلا بد من لجوئه إلى ىلله أن يصرف عنه فتنتها، ومن دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم (وأعوذ بك من فتنة المحيا) 138.

ولما كان الأولاد والأزواج من أعظم فتن الدنيا كما مر، نجد القرآن الكريم إن من صفات عباد الرحمن الدعاء بأن يجعلهم قرة عين كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74) } [الفرقان:74] .

والدعاء من عدو الإنسان الأول: {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (98) } [المؤمنون:97 - 98] .

وفي فتنة لقاء العدو وقتال الكفار ذكر القرآن الكريم دعاء أصحاب طالوت {وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250) } [البقرة:250] .

ومن أمثلة الدعاء من فتنة الدين دعاء أصحاب الكهف حين لجوءهم إليه {إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (10) } [الكهف:10] .

وذكر الله والتماس العون منه مع الأخذ بالأسباب والتوكل على الله في حصول نفعها، فقد قال تعالى حاكيًا عن ابراهيم الخليل عليه السلام {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) } [الشعراء:80] .

ويلاحظ فيها أدبه مع الله بنسبة المرض لمن وقع عليه ونسبة الشفاء لله، والرقى من القرآن والأدعية المأثورة من أنفع الأسباب في التطبب، وقد صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفي ابتلاء أيوب عليه السلام بمرضه أعظم أسوة، وقد حكى عنه القرآن قوله: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) } [الأنبياء:83] .

ويلاحظ التلطف في دعائه حيث اكتفى بتقرير حاله واظهارعجزه وحاجته بأوجز وأوضح معنى، فكانت الإستجابة {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (84) } [الأنبياء:84] .

وللدعاء أثر كبير في مواطن الاضطرار في صرف البلاء، قال تعالى: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ} [النمل:62] .

والتماس العون من الله دليل التوكل عليه قال تعالى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} [الطلاق:3] .

فإذا علم الله من العبد صدق التوجه هيأ له الأسباب للخير ما لم تكن في حسبانه. ومن الأمور التي تعين على الصبر ذكر الله تعالى، بالدعاء في مواطن الشدة، ولنا في أصحاب فرعون السحرة مثلًا حين عرفوا الحق فآمنوالم يرهبوا وعيد فرعون، بل لجأوا إلى الله ليثبتهم {وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (126) } [الأعراف:126] .

إذا كان الصبر واجبًا تجاه الابتلاءات الفردية، فهو آكد في مجال الفتن والمحن العامة لأن نفعه وعاقبته يعود على الأمة جمعاء، حيث يكون من أعظم الأسلحة النافعة للثبات وعدم التخبط، ومن ثم النهوض، وإخراج الأمة من جديد وإلا فعند عدمه يقع ما هو أكبر منه.

للصبر أهمية في تربية النفوس ليكون بها من قوة الإيمان ما تواجه به فتنة السراء والضراء كما قال تعالى: {لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ} [الحديد:23] .

بعد أن بين إن ما يصيب الإنسان من الله وقدره، قال الشوكاني: «أي أخبرناكم بذلك لكيلا تحزنوا على ما فاتكم من الدنيا، ولا تفرحوا بما أعطاكم منها فإن كل ذلك يزول عن قريب، وكل زائل عن قريب لا يستحق أن يفرح بحصوله ولا يحزن على فواته» 139، «وقيمة هذه الحقيقة في النفس البشرية أن تسكب فيها السكون والطمأنينة عند استقبال الأحداث خيرها وشرها فلا تجزع الجزع الذي تطير به شعاعًا وتذهب معه حسرات عند الضراء، ولا تفرح الفرح الذي تستطار به وتفقد الاتزان عند السراء» 140.

وإذا كانت الفتنة تدعو إلى الحرص على الجماعة التي هي خير من العزلة فإن ذلك مجاهدة تحتاج إلى صبر ومصابرة للقيام بمهمة الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

والصبر مطلوب في كل فتنة وفي كل مجال فالصبر على الطاعة والصبر على المعصية في زمن انتشار المفاسد والمعاصي وخصوصًا في زماننا هذا حيث تفشي المنكرات والمجاهرة بالفسق والفجور حتى أصبح الماسك على دينه كالقابض على الجمر، فكلما زادت هذه الفتنة وواجهها الإنسان بالصبر زاد أجره وفي ذلك يقول صلى الله عليه وسلم: (يأتي على الناس زمانٌ الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر) 141.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت