أولًا: المعنى اللغوي:
الهمزة والذال والنون أصلان أحدهما أذن كل ذي أذنٍ، والثاني العلم، وهو من استأذن يستأذن استأذانًا، والاستئذان يعني طلب الحصول على الإذن، واسم الفاعل مستأذِن، واسم المفعول مستأذَن، وإذن مفرد جمعها أذون، يقال: أذن له في الدخول أي: سمح وأباح له الدخول، والأذان هو الإعلام، وبالتالي فالمقصود بالاستئذان هو طلب السماح والإباحة والرخصة والإعلام 1.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
قال الجرجاني في تعريف الإذن: هو «فك الحجر وإطلاق التصرف لمن كان ممنوعًا شرعًا» 2.
والتعريف الأدق للإذن هو: السماح باعتقاد الشيء، أو قوله، أو فعله مع إمكانية ترتب ثواب أو عقاب على إتيان المأذون به، أو تركه.
وبالتالي يكون تعريف الاستئذان اصطلاحًا: طلب السماح باعتقاد الشيء، أو قوله، أو فعله مع إمكانية ترتب ثواب أو عقاب على إتيان المأذون به، أو تركه.
مما سبق يظهر الترابط الوثيق بين تعريفي الاستئذان اللغوي والاصطلاحي، فكلاهما ضمن إطار السعي للحصول على الرخصة، والإباحة، وعدم الممانعة.
ورد الجذر (أ ذ ن) في القرآن الكريم (133) مرة، يخص موضوع البحث منها (12) مرة 3.
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل الماضي ... 3 ... {وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (86) } [التوبة:86]
الفعل المضارع ... 9 ... {وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (13) } [الأحزاب:13]
وجاء الاستئذان في القرآن بمعناه في اللغة وهو: طلب الإذن 4.
الإباحة:
الإباحة لغة:
من بوح، والباء والواو والحاء أصل واحد وهو الظهور، والإباحة مفرد، وهي ضد المحظور، وهي مصدر أباح، يقال: أباح الشيء: أي أحله، ويقال: أباح السر: أي أظهره ونشره وجهر به، ويقال: أباح الفعل: أي سمح وأجاز الإتيان به، والإباحة: هي التخيير بين الفعل والترك 5.
الإباحة اصطلاحًا:
هي السماح بإتيان الفعل دون قيد أو شرط 6.
الصلة بين الاستئذان والإباحة:
تستخدم كلمة استئذان لكل ما يتم طلب السماح به عن طريق السماع، أما كلمة إباحة فتستخدم لما يسمح به عقلًا أو سماعًا 7.
الإجازة:
الإجازة لغة:
من جوز الجيم والواو والزاء أصلان أحدهما يدل على قطع الشيء والآخر يدل على وسطه، والإجازة مصدر أجاز، والإجازة مفرد وجمعها إجازات، والمقصود بها: الإذن أو الرخصة 8.
الإجازة اصطلاحًا:
هي رفع الحرج عن إتيان الفعل 9.
الصلة بين الاستئذان والإجازة:
الاستئذان: هو طلب السماح بالفعل قبل إيقاعه، أما الإجازة: فهي السماح بالفعل بعد إيقاعه 10.
الاستئناس:
الاستئناس لغة:
من أنس الهمزة والنون والسين أصلٌ واحد، والاستئناس من أنس يأنس فهو آنس، وهو طلب الأنس، ومعنى أنس: ظهر، وألف، واطمأن، يقال: أنس بفلان، أي: اطمأن إليه 11.
الاستئناس اصطلاحًا:
هو عبارة عن السكينة الحاصلة من جهة المجالسة 12.
الصلة بين الاستئذان والاستئناس:
يظهر من خلال تعريفي الاستئذان والاستئناس أن الاستئذان هو طلب الإذن، بينما الاستئناس هو طلب الطمأنينة، وإذا أريد بالاستئناس طلب الإذن، فهذا يعني أن يكون الطلب مصحوبًا بالطمأنة للمستأذن.
المنع:
المنع لغة:
من منع الميم والنون والعين أصل واحد، والمنع من منع يمنع منعًا، أي: حرم، يقال: منعه من السفر، أي: حرمه إياه، ويقال: منع الشرع التدخين، أي: حرم الشرع التدخين، والمقصود بالمنع الحرمان والتحريم والصد والحجب والإمساك 13.
المنع اصطلاحًا:
هو عدم السماح بإتيان الممنوع 14.
الصلة بين الاستئذان والمنع:
بالنظر في تعريفي الاستئذان والمنع يمكن القول بأن الفارق بينهما هو أن الاستئذان هو طلب السماح بإتيان المأذون فيه، بينما المنع فهو عدم السماح بإتيان الممنوع.
مما يدركه كل عاقل أن البيت هو مكان الراحة والسكون والتستر وقضاء الحاجات المتعددة، وبالتالي فإن الإنسان يعمل في بيته الكثير مما يواريه عن أنظار الآخرين؛ لذلك فقد جعل الله تعالى أحكامًا وآدابًا خاصة تضمن عدم التعدي على خصوصيات الآخرين عند دخول بيوتهم، وبيان ذلك كما يأتي:
أولًا: الاستئذان لدخول بيوت الآخرين:
1.البيوت المسكونة.
شرع الله تعالى لعباده جملة من آداب الاستئذان عند الرغبة في دخول بيوت الآخرين، وذلك في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [النور: 27 - 28] .
ينهى الله تعالى في هاتين الآيتين الكريمتين عباده عن دخول بيوت الآخرين إلا بعد الحصول على الإذن منهم للدخول إلى بيوتهم، والتسليم عليهم، ثم يوجه الله تعالى عباده إلى عدم الدخول في حال لم يجدوا أحدًا في البيوت التي قصدوها للزيارة أو غير ذلك، ويوجههم كذلك إلى الرجوع في حال طلب أصحاب تلك البيوت منهم ذلك 15.
ويستفاد من الآيتين السابقتين جملةً من الآداب، منها:
1.عدم جواز دخول بيوت الغير إلا بعد الحصول على موافقتهم.
2.السلام قبل الاستئذان أو بعده.
قال تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [النور: 27] .
والمعنى أن الله تعالى ينهى عباده عن دخول بيوت الآخرين إلا بعد الاستئذان والسلام على أهل تلك البيوت 16.
ويلاحظ أن الله تعالى قد عطف جملة (تسلموا) على جملة (تستأنسوا) باستخدام حرف العطف (الواو) ، ومن المعلوم أن الواو كحرف عطف إنما تفيد العطف والمشاركة 17، وهذا يعني أن السلام قد يسبق الاستئذان، وقد يلحقه، فمن ذهب إلى أن الاستئذان يسبق السلام يكون قد وافق الترتيب الوارد في الآية الكريمة من سورة النور.
ومن ذهب إلى أن السلام يسبق الاستئذان يكون قد وافق ما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه فيمن يستأذن قبل أن يسلم قال: (لا يؤذن له حتى يبدأ بالسلام) 18.
وقيل: إذا وقع بصر المستأذن على أحد أفراد البيت المقصود قدم السلام، وإلا فيقدم الاستئذان 19.
3.عدم جواز النظر إلى عورات البيوت، وقد حرص الإسلام على التيسير على الناس عند قضائهم لحوائجهم المختلفة دون التسبب بالأذى أو الإحراج للآخرين، ومن ذلك تشريعه خلق غض البصر عما لا يليق بالمؤمن أن ينظر إليه.
قال تعالى: (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ? ذَ?لِكَ أَزْكَى? لَهُمْ ? إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ(30) وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) [النور: 30 - 31] .
ومما لا يخفى على أحد ما لغض البصر من فوائد جمة، أهمها: تهذيب النفس، وتوطيد العلاقات بين أفراد المجتمع، وتعويد الأفراد على المحافظة على خصوصية الآخرين، وعدم التسبب بالإحراج لهم.
والمناسبة بين آيتي غض البصر وما قبلها من الآيات التي فصلت أحكام الاستئذان هي:
لما شرع الله تعالى أحكام الاستئذان لدخول بيوت الآخرين، ناسب أن يضبط الاستئذان بآداب، منها: غض البصر عن النظر إلى ما لا ينبغي للمؤمن أن ينظر إليه حين دخوله إلى بيوت الغير.
وجاء في السنة المطهرة عن سهل بن سعدٍ، قال: اطلع رجلٌ من جحرٍ في حجر النبي صلى الله عليه وسلم، ومع النبي صلى الله عليه وسلم مدرًى يحك به رأسه، فقال: (لو أعلم أنك تنظر، لطعنت به في عينك، إنما جعل الاستئذان من أجل البصر) 20.
والحجر هو الثغر، والحجر جمع حجرة، والمدري حديدة يمشط بها الشعر 21.
يقول البقاعي: «إياكم ومشتبهات الأمور، فإذا وقفتم للاستئذان فلا تقفوا تجاه الباب، ولكن على يمينه أو يساره؛ لأن الاستئذان إنما جعل من أجل البصر، وتحاموا النظر إلى الكوى التي قد ينظر منها أحد من أهل البيت ليعرف من على الباب: هل هو ممن يؤنس به فيؤذن له، أو لا فيرد» 22.
4.عدم جواز تخويف الآخرين عند قصد بيوتهم، يفهم ذلك من قوله تعالى: (أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى? تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى? أَهْلِهَا) .
والاستئناس هو طلب الأنس 23، وحصول الأنس إنما يكون في التلطف عند الاستئذان، والتسليم على من في البيوت المدخول فيها، وبالتعريف بالذات، وبتحديد الغرض من الزيارة وغير ذلك من الأمور التي تدخل الأنس لأصحاب البيوت المراد دخولها، وقد علم الله تعالى هذا الأدب الرفيع للملائكة عليهم السلام حين أرسلهم إلى نبيه إبراهيم عليه السلام.
قال تعالى: (وَنَبِّئهُم عَن ضَيفِ إِبراهيمَ ?51? إِذ دَخَلوا عَلَيهِ فَقالوا سَلامًا قالَ إِنّا مِنكُم وَجِلونَ ?52?قالوا لا تَوجَل إِنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَليمٍ ?53? قالَ أَبَشَّرتُموني عَلى أَن مَسَّنِيَ الكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرونَ ?54? قالوا بَشَّرناكَ بِالحَقِّ فَلا تَكُن مِنَ القانِطينَ ?55? قالَ وَمَن يَقنَطُ مِن رَحمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضّالّونَ ?56? قالَ فَما خَطبُكُم أَيُّهَا المُرسَلونَ?57? قالوا إِنّا أُرسِلنا إِلى قَومٍ مُجرِمينَ ?58? إِلّا آلَ لوطٍ إِنّا لَمُنَجّوهُم أَجمَعينَ ?59? إِلَّا امرَأَتَهُ قَدَّرنا إِنَّها لَمِنَ الغابِرينَ) [الحجر: 51 - 60] .
توضح هذه الآيات أن الملائكة عليهم السلام سلموا على إبراهيم عليه السلام حينما أرسلهم إليه ربهم جل وعلا، ثم ساقوا له البشرى، ثم عرفوه بما أسند إليهم من مهمات بخصوص قوم لوط المجرمين، وطمأنوه على سلامة نبي الله لوط عليه السلام من العذاب الذي سيحل بقومه 24.
5.وجوب الإحسان إلى الضيف الذي أحسن الاستئذان، ويتمثل ذلك الإحسان فيما يأتي:
قال تعالى: (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ? إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا) [النساء: 86] .
وقد علم ربنا جل وعلا عباده حسن الرد على التحية من خلال بيان أفضلية سلام نبيه إبراهيم عليه السلام من سلام الملائكة الذين أرسلوا إليه على هيئة ضيوف.
قال تعالى: (إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا ? قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ) [الذاريات: 25] .
فسلام الملائكة يقدر بـ (نسلم سلامًا) فجاء على تقدير وجود الفعل (نسلم) ، بينما رد إبراهيم عليه السلام للتحية فجاء بالاسم (سلام) أي: سلامٌ ثابتٌ، ومن المعلوم أن الخطاب بالاسم يدل على الثبوت بينما الخطاب بالفعل يدل على التجدد 25.
قال تعالى: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ ?24? إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ ?25? فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ) [الذاريات: 24 - 26] .
كما علمنا ذلك الخلق الرفيع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بقوله: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت) 26.
6.في حال عدم حصول المستأذن على الإذن لدخول البيت المقصود بالزيارة فعليه أن يرجع، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا المقام: (إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يؤذن له، فليرجع) 27.
7.عدم جواز الدخول إلى البيوت المأهولة بالسكان أثناء فترة غيابهم عنها.
8.مراعاة حال أهل البيت عند الاستئذان، ومما لا شك فيه أن أحوال العباد في تقلب مستمر، وبالتالي فقد يكون المرء في حال لا يمكنه من مخالطة الناس ومجاملتهم، وقد حصل ذلك فعلًا مع نبي الله لوط عليه السلام.
وقد حكى القرآن الكريم قصة ذلك في قوله تعالى: {وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ} [العنكبوت: 33] .
والمعنى أنه قد أصاب لوط عليه السلام الهم والضيق لما بعث الله تعالى إليه الملائكة على هيئة ضيوف؛ لخوفه من أن يخزيه قومه في ضيفه، فما كان من الملائكة إلا أن طمأنوه وبشروه بالنجاة هو ومن صلح من أهله من الهلاك الذي سيحل بقومه الفجرة 28.
ويفهم من قصة لوط عليه السلام أنه ينبغي على الناس مراعاة الظروف التي يمر بها الآخرين والتي قد تكون عصيبة في كثير من الأحيان.
ومن هذا الباب دعا القرآن الكريم الزائرين إلى عدم الإلحاح على الآخرين عند الاستئذان منهم لدخول بيوتهم، وذلك في قوله تعالى: {فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [النور: 28] .
ويفهم من الآية الكريمة أنه في حال لم يُسمح للمستأذن بالدخول وطلب منه الرجوع، فعليه أن يلبي دون انزعاج؛ وذلك مراعاة لأحوال أهل البيت المقصود بالزيارة 29.
يقول سيد قطب رحمه الله: «ارجعوا دون أن تجدوا في أنفسكم غضاضة، ودون أن تستشعروا من أهل البيت الإساءة إليكم، أو النفرة منكم. فللناس أسرارهم وأعذارهم. ويجب أن يترك لهم وحدهم تقدير ظروفهم وملابساتهم في كل حين» 30.
وقد علم رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم أصحابه الكرام رضوان الله تعالى عليهم أدب مراعاة أحوال الناس عند زيارتهم فقد جاء في الحديث الصحيح عن أبي سعيدٍ الخدري، قال: كنت في مجلسٍ من مجالس الأنصار، إذ جاء أبو موسى كأنه مذعورٌ، فقال: استأذنت على عمر ثلاثًا، فلم يؤذن لي فرجعت، فقال: ما منعك؟ قلت: استأذنت ثلاثًا فلم يؤذن لي فرجعت، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يؤذن له فليرجع) . فقال: والله لتقيمن عليه ببينةٍ، أمنكم أحدٌ سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال أبي ابن كعبٍ: والله لا يقوم معك إلا أصغر القوم، فكنت أصغر القوم فقمت معه، فأخبرت عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك 31.
ويفهم من هذا الحديث الشريف أنه لا بد من أن يراعى عند الاستئذان أمران، هما:
1.أن يكون الاستئذان مسمعًا؛ ولذا كان التكرار ثلاثًا.
2.عدم الإلحاح في طلب الإذن؛ ولذا كان الأمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرجوع في عدم إعطاء الإذن بعد الاستئذان ثلاثًا.
2.البيوت غير المسكونة.
قال تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ ? وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ) [النور: 29] .
يبين الله تعالى لعباده أنه يباح لهم الدخول إلى البيوت الغير مسكونة بسبب ترك أصحابها لها، وذلك للانتفاع بها من خلال النوم فيها، أو تناول الطعام بداخلها أو غير ذلك من الحاجيات المأذون بها شرعًا 32.
ويستفاد من الآية السابقة جملةً من الآداب، منها:
ثانيًا: الاستئذان داخل البيت بين أفراد الأسرة وخدمهم:
1.إذا كانت الأبواب مفتوحة قبل البلوغ.
علم الله تعالى عباده ضرورة المحافظة على نعمة الولد، ومن ذلك تعويدهم على عدم النظر إلى العورات، وعلى التأدب عند دخول الغرف، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ? مِّن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ? ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ ? لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ ? طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَى? بَعْضٍ ? كَذَ?لِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ ? وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [النور: 58] .
يوجه الله تعالى في هذه الآية الكريمة عباده المؤمنين إلى ضرورة تعليم العبيد والإماء والأطفال الصغار الذين لم يبلغوا سن الاحتلام أدب الاستئذان في أوقات ثلاث، الأول وقت ارتداء الثياب قبل صلاة الفجر، والثاني وقت القيلولة حين يكون تخفيف الملابس وقت الظهيرة، والثالث في موعد النوم بعد صلاة العشاء، ثم بين الله تعالى أن الأوقات الثلاثة المذكورة هي أوقات عورة، أما في غير هذه الأوقات فلا داعي للاستئذان عند الدخول إلى الغرف ما دامت الأبواب مفتحة، فهي أوقات حركة وتنقل ومخالطة بين الآباء وأولادهم، وكذا بين الأسياد وعبيدهم.
ويستفاد من الآية السابقة ما يأتي:
2.إذا كانت الأبواب مفتوحة بعد البلوغ.
قال تعالى: (وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ? كَذَ?لِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ ? وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [النور: 59] .
يبين الله تعالى في هذه الآية الكريمة أنه يجب على الأبناء الذين بلغوا سن الحلم أن يلتزموا خلق الاستئذان قبل دخولهم إلى غرف آبائهم أو إخوانهم، سواءٌ أكانت الأبواب مفتوحة أو مغلقة، وذلك في جميع الأوقات 37.
ويستفاد من الآية السابقة ما يأتي: