فهرس الكتاب

الصفحة 219 من 2431

قال الإمام الطبري: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء المشركين، الجاحدين نبوتك، العادلين بالله، ربًا غيره: {أَئِنَّكُمْ} ، أيها المشركون {لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى} ، يقول: تشهدون أن معه معبودات غيره من الأوثان والأصنام» 33.

قال الإمام الرازي: «واعلم أن هذا الكلام دال على إيجاب التوحيد والبراءة عن الشرك من ثلاثة أوجه:

أولها: قوله: {قُلْ لَا أَشْهَدُ} أي: لا أشهد بما تذكرونه من إثبات الشركاء.

وثانيها: قوله: {قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ} وكلمة إنما تفيد الحصر، ولفظ الواحد صريح في التوحيد ونفي الشركاء.

وثالثها: قوله: {وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} وفيه تصريح بالبراءة عن إثبات الشركاء، فثبت دلالة هذه الآية على إيجاب التوحيد بأعظم طرق البيان وأبلغ وجوه التأكيد.

قال العلماء: المستحب لمن أسلم ابتداء أن يأتي بالشهادتين، ويتبرأ من كل دين سوى دين الإسلام.

ونص الشافعي رحمه الله على استحباب ضم التبري إلى الشهادة؛ لقوله: وإنني بريء مما تشركون عقيب التصريح بالتوحيد» 34.

ومما يتصل بسياق الآية قوله تعالى: {وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ} [يونس: 41] .

قال الإمام الطبري: «وإن كذبك يا محمد، هؤلاء المشركون، وردوا عليك ما جئتهم به من عند ربك، فقل لهم: أيها القوم، لي ديني وعملي، ولكم دينكم وعملكم، لا يضرني عملكم، ولا يضركم عملي، وإنما يجازى كل عامل بعمله {عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ} ، لا تؤاخذون بجريرته {وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ} لا أوخذ بجريرة عملكم» 35.

قال ابن تيمية: «فقد أمره الله أن يتبرأ من عمل كل من كذبه وتبريه هذا يتناول المشركين وأهل الكتاب» 36.

فقد أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة، أن يظهر البراءة من أعمال الكفار القبيحة إنكارًا لها، وإظهارًا لوجوب التباعد عنها، وبين هذا المعنى في سورة الكافرون 37.

ومن الآيات التي تحدثت عن تهديد النبي صلى الله عليه وسلم لعشيرته بالبراءة، قوله تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ} [الشعراء: 214 - 216] .

ومعنى هذه الآيات: فإن عصتك يا محمد صلى الله عليه وسلم عشيرتك الأقربون الذين أمرتك بإنذارهم، وأبوا إلا الإقامة على عبادة الأوثان، والإشراك بالرحمن، فقل لهم: (إني بريءٌ مما تعملون) من عبادة الأصنام ومعصية باريء الأنام 38.

وهذه الآية تفريع على قوله تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} أي: فإن عَصَوْا أمرك المستفاد من الأمر بالإنذار، أي: فإن عصاك عشيرتك فما عليك إلا أن تتبرأ من عملهم، فالتبرؤ إنما هو من كفرهم، وإنما أُمِرَ أن يقول لهم ذلك؛ لإظهار أنهم أهلٌ للتبرؤ من أعمالهم، فلا يقتصر على إضمار ذلك في نفسه 39.

يعتبر الشيطان من ألد الأعداء للإنسان منذ بداية الخليقة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولقد أخذ الشيطان العهد على نفسه أمام الله عز وجل على إغواء بني آدم وإضلالهم، ولكن يأتي يوم على الشيطان يعلن براءته من الإنسان، وسوف نتعرف على بعض المواقف التي يتبرأ فيها الشيطان من أتباعه:

أولًا: براءة الشيطان من المشركين في بدر:

قال تعالى: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال: 48] .

ألقى الشيطان في روع المشركين أنهم لا يغلبون لكثرة عددهم، وعددهم، وأوهمهم أن اتباعهم إياه فيما يظنون أنها قربات تجعله مجيرًا لهم، وحافظًا إياهم عن السوء حتى قالوا: اللهم انصر أهدى الفئتين، وأفضل الدينين، ولكن حينما التقت الفئتان، فئة المؤمنين وفئة المشركين ولى الشيطان مدبرًا وقال للكافرين: {إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ} أي: من عهدكم وجواركم ونصرتكم، إني أرى من الملائكة النازلة لتأييد المؤمنين مالا ترونه أنتم، إني أخاف الله أن يعذبني قبل يوم القيامة، أو إني أخاف الله أن يصيبني بمكروه من قبل ملائكته 40.

ثانيًا: براءة الشيطان ممن دعاهم للكفر يوم القيامة:

قال تعالى: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [إبراهيم: 22] .

لقد قام الشيطان للكافرين في هذا اليوم مقامًا يقصم ظهورهم، ويقطع قلوبهم، فأوضح لهم أن مواعيده التي كان يعدهم بها في الدنيا باطلة معارضة لوعد الحق من الله تعالى وأنه أخلفهم ما وعدهم به، ثم أوضح لهم بأنهم قبلوا قوله بما لا يتفق مع العقل؛ لعدم الحجة التي لابد للعاقل منها في قبول قول غيره، ثم أوضح لهم بأنه لم يكن منه إلا مجرد الدعوة العاطلة عن البرهان، الخالية عن أيسر شيء مما يتمسك به العقلاء، ثم نعى عليهم ما وقعوا فيه، ودفع لومهم له، وأمرهم بأن يلوموا أنفسهم؛ لأنهم هم الذين قبلوا الباطل البحت الذي لا يلتبس بطلانه على من له أدنى عقل، ثم أوضح لهم بأنه لا نصر عنده ولا إغاثة، بل هو مثلهم في الوقوع في البلية، ثم صرح لهم بأنه قد تبرأ مما اعتقدوه فيه وأثبتوه له، وهو إشراكه مع الله تعالى فتضاعفت عليهم الحسرات، وتوالت عليهم المصائب 41.

أولًا: براءة الرؤساء والكبراء من أتباعهم:

قال تعالى: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ} [البقرة: 166] .

يوم القيامة يتبرأ الرؤساء والكبراء من مرءوسيهم، حين يجمع القادة والأتباع، فيتبرأ بعضهم من بعض حال رؤيتهم جميعًا للعذاب وأسبابه ومقدماته، وما أعد لهم من شقاء وآلام، وقد ترتب على كل ذلك أن تقطع ما بين الرؤساء والأذناب من روابط كانوا يتواصلون بها في الدنيا، وصار كل فريق منهم يلعن الآخر ويتبرأ منه 42.

قال الطبري: «أخبر تعالى أن المتبعين على الشرك بالله يتبرءون من أتباعهم حين يعاينون عذاب الله. ولم يخصص بذلك منهم بعضًا دون بعض، بل عم جميعهم. فداخلٌ في ذلك كل متبوع على الكفر بالله والضلال أنه يتبرأ من أتباعه الذين كانوا يتبعونه على الضلال في الدنيا، إذا عاينوا عذاب الله في الآخرة» 43.

قوله تعالى: {وَرَأَوُا الْعَذَابَ} يشمل الكل، {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ} أي: عنهم، مثل قوله: {فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا} [الفرقان: 59] .

وفي الأسباب أربعة أقوال:

أحدها: أنها المودات، وإلى نحوه يذهب ابن عباس، ومجاهد، وقتادة.

والثاني: أنها الأعمال، رواه السدي عن ابن مسعود، وابن عباس، وهو قول أبي صالح وابن زيد.

والثالث: أنها الأرحام، رواه ابن جريج عن ابن عباس.

والرابع: أنها تشمل جميع ذلك 44.

ثانيًا: تمني التابعين للرؤساء العودة للدنيا للتبرؤ منهم:

قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} [البقرة: 167] .

يقول الذين كانوا تابعين لغيرهم في الباطل: ليت لنا رجعة إلى الحياة الدنيا، فنتبرأ من هؤلاء الذين اتبعناهم وأضلونا السبيل، كما تبرءوا منا في هذا اليوم العصيب، ولنشفي غيظنا منهم؛ لأنهم خذلونا وأوردونا موارد التهلكة والعذاب الأليم، مثل ذلك الذي رأوه من العذاب، يريهم الله جزاء أعمالهم حسرات عليهم، أي أن الله يظهر لهم أن أعمالهم كان لها أسوأ الأثر في نفوسهم؛ لما ورثته فيها من حسرة وشقاء وخسران، فهي تذهب وتضمحل، ولن يخرجوا من النار إلى الدنيا لشفاء كيدهم وغيظهم من رؤسائهم، وهذا ما يؤكده قوله تعالى: {وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} أي: أنهم خالدون في النار ولن يخرجوا منها أبدًا 45.

نزل القرآن بلسان عربي مبين، على أفصح العرب وأقومهم لسانًا، وكان القرآن الكريم هو المعجزة الكبرى للرسول صلى الله عليه وسلم حيث تحداهم الله أن يأتوا بمثله، بل أن يأتوا بسورة منه، فهذا القرآن المعجزة يقف المسلم أمامه منبهرًا، بين الإعجاز وبين سلاسة الأسلوب وسهولة العبارة، وسنتعرف على أسلوب القرآن الكريم في عرض موضوع البراء.

أولًا: أسلوب الطلب:

أساليب الطلب في اللغة تأتي على عدة صور، منها:

1.صيغة الأمر.

قال تعالى: {فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ} [الشعراء: 216] .

أي: إن أبوا قبول دعوتك إلى التوحيد، ورفضوا ما تدعوهم إليه، فأخبرهم يا محمد صلى الله عليه وسلم بأنك بريء مما يعملون 46.

قال تعالى: {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (4) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [الكافرون 1 - 6] .

والمعنى: قل يا محمد صلى الله عليه وسلم: يا أيها الكافرون، لا أعبد على الإطلاق ما تعبدون من الأصنام والأوثان، فلست أعبد آلهتكم بأية حال، والآية تشمل كل كافر على وجه الأرض، {وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ} أي: ولستم أنتم ما دمتم على شرككم وكفركم عابدين الله الذي أعبد، فهو الله وحده لا شريك له، فهذه الآيات تنفي الاتحاد في العبادة، والمقصود من ذلك المبالغة التامة في البراءة من معبوداتهم الباطلة، ومن عبادتهم الفاسدة.

فنرى السورة الكريمة، قد قطعت كل أمل توهم الكافرون عن طريقه الوصول إلى مهادنة النبي صلى الله عليه وسلم، وإلى الاستجابة لشيء من مطالبهم الفاسدة، وإنما هو صلى الله عليه وسلم بريء براءة تامة منهم ومن معبوداتهم وعباداتهم 47.

قال تعالى: {وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ} [يونس: 41] .

أي: أخبرهم بأنهم لا يؤاخذون بعملك ولا تؤاخذ أنت بعملهم، فهم بريئون منك وأنت بريء منهم 48.

2.صيغة النهي.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} [الممتحنة: 1] .

أي: يا أيها المصدقون بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم لا تتخذوا عدوي وعدوكم أنصارًا وأصدقاءً وأعوانًا لكم، بل لابد أن تتبرؤوا منهم ومن أعمالهم 49.

وبنفس المعنى في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ} [التوبة: 23] .

ثانيًا: أسلوب الخبر:

قال تعالى: {قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} [الأنعام: 78] .

بعدما تعرف إبراهيم عليه السلام على الإله الحق، أخبر قومه بأنه بريء من كل الآلهة التي يعبدونها من دون الله تعالى 50.

قال تعالى: {فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ} [الأنفال: 48] .

أي: فلما رأى إبليس الملائكة {نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ} 51.

ومن الأساليب الخبرية ما يكون مؤكدًا بإن، كقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ} [الزخرف: 26] .

أي: بريء مما تعبدون من أصنام لا أعبدها 52.

وبنفس المعنى في قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} [الأنعام: 19] .

وقوله تعالى: {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} .

ثالثًا: أسلوب الحوار:

1.حوار نوح عليه السلام مع قومه.

قال تعالى: {قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ} [هود: 32 - 35] .

والمعنى: قال قوم نوح له: قد طال منك هذا الجدال، وهو المراجعة في الحجة ومقابلة الأقوال ومناقشتها حتى تقع الغلبة، فأتنا بما تعدنا به من العذاب والهلاك المعجل في الدنيا، إن كنت صادقًا في ادعائك أن الله يعذبنا على عصيانه في الدنيا قبل الآخرة، أجاب نوح قومه عن اتهامه بكثرة الجدال قائلًا: ليس إنزال العذاب أو العقاب بيدي، وليس لي توقيته، وإنما ذلك بيد الله، وهو الآتي به إن شاء وإذا شاء، ولستم من المنعة بحال من يفلت أو يعتصم لتنجوا، وإنما أنتم في قبضة القدرة الإلهية، وتحت سلطان الملك الإلهي، وليس نصحي بنافع، ولا إرادتي الخير لكم مغنية إذا كان الله تعالى قد أراد بكم الإغواء والإضلال والإهلاك، الله ربكم، أي خالقكم والمتصرف في أموركم، وهو الحاكم العادل الذي لا يجور، وإليه ترجعون في الآخرة، فيجازيكم بما كنتم تعملون في هذا العالم من خير أو شر 53.

2.حوار إبراهيم عليه السلام مع أبيه وقومه.

قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (74) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} [الأنعام: 74 - 78] .

والمعنى: اذكر أيها النبي حين قال إبراهيم عليه السلام لأبيه آزر: أتتخذ هذه الأصنام والأوثان الجمادات آلهة، تعبدها من دون الله، مع أن الله هو الذي خلقها وخلقك، فهو المستحق للعبادة دونها، إني أراك وقومك الذين يعبدون هذه الأصنام في ضلال واضح، أي تائهين حيارى جهلاء، وأي ضلال أوضح من عبادتكم صنما من حجر أو شجر أو معدن، تنحتونه بأيديكم، ثم تعبدونه وتقدسونه، ثم أوضح الله تعالى ما رآه إبراهيم من ملكوت السماوات والأرض، أي تبيان وجه الدلالة في خلقهما على وحدانية الله في ملكه وخلقه، فلما أظلم عليه الليل، رأى كوكبًا عظيمًا متميزًا عن سائر الكواكب بإشراقه ولمعانه، وهو كوكب المشتري أو الزهرة، فقال موهمًا قومه في مقام المناظرة والحجاج: هذا ربي، على سبيل الفرض.

فلما غرب هذا الكوكب، قال إبراهيم: ما هذا بإله، ولا أحب ما يغيب ويختفي؛ لأن للإله السيطرة على الكون، فكيف يغيب الإله ويستتر، ثم انتقل إبراهيم من إبطال ألوهية الكوكب إلى إبطال ألوهية القمر الأكثر إضاءة، فلما رأى القمر بازغًا طالعًا عم ضوءه الأرض، قال: هذا ربي، فلما غاب كما غاب الكوكب في الليلة الماضية، قال إبراهيم مسمعًا قومه: ما هذا أيضًا بإله، ولئن لم يهدني ربي ويوفقني لإصابة الحق في توحيده، لأكونن من القوم الضالين المخطئين الطريق، فلم يصيبوا الهدى، وعبدوا غير الله.

ولما رأى إبراهيم الشمس بازغة طالعة، وهي أعظم الكواكب المرئية لنا، قال إبراهيم: هذا هو الآن ربي، هذا أكبر من الكواكب والقمر قدرًا، وأعظم ضوءًا ونورًا، فلما غابت الشمس كما غاب غيرها، صرح إبراهيم بعقيدته، وتبرأ من شرك قومه، قائلًا: إني توجهت في عبادتي لخالق الأرض والسماء، وخالق هذه الكواكب، إني بريء مما تشركون، باتخاذ إله آخر مع الله، وإنما أعبد خالق هذه الأشياء ومدبرها الذي بيده ملكوت كل شيء، وخالق كل شيء. ومثل إبراهيم لقومه بهذه الأمور؛ لأنهم كانوا أصحاب علم نجوم ونظر في الأفلاك، قال إبراهيم: إني أقبلت بقصدي وعبادتي وتوحيدي وإيماني للذي أبدع السماوات 54.

أولًا: الأوثان والمعبودون من دون الله:

قال تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 256] .

الطاغوت: كل ما صرف عن عبادة الله تعالى من إنسان أو شيطان أو غيرهما 55، والمعنى: فمن تبرأ وخلع الأنداد والأوثان وما يدعو إليه الشيطان من عبادة غير الله، وآمن بالله تعالى إيمانًا خالصًا صادقًا فقد ثبت أمره واستقام على الطريقة المثلى التي لا انقطاع لها، وأمسك من الدين بأقوى سبب وأحكم رباط 56.

وفي الموضع التالي يبين الله تعالى سبب براءة إبراهيم عليه السلام والمؤمنين معه من القوم في ذلك الزمان، قال تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ} [الممتحنة: 4] .

والمعنى: قد كانت لكم قدوة طيبة حميدة تقتدون بها في إبراهيم خليل الرحمن أبي الأنبياء والذين آمنوا معه من أتباعه حين قالوا لقومهم: إنا بريئون منكم؛ لكفركم بالله، وبريئون من كل ما تعبدون من غير الله من الأصنام والأنداد، فقد جحدنا بما آمنتم به من الأوثان، أو بدينكم، أو بأفعالكم، فإن تلك الأوثان لا تنفع شيئا، فهي لا تعقل ولا تسمع ولا تبصر 57.

ثانيًا: المشركون عامة وذوو الأرحام منهم خاصة:

قال تعالى: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} [التوبة: 114] .

لما وعد إبراهيم من أبيه أنه سيؤمن، كان بمنزلة المؤلفة قلوبهم بالاستغفار له؛ لأنه ظنه مترددًا في عبادة الأصنام لما قال له: {وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا} [مريم: 46] .

فسأل الله له المغفرة لعله يرفض عبادة الأصنام، ولكن لما علم يقينًا أنه مصرٌ على الكفر أعلن براءته منه علانية وبشكل صريح في قوله تعالى -كما يدل عليه قوله-: {فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ} 58.

وفي موضع آخر يعلن إبراهيم براءته من قومه عامة ومن أبيه خاصة، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ} [الزخرف: 26] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت