فهرس الكتاب

الصفحة 768 من 2431

أحدهما حر مالك لأمر نفسه ولماله يتصرف فيه كيف يشاء، ويأمر وينهى كيفما أراد، والآخر عبد مملوك هو وماله لسيده، ليس له من الأمر والنهي شيء، فالحر جعله الله مثلًا لنفسه -وله المثل الأعلى- والعبد مثلًا لمن عبد من دونه، فأيهما أكمل 35، والفرق بينهما في الكمال هو دون الفرق بين الله ومخلوقاته بكثير، فالفرق بين الحر والعبد هو باعتبارات مقيدة من بعض الوجوه، ولكن الفرق بين الله ومخلوقاته مطلق، فالله له الكمال من كل وجه، والمخلوق ناقص من كل وجه.

مثل آخر ضربه الله لعبادة الله وحده، وعبادة الشرك به، يقول سبحانه وتعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 29] .

فالله وحده أمره واحد، ونهيه واحد، وكله حكمة ورحمة، بخلاف الشركاء الذين لكل واحد منهم وجهة ورأي مختص به، وبذلك يكون لكل واحد فيهم أمر يختلف عن الآخر، ونهي لايتفق فيه مع غيره، ولهم أهواء ومصالح يتناحرون عليها، ولايعبئون لذلك بمصلحة من عبدوهم، وشأنهم على النقيض من أمر الله سبحانه وتعالى ونهيه 36.

فالله غني عن ذلك؛ لذا فأوامره ونواهيه كلها في مصلحة العبد، ونفعها مردود عليه، يقول الله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي: (ياعبادي إنّكم لن تبلغوا ضرّي فتضرّوني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني) 37، فمن كان هذا حاله فهو الكامل المستحق لأن يفرد في العبادة، وغيره على عكس ذلك.

ثالثًا: حمد الله لنفسه حمدًا ملء خلقه:

1.حمد الله لنفسه حمدًا يستغرق الزمان.

يحمد الله سبحانه وتعالى نفسه في هذه الآية، يقول فيها: {وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص: 70] .

حمدًا استغرق الزمان؛ وذلك لأنه هو الإله المتفرد بالألوهية على مدار الزمان، وأن الإفضال والإنعام فيه منه وحده لا شريك له، وأنه جعل الأولى مزرعة للآخرة، وهو الذي له الحكم في الآخرة لئلا يضيع عمل عامل في الدنيا فلا يحصل له الأجر في الآخرة، أويفلت طاغٍ أو ظالم في الدنيا فلا ينال جزاءه، وأن من أنكر ألوهيته في الدنيا فسيقر له بها في الآخرة 38.

2.حمد الله لنفسه حمدًا يستوعب المكان.

أثبت الله تعالى الحمد المطلق لنفسه في السماوات والأرض؛ لأن كل ما فيهما دال على كماله وجلاله واقتداره واتقانه دلالة ظاهرة، خضع كل ما في السماوات والأرض لأن يسبحوا له، طوعًا أو كرهًا.

يقول سبحانه وتعالى: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التغابن:1] .

فاستحق بذلك أن يشهد لنفسه بالحمد صدقًا وعدلًا، وأن يعترف له بذلك كل شيء فيهما 39.

3.حمد الله نفسه حمدًا يشمل الزمان والمكان معًا.

يعلن الله جل جلاله أن الحمد ثابت لذاته، ومن موجبات ذلك ملكيته التامة لكل ما في السماوات والأرض، {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} [سبأ:1] .

وهو حمد ملء المكان، وممتد إلى انتهاء الزمان، لا منازع ولا شريك، فحمده كامل شامل قد ملأ المكان وأحاط بالزمان 40.

4.حمد الله لنفسه حمدًا مقرونًا بالتسبيح ملء المكان على مدار الأزمان.

يأمر الله سبحانه وتعالى عباده بتسبيحه في الأوقات الأربعة، ذكرها في آية من سورة الروم بقوله جل وعلا: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (17) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ} [الروم: 17 - 18] .

وهذه هي الأوقات الممتدة على مدار النهار والليل 41، وهذا على سبيل الإنشاء والطلب، وجعل جملة الحمد الخبرية متوسطة بين الأوقات المأمور بالتسبيح فيها؛ ليبين أنه ثابت ملء السماوات والأرض وفي كل وقت 42؛ لما له من كمال الصفات وجميل الأفعال في كل زمان ومكان، فله الحمد حمدًا كثيرًا، وسبحانه وتعالى بكرة وأصيلًا.

أولًا: التمجيد والثناء:

حمد الله سبحانه وتعالى ذاته في آيات كثيرة، وكان لذلك الحمد موجبات عدة، منها:

1.حمد الله والثناء عليه بمقتضى أسمائه الحسنى، وتنزهه عن الولد والشريك والولي.

يأمر الله سبحانه وتعالى عباده في خواتيم سورة الإسراء أن يدعوه بأي اسم من أسمائه؛ لأنها الحسنى البالغة في الحسن غايته في ألفاظها ومعانيها، وهي معانٍ ذات دلالات متعددة، منها:

-دلالة مطابقة: وهي أن الله يتصف بصفة جاء بها هذا المعنى، ودلالة تضمن: وهي أن اتصافه بهذا المعنى الحسن يتضمن الكمال.

-دلالة التزام: وهي أن كمال الله في هذه الصفة يستلزم اتصافه بصفات الكمال التي لا تتحقق هذه الصفة إلا بها 43.

-دلالة اقتضاء: وهي أن اتصاف الله بهذه الصفات التي جاءت بها المعاني المأخوذة من أسمائه الحسنى يقتضي الإقرار بأن الله سبحانه وتعالى مستحق للحمد بها 44.

يقول سبحانه وتعالى: (ژ ژ ڑ ڑ ک کک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ?) [الإسراء:110 - 111] .

فالقارئ لهاتين الآيتين يجد أن الله سبحانه وتعالى عقّب بحمد نفسه مع زيادة بيان لموجبات أخرى للحمد، وهي أنه لم يتخذ الولد؛ فالذي يتخذ الولد سيأتي عليه يوم ويكون مربوبًا لولده الذي سيقوم على رعايته والقيام على شئونه؛ لأن هذه هي سنة الأسرة، وأنه تنزه عن الشريك الذي يكون مماثلًا ومنازعًا لشريكه، وله سلطان يضاهي سلطانه، قد يحول بينه وبين أمر قضاه فلا يستطيع أن يمضيه، وأنه لا يحتاج إلى حليف يستنصر به من هزيمة قد تلحق به الذل، تعالى وتقدس ربنا عن كل عيب ونقص، وله الحمد المطلق والثناء كما أثنى على نفسه فليس أحد يستطع الثناء عليه بما هو أهله إلا هو 45.

وهذا من دلائل كبريائه جل جلاله، «وتكبيره تعالى وتنزيهه يكون:

-بتكبيره في ذاته، باعتقاد أنه واجب الوجود لذاته، وأنه غني عن كل موجود.

-بتكبيره في صفاته، باعتقاد أنه مستحق لكل صفات الكمال، منزه عن صفات النقص.

-بتكبيره في أفعاله، فتعتقد أنه لا يجري شئ في ملكه إلا وفق حكمته وإرادته.

-بتكبيره في أحكامه، بأن تعتقد أنه ملك مطاع، له الأمر والنهى، والرفع والخفض، وأنه لا اعتراض لأحد عليه في شيء من أحكامه، يعزّ من يشاء، ويذلّ من يشاء.

-تكبيره في أسمائه، فلايذكر إلا بأسمائه الحسنى، ولا يوصف إلا بصفاته المقدسة» 46.

2.حمد الله والثناء عليه بمقتضى تفرده بالملك الأبدي للموجودات.

يحمد الله نفسه في آية من كتابه على أن ما في السماوات والأرض كلهم له ملك وعبيد، يتصرف فيهم بحمده، حمدًا دائمًا مستمرًا لا ينقطع إلى يوم القيامة؛ لأنه في الآخرة، يظهر من حمده، والثناءعليه، ما لا يكون في الدنيا، فإذا قضى الله سبحانه وتعالى بين الخلائق كلهم، ورأى الناس والخلق كلهم، ماحكم به، وكمال عدله وقسطه، وحكمته فيه، حمدوه كلهم على ذلك، حتى أهل العقاب ما دخلوا النار إلا وقلوبهم ممتلئة من حمده، وأن هذا من جراء أعمالهم، وأنه عادل في حكمه بعقابهم 47، يقول تعالى: { ... وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الزمر: 75] .

أما ظهور حمده لأهل الجنة فذلك لما يظهر لأهل الجنة من عظمة ربهم، وجلاله، وجماله، وسعة كماله حين يرونه، ما يوجب له كمال الحمد، والثناء عليه 48، يقول الله عز وجل: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} [سبأ: 1] .

وأورد ابن جرير في تفسيره ما معناه: «أن الحمد التام الكامل كله للمعبود الذي هو مالك جميع ما في السماوات السبع وما في الأرضين السبع دون كل شيء سواه، لا مالك لشيء من ذلك غيره، فالمعنى: الذي هو مالك ذلك جميعه، وله الحمد التام الكامل في الآخرة كالذي هو له ذلك في الدنيا العاجلة؛ لأن كل من في السماوات والأرض في الدنيا هو الذي خلقهم وأوجدهم من العدم، وهو المتصرف فيهم، والمالك لهم ملكًا تامًّا خالصا دون ما سواه في عاجل الدنيا وآجل الآخرة، وهو الحكيم في تدبير خلقه، الخبير بهم وبما يصلحهم، وبما عملوا، وماهم عاملون، محيط بجميع ذلك» 49.

3.تمجيد الله بمقتضى غناه عن عباده.

يخاطب الله سبحانه وتعالى الناس جميعًا معلمًا إياهم ومعلنًا لهم بأنه خلقهم وهو غني عنهم، وذلك بأنهم فقراء محتاجون لمن يدبر أمورهم من كل وجه، {يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [فاطر:15] .

وليس أحد إلا الله عز و جل يقوم بهذا الأمر، فهم الفقراء بكل أنواع الفقر، وهو الغني بكل أنواع الغنى، محمود في غناه؛ ولولا ذلك لما تنعموا في هذه الحياة، ولما قامت للكافرين منهم قائمة كالذين خاطبهم موسى عليه السلام بهذا الخطاب.

يقول مولانا جل في علاه: {وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ} [إبراهيم: 8] .

وبيّن لهم أنه غني عن إيمانهم به وعبادتهم له، وإذا رأوا أنهم لا يحتاجون إلى الله بكونهم يرزقون، ويأكلون ويتمتعون بشتى أنواع الملذات، فما ذلك إلا لأنه حميد في غناه، يرزق ويعطي ويمد ويزيد، حتى وإن كفر به من خلقه من كفر، وكان رده على نبيه إبراهيم عليه السلام حين سأله أن يرزق من آمن من عباده ممن سكن البلد الحرام أنه سيرزق أيضًا من كفر منهم أيضًا.

وهذا ما جاء في قوله سبحانه وتعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 126] .

وهذا من كمال حمده أنه مع قدرته على حرمانهم بسبب امتناعهم عن أداء ما أوجبه عليهم، لم يمنعهم ما أوجبه لهم على نفسه على سبيل الوعد، {وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ} [التوبة: 111] سبحانه جل جلاله.

ثانيًا: الإنعام:

إن نعم الله سبحانه وتعالى أمر لا يطيق إحصاءه إلا الله جل جلاله، وقد توقفنا مع الآية التي جمع الله سبحانه وتعالى لحمده فيها كل ما يقتضيه الحمد، وهي قوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] .

وذلك أن تربية الله سبحانه وتعالى للعالمين جميعًا تشمل تربيته لهم بكل نعمة يحتاجون ليتم لهم التكيف والانسجام مع المحيط الذي يحيون فيه، سواء أكانت النعمة مادية أم معنوية، وبيان ذلك ما جاء في جواب موسى لفرعون حين سأله عن ربه، فقال عليه السلام كما جاء ذكره في القرآن: {قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه: 49، 50] .

فقد أعطى كل شيء خلقه صورته وهيئته التي هي أليق به وأنسب له، وهداه للكيفية التي تناسب البيئة التي وجد فيها، وهذا من أعظم مظاهر الإنعام على كل المخلوقات؛ لذلك أخبر الله سبحانه وتعالى عن حالهم وانشغالهم بحمده عليه بقوله: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [الإسراء:44] .

إن هناك من الإنعام ما اختص الله به الناس دون غيرهم، ومنه ما فضل الله به بعض الناس على بعض؛ ولذلك نجد أنه يحمد نفسه عند ذكره لهذه النعم، أو أن من أكرمهم بها يحمدونه عليها على ما ستأتي الإشارة إليه، وسنجتهد في ترتيب الآيات بحسب فضل النعم المضمنة فيها من خلال نماذج نذكرها تقتضي حمد المنعم سبحانه وتعالى، وذلك فيما يأتي:

1.نعمة إنزال الكتب ذات الصراط المستقيم الذي لا عوج له.

يختم الله عز و جل الآية الأولى من سورة إبراهيم باسمه الحميد، بقوله سبحانه وتعالى: {الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [إبراهيم: 1] ؛ ليكون فاصلة مناسبة لما ورد في الآية من ذكره لنعمة إنزال الكتب؛ التي يخرج الله بها الناس من ظلمات الكفر والضلال إلى نور التوحيد والرشاد، ليسيروا على صراط مستقيم، ينتهي بهم إلى رضا ربهم العزيز الحميد في إنعامه وإكرامه وجزائه.

وفي أول آية من سورة الكهف تقرير لما جاء في آية سورة إبراهيم، ولكن بصورة أخرى، ببيان استغراق المحامد كلها على إنزال الكتاب بدون عوج أو تعارض أو اختلاف، لا إبهام فيه ولا اضطراب، {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا} [الكهف: 1] .

وذلك أن الاهتداء بهدي هذا الكتاب تستقيم عليه الحياة، بل والأرض والسماء وما فيهما، وبدون ذلك يكون الفساد، يقول سبحانه وتعالى: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ} [المؤمنون:71] .

فإن الحق الذي يجب عليهم أن يتبعوه، لا أن يتبع هو أهواءهم؛ هو ما كان فيه ذكرهم، ألا وهو القرآن، وإلا فإن السماوات والأرض وما فيهما سيكون فيه من الفساد بحسب إعراضهم عن الحق الذي في هذا الكتاب؛ لذلك فإن الساعة لا تقوم، ولا يأذن الله بخراب الدنيا حتى لا يبقى فيها من يؤمن بالله.

جاء في الصحيح عن عبد الرّحمن بن شماسة المهريّ، قال: «كنت عند مسلمة بن مخلّدٍ، وعنده عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال عبد الله: لاتقوم السّاعة إلّا على شرار الخلق، هم شرٌّ من أهل الجاهليّة، لا يدعون الله بشيءٍ إلّا ردّه عليهم، فبينما هم على ذلك أقبل عقبة بن عامرٍ، فقال له مسلمة: يا عقبة، اسمع ما يقول عبد الله، فقال عقبة: هوأعلم، وأمّا أنا فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: (لا تزال عصابةٌ من أمّتي يقاتلون على أمر الله، قاهرين لعدوّهم، لايضرّهم من خالفهم، حتّى تأتيهم السّاعة وهم على ذلك) ، فقال عبد الله: أجل، (ثمّ يبعث الله ريحًا كريح المسك مسّها مسّ الحرير، فلاتترك نفسًا في قلبه مثقال حبّةٍ من الإيمان إلّا قبضته، ثمّ يبقى شرار النّاس عليهم تقوم السّاعة) 50.

فالحمد لله الذي أنزل كتابًا لا عوج له تستقيم به الحياة في الدنيا والآخرة.

يبين الله سبحانه وتعالى موقف من أنعم الله عليهم بنعمة العلم، أن الذي يجدونه ويقرون به أن ما أنزله الله على نبيه صلى الله عليه وسلم هو الحق، {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [سبأ:6] .

وهو الهدى إلى الصراط المستقيم، الذي فيه أقوم الطرق إلى حياة كريمة صحيحة مطمئنة، وأنه يعطي كل ذي حق حقه، فلا ظلم ولا هضم، ولا كذب ولا وهم.

قال عز وجل: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الأنعام: 115] .

صدقًا في أخباره الماضية والمستقبلة، وعدلًا في أحكامه الدينية والدنيوية.

2.نعمة العلم وتفضيل الله به الأنبياء على غيرهم من الناس.

يخبرنا الله في آية من كتابه عما آتاه الله نبيّين كريمين من أنبيائه وهما داود وسليمان عليهما السلام حيث أنعم الله عليهما بالعلم الذي جعل الله الحظ الأوفر منه للأنبياء.

يقول عز وجل: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ} [النمل:15] .

وقد جعل الله العلم أنفس ما يتركونه من بعدهم، وهو الميراث الذي يستفاد من بعدهم، لا تركة لهم ينتفع بها سواه، قال صلى الله عليه وسلم: (من سلك طريقًا يطلب فيه علمًا سلك اللّه به طريقًا من طرق الجنّة، وإنّ الملائكة لتضع أجنحتها رضًا لطالب العلم، وإنّ العالم ليستغفر له من في السّموات، ومن في الأرض، والحيتان في جوف الماء، وإنّ فضل العالم على العابد، كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإنّ العلماء ورثة الأنبياء، وإنّ الأنبياء لم يورّثوا دينارًا، ولا درهمًا ورّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظٍّ وافرٍ) 51.

وقد علما أن هذا الذي أنعم الله به عليهما من العلم هو أفضل ما ينعم به على إنسان؛ لذلك فقد حمدا الله على أن فضّلهما بهذا العلم على كثير من عباده المؤمنين الذين ليسوا بأنبياء.

3.نعمة هداية التوفيق ومن ثم إلى الجنة.

بعد أن يدخل أهل الجنة الجنة، ويتنعموا فيها بسلامة الصدر من العلل التي كان يتنغص بها عموم المؤمنين بحكم طبيعتهم البشرية في الدنيا، وهو نعيم لا يعرف لذته إلا من بلغ من الخيرية مبلغًا، بحيث يترفع عن أن يتأذى بما يتأذى به سائر الناس من أنواع الأذى، إلا ما كان لأجل انتهاك حرمات الله، يقول الله سبحانه وتعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: 43] .

وهو مقام سامٍ رفيع، قد بلغه رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن عائشة رضي الله عنها قالت: (ما انتقم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم لنفسه إلّا أن تنتهك حرمة اللّه، فينتقم للّه بها) 52، وخواص المؤمنين ممن سار على هديه متمسكًا بسنته على وجه الكمال، وهذا للصحابة منه النصيب الأوفر، بحيث لا يذكر بينهم إلا الهنات من خلافه، فإنه ربما وجد منهم الاختلاف على حكم شرعي قد اجتهدوا فيه؛ فربما وقع القتال بينهم في تطبيق حكم شرعي اجتهد كل فريق منهم عن دليل وهدى، وقصد للحق، لا اتباع للهوى، فلم يحملهم هذا على تكفير بعضهم بعضًا، فقد حفظوا لأنفسهم أعراضهم من أن ينتهكوها، وأموالهم من أن يستحلوها، مما يدل على أن الأمر لم يكن على خلاف دنيوي، ولا انتصار للنفس، وعلى هذا الطريق سار جمع من الأئمة الأعلام، كالإمام أحمد الذي ثبت في الفتنة؛ إلا أنه كان يدعو لولاة أمر المسلمين الذين وقع له الأذى على أيديهم، وصفح عنهم وعفا 53، وما وجد في نفسه شيئًا إلا على من علم أنه لم يصدع بالحق عالمًا به، وكذا كان ابن تيمية رحمه الله مع خصومه، حين تمكن منهم، وقد كانوا لايألون جهدًا في التحريض عليه والتأليب عليه عند السلطان، ولما قدر عليهم عفا عنهم وصفح، وهذا بشهادتهم أنفسهم 54، وكان يقول: «ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، إن رحت فهي معي لا تفارقني، إنّ حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة» 55.

وما كان ذاك منه إلا لسلامة صدره رحمه الله، وما نسبة الفرق بين هذه السلامة لما في الجنة، إلا كالفرق بين ثمر الدنيا وثمر الجنة، وما بلغوا تلك المنزلة التي حمدوا الله عليها إلا بهداية الرحمن التي أكرمهم بها.

4.نعمة إقامة آياته الدالة عليه.

الحمد لله في الأولى والآخرة ومن جميع الخلق، خصوصًا أهل الاختصاص والصفوة من عباده، الذين كان رسول الله واحدًا منهم؛ على ما اختصهم به من رفعة الدرجات، وكمال القرب منه، وكثرة خيراته عليهم، سيريكم آياته أيها الناس عمومًا والمنكرين خصوصًا، فتعرفونها معرفة تدلكم على الحق والباطل، فلابد أن يريكم من آياته ما تستنيرون به في الظلمات، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حيّ عن بينة 56، وما الله بغافل عما تعملون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت