فهرس الكتاب

الصفحة 520 من 2431

أولًا: المعنى اللغوي:

قال ابن فارس: «سخر: السين والخاء والراء أصل مطرد مستقيم يدل على احتقار واستذلال، من ذلك قولنا سخر الله عز وجل الشيء، وذلك إذا ذلله لأمره وإرادته، ثم قال: ومن الباب: سخرت منه، إذا هزئت به، ولا يزالون يقولون: سخرت به، وفي كتاب الله تعالى: {فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ} [هود: 38] » 1.

والتسخير: تذليل الشيء وجعله منقادًا للآخر وسوقه إلى الغرض المختص به قهرًا، ومنه قوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33) } [إبراهيم: 33] . أي: ذللهما، وكل ما ذل وانقاد أو تهيأ لك على ما تريد فقد سخر لك 2.

فالتسخير له معنيان:

الأول: التسخير والتذليل، ومنه قوله تعالى: {فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (110) } [المؤمنون: 110] .

والثاني: السخرية والاحتقار، ومنه قوله: {وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ} [المؤمنون: 110] .

وقد استعمل القرآن الكريم هذا المعنى اللغوي للتسخير، وعلى ذلك وردت أقوال المفسرين في بيان هذه اللفظة كما سيأتي.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

والتسخير اصطلاحًا: تذليل الشيء وجعله منقادًا للآخر، وسوقه إلى الغرض المختص به قهرًا.

ومنه قوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33) } [إبراهيم: 33] 3.

قال ابن عاشور: «والتسخير حقيقته تذليل ذي عمل شاق، أو شاغل بقهر وتخويف، أو بتعليم وسياسة بدون عوض» 4.

وردت مادة (سخر) في القرآن (42) مرة، يخص التسخير منها (27) مرة 5.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 22 ... {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا} [النحل:14]

المصدر ... 1 ... {وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا} [الزخرف:32]

اسم المفعول ... 4 ... {وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164) } [البقرة:164]

وجاء (التسخير) في القرآن بمعناه اللغوي العام، وهو السياقة إلى الغرض المختص قهرًا 6، ومنه تسخير العبيد والأسرى، وتسخير البهائم، وكذلك تصريف الشيء غير ذي الإرادة، في عمل عجيب، يصعب استعماله فيه، بحيلة أو إلهام؛ كتسخير الفلك للمخر في البحر بالريح، وتسخير السحاب للأمطار، وتسخير النهار للعمل، والليل للسكون، وتسخير الليل للسير في الصيف، والشمس للدفء في الشتاء، والظل للتبرد 7.

التذليل:

الذل لغة:

ضد العز، ومنه: التذليل، وهو الخضوع والانقياد والاستكانة، واللين، ومنه قوله تعالى: {وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (72) } [يس: 72] . أي: وصيرناها سهلة غير مستعصية عليهم في شيء مما يريدون بها 8.

التذليل اصطلاحًا:

الخضوع والانقياد والاستكانة، واللين، ومنه قوله تعالى: {ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (69) } [النحل: 69] . أي: منقادة غير متصعبة 9.

والتذليل: جعل الشيء منقادًا من غير صعوبة، وتسهيله على وجه ينتفع منه العباد 10.

الصلة بين التسخير والتذليل:

أنهما بمعنى واحد، وهو تذليل الشيء، وجعله منقادًا للآخر، وسوقه إلى الغرض المختص به قهرًا، وبينهما عموم وخصوص، فالتذليل يخص الله كما يخص البشر، بينما التسخير فلا يسخر إلا الله 11.

الانقياد:

الانقياد لغة:

الخضوع والطاعة والإذعان، تقول: قدته فانقاد، واستقاد لي، إذا أعطاك مقادته،

وانقاد فلان للأمر وأعطى القياد إذا أذعن طوعًا أو كرهًا 12.

الانقياد اصطلاحًا:

الخضوع والذل والطاعة والإذعان، يقال: انقاد للأمر والطريق سهل واستقام 13، ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي له.

الصلة بين التسخير والانقياد:

أنهما بمعنى واحد، وهو: تذليل الشيء وجعله منقادًا للآخر، وسوقه إلى الغرض المختص به قهرًا، والتسخير أعم من الانقياد، فيشمل ما كان داخلًا تحت قدرة الإنسان وتسخيره حقيقة، كالحيوان، وما كان داخلًا تحت تصرفه بتسخير وإلهام وتعليم، كتسخير الفلك 14.

التسليط:

التسليط لغة:

التغليب، وإطلاق القهر والقدرة، يقال: سلطه الله عليه، أي: جعل له عليه قوة وقهرا، ومنه قوله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (90) } [النساء: 90] 15.

التسليط اصطلاحًا:

التحكم، والتمكين، والسيطرة، والقوة، والقهر، والغلبة، قال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا} [النساء: 90] 16، ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي له.

الصلة بين التسخير والتسليط:

أنهما بمعنى واحد، وهو: تذليل الشيء وجعله منقادًا للآخر، وسوقه إلى الغرض المختص به قهرًا، ولكن التسخير يقال في المحبوب والمكروه، والتسليط يقال في المكروه.

إن تسخير هذا الكون بما فيه من المنافع لهذا الإنسان العاجز الضعيف، فيه دلالة على الربوبية والألوهية وصفات الله تعالى، كما أنها تدل على البعث والنشور، وبيان ذلك من خلال النقاط الآتية:

أولًا: دلالاته على الربوبية والألوهية:

لقد ذكر القرآن الكريم دلالة التسخير على الربوبية والألوهية.

قال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (12) } [النحل: 12] .

الرب: هو السيد والمالك، والخالق والمدبر، والمربي والمصلح، والقيم والمنعم، والإله: هو المعبود، أي: الذي يتوجه إليه الإنسان عند الشعور بالحاجة إلى ما يعجز عنه بكسبه ومساعدة الأسباب له، فيدعوه لكشف الضر أو جلب النفع، ويتقرب إليه بالأقوال والأعمال التي يرجى أن ترضيه، وأما اسم الجلالة الأعظم (الله) فهو اسم لرب العالمين، خالق الخلق أجمعين، الذي ينفي الموحدون الحنفاء ربوبية غيره وألوهية سواه، ويقول بعض المشركين: إنه أكبر الأرباب أو رئيسهم، وأعظم الآلهة أو مرجعهم الذي يشفعون عنده، وكان مشركو العرب وأمثالهم ينفون وجود رب سواه، وإنما يعبدون آلهة تقربهم إليه 17.

يخبر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه سخر لخلقه خمسة أشياء عظام، وهي: الليل، والنهار، والشمس، والقمر، والنجوم، وفيها من عظيم نعمته ما لا يعلمه إلا هو، وفيها الدلالات الواضحات لأهل العقول: على أنه الواحد المستحق لأن يعبد وحده، وكرر في القرآن ذكر إنعامه بتسخير هذه الأشياء، وأنها من أعظم أدلة وحدانيته واستحقاقه للعبادة وحده؛ كقوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2) } [الرعد: 2] .

افتتح الآية باسم الجلالة دون الضمير الذي يعود إلى {رَبِّكَ} [الرعد: 1] ، لأنه معين به لا يشتبه غيره من آلهتهم ليكون الخبر المقصود جاريا على معين لا يحتمل غيره؛ إبلاغا في قطع شائبة الإشراك، والذي رفع هو الخبر، وجعل اسم موصول لكون الصلة معلومة الدلالة على أن من تثبت له هو المتوحد بالربوبية؛ إذ لا يستطيع مثل تلك الصلة غير المتوحد ولأنه مسلم له ذلك، {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (61) } [العنكبوت: 61] 18.

وقوله جل جلاله: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54) } [الأعراف: 54] .

وإغشاؤه الليل النهار: هو تسخيرهما، وقوله سبحانه: {وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33) } [إبراهيم: 33] .

وقوله جل وعلا: {وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (37) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (38) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (39) } [يس: 37 - 39] .

فقد بين سبحانه إلهيته وربوبيته: بأن هذا الكون وكل ما فيه من الخيرات الكثيرة والنعم العظيمة؛ فهي منه، وتحت تدبيره وتسخيره، فيجب على عباده أن يشكروه عليها، ويعبدوه دون غيره مما عبدوه معه وليس له من الخلق ولا من الأمر شيء 19.

قال سيد قطب عند تفسير قوله تعالى: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (5) } [الزمر: 5] .

«وهذه اللفتة إلى ملكوت السماوات والأرض، وإلى ظاهرة الليل والنهار، وإلى تسخير الشمس والقمر، توحي إلى الفطرة بحقيقة الألوهية التي لا يليق معها أن يكون هناك ولد ولا شريك، فالذي يخلق هذا الخلق وينشئه إنشاء، لا يحتاج إلى الولد ولا يكون معه شريك، وآية الوحدانية ظاهرة في طريقة خلق السماوات والأرض، وفي الناموس الذي يحكم الكون، والنظر المجرد إلى السماوات والأرض يوحي بوحدة الإرادة الخالقة المدبرة» 20.

ثانيًا: دلالاته على أسماء الله وصفاته:

لقد ذكر القرآن الكريم دلالة التسخير على أسماء الله وصفاته.

قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (13) } [الجاثية: 12 - 13] .

يخبر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن من فضله وإنعامه أنه سخر لخلقه هذا الكون بما فيه، فلا يوجد شيء في هذا الكون إلا وللإنسان به انتفاع من وجوه، فهو سبحانه الذي خلق البحر بهذه الخصائص، وخلق مادة الفلك بهذه الخصائص، وجعل خصائص الضغط الجوي، وسرعة الرياح، وجاذبية الأرض، وسائر الخصائص الكونية الأخرى؛ مساعدة على أن تجري الفلك في البحر، وهدى الإنسان إلى هذا كله، فأمكنه أن ينتفع به، وأن ينتفع كذلك بالبحر في نواح أخرى: {وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ} ، كالصيد للطعام وللزينة، وكذلك التجارة، والمعرفة، والتجربة، والرياضة، والنزهة، وسائر ما يبتغيه الحي من فضل الله في البحار، فالسماء لهم بناء، والأرض لهم مهاد، وفي البحر منافع عظيمة، والشمس ضياء، وفي كل مخلوق من هذه المخلوقات منافع، وقد هدى الله تعالى الإنسان للانتفاع بهذه النعم 21.

وقوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} ، هذا تعميم بعد تخصيص اقتضاه الاهتمام أولًا، ثم التعميم ثانيًا، فمن تخصيص البحر بالذكر إلى التعميم والشمول، فلقد سخر الله لهذا الإنسان ما في السماوات وما في الأرض، من قوى وطاقات، ونعم وخيرات، مما يصلح له ويدخل في دائرة خلافته: {جَمِيعًا مِنْهُ} ، فكل شيء في هذا الوجود منه وإليه، وهو منشئه ومدبره، وهو مسخره أو مسلطه، وهذا المخلوق الصغير الإنسان، مزود من الله بالاستعداد لمعرفة طرف من النواميس الكونية، وأتاح لهم الانتفاع به في كل وجه من وجوه الانتفاع، حسب استعدادهم وقدرتهم على التصرف فيه 22.

وقوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} ، أي: في ذلك المذكور من خلقها وتدبيرها وتسخيرها؛ دالٌ على نفوذ مشيئة الله وكمال قدرته، وما فيها من الإحكام والإتقان وبديع الصنعة وحسن الخلقة دالٌ على كمال حكمته وعلمه، وما فيها من السعة والعظمة والكثرة دالٌ على سعة ملكه وسلطانه، وما فيها من التخصيصات والأشياء المتضادات دليل على أنه الفعال لما يريد، وما فيها من المنافع والمصالح الدينية والدنيوية دليل على سعة رحمته، وشمول فضله وإحسانه، وبديع لطفه وبره، وكل ذلك دالٌ على أنه وحده المألوه المعبود الذي لا تنبغي العبادة والذل والمحبة إلا له، وأن رسله صادقون فيما جاءوا به، فهذه أدلة عقلية واضحة لا تقبل ريبًا ولا شكًا 23.

قال الرازي: «وأما الاستدلال بأحوال الشمس والقمر: فهو قوله سبحانه وتعالى: {وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى} [الرعد: 2] .

واعلم أن هذا الكلام اشتمل على نوعين من الدلالة: النوع الأول: قوله: {وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ} ، وحاصله يرجع إلى الاستدلال على وجود الصانع القادر القاهر بحركات هذه الأجرام، وذلك لأن الأجسام متماثلة، فهذه الأجرام قابلة للحركة والسكون، فاختصاصها بالحركة الدائمة دون السكون لا بد له من مخصص، وأيضًا أن كل واحدة من تلك الحركات مختصة بكيفية معينة من البطء والسرعة، فلا بد أيضًا من مخصص، لا سيما عند من يقول الحركة البطيئة معناها حركات مخلوطة بسكنات، وهذا يوجب الاعتراف بأنها تتحرك في بعض الأحياز وتسكن في البعض، فحصول الحركة في ذلك الحيز المعين والسكون في الحيز الآخر؛ لا بد فيه أيضًا من مرجح ....

ثم قال: والنوع الثاني: من الدلائل المذكورة في هذه الآية قوله: {كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى} ، وفيه قولان:

الأول: قال ابن عباس: للشمس مائة وثمانون منزلًا، كل يوم لها منزل، وذلك يتم في ستة أشهر، ثم إنها تعود مرة أخرى إلى واحد منها في ستة أشهر أخرى، وكذلك القمر له ثمانية وعشرون منزلا، فالمراد بقوله: كل يجري لأجل مسمى هذا، وتحقيقه: أنه تعالى قدر لكل واحد من هذه الكواكب سيرًا خاصًا إلى جهة خاصة، بمقدار خاص من السرعة والبطء، ومتى كان الأمر كذلك لزم أن يكون لها بحسب كل لحظة ولمحة حالة أخرى ما كانت حاصلة قبل ذلك.

والقول الثاني: أن المراد: كونهما متحركين إلى يوم القيامة، وعند مجيء ذلك اليوم تنقطع هذه الحركات وتبطل تلك السيرات، كما وصف الله تعالى ذلك في قوله: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (2) } [التكوير: 1 - 2] » 24.

وقال المهايمي: «إن ربط العالم بعضه ببعض دليل توحيده، وجعل البعض سبب البعض، دليل حكمته، وجعل الكل مسخرًا للإنسان، دليل كمال جوده، فمن أنكر هذه الآيات ولم يشكر هذه النعم، استوجب أعظم وجوه الانتقام» 25.

ثالثًا: دلالاته على البعث:

لقد ذكر القرآن الكريم دلالة التسخير على البعث.

قال تعالى: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (5) } [الزمر: 5] .

وقال سبحانه: {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2) } [الرعد: 2] .

فقد بين سبحانه أن هذا الكون وكل ما فيه من الخيرات الكثيرة والنعم العظيمة، وهذه الصفات الدالة على كمال قدرته، دليل على قدرته في البعث والإعادة، فخلق السماوات والأرض، وتسخير الشمس والقمر؛ هو تذليلهما للعمل على ما جعل الله لهما من نظام السير، سير المتبوع والتابع.

وعطفت جملة {وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ} على جملة {يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ} ؛ لأن ذلك التسخير مناسب لتكوير الليل على النهار وعكسه، فإن ذلك التكوير من آثار ذلك التسخير. فتلك المناسبة اقتضت عطف الجملة التي تضمنته على الجملة التي قبلها.

والأجل: هو أجل فنائهما، فإن جريهما لما كان فيه تقريب فنائهما جعل جريهما كأنه لأجل الأجل، أي: لأجل ما يطلبه ويقتضيه أجل البقاء.

ويجوز أن يكون المراد بالأجل: أجل حياة الناس الذي ينتهي بانتهاء الأعمار المختلفة، وليس العمر إلا أوقاتًا محدودة وأنفاسًا معدودة، وجري الشمس والقمر تحسب به تلك الأوقات والأنفاس، فصار جريهما كأنه لأجل.

والمسمى: المجعول له وسم، أي: ما به يعين، وهو ما عينه الله لأن يبلغ إليه.

ويشهد لهذا حديث أبي ذر، رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يومًا: (أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: (إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فتخر ساجدة، فلا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي، ارجعي من حيث جئت، فترجع فتصبح طالعة من مطلعها، ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش، فتخر ساجدة، ولا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي، ارجعي من حيث جئت، فترجع فتصبح طالعة من مطلعها، ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئًا حتى تنتهي إلى مستقرها ذاك تحت العرش، فيقال لها: ارتفعي أصبحي طالعة من مغربك، فتصبح طالعة من مغربها) ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتدرون متى ذاكم؟ ذاك حين {لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} [الأنعام: 158] ) 2627.

وقوله تعالى: {أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ} ، أي: أن الذي فعل هذه الأفعال وأنعم على خلقه هذه النعم، هو العزيز في انتقامه ممن عاداه، الغفار لذنوب عباده التائبين إليه منها بعفوه لهم عنها، والجملة استئناف ابتدائي، هو في معنى الوعيد والوعد، فإن وصف العزيز كناية عن أنه يفعل ما يشاء لا غالب له، فلا تجدي المشركين عبادة أوليائهم، ووصف الغفار مؤذن باستدعائهم إلى التوبة باتباع الإسلام، وفي وصف الغفار مناسبة لذكر الأجل؛ لأن المغفرة يظهر أثرها بعد البعث الذي يكون بعد الموت، وانتهاء الأجل تحريضا على البدار بالتوبة قبل الموت حين يفوت التدارك 28.

وقوله تعالى: {يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} ، أي: يبين الآيات التي تدل على أن من قدر على خلق هذه الأشياء وتسخيرها قادر على البعث والإعادة، {تُوقِنُونَ} ، أي: تتيقنوا وتتحققوا، أو لتعلموا علم اليقين القاطع الذي لا شك فيه أن الله قادر على البعث والإعادة، والحساب والجزاء، وإحياء الموتى من القبور في أي مكان دفنوا، في البر أو البحر أو في أجواف الحيوان 29.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت