فهرس الكتاب

الصفحة 1372 من 2431

قرن الله بين الكذب والخسران، قال تعالى: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ} [الأنعام: 31] .

وقال تعالى: {الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 92] .

وقال تعالى: {وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [يونس 95] .

فرتب على الكذب الخسار، وهو عدم الربح أصلا وذلك بفوات الثواب في الدنيا والآخرة.

3.حبوط الأعمال.

قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأعراف: 147] .

أي: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا} بآيات الله وحججه وبلقاء الله في الآخرة {حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} بسبب فقد شرطها، وهو الإيمان بالله والتصديق بجزائه، ما يجزون في الآخرة {إِلَّا} جزاء {مَا كَانُوا} يعملونه في الدنيا من الكفر والمعاصي، وهو الخلود في النار.

4.الاستدراج.

قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 182] .

أي: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} فجحدوها، ولم يتذكروا بها، سنفتح لهم أبواب الرزق ووجوه المعاش في الدنيا؛ استدراجًا لهم حتى يغتروا بما هم فيه ويعتقدوا أنهم على شيء، ثم نعاقبهم على غرة من حيث لا يعلمون، وهذه عقوبة من الله على التكذيب بحجج الله وآياته.

5.الإهلاك.

قال تعالى: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ} [الأنفال: 54] .

أي: شأن هؤلاء الكافرين في ذلك كشأن آل فرعون الذين كذبوا موسى، وشأن الذين كذبوا رسلهم من الأمم السابقة فأهلكهم الله بسبب ذنوبهم، وأغرق آل فرعون في البحر، وكل منهم كان فاعلًا ما لم يكن له فعله من تكذيبهم رسل الله وجحودهم آياته، وإشراكهم في العبادة غيره.

6.عدم الهداية.

قرن سبحانه بين الكذب وعدم الهداية فقال: {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} [الزمر: 3] .

يقول تعالى ذكره: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي} إلى الحق ودينه الإسلام، والإقرار بوحدانيته، فيوفقه له {مَنْ هُوَ كَاذِبٌ} مفتر على الله، يتقول عليه الباطل، ويضيف إليه ما ليس من صفته، ويزعم أن له ولدا؛ افتراء عليه، وكفرا لنعمه، وجحودًا لربوبيته 93.

وهداية الله المنفية عنهم هي: الهداية التكوينية لا الهداية بمعنى الإرشاد والتبليغ، وهو ظاهرٌ، فالمراد نفي عناية الله بهم، أي: العناية التي بها تيسير الهداية عليهم حتى يهتدوا، أي: لا يوفقهم الله بل يتركهم على رأيهم غضبًا عليهم. والتعبير عنهم بطريق الموصولية؛ لما في الموصول من الصلاحية؛ لإفادة الإيماء إلى علة الفعل ليفيد أن سبب حرمانهم التوفيق هو كذبهم وشدة كفرهم 94.

وفي قوله تعالى: {وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} [غافر: 28] .

فالشرك من الإسراف، وسفك الدم بغير حق من الإسراف، وقد كان مجتمعًا في فرعون الأمران كلاهما.

7.مثواه جهنم في الآخرة.

قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [الأعراف: 36] .

وقال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [المائدة: 10] .

وآيات الله تعالى قسمان: آياته المنزلة على رسوله، وآياته التي أقامها في الأنفس والآفاق؛ للدلالة على وحدانيته وكماله وتنزيهه، وعلى صدق رسله فيما يبلغون عنه، فهؤلاء الكفار المكذبون هم أصحاب الجحيم، أي: دار العذاب النار العظيمة 95.

وأخبر سبحانه أن الكفار الذين لم يصدقوا بحججه وآياته الدالة على وحدانيته، ولم يعملوا بشرعه تكبرًا واستعلاءً، لا تفتح لأعمالهم في الحياة ولا لأرواحهم عند الممات أبواب السماء، ولا يمكن أن يدخل هؤلاء الكفار الجنة.

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ} [الأعراف:40] .

وأخبر سبحانه أنه أعد لمن كذب بالساعة نارًا حارة تسعر بهم، قال تعالى: {بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا} [الفرقان:11] .

ثانيًا: آثار الكذب على المجتمع:

من أعظم آثار الكذب هو فقدان الثقة وتفكيك الأواصر بين أفراد المجتمع المسلم، والنموذج الذي حكاه لنا القرآن كأثر من آثار الكذب هو حادث الإفك الذي قال الله فيه: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [ينظر الآيات: من 11 إلى 21 من سورة النور:] .

فهذا الحادث العظيم قد كلف أطهر النفوس في تاريخ البشرية كلها آلامًا لا تطاق، وكلف الأمة المسلمة كلها تجربة من أشق التجارب في تاريخها الطويل، وعلق قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلب زوجه عائشة التي يحبها، وقلب أبي بكر الصديق وزوجه، وقلب صفوان بن المعطل شهرًا كاملًا، علقها بحبال الشك والقلق والألم الذي لا يطاق.

وقد حكت السيدة عائشة رضي الله عنها الحادث فيما رواه البخاري بسنده عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج سفرًا أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها، خرج بها معه، فأقرع بيننا في غزاةٍ غزاها، فخرج سهمي، فخرجت معه بعدما أنزل الحجاب، فأنا أحمل في هودجٍ، وأنزل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك، وقفل ودنونا من المدينة آذن ليلةً بالرحيل.

فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى الرحل، فلمست صدري، فإذا عقدٌ لي من جزع أظفارٍ قد انقطع، فرجعت، فالتمست عقدي، فحبسني ابتغاؤه، فأقبل الذين يرحلون لي، فاحتملوا هودجي، فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافًا لم يثقلن ولم يغشهن اللحم، وإنما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم حين رفعوه ثقل الهودج، فاحتملوه وكنت جاريةً حديثة السن، فبعثوا الجمل وساروا، فوجدت عقدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منزلهم وليس فيه أحدٌ، فأممت منزلي الذي كنت به، فظننت أنهم سيفقدونني، فيرجعون إلي.

فبينا أنا جالسةٌ غلبتني عيناي، فنمت وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسانٍ نائمٍ، فأتاني وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين أناخ راحلته فوطئ يدها، فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا معرسين في نحر الظهيرة.

فهلك من هلك، وكان الذي تولى الإفك عبد الله بن أبيٍ ابن سلول، فقدمنا المدينة، فاشتكيت بها شهرًا والناس يفيضون من قول أصحاب الإفك، ويريبني في وجعي أني لا أرى من النبي صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين أمرض، إنما يدخل فيسلم، ثم يقول: (كيف تيكم؟) لا أشعر بشيءٍ من ذلك حتى نقهت، فخرجت أنا وأم مسطحٍ قبل المناصع متبرزنا لا نخرج إلا ليلًا إلى ليلٍ، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبًا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في البرية أو في التنزه، فأقبلت أنا وأم مسطحٍ بنت أبي رهمٍ نمشي، فعثرت في مرطها، فقالت: تعس مسطحٌ، فقلت لها: بئس ما قلت، أتسبين رجلًا شهد بدرًا، فقالت: يا هنتاه، ألم تسمعي ما قالوا؟

فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضًا على مرضي، فلما رجعت إلى بيتي دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسلم فقال: (كيف تيكم؟) ، فقلت: ائذن لي إلى أبوي، قالت: وأنا حينئذٍ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتيت أبوي فقلت لأمي: ما يتحدث به الناس؟ فقالت: يا بنية هوني على نفسك الشأن، فوالله لقلما كانت امرأةٌ قط وضيئةٌ عند رجلٍ يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها.

فقلت: سبحان الله، ولقد يتحدث الناس بهذا، قالت: فبت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمعٌ، ولا أكتحل بنومٍ، ثم أصبحت، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالبٍ، وأسامة بن زيدٍ حين استلبث الوحي، يستشيرهما في فراق أهله، فأما أسامة، فأشار عليه بالذي يعلم في نفسه من الود لهم.

فقال أسامة: أهلك يا رسول الله، ولا نعلم والله إلا خيرًا، وأما علي بن أبي طالبٍ فقال: يا رسول الله، لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثيرٌ، وسل الجارية تصدقك، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة، فقال: (يا بريرة هل رأيت فيها شيئًا يريبك؟) ، فقالت بريرة: لا والذي بعثك بالحق، إن رأيت منها أمرًا أغمصه عليها قط، أكثر من أنها جاريةٌ حديثة السن، تنام عن العجين، فتأتي الداجن فتأكله.

فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه، فاستعذر من عبد الله بن أبيٍ ابن سلول، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من يعذرني من رجلٍ بلغني أذاه في أهلي، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرًا، وقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلا خيرًا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي) .

فقام سعد بن معاذٍ، فقال: يا رسول الله، أنا والله أعذرك منه إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك.

فقام سعد بن عبادة -وهو سيد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلًا صالحًا ولكن احتملته الحمية- فقال: كذبت لعمر الله، لا تقتله، ولا تقدر على ذلك، فقام أسيد بن حضيرٍ فقال: كذبت لعمر الله، والله لنقتلنه، فإنك منافقٌ تجادل عن المنافقين.

فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، فنزل، فخفضهم حتى سكتوا، وسكت.

وبكيت يومي لا يرقأ لي دمعٌ، ولا أكتحل بنومٍ، فأصبح عندي أبواي، وقد بكيت ليلتين ويومًا حتى أظن أن البكاء فالقٌ كبدي، قالت: فبينا هما جالسان عندي، وأنا أبكي، إذ استأذنت امرأةٌ من الأنصار، فأذنت لها، فجلست تبكي معي، فبينا نحن كذلك إذ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجلس ولم يجلس عندي من يوم قيل في ما قيل قبلها، وقد مكث شهرًا لا يوحى إليه في شأني شيءٌ.

قالت: فتشهد ثم قال: (يا عائشة، فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئةً، فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنبٍ، فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه، ثم تاب تاب الله عليه) .

فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته، قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرةً، وقلت لأبي: أجب عني رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت لأمي: أجيبي عني رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال، قالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: وأنا جاريةٌ حديثة السن، لا أقرأ كثيرًا من القرآن، فقلت: إني والله لقد علمت أنكم سمعتم ما يتحدث به الناس، ووقر في أنفسكم وصدقتم به، ولئن قلت لكم إني بريئةٌ، والله يعلم إني لبريئةٌ لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمرٍ، والله يعلم أني بريئةٌ لتصدقني، والله ما أجد لي ولكم مثلًا، إلا أبا يوسف؛ إذ قال: {وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [يوسف: 18] .

ثم تحولت على فراشي وأنا أرجو أن يبرئني الله، ولكن والله ما ظننت أن ينزل في شأني وحيًا، ولأنا أحقر في نفسي من أن يتكلم بالقرآن في أمري، ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله، فوالله ما رام مجلسه ولا خرج أحدٌ من أهل البيت، حتى أنزل عليه الوحي.

فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء، حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق في يومٍ شاتٍ، فلما سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك، فكان أول كلمةٍ تكلم بها، أن قال لي: (يا عائشة احمدي الله، فقد برأك الله) فقالت لي أمي: قومي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: لا والله، لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله، فأنزل الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ} الآيات، فلما أنزل الله هذا في براءتي، قال أبو بكرٍ الصديق رضي الله عنه وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه: والله لا أنفق على مسطحٍ شيئًا أبدًا بعد ما قال لعائشة، فأنزل الله تعالى: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا} إلى قوله: {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 22] .

فقال أبو بكرٍ: بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطحٍ الذي كان يجري عليه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل زينب بنت جحشٍ عن أمري، فقال: (يا زينب، ما علمت ما رأيت؟) فقالت: يا رسول الله، أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت عليها إلا خيرًا، قالت: وهي التي كانت تساميني، فعصمها الله بالورع) 96.

إن أصل تدبير هذا الحادث الأليم قامت به عصبة على رأسها عبد الله بن أبي ابن سلول، الحذر الماكر، الذي لم يظهر بشخصه في المعركة. ولم يقل علانية ما يؤخذ به فيقاد إلى الحد.

وهكذا دائمًا الأفاكون يدبرون ولا يظهرون، ويدفعون إلى نشر إفكهم من ينقلون بألسنتهم ولا يفكرون بعقولهم، و لا يمررون الأمر على قلوبهم، ولا يزنون ما ينقلون بالميزان الذاتي كما فعل أبو أيوب رضي الله عنه فعن محمد بن إسحاق، عن أبيه، عن بعض رجال بني النجار أن أبا أيوب خالد بن زيدٍ قالت له امرأته أم أيوب: «أما تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ قال: بلى، وذلك الكذب، أكنت فاعلةً ذلك يا أم أيوب؟ قالت: لا والله، ما كنت لأفعله. قال: فعائشة والله خيرٌ منك. قال: فلما نزل القرآن، ذكر الله من قال في الفاحشة ما قال من أهل الإفك: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ} وذلك حسان وأصحابه الذين قالوا ما قالوا، ثم قال: {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ} [النور: 12] .

أي: كما قال أبو أيوب وصاحبته» 97.

فهذا الحادث أدى لمدة شهر إلى فقدان ثقة المسلمين بعضهم في بعض، كما أدى إلى تفكيك أواصر المحبة التي أنعم الله بها على المؤمنين، ولولا فضل الله على المؤمنين بتبرئة أم المؤمنين عائشة، والصحابي الجليل صفوان بن المعطل؛ لاستمر فقدان الثقة وتفكك الأواصر بين المسلمين مما يهدد كيان الدولة المسلمة الناشئة.

إن الحادث لعظيم، وإن الخطأ لجسيم، وإن الشر الكامن فيه لخليق أن يصيب الدولة المسلمة الناشئة كلها بالسوء، ولكن فضل الله ورحمته، ورأفته ورعايته ذلك ما وقاهم السوء.

2.وقوع المظالم، وضياع الحقوق.

ظلم يوسف عندما ادعت امرأة عزيز مصر أنه أراد بها سوءًا، قال تعالى: {وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [يوسف: 25] .

قال السعدي رحمه الله: «هذه المحنة العظيمة أعظم على يوسف من محنة إخوته، وصبره عليها أعظم أجرًا؛ لأنه صبر اختيار مع وجود الدواعي الكثيرة لوقوع الفعل، فقدم محبة الله عليها، وأما محنته بإخوته فصبره صبر اضطرار، بمنزلة الأمراض والمكاره التي تصيب العبد بغير اختياره وليس له ملجأ إلا الصبر عليها، طائعًا أو كارهًا، وذلك أن يوسف عليه الصلاة والسلام بقي مكرمًا في بيت العزيز، وكان له من الجمال والكمال والبهاء ما أوجب ذلك.

ولما امتنع من إجابة طلبها بعد المراودة الشديدة، ذهب ليهرب عنها ويبادر إلى الخروج من الباب ليتخلص، ويهرب من الفتنة، فبادرت إليه، وتعلقت بثوبه، فشقت قميصه، فلما وصلا إلى الباب في تلك الحال، ألفيا سيدها، أي: زوجها لدى الباب، فرأى أمرًا شق عليه، فبادرت إلى الكذب، أن المراودة قد كانت من يوسف، وقالت: {مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا} ولم تقل: (من فعل بأهلك سوءًا) تبرئة لها وتبرئة له أيضًا من الفعل. وإنما النزاع عند الإرادة والمراودة {إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي: أو يعذب عذابا أليمًا.

فبرأ نفسه مما رمته به، وقال: {قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي} فحينئذ احتملت الحال صدق كل واحد منهما ولم يعلم أيهما.

ولكن الله تعالى جعل للحق والصدق علامات وأمارات تدل عليه، قد يعلمها العباد وقد لا يعلمونها، فمن الله في هذه القضية بمعرفة الصادق منهما، تبرئة لنبيه وصفيه يوسف عليه السلام، فانبعث شاهد من أهل بيتها يشهد بقرينة من وجدت معه، فهو الصادق، فقال: {إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [يوسف: 26] لأن ذلك يدل على أنه هو المقبل عليها، المراود لها المعالج، وأنها أرادت أن تدفعه عنها فشقت قميصه من هذا الجانب.

{وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [يوسف: 27] لأن ذلك يدل على هروبه منها، وأنها هي التي طلبته فشقت قميصه من هذا الجانب.

{فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ} [يوسف: 28] .

عرف بذلك صدق يوسف وبراءته، وأنها هي الكاذبة» 98.

موضوعات ذات صلة:

الافتراء، الزور، الصدق، اللعن

1 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، 5/ 168، المصباح المنير، الفيومي، 2/ 528.

2 التعريفات، ص 74، وانظر: التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي، ص 952.

3 الكليات، ص 742.

4 انظر: الأخلاق الإسلامية وأسسها، الميداني 1/ 530.

5 انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص 598 - 602، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، ص 1014 - 1019.

6 انظر: لسان العرب، ابن منظور، 1/ 704 - 711، الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص 401، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي، 4/ 338 - 340.

7 مقاييس اللغة، 3/ 26.

8 جامع البيان 19/ 314.

9 الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري، ص 47.

10 انظر: لسان العرب، ابن منظور، 15/ 154.

11 انظر: مقاليد العلوم، السيوطي ص 207، الكليات، أبو البقاء الكفوي، ص 154.

12 انظر: الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري، ص 450.

13 انظر: القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص 931.

14 انظر: الكليات، الكفوي ص 153.

15 انظر: الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري ص 451.

16 انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 8/ 1000.

17 انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور 28/ 148.

18 انظر: التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص 84، الكليات، الكفوي ص 226.

19 انظر: الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري، ص 450.

20 التحرير والتنوير، ابن عاشور: 30/ 252.

21 مفاتيح الغيب، الرازي 16/ 120.

22 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب علامةالمنافق، رقم 33.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت