فهرس الكتاب

الصفحة 1129 من 2431

وذلك في قوله تعالى حاكيًا عن الجن: {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (8) } [الجن:8] .

والحرس، واحدهم حارس، وهو الرقيب، شديدًا: أي قويًا 92، فلما أخبر الله أن الملائكة تنزل بالوحي من السماء، بين أنه حرس السماء عن استراق السمع بعد أن زينها بالكواكب 93، ليخبر تعالى عن الجن حين بعث الله رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه القرآن، وكان من حفظه له أن السماء ملئت حرسًا شديدًا، وحفظت من سائر أرجائها، وطردت الشياطين عن مقاعدها التي كانت تقعد فيها قبل ذلك؛ لئلا يسترقوا شيئًا من القرآن، فيلقوه على ألسنة الكهنة، فيلتبس الأمر ويختلط ولا يدرى من الصادق، وهذا من لطف الله بخلقه ورحمته بعباده، وحفظه لكتابه العزيز.

ولهذا قال الجن: {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (8) } [الجن:8] أي: من يروم أن يسترق السمع اليوم يجد له شهابًا مرصدًا له، لا يتخطاه ولا يتعداه، بل يمحقه ويهلكه 94.

ونقل الطبري عن ابن زيد، في قوله: {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (8) } [الجن:8] حتى بلغ {وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (9) } [الجن:9] .

فلما وجدوا ذلك رجعوا إلى إبليس، فقالوا: منع منا السمع، فقال لهم: إن السماء لم تحرس قط إلا على أحد أمرين: إما لعذاب يريد الله أن ينزله على أهل الأرض بغتة، وإما نبي مرشد مصلح 95.

فحراس السماء هم الملائكة والنجوم تحرسها وترسل الشهب على من يسترق السمع.

ثالثًا: أمور أسندت للسماء:

هناك أمور وأفعال ذكرت مسندة إلى السماء، وكأنها هي من قامت بها وهي كالآتي:

1.إنزال الماء.

ذكر الله عز وجل امتنانه بإنزال الماء من السماء في مواضع كثيرة، فالله (جل وعلا) ينزل الماء من السماء؛ لأن إنزال الماء من السماء فيه غرائب وعجائب، يجب على الإنسان تأملها 96.

وأعظم دليل على إنزال الماء من السماء، قوله تعالى: {وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي} [هود:44] ومعلوم أن المعنى: أقلعي عن إنزال الماء 97.

وذكر جل وعلا، في أول سورة الجاثية ستة براهين من براهين التوحيد الدالة على عظمته وجلاله، وكمال قدرته، وأنه المستحق للعبادة وحده تعالى، وجاءت موضحة في آيات كثيرة جدًا كما هو معلوم، الخامس منها هو: إنزال الماء من السماء وإحياء الأرض به وإنبات الرزق فيها المذكور في قوله عز وجل: {وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} [الجاثية:5] .

فقد جاء موضحًا أيضًا في آيات كثيرة من كتاب الله كقوله تعالى في البقرة: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} إلى قوله: {لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة:164] .

{وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ} وهو المطر النازل من السحاب، {فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} فأظهرت من أنواع الأقوات، وأصناف النبات، ما هو من ضرورات الخلائق، التي لا يعيشون بدونها ... {وَبَثَّ فِيهَا} أي: في الأرض {مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ} أي: نشر في أقطار الأرض من الدواب المتنوعة، ما هو دليل على قدرته وعظمته، ووحدانيته وسلطانه العظيم، وسخرها للناس، ينتفعون بها بجميع وجوه الانتفاع، فمنها: ما يأكلون من لحمه، ويشربون من دره، ومنها: ما يركبون، ومنها: ما هو ساع في مصالحهم وحراستهم، ومنها: ما يعتبر به 98.

وقوله تعالى: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) } إلى قوله: {مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (32) } [عبس:24 - 32] .

وإيضاح هذا البرهان باختصار: أن قوله تعالى: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ} وهذا أمر من الله تعالى لكل إنسان مكلف أن ينظر ويتأمل في طعامه كالخبز الذي يأكله، ويعيش به من خلق الماء الذي كان سببًا لنباته 99.

وإنما تعلق النظر بالطعام مع أن الاستدلال هو بأحوال تكوين الطعام، إجراءً للكلام على الإيجاز ويبينه ما في الجمل بعده من قوله: {أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا} إلى آخرها.

فالتقدير: فلينظر الإنسان إلى خلق طعامه وتهيئة الماء لإنمائه وشق الأرض وإنباته وإلى انتفاعه به وانتفاع مواشيه في بقاء حياتهم 100.

2.إنزال البركات من السماء.

والبركة: ثبوت الخير الإلهي في الشيء، قال تعالى: {لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [الأعراف:96] .

وسمي بذلك لثبوت الخير فيه ثبوت الماء في البركة 101.

قرأ هذا الحرف عامة القراء غير ابن عامر: (لفتحنا) بالتخفيف، وقرأه ابن عامر: (لفتّحنا عليهم) بالتشديد 102، والبركات: الخيرات، وبركات السماء: ما ينزل منها من الأمطار 103؛ لأرسل عليهم السّماء مدرارًا ولأنبت لهم من الأرض من رزقي ما يغنيهم 104، كان ذلك دليلًا على حلول البركة، وليست العبرة بالنعمة؛ إنما العبرة بالبركة في النعمة، ولذا لم يقل أضعفنا لهم النعمة ولكنه قال: باركنا لهم فيما خوّلنا 105، ولا ينال ذلك إلا بالتقوى.

فلما ذكر تعالى أن المكذبين للرسل يبتلون بالضراء موعظة وإنذارًا، وبالسراء استدراجًا ومكرًا، ذكر أن أهل القرى، لو آمنوا بقلوبهم إيمانًا صادقًا صدقته الأعمال، واستعملوا تقوى الله تعالى ظاهرًا وباطنًا بترك جميع ما حرم الله، لفتح عليهم بركات السماء والأرض، فأرسل السماء عليهم مدرارًا، وأنبت لهم من الأرض ما به يعيشون وتعيش بهائمهم، في أخصب عيش وأغزر رزق، من غير عناء ولا تعب، ولا كد ولا نصب 106.

3.إنزال الرجز.

وأصل الرجز: الاضطراب ... وقوله: {عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ} [سبأ:5] .

فالرجز هاهنا كالزلزلة، وقال تعالى: {إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ} [العنكبوت:34] 107، والرجز العذاب 108.

وهو عذاب وغضب وموت فجأة وأوجاع وأسقام عذب الله بها بني إسرائيل لما بدلوا غير ما قيل لهم.

والرجز: العذاب، ويحتمل أن المراد به: الطاعون، كما قاله كثير من المفسرين، ويحتمل أن يراد به ما تقدم من الآيات: الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، فإنها رجز وعذاب 109.

ويمكن أن يقال: إن إضافته للسماء؛ لبيان أنه مما لا يمكن لأحد دفعه أو الهروب من وقوعه 110.

4.المائدة التي أنزلت من السماء.

والميد: اضطراب الشيء العظيم كاضطراب الأرض ويقال: مادني يميدني، أي: أطعمني، وقوله تعالى: {اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ} [المائدة:114] .

قيل: استدعوا طعامًا، وقيل: استدعوا علمًا، وسماه مائدة من حيث إن العلم غذاء القلوب كما أن الطعام غذاء الأبدان 111.

وهذا الخبر يحكيه الله تعالى عن عيسى عليه السلام في طلب قومه منه مائدة من السماء.

واختلفت القراء 112 في قراءة قوله: (يستطيع ربك) ، فقرأ ذلك جماعة من الصحابة والتابعين: (هل تستطيع) بالتاء، (ربك) بالنصب، بمعنى: هل تستطيع أن تسأل ربك، وهل تستطيع أن تدعو ربك، أو هل تستطيع وترى أن تدعوه؟ وقالوا: لم يكن الحواريون شاكين أن الله تعالى ذكره قادر أن ينزل عليهم ذلك، وإنما قالوا لعيسى: هل تستطيع أنت ذلك؟ 113.

والقصة كاملة:

قال تعالى: {إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ} [المائدة:112] .

أي: مائدة فيها طعام، وهذا ليس منهم عن شك في قدرة الله، واستطاعته على ذلك. وإنما ذلك من باب العرض والأدب منهم.

ولما كان سؤال آيات الاقتراح منافيًا للانقياد للحق، وكان هذا الكلام الصادر من الحواريين ربما أوهم ذلك، وعظهم عيسى عليه السلام فقال: {اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} فإن المؤمن يحمله ما معه من الإيمان على ملازمة التقوى، وأن ينقاد لأمر الله، ولا يطلب من آيات الاقتراح التي لا يدري ما يكون بعدها شيئًا.

فأخبر الحواريون أنهم ليس مقصودهم هذا المعنى، وإنما لهم مقاصد صالحة، ولأجل الحاجة إلى ذلك فـ {قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا} وهذا دليل على أنهم محتاجون لها، {وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا} [المائدة:113] ، بالإيمان حين نرى الآيات العيانية، فيكون الإيمان عين اليقين، كما كان قبل ذلك علم اليقين، كما سأل الخليل عليه الصلاة والسلام ربه أن يريه كيف يحيي الموتى {قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة:260] .

فالعبد محتاج إلى زيادة العلم واليقين والإيمان كل وقت، ولهذا قال: {وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا} أي: نعلم صدق ما جئت به، أنه حق وصدق، {وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ} [المائدة:113] .

فتكون مصلحة لمن بعدنا، نشهدها لك، فتقوم الحجة، ويحصل زيادة البرهان بذلك.

فلما سمع عيسى عليه الصلاة والسلام ذلك، وعلم مقصودهم، أجابهم إلى طلبهم في ذلك، فقال: {اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ} [المائدة:114] .

أي: يكون وقت نزولها عيدًا وموسمًا، يتذكر به هذه الآية العظيمة، فتحفظ ولا تنسى على مرور الأوقات وتكرر السنين.

كما جعل الله تعالى أعياد المسلمين ومناسكهم مذكرًا لآياته، ومنبهًا على سنن المرسلين وطرقهم القويمة، وفضله وإحسانه عليهم. {وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} أي: اجعلها لنا رزقًا، فسأل عيسى عليه السلام نزولها وأن تكون لهاتين المصلحتين، مصلحة الدين بأن تكون آية باقية، ومصلحة الدنيا، وهي أن تكون رزقًا.

قال تعالى: {قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (115) } [المائدة:115] .

لأنه شاهد الآية الباهرة وكفر عنادًا وظلمًا، فاستحق العذاب الأليم والعقاب الشديد، واعلم أن الله تعالى وعد أنه سينزلها، وتوعدهم -إن كفروا- بهذا الوعيد، ولم يذكر أنه أنزلها، فيحتمل أنه لم ينزلها بسبب أنهم لم يختاروا ذلك، ويدل على ذلك، أنه لم يذكر في الإنجيل الذي بأيدي النصارى، ولا له وجود، ويحتمل أنها نزلت كما وعد الله 114، والله لا يخلف الميعاد، ويكون عدم ذكرها في الأناجيل التي بأيديهم من الحظ الذي ذكروا به فنسوه.

أو أنه لم يذكر في الإنجيل أصلًا وإنما ذلك كان متوارثًا بينهم، ينقله الخلف عن السلف، فاكتفى الله بذلك عن ذكره في الإنجيل، ويدل على هذا المعنى قوله: {وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ} والله أعلم بحقيقة الحال 115.

فهذه قصة المائدة، وإليها تنسب السورة فيقال: «سورة المائدة» 116، وهي مما امتن الله به على عبده ورسوله عيسى، عليه السلام، لما أجاب دعاءه بنزولها، فأنزلها الله آية ودلالة معجزة باهرة وحجة قاطعة، وقد ذكر بعض الأئمة أن قصة المائدة ليست مذكورة في الإنجيل، ولا يعرفها النصارى إلا من المسلمين، فالله أعلم 117.

وهذه المائدة نزلت من السماء جاهزة بكل ما فيها معجزة من الله لرسوله وإجابة لدعائه.

ولعلنا لا نستغرب عندما نجد القرآن الكريم يصرف أنظار قريش المطالبين بالآيات المادية وغيرها من المقترحات ويلفت أنظارهم إلى ما هو الأجدى والأليق والأرحم، وكان في هذا الصرف رحمة بهم، فقد جرت سنّة الله سبحانه وتعالى في رسالاته إلى الناس أن القوم إن أجيبوا إلى مطالبهم من المعجزات المادية الباهرة القاهرة ثم نكصوا على أعقابهم فكفروا بعد ذلك، جرت سنّة الله أن يكون العذاب المستأصل حظّهم في الدنيا والعذاب المهين مصيرهم في الأخرى، وهذا ما يتجلى في الآيات التي تحكي مصائر الأمم والشعوب 118.

رابعًا: أحوال السماء عند قيام الساعة:

1.تشققها بالغمام.

وذلك في قوله تعالى: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (25) } [الفرقان:25] .

وقوله: {فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (37) } [الرحمن:37] .

وقوله: {وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (16) } [الحاقة:16] .

وقوله: {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (1) } [الانشقاق:1] .

والتشقق: التفتح، قرأ عاصم والأعمش ويحيى بن وثاب وحمزة والكسائي وأبو عمرو، تشقق بتخفيف الشين، وأصله تتشقق، وقرأ الباقون، بتشديد الشين على الإدغام 119.

واختار القراءة الأولى أبو عبيد، واختار الثانية أبو حاتم، ومعنى تشققها بالغمام: أنها تتشقق عن الغمام، قال أبو علي الفارسي: تتشقق السماء وعليها غمام ... وقيل: إن السماء تتشقق بالغمام الذي بينها وبين الناس، والمعنى: أنه يتشقق السحاب بتشقق السماء، وقيل: إنها تتشقق لنزول الملائكة كما قال سبحانه بعد هذا: ونزّل الملائكة تنزيلًا، وقيل: إن الباء في بالغمام سببية، أي: بسبب الغمام، يعني بسبب طلوعه منها كأنه الذي تتشقق به السماء، وقيل: إن الباء متعلقة بمحذوف، أي: ملتبسة بالغمام 120.

وإذا جاء يوم القيامة تصدعت السموات واختلت نظمها، وتبعثرت أجرامها وكواكبها عن مداراتها، واحمر لونها وأذيبت حتى صارت كأنها الزيت ونحوه مما يدّهن به 121.

وأما ما يصنع بالسماء، فإنها تضطرب وتمور وتتشقق ويتغير لونها، وتهي بعد تلك الصلابة والقوة العظيمة، وما ذاك إلا لأمر عظيم أزعجها، وكرب جسيم هائل أوهاها وأضعفها 122.

فيخبر تعالى عن هول يوم القيامة، وما يكون فيه من الأمور العظيمة، فمنها: انشقاق السماء وتفطرها وانفراجها بالغمام، وهو ظلل النور العظيم الذي يبهر الأبصار، ونزول ملائكة السموات يومئذ، فيحيطون بالخلائق في مقام المحشر، ثم يجيء الرب تبارك وتعالى لفصل القضاء 123.

ولما علم الله أن قلوب أوليائه الذين يعقلون هذه الأوصاف عنه، وتتراءى لهم تلك الأهوال لا تتمالك؛ لطف بهم فنسب (الملك) إلى أعم اسم في الرحمة فقال (الرحمن) ليلاقي هذا الاسم تلك القلوب التي يحل بها الهول فيمازج تلك الأهوال، ولو كان بدله اسمًا آخر من عزيز وجبار لتفطرت القلوب 124.

2.طيّها وانفطارها وانشقاقها.

أولًا: الطّيّ: ضد النشر: ومن ذلك قوله تعالى: {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (104) } [الأنبياء:104] .

وقوله: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67) } [الزمر:67]

طويت الشيء طيًّا، وذلك كطي الدرج وعلى ذلك قوله: {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ} 125.

ونقل الطبري أقوالًا ثم قال: وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب قول من قال: السجل في هذا الموضع الصحيفة، لأن ذلك هو المعروف في كلام العرب، ولا يعرف لنبينا صلى الله عليه وسلم كاتب كان اسمه السجل، ولا في الملائكة ملك ذلك اسمه. فإن قال قائل: وكيف تطوى الصحيفة بالكتاب إن كان السجل صحيفة؟ قيل: ليس المعنى كذلك، وإنما معناه: يوم نطوي السماء كطي السجل على ما فيه من الكتاب، ثم جعل نطوي مصدرًا، فقيل: (كطي السجل للكتاب) واللام في قوله (للكتاب) بمعنى: على، واختلف القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء الأمصار، سوى أبي جعفر القارئ: (يوم نطوي السماء) بالنون. وقرأ ذلك أبو جعفر: (يوم تطوى السماء) بالتاء وضمها، على وجه ما لم يسم فاعله، والصواب من القراءة في ذلك ما عليه قراء الأمصار، بالنون، لإجماع الحجة من القراء عليه، وشذوذ ما خالفه، وأما السجل، فإنه في قراءة جميعهم بتشديد اللام، وأما الكتاب، فإن قراء أهل المدينة، وبعض أهل الكوفة والبصرة قرءوه بالتوحيد: (كطي السجل للكتاب) ، وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة: (للكتب) على الجمع، وأولى القراءتين عندنا في ذلك بالصواب: قراءة من قرأه على التوحيد للكتاب لما ذكرنا من معناه، فإن المراد منه: كطي السجل على ما فيه مكتوب 126.

فيخبر تعالى أنه يوم القيامة يطوي السماوات على عظمها واتساعها كما يطوي الكاتب للسجل أي: الورقة المكتوب فيها، فتنثر نجومها، ويكور شمسها وقمرها، وتزول عن أماكنها 127.

فالسماوات على سعتها وعظمها مطويات بيمينه فكأنها بعد أن كانت عظيمة تصبح لا شيء؛ لأنها سوف تتبدل غير ما كانت.

3.الانفطار.

ومن ذلك قوله تعالى: {إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (1) } [الانفطار:1] .

وأصل الفطر: الشق طولًا، يقال: فطر فلان كذا فطرًا، وأفطر هو فطورًا، وانفطر انفطارًا.

قال تعالى: {هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ} [الملك:3] .

أي: اختلال ووهي فيه، وذلك قد يكون على سبيل الفساد، وقد يكون على سبيل الصلاح قال: {السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا (18) } [المزمل:18] 128.

يقول تعالى ذكره {السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ} : أي: السماء مثقلة بذلك اليوم متصدعة متشققة، وانفطرت: انشقت 129.

أي: إذا انشقت السماء وانفطرت، وانتثرت نجومها، وزال جمالها، أي: انفطرت وتمايز بعضها من بعض، وانتثرت نجومها، وخسف بشمسها وقمرها 130.

فهذا من الأحداث والأهوال التي ستكون عند قيام الساعة فيما يختص بالسماء.

والظاهر أن هذا الانفطار هو المعبر عنه بالانشقاق أيضًا في سورة الانشقاق 131.

3.الانشقاق.

ومن ذلك قوله تعالى: {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (1) } [الانشقاق:1] .

والشق: الخرم الواقع في الشيء يقال: شققته بنصفين قال تعالى: {ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (26) } [عبس:26] .

وقال تعالى: {يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا} [ق:44] .

وقال تعالى: {وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ} [الحاقة:16] .

وقال تعالى: {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} 132.

فهو شق غائر ليفصل بين الشيء بعضه عن بعض، ويحمل معنى الانفطار كذلك.

يقول تعالى ذكره: إذا السماء تصدعت وتقطعت في يوم القيامة فكانت أبوابًا 133.

وقد ذكر هذا الانشقاق في مواضع أخرى، حيث قال عز وجل: {فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (37) } [الرحمن:37] .

وقال عز وجل: {وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (16) } [الحاقة:16] .

وقال عز وجل: {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (1) } [الانشقاق:1] .

فانشقاق السماء حقيقة من حقائق ذلك اليوم العصيب، أما المقصود بانشقاق السماء على وجه التحديد فيصعب القول به، كما يصعب القول عن هيئة الانشقاق التي تكون، وكل ما يستقر في الحس هو مشهد التغير العنيف في هيئة الكون المنظور، وانتهاء نظامه هذا المعهود، وانفراط عقده، الذي يمسك به في هذا النظام الدقيق 134.

وفائدة الأمثال: أنها تصور المعاني كتصور الأشخاص؛ فإن الأشخاص والأعيان أثبت في الأذهان لاستعانة الذهن فيها بالحواس، بخلاف المعاني المعقولة فإنها مجردة عن الحس؛ ولذلك دقت ولا ينتظم مقصود التشبيه والتمثيل إلا بأن يكون المثل المضروب مجربًا مسلمًا عند السامع، وفي ضرب الأمثال من تقرير المقصود ما لا يخفى إذ الغرض من المثل تشبيه الخفي بالجلي والشاهد بالغائب 135.

أولًا: المستحيل أو الشعور بالضيق:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت