فهرس الكتاب

الصفحة 1737 من 2431

وقوله تعالى: {وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ} أي: أحسنوا إليهم لخلوهم عمن يقوم بمعاشهم ومصالحهم، وأخر المساكين لأنهم دون اليتامى القاصرين عن درجة البلوغ؛ لأنهم يقدرون على أن ينتفعوا بأنفسهم في الجملة، ويقدرون على نفع غيرهم بالخدمة، والإحسان إلى اليتيم بحسن تربيته، وحفظ حقوقه من الضياع، والكتاب والسنة مليئان بالوصية به، وحسبك من ذلك حديث سهل بن سعد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا) ، وقال بإصبعيه السبابة والوسطى 104.

والسر في هذا أن اليتيم لا يجد في الغالب من تبعثه العاطفة على تربيته والقيام بشئونه وحفظ أمواله، والأم وإن وجدت تكون في الغالب عاجزة عن تنشئته وتربيته التربية المثلى، إلى أن الأيتام أعضاء في جسم الأمة، فإذا فسددت أخلاقهم وساءت أحوالهم، تسرب الفساد إلى الأمة جمعاء، إذ يصبحون قدوة سيئة بين نشئها، فيدب فيها الفساد ويتطرق إليها الانحلال، وتأخذ في الفناء، والإحسان إلى المساكين يكون بالصدقة عليهم ومواساتهم حين البأساء والضراء.

وقدم اليتيم على المسكين، لأن هذا يمكنه أن يسعي بنفسه للحصول على قوته، بخلاف الأول فإن الصغر مانع له من ذلك 105.

وقوله تعالى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} ، أمر الله أولًا بالإحسان بالمال لأقوام مخصوصين، وهم الوالدان والأقربون واليتامى والمساكين، إذ لا يمكن الشخص أن يحسن به إلى الناس جميعا، لأنه لا يسع كل الأمة، ومن ثم اكتفى في حقوق سائر أفرادها بحسن العشرة والقول الجميل، والأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر ونحو ذلك مما هو نافع لهم في الدين والدنيا، وفي القيام بهذه الفرائض إصلاح لحال المجتمع وسعى في رقيه وتقدمه حتى يبلغ ذروة المجد والشرف 106.

وبعد أن أمرهم سبحانه بعبادته وحده على سبيل الإجمال، فصل بعضا من ذلك مما لا يهتدى إليه إلا بهدى إلهى ووحي سماوي، فقال تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} ، لأن الصلاة هي التي تصلح النفوس وتنقيها من أدران الرذائل، وتحليها بأنواع الفضائل، وروحها هو الإخلاص لله والخشوع لعظمته وسلطانه، فإن فقدته كانت صورا ورسوما لا تغنى فتيلا، وهم ما تولوا ولا أعرضوا عن تلك الصور والرسوم إلى عصر التنزيل، بل إلى يومنا هذا، ثم الزكاة لما فيها من إصلاح شئون المجتمع، وقد كان لهم ضروب من الزكاة منها مال خاص يؤدى لآل هارون، وهو إلى الآن في اللاويين (سبط من أسباطهم) ، ومنها مال للمساكين، ومنها ما يؤخذ من ثمرات الأرض، ومنها سبت الأرض وهو تركها في كل سبع سنين مرة بلا حرث ولا زرع، وكل ما يخرج منها في تلك السنة فهو صدقة 107.

وقوله تعالى: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ} ، أي: توليتم عن جميع ما أخذ عليكم الميثاق به، فأشركتم بالله وعبدتم الأصنام وعققتم الوالدين وأسأتم لذوي القربى واليتامى والمساكين وقلتم للناس أفحش القول وتركتم الصلاة ومنعتم الزكاة، وقوله: {إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ} ، إنصاف لهم في توبيخهم ومذمتهم وإعلان بفضل من حافظ على العهد، وقوله: {وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ} ، أي: وأنتم قوم عادتكم الإعراض والتولي عن المواثيق، وفي الجملة مبالغة في الترك المستفاد من التولي، لأن الإنسان قد يتولى عن شيء وهو عازم على أن يعود إليه ويؤدى ما يجب له، فليس كل من تولى عن شيء يكون معرضا عنه، والتعبير بالجملة الإسمية تفيد أن الإعراض وصف ثابت لهم وعادة معروفة منهم 108.

ثالثًا: أخذ الميثاق على بني إسرائيل ألا يقتل بعضهم بعضا، ولا يخرج بعضهم بعضا من ديارهم:

ذكر القرآن الكريم أخذ الميثاق على بني إسرائيل ألا يقتل بعضهم بعضًا، ولا يخرج بعضهم بعضا من ديارهم.

قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (86) } [البقرة:84 - 86] .

بَيَنَت الآيات أن الله تعالى أخذ على بني إسرائيل العهد بالتضامن، فلا يقتل بعضهم بعضا ولا يظاهر أحد منهم غريبا على أحد منهم.

{وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ} أي: وإذ أخذنا عليكم العهد: لا يريق بعضكم دم بعض، ولا يخرج بعضكم بعضا من ديارهم وأوطانهم، وقد جعل غير الرجل كأنه نفسه، ودمه كأنه دمه إذا اتصل به دينا أو نسبا، إشارة إلى وحدة الأمة وتضامنها، وأن ما يصيب واحدا منها فكأنما يصيب الأمة جمعاء، فيجب أن يشعر كل فرد منها بأن نفسه نفس الآخرين ودمه دمهم، فالروح الذي يحيا به والدم الذي ينبض في عرقه هو كدم الآخرين وأرواحهم، لا فرق بينهم في الشريعة التي وحدت بينهما في المصالح العامة.

ويجوز أن يكون المعنى: لا ترتكبوا من الجرائم ما تجازون عليه بالقتل قصاصًا، أو بالإخراج من الديار، فتكونون كأنكم قد قتلتم أنفسكم؛ لأنكم فعلتم ما تستحقون به القتل، كما يقول الرجل لآخر قد فعل ما يستحق به العقوبة: أنت الذي جنى على نفسه 109.

وقوله تعالى: {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} ، أي: ثم أقررتم بهذا الميثاق أيها الحاضرون المخاطبون واعترفتم به سلفًا بعد خلف، ولم تنكروه بألسنتكم، بل شهدتم به وأعلنتموه، فالحجة عليكم قائمة، وقيل: وأنتم أيها الحاضرون تشهدون على إقرار أسلافكم بهذا الميثاق وقبوله، وشهودهم الوحى الذي نزل به على موسى عليه السلام.

{ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ} ، أي: ثم أنتم بعد ذلك التوكيد في الميثاق تنقضون العهد فتقتلون أنفسكم: أي يقتل بعضكم بعضا كما كان يفعل من قبلكم، مع أنكم معترفون بأن الميثاق أخذ عليكم كما أخذ عليهم، ومن حديث ذلك أن بنى قينقاع من اليهود كانوا حلفاء الأوس وأعداء لإخوانهم في الدين بنى قريظة، كما كان بنو النضير حلفاء الخزرج، وكان الأوس والخزرج قبل الإسلام أعداء يقتتلون، ومع كل حلفاؤه.

{وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} ، كان كل من اليهود يظاهر حلفاءه من العرب ويعاونهم على إخوانه من اليهود بالإثم كالقتل والسلب.

-من مواقف بني إسرائيل التي ذكرها القرآن الكريم مع أنبيائهم ما يأتي:

أولًا: القتل:

ذكر القرآن الكريم أن من مواقف بني إسرائيل مع أنبيائهم القتل.

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (21) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (22) } [آل عمران:21 - 22] .

كشفت هذه الآية عن الجرائم العظيمة التي أرتكبها بنو إسرائيل في حق الأنبياء، حيث أقدموا على قتل الأنبياء والرسل، وذلك يدل على غاية قساوة قلوبهم ونهاية بعدهم عن طاعة الله تعالى.

{إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ} ، وهى الكفر بآيات الله التي حملها إليهم رسل الله، وهى آيات لا يكذب بها إلا كل معتد أثيم، كفلق البحر بالعصا، وتفجير الماء من الصخر بها، على يد موسى عليه السلام، فكفروا بتلك الآيات وعبدوا العجل من دون الله، وكذلك فعلوا مع الآيات التي أجراها الله سبحانه على يد عيسى عليه السلام من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، فكفروا بتلك الآيات، ورموا عيسى بالبهت والشعوذة، حتى دفعهم ذلك إلى السعي في قتله، وتقديمه للمحاكمة والصلب، ولكن الله أبطل كيدهم، وأفسد تدبيرهم، وهم يحسبون أنهم صلبوه: {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) } [النساء:157] 110.

وقوله تعالى: {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ} ، ويقتلون أنبياء الله الذين حقهم أوجب الحقوق على العباد بعد حق الله، الذين أوجب الله طاعتهم والإيمان بهم، وتعزيرهم، وتوقيرهم، ونصرهم وهؤلاء قابلوهم بضد ذلك، وقد قتل اليهود من الأنبياء أشعياء بن أموص قتله الملك منسي ملك اليهود (سنة 700 ق. م) ، نشر نشرًا على جذع شجرة، وأرمياء النبي، وذلك لأنه أكثر التوبيخات والنصائح لليهود فرجموه بالحجارة حتى قتلوه، وزكرياء، قتله هيرودس العبراني ملك اليهود من قبل الرومان؛ لأن زكرياء حاول تخليص ابنه يحيى من القتل وذلك في مدة نبوءة عيسى، ويحيى بن زكرياء قتله هيرودس لغضب ابنة أخت هيرودس على يحيى 111.

وقوله: {بِغَيْرِ حَقٍّ} ، أي: بدون وجه معتبر في شريعتهم، فإن فيها: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32) } [المائدة:32] .

فهذا القيد من الاحتجاج على اليهود بأصول دينهم لتخليد مذمتهم، وإلا فإن قتل الأنبياء لا يكون بحق في حال من الأحوال، وأضاف القتل للنبيين، ولم تضاف إلى الرسل؛ لأن الرسل لا تسلط عليهم أعداؤهم لأنه مناف لحكمة الرسالة التي هي التبليغ.

قال تعالى: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51) } [غافر:51] .

ومن ثم كان ادعاء النصارى أن عيسى قتله اليهود ادعاء منافيا لحكمة الإرسال ولكن الله أنهى مدة رسالته بحصول المقصد مما أرسل إليه 112.

وقوله تعالى: {وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ} ، إنهم لم يكتفوا بقتل النبيين، بل يقتلون أيضا كل من يأمر بالعدل، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وهم مؤمنو بني إسرائيل يأمرونهم بالمعروف، فكانوا يقتلونهم، فعيرهم الله بذلك، وأوعدهم النار.

{فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} ، أي: وجيع، ويقال: أليم: يعني مؤلم، {أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ} ، أي: بطل ثواب حسناتهم، فلا ثواب لهم، {فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} ، أي: مانعين يمنعونهم من النار 113.

ثانيًا: التكذيب:

ذكره القرآن الكريم أن من مواقف بني إسرائيل مع أنبيائهم التكذيب.

قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87) } [البقرة:87] .

ذم الله تعالى بني إسرائيل فيما ارتكبوه من المآثم والمحارم في تكذيبهم بآيات الله قديما وحديثا، التي بلغتهم إياها الرسل، استكبارا عليهم وعنادا لهم، وتعاظما على الحق واستنكافا عن اتباعه، {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} ، أي: أعطينا موسى التوراة جملة واحدة ويقال: الألواح، {وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ} ، أي: أتبعنا وأردفنا، معناه: أرسلنا رسولًا على أثر رسول، يقال: قفوت الرجل إذا ذهبت في أثره، {وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ} ، أي: الآيات والعلامات مثل: إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، {وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ} ، أي: إغاثة بجبريل حين أرادوا قتله فرفعه إلى السماء، وقال بعضهم: أيدناه أي قويناه وأعناه باسم الله الأعظم الذي كان يحيي به الموتى 114.

وقوله تعالى: {أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ} ، يقول: بما لا يوافق هواكم، {اسْتَكْبَرْتُمْ} ، تعظمتم عن الإيمان، وأنفتم أن تكونوا له أتباعًا؛ لأنهم كانت لهم رئاسة وكانوا متبوعين، فلم يؤمنوا مخافة أن تذهب عنهم الرياسة، {فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ} ، فنشأ عن الاستكبار مبادرة فريق من الرسل بالتكذيب فقط، حيث لا يقدرون على قتله، وفريق بالقتل إذا قدروا على قتله، وتهيأ لهم ذلك، ويضمن أن من قتلوه فقد كذبوه، واستغنى عن التصريح بتكذيبه للعلم بذلك، فذكر أقبح أفعالهم معه، وهو قتله، وبدأ بالتكذيب لأنه أول ما يفعلونه من الشر، ولأنه المشترك بين الفريقين: المكذب والمقتول، {وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} ، ونسب القتل إليهم مع أن القاتل آباؤهم لرضاهم به ولحوق مذمته بهم، وعبر بالمضارع حكاية للحال الماضية واستحضارا لصورتها لفظاعتها واستعظامها، أو مشاكلة للأفعال المضارعة الواقعة في الفواصل فيما قبل، أو للدلالة على أنكم الآن فيه فإنكم حول قتل محمد صلى الله عليه وسلم ولولا أني أعصمه لقتلتموه ولذلك سحرتموه وسممتم له الشاة، فالمضارع للحال ولا ينافيه قتل البعض 115.

وتقديم المفعول في قوله: {فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ} ، لما فيه من الدلالة على التفصيل، والتفصيل راجع إلى ما في قوله: رسول من الإجمال لأن {أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ} ، أفاد عموم الرسول وشمل هذا موسى عليه السلام، فإنهم وإن لم يكذبوه بصريح اللفظ لكنهم عاملوه معاملة المكذبين به، إذ شكوا غير مرة فيما يخبرهم عن الله تعالى، وأساءوا الظن به مرارا في أوامره الاجتهادية، وحملوه على قصد التغرير بهم والسعي لإهلاكهم كما قالوا حين بلغوا البحر الأحمر وحين أمرهم بالحضور لسماع كلام الله تعالى، وحين أمرهم بدخول أريحا، وغير ذلك، وأما بقية الرسل فكذبوهم بصريح القول، مثل عيسى، وقتلوا بعض الرسل مثل أشعياء وزكرياء ويحيى ابنه وأرمياء 116.

-لقد عاقب الله تعالى بني إسرائيل على سوء أعمالهم القبيحة بصنوف العقوبات ومنها ما يأتي:

أولًا: تسليط العذاب عليهم:

ذكر القرآن الكريم أن الله تعالى سلط على بني إسرائيل من يسومهم سوء العاب.

قال تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (167) } [الأعراف:167] .

بينت هذه الآية خاتمة بني إسرائيل وإيلاء الله تعالى على نفسه بأن يبعث عليهم من يسومهم سوء العذاب إلى يوم القيامة بسبب ما ارتكبوه من انحرافات دينية وأخلاقية واجتماعية، واقترفوه من آثام ونقضوه من مبادئ ووصايا، واستغرقوا فيه من أعراض الحياة الدنيا وبيعهم دينهم وكتابهم بالدنيا.

وقوله: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} ، أي: واذكر أيها الرسول إذ أعلم ربك هؤلاء القوم مرة إثر أخرى أنه قضى عليهم في علمه وفقا لما قامت عليه نظم الاجتماع، ليبعثن ويسلطن عليهم إلى يوم القيامة، {مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} ، أي يريده ويوقعه بهم، عقابا على ظلمهم وفسقهم وفسادهم، وهو مجاز من سوم الشيء، كما يقال سامه خسفا، وسوء العذاب ما يسوء صاحبه ويذله، وهو هنا سلب الملك، وإخضاع القهر، وفي قوة الكلام ما يفيد معنى القسم من هذه اللفظة، ولهذا تلقيت باللام في قوله: {لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ} ، أي: على اليهود، فسلط الله عليهم الملوك البابليين واليونانيين والكشدانيين والكلدانيين، فقهروهم وأذلوهم وشردوهم وأذاقوهم الويلات.

ثم سلط الله عليهم النصارى فسلبوا ملكهم الذي أقاموه بعد نجاتهم من السبي البابلي، وقهروهم واستذلوهم، ثم جاء الإسلام فعاداه منهم الذين كانوا هربوا من الذل والنكال، ولجئوا إلى بلاد العرب فعاشوا فيها أعزاء آمنين، ولم يفوا للنبي صلى الله عليه وسلم بما عاهدهم عليه إذ أمنهم على أنفسهم وحرية دينهم، بل غدروا به وكادوا له، ونصروا المشركين عليه، فسلطه الله عليهم فقاتلهم فنصره عليهم، فأجلى بعضهم، وقتل بعضا، وأجلى عمر من بقي منهم، ثم فتح عمر سورية، بعضها بالصلح كبيت المقدس، وبعضها عنوة، فصار اليهود من سيادة الروم الجائرة القاهرة فيها إلى سلطة الإسلام العادلة، ولكنهم ظلوا أذلة بفقد الملك والاستقلال 117.

وقوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ} ، أي: لمن عصاه وخالف أمره وشرعه، {وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} ، أي: لمن تاب إليه وأناب، وهذا من باب قرن الرحمة مع العقوبة، لئلا يحصل اليأس، فيقرن الله تعالى بين الترغيب والترهيب كثيرا؛ لتبقى النفوس بين الرجاء والخوف 118.

ثانيًا: تحريم بعض الطيبات:

ذكر القرآن الكريم تحريم الطيبات على بني إسرائيل، قال تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (160) } [النساء:160] .

يخبر الله تعالى في هذه الآية أنه بسبب ظلم بني إسرائيل وكفرهم بآيات الله حرم عليهم طيبات كانت حلالًا لهم، وقوله تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} ، يعني بشركهم حرمنا عليهم أشياء كانت حلالًا لهم، وهو كل ذي ظفر وشحوم البقر والغنم أحلت لهم، وقد أبهمها الله هنا، لأن الغرض من السياق العبرة بكونها عقوبة، لا بيانها في نفسها، كما أبهم الظلم الذي كان سببا في العقوبة، ليعلم أن أي نوع منه يكون سببا للعقاب في الدنيا قبل الآخرة، {وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا} ، أي: صدوا الناس وصدوا أنفسهم عن اتباع الحق، وهذه سجية لهم متصفون بها من قديم الدهر وحديثه؛ ولهذا كانوا أعداء الرسل، وقتلوا خلقا من الأنبياء، وكذبوا عيسى ومحمدا، صلوات الله وسلامه عليهما 119.

والآية اقتضت: أن تحريم ما حرم عليهم إنما كان عقابا لهم، وأن تلك المحرمات ليس فيها من المفاسد ما يتقضي تحريم تناولها، وإلا لحرمت عليهم من أول مجيء الشريعة 120.

ثالثًا: المسخ:

ذكر القرآن الكريم أن الله تعالى مسخ العصاة من بني إسرائيل قردة، قال تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65) } [البقرة:65] .

يخبر تعالى في هذه الآية ما حل من البأس بأهل القرية التي عصت أمر الله وخالفوا عهده وميثاقه فيما أخذه عليهم من تعظيم السبت والقيام بأمره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت