وفي حال استعمل الإنسان عقله وحسه يدرك بأن معرفة الله - جل وعلا - فطرية، والمقصود بهذا أن كل إنسان يولد على صفة تقتضي إقراره بأن له خالقًا مدبرًا، وتستوجب إيمانه المطلق به، وهي صفة في حد ذاتها مغروزة في الإنسان، تقتضي اعتقاده للحق دون الباطل، وإرادته للنافع دون الضار، وفي الوقت الذي يعلم فيه علم اليقين بالبراهين القاطعة أن وجود الخالق هو أعظم الحقائق والتأله له أعظم المنافع، يتعين بذلك أن يكون في الفطرة ما يقتضيه معرفة الصانع والإيمان به 48.
وقال في ذلك ابن أبي العز الحنفي في معرض تعليقه على حديث الرسول صلى الله عليه وسلم (كل مولود يولد على الفطرة) «وهذا الذي أخبر به صلى الله عليه وسلم هو الذي تشهد الأدلة العقلية بصدقه. منها، أن يقال: لا ريب أن الإنسان قد يحصل له من الاعتقادات والإرادات ما يكون حقًا، وتارةً ما يكون باطلًا، وهو حساسٌ متحركٌ بالإرادات، ولا بد له من أحدهما، ولا بد له من مرجحٍ لأحدهما.
ونعلم أنه إذا عرض على كل أحدٍ أن يصدق وينتفع وأن يكذب ويتضرر، مال بفطرته إلى أن يصدق وينتفع، وحينئذٍ فالاعتراف بوجود الصانع الإيمان به هو الحق أو نقيضه، والثاني فاسدٌ قطعًا، فتعين الأول، فوجب أن يكون في الفطرة ما يقتضي معرفة الصانع والإيمان به» 49.
وأدلة ذلك كثيرة في الخطاب القرآني منه، قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173) } [الأعراف: 172 - 173] .
«أي: ونصب لهم دلائل ربوبيته وركب في عقولهم ما يدعوهم إلى الإقرار بها حتى صاروا بمنزلة من قيل لهم: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} فنزل تمكينهم من العلم بها وتمكنهم منه بمنزلة الإشهاد والاعتراف على طريقة التمثيل.
ويدل عليه قوله: {أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ} أي كراهة أن تقولوا. {إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} لم ننبه عليه بدليل» 50.
لذا فإن «الفطرة هي العهد الذي أخذ عليهم بقوله تعالى: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} ، وكلٌ مقرٌ بأن له صانعًا مدبرًا، وإن عبد ما سواه ظنًا منه أنه يقربه إليه، قال الله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [الزخرف: 87] .
وقالوا: أي الذين اتخذوا من دونه أولياء {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3] .
وكل مولودٍ في العالم على ذلك الإقرار، وهو الحنيفية التي وقعت الخلقة عليها» 51.
فقد قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) } [الأنفال: 24] .
و «المعنى استجيبوا للطاعة وما تضمنه القرآن من أوامر ونواهي، ففيه الحياة الأبدية، والنعمة السرمدية» 52.
وكذلك «الإشهاد على الأنفس يطلق على ما يساوي الإقرار أو الحمل عليه، وهو هنا الحمل على الإقرار، واستعير لحالة مغيبة تتضمن هذا الإقرار يعلمها الله لاستقرار معنى هذا الاعتراف في فطرتهم» 53.
وقال تعالى: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90) } [يونس: 90] .
أي: صدقت والإيمان لا ينفع حينئذٍ، والتوبة مقبولةٌ قبل رؤية البأس 54.
و «هو أنه إنما ذكر هذه الكلمة ليتوسل بها إلى دفع تلك البلية الحاضرة والمحنة الناجزة، فما كان مقصوده من هذه الكلمة الإقرار بوحدانية الله تعالى، والاعتراف بعزة الربوبية وذلة العبودية، وعلى هذا التقدير فما كان ذكر هذه الكلمة مقرونًا بالإخلاص، فلهذا السبب ما كان مقبولًا» 55.
و «أن ذلك الإقرار كان مبنيًا على محض التقليد، ألا ترى أنه قال: {لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ} فكأنه اعترف بأنه لا يعرف الله، إلا أنه سمع من بني إسرائيل أن للعالم إلهًا، فهو أقر بذلك الإله الذي سمع من بني إسرائيل أنهم أقروا بوجوده، فكان هذا محض التقليد.
فلهذا السبب لم تصر الكلمة مقبولةً منه، ومزيد التحقيق فيه أن فرعون على ما بيناه في سورة طه كان من الدهرية، وكان من المنكرين لوجود الصانع تعالى، ومثل هذا الاعتقاد الفاحش لا تزول ظلمته، إلا بنور الحجج القطعية، والدلائل اليقينية، وأما بالتقليد المحض فهو لا يفيد، لأنه يكون ضمًا لظلمة التقليد إلى ظلمة الجهل السابق» 56.
ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: {اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (47) } [الشورى: 47] .
وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) } [البقرة: 21] .
فإن «معنى {اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} : وحدوا ربكم أن معنى العبادة: الخضوع لله بالطاعة» 57.
وقال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (23) } [المؤمنون:، 23] .
أي: «ذلوا يا قوم لله بالطاعة {مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} يقول: ما لكم من معبود يجوز لكم أن تعبدوه غيره، {أَفَلَا تَتَّقُونَ} يقول: أفلا تخشون بعبادتكم غيره عقابه أن يحل بكم» 58.
وقال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) } [الذاريات: 56] .
ويأتي دور الفطرة المركزي في حياة الإنسان ويتضح مدى إيمانه بربه إذا ما نزل به كرب أو حلت به مصيبة، فيلجأ مؤمنًا بالله تبارك وتعالى بقلب منكسر خاشع سائلًا ربه أن ينجيه ويخلصه من هذا الكرب أو تلك المصيبة، بدلالة قوله تعالى: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (62) } [النمل:62] .
وتعني «أمن يجيب المكروب المجهود الذي مسه الضر فيستجيب دعاءه ويلبي نداءه؟
{وَيَكْشِفُ السُّوءَ} أي ويكشف عنه الضر والبأساء؟
{وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ} أي: ويجعلكم سكان الأرض تعمرونها جيلًا بعد جيل، وأمةً بعد أمة.
{أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ} ؟ أي: أإله مع الله يفعل ذلك حتى تعبدوه؟
{قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} أي: ما أقل تذكركم واعتباركم فيما تشاهدون؟
{أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} ؟
برهان رابع أي أم من يرشدكم إلى مقاصدكم في أسفاركم في الظلام الدامس، في البراري، والقفار، والبحار؟ والبلاد التي تتوجهون إليها بالليل والنهار؟
{وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} ؟ أي: ومن الذي يسوق الرياح مبشرةً بنزول المطر الذي هو رحمة للبلاد والعباد؟ {أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ} ؟ أي أإلهٌ مع الله يقدر على شيءٍ من ذلك؟ {تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} أي: تعظم وتمجد الله القادر الخالق عن مشاركة العاجز المخلوق» 59.
«فيلمس وجدانهم، وهو يذكرهم بخوالج أنفسهم، وواقع أحوالهم، فالمضطر في لحظات الكربة والضيق لا يجد له ملجأ إلا الله، يدعوه ليكشف عنه الضر والسوء، ذلك حين تضيق الحلقة، وتشتد الخنقة، وتتخاذل القوى، وتتهاوى الأسناد، وينظر الإنسان حواليه فيجد نفسه مجردا من وسائل النصرة وأسباب الخلاص لا قوته، ولا قوة في الأرض تنجده. وكل ما كان يعده لساعة الشدة قد زاغ عنه، أو تخلى، وكل من كان يرجوه للكربة قد تنكر له أو تولى في هذه اللحظة تستيقظ الفطرة، فتلجأ إلى القوة الوحيدة التي تملك الغوث والنجدة، ويتجه الإنسان إلى الله، ولو كان قد نسيه من قبل في ساعات الرخاء، فهو الذي يجيب المضطر إذا دعاه.
هو وحده دون سواه يجيبه ويكشف عنه السوء، ويرده إلى الأمن والسلامة، وينجيه من الضيقة الآخذة بالخناق، والناس يغفلون عن هذه الحقيقة في ساعات الرخاء، وفترات الغفلة، يغفلون عنها، فيلتمسون القوة والنصرة والحماية في قوة من قوى الأرض الهزيلة.
فأما حين تلجئهم الشدة، ويضطرهم الكرب، فتزول عن فطرتهم غشاوة الغفلة، ويرجعون إلى ربهم منيبين، مهما يكونوا من قبل غافلين، أو مكابرين، والقرآن يرد المكابرين الجاحدين إلى هذه الحقيقة الكامنة في فطرتهم، ويسوقها لهم في مجال الحقائق الكونية التي ساقها من قبل، حقائق خلق السماوات والأرض، وإنزال الماء من السماء، وإنبات الحدائق البهيجة، وجعل الأرض قرارا، والجبال رواسي، وإجراء الأنهار، والحاجزين البحرين. فالتجاء المضطر إلى الله، واستجابة الله له دون سواه حقيقة كهذه الحقائق. هذه في الآفاق وتلك في الأنفس سواء بسواء» 60.
و « {يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ} معناه بشرط إن شاء على المعتقد في الإجابة، لكن المضطر لا يجيبه متى أجيب إلا الله عز وجل، والسوء عام في كل ضر يكشفه الله تعالى عن عباده» 61.
وقال تعالى: {وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (12) } [يونس: 12] .
وقال تعالى: {فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (98) } [يونس: 98] .
وقال تعالى: {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (50) } [الزخرف: 50] .
لذلك أثبت «في الفطرة حسن العدل والانصاف، والصدق والبر، والاحسان والوفاء بالعهد، والنصيحة للخلق، ورحمة المسكين، ونصر المظلوم، ومواساة اهل الحاجة والفاقة، وأداء الامانات، ومقابلة الاحسان بالإحسان، والاساءة بالعفو والصفح، والصبر في مواطن الصبر، والبذل في مواطن البذل، والانتقام في موضع الانتقام، والحلم في موضع الحلم، والسكينة والوقار، والرأفة والرفق، والتؤدة، وحسن الاخلاق، وجميل المعاشرة مع الاقارب والاباعد، وستر العورات، وإقالة العثرات، والايثار عند الحاجات، واغاثة اللهفات، وتفريج الكربات، والتعاون على انواع الخير والبر، والشجاعة والسماحة، والبصيرة والثبات، والعزيمة، والقوة في الحق، واللين لأهله، والشدة على أهل الباطل والغلظة عليهم، والاصلاح بين الناس، والسعي في إصلاح ذات البين، وتعظيم من يستحق التعظيم، وإهانة من يستحق الاهانة، وتنزيل الناس منازلهم، وإعطاء كل ذي حق حقه، وأخذ ما سهل عليهم، وطوعت به أنفسهم، من الأعمال والأموال والأخلاق، ولإرشاد ضالهم، وتعليم جاهلهم، واحتمال جفوتهم، واستواء قريبهم وبعيدهم في الحق، فأقربهم إليه أولًاهم بالحق، وإن كان بعيدًا، وأبعدهم عنه أبعدهم من الحق وإن كان حبيبًا قريبًا.
إلى غير ذلك من معرفة العقل الذي وضعه بينهم في المعاملات، والمناكحات، والجنايات، وما اودع في فطرهم من حسن شكره وعبادته وحده لا شريك له وإن نعمه عليهم توجب بذل قدرتهم وطاقتهم في شكره والتقرب إليه وإيثاره على ما سواه واثبت في الفطر علمها بقبيح اضداد ذلك ثم بعث رسله في الأمر بما اثبت في الفطر حسنه وكماله والنهي عما اثبت فيها قبحه وعيبه وذمه فطابقت الشريعة المنزلة للفطرة المكلمة مطابقة التفصيل بجملته، وقامت شواهد دينه في الفطرة تنادي للإيمان» 62.
وإن لأهمية الفطرة ودورها الإيماني كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا أصبح أو أمسى: (أصبحنا على فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص ودين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وملة أبينا إبراهيم حنيفًا مسلمًا وما كان من المشركين) 63.
تقريرًا لمكانة الفطرة وأنه لا يمكن لها إذا كانت صحيحة نقية أن تشوبها عوارض الأهواء ونوازع ووساوس الشيطان «فالقلوب مفطورة على حب إلهها وفاطرها وتأليهه. فصرف ذلك التأله والمحبة إلى غيره تغيير للفطرة، ولما تغيرت فطر الناس بعث الله الرسل بصلاحها، وردها إلى حالتها، التي خلقت عليها، فمن استجاب لهم رجع إلى أصل الفطرة، ومن لم يستجب لهم استمر على تغيير الفطرة وفسادها» 64.
عند التأمل في قضية الفطرة الإنسانية التي فطر الله تبارك وتعالى العباد عليها نجدها متكاملة، ترتقي بالإنسان إلى أعلى مراتب الرقي والتقدم؛ ولكن في حال سار عليها، ولم يعكر صفوها بالانحرافات والضلالات الشيطانية، ولهذا الانحراف بالفطرة عن مسارها الإلهي أسباب. وقد وردت هذه الأسباب في الخطاب القرآني في عدة مواضع بشكل أو بآخر، وبعد ذلك يشعر الإنسان بنتائج الانحراف الذي مارسه على الفطرة؛ لذا يكون له آثار جوهرية في حياة الإنسان.
أولًا: أسباب الانحراف عن الفطرة:
إن من أهم أسباب الانحراف عن الفطرة «القلق الناتج عن مخالفة الفطرة بالعصيان لقد خلق الله عباده على فطرة سوية، قال تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) } [الشمس:7] 65.
قال ابن كثير رحمه الله: «أي خلقها سوية مستقيمة على الفطرة القويمة» 66.
وفي ذلك إشارة لصفة التسوية في مقادير تكوين الفطرة الإنسانية التي أودعها الله - عز وجل في النفس الإنسانية؛ فعندما يتدخل الإنسان بتغيير هذه الصفة أي: صفة التسوية القويمة، يعصي خالقه ويعرض نفسه لمخاطر غضب الله تعالى عليه في الدنيا والآخرة. لقد أرشد الله تبارك وتعالى هذه النفس إلى فجورها وتقواها وبين لها ذلك وهداها إلى ما قدر لها 67.
والأصل في الإنسان هو التوحيد «وإذا كان الفقه هو معرفة الرخصة عن دليل فإن التوحيد هو الفطرة من غير تبديل» 68.
ومن أنكر وجحد الله تعالى فإنما أنكره لفساد فطرته بطارئ ما، حال بينها وبين مقتضاها، وقد جاء التصريح بذلك في الخطاب القرآني بأن الكفار في قرارة أنفسهم يعرفون الحق، وإن لم يذعنوا له، كما قال تعالى في شأن فرعون: {قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (102) } [الإسراء: 102] .
«والمقصود: أننا آتينا موسى عليه السلام تسع آيات بينات الدلالة على صدقه فلم يهتد فرعون وقومه وزعموا ذلك سحرًا، ففي ذلك مثلٌ للمكابرين كلهم وما قريش إلا منهم. ففي هذا مثل للمعاندين وتسلية للرسول» 69.
وقال في أهل النار: {بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (28) } [الأنعام: 28] .
وقال عن كفار قريش: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33) } [الأنعام: 33] .
بل إن كلمة (كفر) مأخوذة من الستر والتغطية، وهذا أصل معناها في لسان العرب؛ لأنه يستر ويغطي مقتضيات فطرته بحجب الشبهات والشهوات. ومن أهم أسباب انحراف الفطرة في القرآن الكريم 70:
وقد بينت النصوص القرآنية ذلك بأن حالتي الغفلة والنسيان من أهم ما يطرأ على الفطرة، حتى يترك العبد الميثاق الأول والآخر بينه وبين ربه بدلالة قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا} {إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) } [الأعراف: 172] .
«أن هناك عهدًا من الله على فطرة البشر أن توحده، وأن حقيقة التوحيد مركوزة في هذه الفطرة، يخرج بها كل مولود إلى الوجود، فلا يميل عنها إلا أن يفسد فطرته عامل خارجي عنها! عامل يستغل الاستعداد البشري للهدى وللضلال. وهو استعداد كذلك كامن تخرجه إلى حيز الوجود ملابسات وظروف. إن حقيقة التوحيد ليست مركوزة في فطرة «الإنسان» وحده ولكنها كذلك مركوزة في فطرة هذا الوجود من حوله- وما الفطرة البشرية إلا قطاع من فطرة الوجود كله، موصولة به غير منقطعة عنه، محكومة بذات الناموس الذي يحكمه- بينما هي تتلقى كذلك أصداءه وإيقاعاته المعبرة عن تأثره واعترافه بتلك الحقيقة الكونية الكبيرة» 71.
ومعنى ذلك أنه نصب لهم الأدلة على ربوبيته ووحدانيته، وشهدت بها عقولهم وبصائرهم التي ركبها فيهم وجعلها مميزة بين الضلالة والهدى، فكأنه أشهدهم على أنفسهم وقررهم وقال لهم: ألست بربكم؟ وكأنهم قالوا: بلى أنت ربنا، شهدنا على أنفسنا وأقررنا بوحدانيتك 72.
وقال تعالى: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (115) } [طه: 115] .
والمعنى: وأقسم قسمًا لقد أمرنا أباهم آدم ووصيناه أن لا يقرب الشجرة، وتوعدناه بالدخول في جملة الظالمين إن قربها، وذلك من قبل وجودهم ومن قبل أن نتوعدهم، فخالف إلى ما نهى عنه، وتوعد في ارتكابه مخالفتهم، ولم يلتفت إلى الوعيد كما لا يلتفتون، كأنه يقول: إن أساس أمر بني آدم على ذلك، وعرقهم راسخ فيه. فإن قلت: ما المراد بالنسيان؟
قلت: يجوز أن يراد النسيان الذي هو نقيض الذكر، وأنه لم يعن بالوصية العناية الصادقة، ولم يستوثق منها بعقد القلب عليها وضبط النفس، حتى تولد من ذلك النسيان. وأن يراد الترك وأنه ترك ما وصى به من الاحتراس عن الشجرة وأكل ثمرتها 73.
وقال تعالى: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (14) } [المائدة: 14] .
«فنسوا حظًا مما في التوراة قاله مجاهد. وقيل: أنساهم نصيبًا من الكتاب بسبب معاصيهم، وعن ابن مسعود: قد ينسى المرء بعض العلم بالمعصية» 74.
وقال تعالى: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) } [الأنعام:44] .
وقال تعالى: {الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (51) } [الأعراف: 51] .
وقد حكى القرآن الكريم عن ذلك في معرض حديثه عن المشركين بأنهم اتبعوا آثار آبائهم، وأنهم تمسكوا بذلك، واعتبروه دينًا يعبد بلا حجة ولا برهان، واليوم في وقتنا الحاضر اتبعت الشعوب الإسلامية مناهج الملاحدة الوضعية، ومن هذه المناهج (الشيوعية) .
«إنها جناية كبرى ارتكبتها الشيوعية في حق الأخلاق والقيم، وخالفوا الفطرة التي جبل عليها البشر على امتداد تاريخهم من حب الخير وبغض الشر، وما يتبعهما من صفات وسلوك فاضل» 75.