فهرس الكتاب

الصفحة 1674 من 2431

أحدها: أن الطاعات إذا أتي بها في هذا البيت ازداد ثوابها؛ بدليل حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلاةٌ في مسجدي هذا خيرٌ من ألف صلاةٍ فيما سواه، إلا المسجد الحرام) 81 فهذا في الصلاة، وأما الحج فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو هريرة رضي الله عنه: (الحج المبرور ليس له جزاءٌ إلا الجنة) 82.

ومعلومٌ أنه لا أكثر بركةً مما يجلب المغفرة والرحمة.

وثانيها: قال القفال رحمه الله تعالى: ويجوز أن يكون بركته ما ذكر في قوله تعالى: (يُجْبَى? إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ) [القصص:57] .

فيكون كقوله: (إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَ) [الإسراء:1] .

وثالثها: أن العاقل يجب أن يستحضر في ذهنه أن الكعبة كالنقطة؛ وليتصور أن صفوف المتوجهين إليها في الصلوات كالدوائر المحيطة بالمركز، وليتأمل كم عدد الصفوف المحيطة بهذه الدائرة حال اشتغالهم بالصلاة.

وأما إن فسرنا البركة بالدوام فهو أيضًا كذلك؛ لأنه لا تنفك الكعبة من الطائفين والعاكفين والركع السجود، وأيضًا الأرض كرةٌ، وإذا كان كذلك فكل وقتٍ يمكن أن يفرض فهو صبحٌ لقومٍ، وظهرٌ لثانٍ، وعصرٌ لثالثٍ، ومغربٌ لرابعٍ، وعشاءٌ لخامسٍ، ومتى كان الأمر كذلك لم تكن الكعبة منفكةً قط عن توجه قومٍ إليها من طرفٍ من أطراف العالم لأداء فرض الصلاة، فكان الدوام حاصلًا من هذه الجهة، وأيضًا بقاء الكعبة على هذه الحالة ألوفًا من السنين دوامٌ أيضًا، فثبت كونه مباركًا من الوجهين 83.

يقول الشيخ أبو زهرة متحدثًا عن بركة البيت العتيق: «ووصفه سبحانه وتعالى بأنه مبارك؛ أي: فائض الخيرات كثير الثمرات المادية والمعنوية؛ فمن بركاته المادية أنه يفد إليه الحجيج من كل فج عميق؛ ويعتمرون فيه في كل أيام أشهر السنة، حتى أنه لا يمر عليه يوم من غير وفود تجيء إليه، ومع هذه الوفود خيرات الأرض.

وكان ذلك إجابة لدعاء إبراهيم في قوله تعالى: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ?37?) [إبراهيم:37] .

وقد كان في البيت تلك البركة المادية بتلك الوفود؛ وبالثمرات التي كانت في باطن الأرض حوله أو على مقربة منه فقد كشفت على مقربة منه فلزات الأرض وسيول الغاز، مما كان خيرًا وبركة على سدنته، ومن يعيشون حوله، وبذلك أجاب الله تعالى دعاء إبراهيم عليه السلام، وبقي على الذين يتنعمون بهذه الثمرات أن يشكروا الله عز وجل.

هذه هي البركة المادية، أما البركة المعنوية فهي أنه موضع لأكبر عبادة جامعة وهي الحج، وهو مبعث محمد صلى الله عليه وسلم وفيه منازل وحيه، وإليه يتجه الناس في كل بقاع الأرض، وتلتقي عنده قلوب الأجناس والألوان المختلفة في عباداتهم؛ ولذا وصفه سبحانه بقوله: (وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ) [آل عمران:96]

هذا عطف على قوله سبحانه: (مُبَارَكًا) أي: أن الله سبحانه وتعالى جمع لهذا البيت الكريم حالتين خاصتين به لم تجتمعا في بيت غيره، فهو قد اشتمل على البركة المادية والمعنوية، وحماه الله تعالى من اعتداء المعتدين؛ ولهذا قال (وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ) أي: هو بذاته مصدر هداية للعالمين، أي: للناس أجمعين؛ ففي وسط الشرك كانوا يلتحمون ويتقاتلون حوله، فإذا جاءوا إليه كان الرجل يلقى قاتل أخيه أو أبيه فلا يمسه بسوء لعظم حرمة البيت في قلبه، وإن مس الشرك نفسه» 84.

وقال الفراء: «إنما قيل: (مباركًا) لأنه مغفرةٌ للذنوب» 85.

وقيل: بركته أن من دخله أمن حتى الوحش، فيجتمع فيه المتضادات دون أن يغير أحدها على الآخر 86.

ومن بركته -فوق ما تقدم-: «أن قدر الله أن يكون داخله مثابًا ومحصلًا على خيرٍ يبلغه على مبلغ نيته، وقدر لمجاوريه وسكان بلده أن يكونوا ببركة زيادة الثواب ورفاهية الحال، ومن بركة ذاته أن حجارته وضعتها عند بنائه يد إبراهيم ويد إسماعيل، ثم يد محمدٍ صلى الله عليه وسلم، ولا سيما الحجر الأسود» 87.

ومن بركته أنه فاق بيوت العالم بركة: «ليس في بيوت العالم أبرك منه ولا أكثر خيرًا ولا أدوم ولا أنفع للخلائق» 88.

ولكي نعرف الفرق بينه وبين المسجد الأقصى فإنه عندما تحدث الله عن المسجد الأقصى جعل البركة حوله؛ لقوله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى? بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ? إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الإسراء:1] .

وعندما تحدث عن البيت الحرام قال: (.مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ) [آل عمران:96] .

هو في ذاته مبارك، وهو في ذاته هدى للعالمين؛ لأنه لا يذهب إليه إنسان إلا وتحيطه بركة الحنان المنان عز وجل، فلو ذهب إليه تائب يتوب الله عليه، ولو أتاه سائل يجيب الله له كل المسائل، ولو ذهب إليه راجٍ يحقق الله له كل رجائه، ولو ذهب إليه عابد يرجع بعبادة لا عد لها ولا حصر لها -كل ذلك بتوفيق الله- يكفي أن الركعة فيه بمائة ألف ركعة فيما سواه، والصلاة فيه بمائة ألف صلاة، وأي بركة أعظم من هذا، فعن جابرٍ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (صلاةٌ في مسجدي أفضل من ألف صلاةٍ فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاةٌ في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاةٍ فيما سواه) 89.

ويذكر من فضائل هذا البيت أن من دخله كان آمنًا، فهو مثابة الأمن لكل خائف، وليس هذا لمكان آخر في الأرض، وقد بقي هكذا منذ بناه إبراهيم وإسماعيل، وحتى في جاهلية العرب، وفي الفترة التي انحرفوا فيها عن دين إبراهيم، وعن التوحيد الخالص الذي يمثله هذا الدين، حتى في هذه الفترة بقيت حرمة هذا البيت سارية، حتى كان الرجل يقتل ويدخل الحرم، فيلقاه ابن المقتول فلا يهيجه حتى يخرج، وكان هذا من تكريم الله سبحانه لبيته هذا، حتى والناس من حوله في جاهلية!

وقال سبحانه يمتن على العرب به: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ? أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ) [العنكبوت:67] .

وحتى أنه من جملة تحريم الكعبة حرمة اصطياد صيدها، وتنفيره عن أوكاره، وحرمة قطع شجرها.

وفي الصحيحين -واللفظ لمسلم- عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح: (إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرامٌ بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحدٍ قبلي، ولم يحل لي إلا ساعةً من نهارٍ، فهو حرامٌ بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط إلا من عرفها، ولا يختلى خلاها) 90.

فهذا هو البيت الذي اختاره الله للمسلمين قبلة هو بيت الله الذي جعل له هذه الكرامة 91.

وبما أن للبيت هذه الكرامة وذلك التكريم وتلك البركة فإنه من الواجب على المسلمين تعظيمه وتكريمه ومتابعة زيارته لينالوا بركته من خلال الصلاة فيه كذا الطواف والسعي.

من مجالات البركة المتصلة بالأماكن في القرآن الكريم المسجد الأقصى، قال -تعال: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى? بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ? إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُٹ) [الإسراء:1] .

خص المسجد الأقصى بكون مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه، وبالبركة حوله، وفيما يخص البركة التي حوله، يقول الشنقيطي: «أظهر التفسيرات فيه أن معنى (بَارَكْنَا حَوْلَهُ) : أكثرنا حوله الخير والبركة بالأشجار والثمار والأنهار، وقد وردت آياتٌ تدل على هذا، كقوله تعالى: (وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ(71 ) ) [الأنبياء:71] .

وقوله تعالى: (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ? وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ ?81?) [الأنبياء:81] .

فإن المراد بتلك الأرض الشام، والمراد بأنه بارك فيها أنه أكثر فيها البركة والخير بالخصب والأشجار والثمار والمياه، كما عليه جمهور العلماء.

وقال بعض العلماء: المراد بأنه بارك فيها أنه بعث الأنبياء منها، وقيل غير ذلك، والعلم عند الله تعالى» 92.

وقال مجاهدٌ: سماه مباركًا لأنه مقر الأنبياء، ومهبط الملائكة والوحي، ومنه يحشر الناس يوم القيامة 93.

ومن أسباب بركة المسجد الأقصى أيضًا ما لحقه من البركة بمن صلى به من الأنبياء من داود وسليمان ومن بعدهما من أنبياء بني إسرائيل، ثم بحلول الرسول عيسى عليه السلام وإعلانه الدعوة إلى الله فيه وفيما حوله، ومنها بركة من دفن حوله من الأنبياء.

فقد ثبت أن قبري داود وسليمان حول المسجد الأقصى، وأعظم تلك البركات حلول النبي صلى الله عليه وسلم فيه ذلك الحلول الخارق للعادة، وصلاته فيه بالأنبياء كلهم 94.

كما أنه معدن الفواكه والأرزاق والبركات، وبارك تعالى حوله لأجله فما ظنك به نفسه فهو أبلغ من باركنا فيه 95.

وخلاصة القول في ذلك أن البركة حوله حازت بركتي الدين والدنيا 96.

وقوله: (الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ) صفةٌ للمسجد الأقصى، وجيء في الصفة بالموصولية لقصد تشهير الموصوف بمضمون الصلة حتى كأن الموصوف مشتهرٌ بالصلة عند السامعين ...

وصيغة المفاعلة هنا للمبالغة في تكثير الفعل، مثل عافاك الله، والبركة: نماء الخير والفضل في الدنيا والآخرة بوفرة الثواب للمصلين فيه وبإجابة دعاء الداعين فيه ...

ووجه الاقتصار على وصف المسجد الأقصى في هذه الآية بذكر هذا التبريك هو تناسى الناس هذا المسجد المبارك، فالعرب لا علم لهم به، والنصارى عفوا أثره من كراهيتهم لليهود، واليهود قد ابتعدوا عنه، وأيسوا من عوده إليهم، فاحتيج إلى الإعلام ببركته.

و (حول) يدل على مكانٍ قريبٍ من مكان اسم ما أضيف (حول) إليه، وكون البركة حوله كنايةٌ عن حصول البركة فيه بالأولى؛ لأنها إذا حصلت حوله فقد تجاوزت ما فيه، ففيه لطيفة التلازم، ولطيفة فحوى الخطاب، ولطيفة المبالغة بالتكثير 97.

هذا وقد ثبت في السنة أن الصلاة في المسجد الأقصى بخمسمائة صلاة فيما سواه، وهذا وغيره مما ذكر يجدد نظرنا إليه، ويحفزنا نحو تحريره، فاللهم حرره من أيدي اليهود، وبارك في أعمارنا حتى نصلي فيه.

من مجالات البركة المتصلة بالأماكن في القرآن الكريم بلاد الشام 98.

قال تعالى: (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ? وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى? عَلَى? بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا ? وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ) [الأعراف:137] .

هذه الآية الكريمة تتحدث عن توريث الله بني إسرائيل مشارق الأرض ومغاربها، وهم الذين كانوا يستذلون للخدمة، ويستضعفون بقتل أبنائهم، واستحياء نسائهم، وإسامتهم سوء العذاب، وتمت كلمة ربك -أيها النبي- الحسنى على بني إسرائيل بتمكينهم من أرض الشام؛ بصبرهم على أذى فرعون وقومه، ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه من المباني والقصور والعمارات والدور، وما كانوا يقيمون من العرائش والسقف في الجنات والبساتين.

ومحور حديثنا في الآية الكريمة هو البركة في الأرض المذكورة في الآية الكريمة:

فمن قائل: الأرض المذكورة في الآية أرض مصر والشام، وقيل: أراد بها الشام وحده، وقيل: أراد به الأردن وفلسطين، لكن جل العلماء على أن الأرض المباركة في القرآن هي أرض الشام.

قوله: (بَارَكْنَا فِيهَا) أي: بالنعم بكثرة مياهها، كما بارك الله فيها بوجود الأشجار والثمار والخصب والسعة؛ حتى يعيش فيها الفقير والغني بعيش طيب، وأن أكثر الأنبياء بعثوا فيها فانتشرت في العالمين شرائعهم التي هي مبادي الكمالات والخيرات الدينية والدنيوية، وقيل: الشام كنز الله في أرضه، وبها كنزه من عباده 99.

وقوله تعالى: (وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ(71 ) ) [الأنبياء:71] .

راجح رأي العلماء أن الأرض المباركة هنا وفي كل نظير من القرآن هي أرض الشام، والآية تتحدث عن هجرة الخليل ولوط عليهما السلام من العراق إلى الشام فرارًا بالدين.

عن قتادة رضي الله عنه (وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا) قال: «كانا بأرض العراق، فأنجيا إلى أرض الشام، وكان يقال: الشام عماد دار الهجرة، وما نقص من الأرض زيدٍ في الشام، وما نقص من الشام زيدٍ في فلسطين، وكان يقال: هي أرض المحشر والمنشر، وفيها ينزل عيسى بن مريم عليه السلام، وبها يهلك الله شيخ الضلالة الدجال» 100.

قال السمعاني: «وفي الآية قول آخر هو أن المراد من الأرض التي بارك فيها هي مكة، وقيل: مصر، والأصح هو الأول؛ لأنه مشهور أنه خرج وامرأته -يعني إبراهيم- إلى حران، ثم من حران إلى الشام، وأما لوط فإنه ابن أخي إبراهيم، وكان خرج معه» 101.

ويدخل قوله تعالى: وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ? وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ ?81? [الأنبياء:81] .في عين حديثنا عن بركة بلاد الشام.

فمما ميز الله به نبيه سليمان عليه السلام الريح القوية الشديدة (تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا) [الأنبياء:81] .

وكأنها مواصلات داخلية في مملكته من العراق إلى فلسطين.

وفي موضع آخر قال: (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ? إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ?35?) [ص:35 - 36] .

ومعنى: (بَارَكْنَا فِيهَا) [الأنبياء:81] .أي: في أرض الشام.

وفي شأن نعمة من نعم الله على المسافرين من مأرب إلى الشام يقول الله تعالى: (وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ ? سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ) [سبأ:18] .

هذه الآية وما بعدها وصف حال أهل سبأ قبل مجيء السيل؛ وذلك أن الله تعالى مع ما كان منحهم من الجنتين والنعمة الخاصة بهم، كان قد أصلح لهم البلاد المتصلة بهم وعمرها وجعلهم أربابها، وقدر فيها السير بأن قرب القرى بعضها من بعض حتى كان المسافر من مأرب إلى الشام يبيت في قرية، ويقيل في قرية أخرى، فلا يحتاج إلى حمل زاد، والقرى: المدن، ويقال: للمجتمع الصغير قرية أيضًا، وكلها من قريت أي: جمعت، والقرى التي بورك فيها هي بلاد الشام بإجماع من المفسرين 102.

و (القرى الظاهرة) هي التي بين الشام ومأرب وهي الصغار التي هي البوادي 103.

عن الحسن: «كان الرجل يغدو فيقبل في القرية، ثم يروح فيبيت في القرية الأخرى، وكانت المرأة تخرج وزنبيلها على رأسها، فما تبلغ حتى يمتلئ من كل الثمار» 104.

ويمكننا أن نلمس من حديث القرآن عن الأرض المباركة التي هي الشام أننا يجب علينا أن ننظر إليها نظرة خاصة لننعم كمسلمين ببركاتها من ناحية، ونحافظ على محتوياتها، بل ونقف موقف المسئول مما يحدث فيها لا أن نقف، كما نحن الآن، موقف المشاهد الذي يرى التقتيل والدمار، وينتظر من غيره من الأمم أن تلعب دور الطرف الثالث للإصلاح بين الراعي الفاسد الدموي من الرعية المسالمة التي تباد ليلًا ونهارًا.

وكما ذكر القرآن الأرض المقدسة واصفًا إياها بالبركة وصف بذلك أيضًا طور سيناء.

من مجالات البركة في القرآن مما يخص الأمكنة «جبل الطور في سيناء» .

قال تعالى: (فَلَمَّا قَضَى? مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ?29?فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى? إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ?30?) [القصص:29 - 30] .

الآيتان تتحدثان عن نبي الله موسى عليه السلام، وما رآه أثناء سيره بأهله إلى مصر، حيث أبصر نارًا، توسم فيها نبأ ينفعهم في سيرهم، أو قبسة للاستدفاء، فلما أتاها ناداه الله من جانب الوادي الأيمن لموسى في البقعة المباركة من جانب الشجرة: أن يا موسى إني أنا الله رب العالين، قال صاحب البحر في تفسيره للآية الأولى من سورة الطور: «وإنما أقسم بهذا الجبل في قوله تعالى: (و الطور) [الطور:1] .

لأنه مجاور للشام والأرض المقدسة، وقد بارك الله فيهما، كما قال: (إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ) [الاسراء:1] 105.

وقد وصف الله تعالى البقعة بالمباركة؛ لأن الله كلم موسى عليه السلام هناك وبعثه نبيًا، ولكونها مبعث الأنبياء وكفاتهم أحياء وأمواتًا وخصوصًا تلك البقعة التي كلم الله فيها موسى، ولما خصت به من آيات الله وأنواره، ولما حوت من الأرزاق والثمار الطيبة 106.

فإن قيل: فلم لم يسم الشجرة مباركة وقد قال: (من الشجرة) ؟

قلنا: لأنه إذا ذكرت البركة في البقعة فقد ذكرت في الشجرة، فذكر البقعة؛ لأنها أعم، قال الزجاج والنحاس وغيرهما: كلم الله موسى من الشجرة بلا كيف، وعن الضحاك: من نحو الشجرة 107.

خامسًا: الأقوال المباركة:

من مجالات البركة في القرآن الكريم: الأقوال:

ومن الأقوال تحية الإسلام.

يقول الله تعالى: (? فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى? أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً ? كَذَ?لِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) [النور:61] .

يرسي هذا المقطع من الآية الكريمة أدب السلام في حال دخول المسلم بيتًا مسكونًا أو غير مسكون، ببيانه أنه على المسلم أن يسلم على أخيه المسلم بتحية الإسلام، وهي: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أو السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، إذا لم يوجد أحد، وهذه التحية شرعها الله، وهي تحية مباركة تنمي المودة والرحمة والإخاء؛ لأنها محبوبة للسامع، متمناة منه، وبمثل هذا البيان يبين الله للناس الآيات لعلهم يعقلونها فيعملون بمقتضاها.

يقول السمعاني: «ويقال معنى الآية: إذا دخل بيته يسلم على أهله، وهي سنة قد هجرت؛ إذ الأهل أحق بالسلام عليهم، وكان الأوزاعي إذا دخل بيته، ونسي السلام خرج ثم رجع وسلم، وأما إذا دخل بيتًا خاليًا، فيقول: السلام علينا من ربنا، وإذا دخل مسجدًا ليس فيه أحد يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وقد بينت السنة استحباب إفشاء السلام على من تعرف ومن لا تعرف، وقوله: (تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً) أي: حسنة جميلة، ويقال: ذكر البركة والطيب ها هنا لما فيه من الثواب، ومن أهدى سلاما ًإلى إنسان فهي هدية خفيفة المحمل، طيبة الريح، مباركة العاقبة» 108.

ومحور الحديث يدور حول البركة التي اتصفت بها التحية.

فعن سعيد بن جبيرٍ في قول الله: (تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً) قال: من سلم على أخيه فهي تحيةٌ مباركةٌ طيبةٌ يعنى حسنةً 109.

قال القرطبي: «وقد اختلف المتأولون في أي البيوت أراد في الآية الكريمة، فقال إبراهيم النخعي والحسن: أراد المساجد، والمعنى: سلموا على من فيها من ضيفكم، فإن لم يكن في المساجد أحدٌ، فالسلام أن يقول المرء: السلام على رسول الله، وقيل: يقول: السلام عليكم، يريد الملائكة، ثم يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وقيل: المراد بالبيوت البيوت المسكونة، أي: فسلموا على أنفسكم ... ، وقالوا: يدخل في ذلك البيوت غير المسكونة، ويسلم المرء فيها على نفسه بأن يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.

قال ابن العربي: القول بالعموم في البيوت هو الصحيح، ولا دليل على التخصيص، وأطلق القول ليدخل تحت هذا العموم كل بيتٍ كان للغير أو لنفسه، فإذا دخل بيتًا لغيره استأذن، فإذا دخل بيتًا لنفسه سلم لحديث أنس بن مالكٍ رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا بني إذا دخلت على أهلك فسلم يكون بركةً عليك وعلى أهل بيتك) 110.

قال ابن العربي: والذي أختاره إذا كان البيت فارغًا ألا يلزم السلام، فإنه إن كان المقصود الملائكة فالملائكة لا تفارق العبد بحالٍ، أما إنه إذا دخلت بيتك يستحب لك ذكر الله بأن تقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله.

وقال القشيري في قوله: (فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا) [النور:61] : «والأوجه أن يقال: إن هذا عامٌ في دخول كل بيتٍ، فإن كان فيه ساكنٌ مسلمٌ يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وإن لم يكن فيه ساكنٌ يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وإن كان في البيت من ليس بمسلمٍ قال: السلام على من اتبع الهدى، أو السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وذكر ابن خويز مندادٍ قال: كتب إلي أبو العباس الأصم قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال: حدثنا ابن وهبٍ قال: حدثنا جعفر بن ميسرة عن زيد بن أسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دخلتم بيوتًا فسلموا على أهلها، واذكروا اسم الله، فإن أحدكم إذا سلم حين يدخل بيته وذكر اسم الله تعالى على طعامه، يقول الشيطان لأصحابه: لا مبيت لكم ها هنا ولا عشاء، وإذا لم يسلم أحدكم إذا دخل، ولم يذكر اسم الله على طعامه، قال الشيطان لأصحابه: أدركتم المبيت والعشاء) » .

قلت: هذا الحديث ثبت معناه مرفوعًا من حديث جابرٍ، أخرجه مسلمٌ 111.

وفي كتاب أبي داود، عن أبي مالكٍ الأشجعي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا ولج الرجل بيته فليقل: اللهم إني أسألك خير الولوج، وخير الخروج، باسم الله ولجنا، وباسم الله خرجنا، وعلى الله ربنا توكلنا، وليسلم على أهله) 112.

وصفها بالبركة لأن فيها الدعاء واستجلاب مودة المسلم عليه، ووصفها أيضًا بالطيب لأن سامعها يستطيبها» 113.

وللبيضاوي تعليله المفيد للتحية المباركة الطيبة فيقول: «مباركةً لأنها يرجى بها زيادة الخير والثواب، طيبةً تطيب بها نفس المستمع» 114.

والسلام على النفس حمله الرازي على محمل لطيف، فقال: قوله تعالى: (فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى? أَنْفُسِكُمْ) [النور:61] .

فالمعنى: أنه تعالى جعل أنفس المسلمين كالنفس الواحدة، على مثال قوله تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) [النساء:29] . وحدثنا أن الملائكة ترد عليه ...

وقوله: (تَحِيَّةً) نصب على المصدر، كأنه قال: فحيوا تحيةً من عند الله، أي: مما أمركم الله به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت