وكما نجى الله تعالى نبيه لوط عليه السلام، قال تعالى: {وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (74) وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) } [الأنبياء:74 - 75] .
والمعنى: ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث يعني: قرية سدوم وأراد أهلها وأراد بالخبائث إتيان الذكور في أدبارهم، وكانوا يتضارطون في مجالسهم مع أشياء أخرى كانوا يعلمونها من المنكرات إنهم كانوا قوم سوء فاسقين وأدخلناه في رحمتنا قيل: أراد بالرحمة النبوة وقيل أراد بها الثواب إنه من الصالحين أي الأنبياء 103.
كما نجى الله تعالى نبيه موسى عليه السلام وبني إسرائيل من فرعون وقومه، قال تعالى: {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (80) كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (81) وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (82) } [طه:80 - 82] .
كقوله تعالى: {وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (141) وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142) } [الأعراف:141 - 142] .
فهذه الآيات الكريمة وغيرها مما هي في معناها فيها تذكير لبنى إسرائيل بنعمة من أجل نعم الله عليهم، حيث أنجاهم سبحانه ممن أراد لهم السوء، وعمل على قتلهم وإبادتهم واستئصال شأفتهم، وفي ذلك ما يدعوهم إلى الاجتهاد في شكر الله عز وجل لو كانوا ممن يحسنون شكر النعم 104.
وهذا كقوله تعالى: {ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (103) } [يونس:103] .
قال أبو جعفر: «يقول تعالى ذكره: قل يا محمد، لهؤلاء المشركين من قومك: انتظروا مثل أيام الذين خلوا من قبلكم من الأمم السالفة الذين هلكوا بعذاب الله، فإن ذلك إذا جاء لم يهلك به سواهم، ومن كان على مثل الذي هم عليه من تكذيبك، ثم ننجي هناك رسولنا محمدا صلى الله عليه وسلم ومن آمن به وصدقه واتبعه على دينه، كما فعلنا قبل ذلك برسلنا الذين أهلكنا أممهم، فأنجيناهم ومن آمن به معهم من عذابنا حين حق على أممهم {كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ} ، يقول: كما فعلنا بالماضين من رسلنا فأنجيناها والمؤمنين معها وأهلكنا أممها، كذلك نفعل بك، يا محمد، وبالمؤمنين، فننجيك وننجي المؤمنين بك، حقا علينا غير شك» 105.
والنجاة للصالحين تكون من أعدائهم، ومن مكاره الدنيا والآخرة، وشدائدهما {كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا} أوجبناه على أنفسنا {نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ} وهذا من دفعه عن المؤمنين، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا} [الحج:38]
فإنه -بحسب ما مع العبد من الإيمان- تحصل له النجاة من المكاره 106.
5.الاصطفاء الإلهي.
إن الاصطفاء حال يستحقه العبد بكونه صالحًا، والاصطفاء ضربان، أحدهما في الآخرة والآخر في الدنيا، وهو اختصاص الله بعض العبيد بولايته ونبوته لخصوصيته فيه 107، والاصطفاء: الاختيار بإخراج الصفوة من العباد والصالح من بني آدم: هو المؤدي حقوق الله عليه 108.
وبسبب الصلاح اصطفى الله تعالى من ذكرهم وآباءهم وإخوانهم وذريتهم في قوله تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (86) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (87) } [الأنعام:84 - 87] .
وقوله: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (48) لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (49) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (50) } [القلم:48 - 50] .
وهذا الاصطفاء هو بمشيئة الله تعالى واختياره، قال تعالى: {اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ} [الشورى:13] .
والمعنى: أن الله يصطفي إليه من يشاء من خلقه، ويختار لنفسه وولايته من أحب، ويوفق للعمل بطاعته، واتباع ما بعث به نبيه عليه صلى الله عليه وسلم من الحق من أقبل إلى طاعته، وراجع التوبة من معاصيه 109.
6.التوفيق للهداية للحق والصواب.
من الجزاء على الصلاح في الدنيا التوفيق للهداية للحق والصواب، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (9) } [يونس:9] .
والهداية هي: الإرشاد على المقصد النافع والدلالة عليه، فمعنى: {يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ} يرشدهم إلى ما فيه خيرهم، والمقصود الإرشاد التكويني، أي يخلق في نفوسهم المعرفة بالأعمال النافعة وتسهيل الإكثار
منها، وأما الإرشاد الذي هو الدلالة بالقول والتعليم فالله يخاطب به المؤمنين والكافرين.
وفي تكوين هدايتهم إلى الخيرات بجعل الله تعالى، بأن يجعل الله للإيمان نورًا يوضع في عقل المؤمن، ولذلك النور أشعة نورانية تتصل بين نفس المؤمن وبين عوالم القدس فتكون سببًا مغناطيسيًا لانفعال النفس بالتوجه إلى الخير والكمال لا يزال يزداد يومًا فيومًا، ولذلك يقترب من الإدراك الصحيح المحفوظ من الضلال بمقدار مراتب الإيمان والعمل الصالح 110.
والهداية هي التسديد والمعنى: يسددهم بسبب إيمانهم للاستقامة على سلوك الطريق السديد المؤدي إلى الثواب ولذا جعل {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ} بيانًا له وتفسيرًا إذ التمسك بسبب السعادة كالوصول إليها، أو يهديهم في الآخرة بنور إيمانهم إلى طريق الجنة 111.
7.المودة والمحبة في قلوب الخلق.
ومن الجزاء على الصلاح في الدنيا أن الله تعالى يجعل المودة والمحبة في قلوب الخلق للصالحين بسبب صلاحهم، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (96) } [مريم:96] .
أي: حبًا يحبهم ويحببهم إلى عباده المؤمنين من أهل السموات والأرضين 112.
يخبر تعالى أنه يغرس لعباده المؤمنين الذين يعملون الصالحات، - وهي الأعمال التي ترضي الله عز وجل لمتابعتها الشريعة المحمدية يغرس لهم في قلوب عباده الصالحين محبة ومودة-، وهذا أمر لا بد منه ولا محيد عنه، وقد وردت بذلك الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير وجه 113، منها ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (إذا أحب الله العبد نادى جبريل: إن الله يحب فلانا فأحببه، فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض) 114.
وفي رواية أخرى عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال: إني أحب فلانا فأحبه، قال: فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، قال ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبدا دعا جبريل فيقول: إني أبغض فلانا فأبغضه، قال فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء إن الله يبغض فلانا فأبغضوه، قال: فيبغضونه، ثم توضع له البغضاء في الأرض) 115.
ومودة الناس تكسب بأسباب متعارفة بينهم منها القرابة، ومنها الصداقة، ومنها صنائع المعروف، ومآثر الإحسان، أما هذا الود الذي وعد الله به الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فسببه جعل من الله له في قلوب العباد لهم، دون تردد منهم، ولا توقف على تلك الأسباب، فيودهم من لم يكن بينه وبينهم علاقة نسب أو صداقة، ولا وصل إليه منهم معروف، فهذا نوع من الود خاص يكرمهم الله به، وينعم عليهم به الرحمن من جملة نعمه التي يحدثها ويجددها لهم، زيادة على ما يقتضيه الإيمان والعمل الصالح وهما سبب لإكرامات كثيرة من الله تعالى، هذا الجعل للود منها 116.
8.فضل الله.
إن من جزاء العمل الصالح في الدنيا أن الله تعالى يتفضل على الذين آمنوا وعملوا الصالحات بنعمه ورزقه زيادة على ما يطلبوه منه سبحانه، قال تعالى: {وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (26) } [الشورى:26] .
قال الإمام ابن جرير في قوله تعالى: {وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ} يقول تعالى ذكره: ويزيد الذين آمنوا وعملوا الصالحات مع إجابته إياهم دعاءهم، وإعطائه إياهم مسألتهم من فضله على مسألتهم إياه، بأن يعطيهم ما لم يسألوه. وقيل: إن ذلك الفضل الذي ضمن جل ثناؤه أن يزيد هموه، هو أن يشفعهم في إخوان إخوانهم إذا هم شفعوا في إخوانهم، فشفعوا فيهم 117.
9.الخروج من الظلمات إلى النور.
إن الله سبحانه وتعالى أنزل الكتاب كي يخرج الذين صدقوا الله ورسوله وعملوا بما أمرهم الله به وأطاعوه من الظلمات إلى النور، يعني من ظلمة الجهل إلى نور العلم، ومن ظلمة الباطل إلى ضياء الحق، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن الباطل إلى الحق، وما أشبه ذلك، قال تعالى: {رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا (11) } [الطلاق:11] 118.
قال ابن كثير: « {رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ} أي في حال كونها بينة واضحة جلية ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور، كقوله تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [إبراهيم:1] .
وقال تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [البقرة:257] .
أي: من ظلمات الكفر والجهل إلى نور الإيمان والعلم، وقد سمى الله تعالى الوحي الذي أنزله نورًا لما يحصل به من الهدى كما سماه روحًا لما يحصل به من حياة القلوب، فقال تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) } [الشورى:52] » 119.
10 الخيرية بين الخلق.
إن الخيرية بين الخلق جزاء للعمل الصالح قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7) } [البينة:7] .
يعني أنهم بسبب أعمالهم الصالحة واجتنابهم الشرك استحقوا هذا الاسم 120.
والمعنى: «إن الذين آمنوا أي بالله ورسوله محمد، صلى الله عليه وسلم وعملوا الصالحات، أي من بذل النفس في سبيل الجهاد للحق، وبذل المال في أعمال البر، مع القيام بفرائض العبادات، والإخلاص في سائر ضروب المعاملات؛ لأن إذعانهم الصحيح، ووجدانهم لذة معرفة الحق، ملكت الحق قيادهم، فعملوا الأعمال الصالحة، وقوله: {أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ} أي أفضل الخليقة؛ لأنهم بمتابعة الحق عند معرفته بالدليل القائم عليه، قد حققوا لأنفسهم معنى الإنسانية التي شرفهم الله بها، وبالعمل الصالح، قد حفظوا نظام الفضيلة الذي جعله الله قوام الوجود الإنساني، وهدوا غيرهم بحسن الأسوة إلى مثل ما هدوا إليه من الخير والسعادة فمن يكون أفضل منهم؟» 121.
يتمثل جزاء الصلاح في الآخرة في مغفرة الذنوب، وتكفير السيئات، والجنة ونعيمها، والدرجات العليا، ومرافقة الذين أنعم الله عليهم، ورضا الله ورؤية وجهه الكريم، وبيان ذلك في النقاط الآتية:
1.مغفرة الذنوب وتكفير السيئات.
ذكر الله تعالى في آيات كثيرات أن جزاء العمل الصالح في الآخرة هو مغفرة الذنوب وتكفير السيئات. منها قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (2) } [محمد:2] .
وقوله تعالى: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (82) } [طه:82] .
وقوله تعالى: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70) } [الفرقان:70] .
وقوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (9) } [المائدة:9] .
وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (7) } [العنكبوت:7] .
وغيرها من الآيات.
والمراد بالغفران والمغفرة من الله هو أن يصون العبد من أن يمسه العذاب 122، والمراد بتكفير السيئات: سترها بالإيمان والعمل الصالح، والمراد إزالها ولم يؤاخذهم بها 123.
2.الجنة و نعيمها.
بين الله تعالى في آيات كثيرات أنه سيدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات الجنة وأن لهم فيها نعيم دائم وأزواج مطهرة وظلال وارف، منها قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (57) } [النساء:57] .
والجنات، يعني: بساتين تجري من تحتها الأنهار، وهم خالدون، أي باقون فيها أبدًا بغير نهاية ولا انقطاع، دائما ذلك لهم فيها أبدًا، ولهم في تلك الجنات أزواج مطهرة، يعني: بريئات من الأدناس والريب والحيض والغائط والبول والحبل والبصاق، وسائر ما يكون في نساء أهل الدنيا {وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا} أي وندخلهم ظلًا كنينًا، كما قال جل ثناؤه: {وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (30) } [الواقعة:30] .
وكما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة، واقرؤوا إن شئتم {وَظِلٍّ مَمْدُودٍ(30) } [الواقعة:30] ) 124125.
وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (23) } [الحج:23] .
والأساور جمع أسورة، وأسورة واحدها سوار، وفيه ثلاث لغات: ضم السين وكسرها وإسوار، قال المفسرون: لما كانت الملوك تلبس في الدنيا الأساور والتيجان جعل الله ذلك لأهل الجنة، وليس أحد من أهل الجنة إلا وفي يده ثلاثة أسورة: سوار من ذهب، وسوار من فضة، وسوار من لؤلؤ، وفي فاطر: {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا} [فاطر:33] .
وقال في سورة الإنسان: {وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ} [الإنسان:21] .
وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه سمعت خليلي صلى الله عليه وسلم يقول: (تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء) 126127.
وفي الجملة إن الله تعالى يهب للذين آمنوا وعملوا الصالحات نعمًا كثيرة، وتنعيمًا عظيمًا في الجنة، قال تعالى: {فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} [الحج:56] :والنعيم: النعمة الكثيرة، وتنعم: تناول ما فيه النعمة وطيب العيش، يقال: نعمه تنعيما فتنعم. أي: جعله في نعمة. أي: لين عيش وخصب 128.
3.الدرجات العليا.
بين الله تعالى أن الدرجات العلى هي جزاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات، قال تعالى: {وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (75) } [طه:75] .
أي: الجنة ذات الدرجات العاليات، والغرف الآمنات، والمساكن الطيبات 129.
وهذه الدرجات العليا هي جنات الفردوس على أحد المعاني الواردة في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (107) } [الكهف:107] .
قال الإمام الماوردي: «في {الْفِرْدَوْسِ} خمسة أقاويل:
أحدها: أن الفردوس وسط الجنة وأطيب موضع فيها، قاله قتادة.
الثاني: أنه أعلى الجنة وأحسنها، رواه ضمرة مرفوعًا.
الثالث: أنه البستان بالرومية، قاله مجاهد.
الرابع: أنه البستان الذي جمع محاسن كل بستان، قاله الزجاج.
الخامس: أنه البستان الذي فيه الأعناب، قاله كعب» 130.
قال قتادة: الفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأعلاها وأفضلها وأرفعها. وقال أبو أمامة الباهلي: الفردوس سرة الجنة. وقال كعب: ليس في الجنان جنة أعلى من جنة الفردوس، فيها الآمرون بالمعروف، والناهون عن المنكر 131.
وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من آمن بالله وبرسوله، وأقام الصلاة، وصام رمضان كان حقا على الله أن يدخله الجنة، جاهد في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها) ، فقالوا: يا رسول الله، أفلا نبشر الناس؟ قال: (إن في الجنة مائة درجة، أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله، فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة - أراه - فوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة) 132.
والدرجات العليا هي الغرفات المذكورة في قوله تعالى: {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (37) } [سبأ:37] .
وفي قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (58) } [العنكبوت:58] .
والغرفة في اللغة: العلية وكل بناء عال فهو غرفة والمراد به الدرجات العالية 133.
4.مرافقة الذين أنعم الله عليهم.
أخبر الله تعالى أن مرافقة الذين أنعم الله عليهم من جزاء الصلاح في الآخرة، قال تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69) } [النساء:69] .