فهرس الكتاب

الصفحة 2045 من 2431

قال تعالى: أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ? وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى? إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [الزمر:3] .

فهذا الجهل بمعرفة سبيل الله هو ما دفع نبي الله إبراهيم عليه السلام إلى إنكار إقدام أبيه آزر وقومه على تأليههم الأصنام، كونه باطلًا بينًا واضح البطلان لكل ذي لب قال تعالى: (?وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً ? إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ?74?) [الأنعام:74] .

ثالثًا: اجتناب الكفر بكل أشكاله وعناوينه: لأن الكفر يمثل صورة من صور حجب الحقيقة وسترها وتختلف مراتبه باختلاف مستويات المعرفة بتلك الحقيقة والاعتراف بها، ويشترط بمعرفة الله سبحانه الإيمان به وبملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ولا تقود المعرفة من دون إيمان إلا إلى الضلال.

قال تعالى: (ڑ ڑ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا) [النساء:136] .

رابعًا: إلزام النفس بعدم العصيان: فمعلوم لنا أن معنى العصيان هو خلاف الطاعة، والعبد ملزم بحكم الشارع المقدس بطاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ? وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا [الأحزاب:36] .

خامسًا: الوقاية من الظلم والإجرام: فمن سعى بنفسه إلى اتباع هذه السبل فقد انتهى بها إلى الضلال، ومن وقاها منه فقد أدرك النجاة.

قال تعالى: (هَ?ذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ? بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ?11?) [لقمان:11] .

وقال في موضع آخر: (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ ?) [القمر:47] .

سادسًا: الثقة بالله والاعتقاد بوجود رحمته وقربها: فمن أسلم نفسه إلى يأسه وضيق أفقه الفكري فقد أدخل نفسه في نفق الضلال ومتاهته.

قال تعالى: (قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ) [الحجر: 56] .

سابعًا: دوام الذكر: فقد أوصى الله عباده بإعمار القلوب بذكره.

قال تعالى: (أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [الرعد:28] .

فالاطمئنان يجعلها رقيقة رطبة مهتدية بنور ربها، وعلى النقيض من ذلك تكون القلوب القاسية قلقة ومتخبطة.

قال تعالى: (فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ ? أُولَ?ئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍٹ) [الزمر:22] .

ثامنًا: عدم الانقياد وراء الأهواء: لأن الأهواء تميل بالنفس إلى شهواتها وإلى الاعتقاد بما يخالف الحق ما يوهم المرء فيشط به عن سبيل الله.

قال تعالى: (وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى? فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ? [ص:26] .

تاسعًا: رفض طاعة المضل: فمن صدق عليه الضلال وجب ترك طاعته.

قال تعالى: (وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا) [الأحزاب:67] .

فطاعة الله وحده هي الهدى.

لقد جاء كتاب الله تعالى لإرشاد الناس إلى طريق الهدى وإيقاظهم من غفلتهم وإنقاذهم من ضلالتهم التي كانوا عليها قبل مجيء الإسلام، غير أن قوى الضلالة والذين في قلوبهم زيغ لا يزالون يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وشق الصفوف، وبدل أن يكون القرآن الكريم مصدر وحدتنا أصبحنا نجد الأصوات تتعالى من كل ناحية لتضل الناس وتحرضهم على الفتن والفرقة والاحتراب وتقول برأيها في آيات الله تعالى وتتخذ منها وسيلة لإقناع الناس بسلامة نهجها، وما ذاك من الكتاب في شيء وقد قال تعالى في محكمه: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ?) [آل عمران:103] .

فديننا يأمرنا بالهدى، وبالهدى وحده نبلغ النجاة، وننقذ أمتنا الإسلامية من المخاطر التي تحيط بها من كل جانب ونسهم في خلاصها من الأفكار الظلامية التي تنخر في جسدها وتغرر بالبسطاء من أبنائها لتضلهم عن سواء السبيل.

6.المخاطر.

كثيرة هي المخاطر التي يتعرض لها الناس في مسيرة حياتهم سواء ما تهدد استقرارهم العقائدي أو الوجودي ولله تعالى حكمة بالغة في إحاطتهم بتلك المخاطر ليبلوهم أيهم يثوب إليه داعيًا ومنيبًا، ثم إذا كشف عنهم البلاء ونجاهم، ينظر من منهم سيعترف بفضله ويشكر آلاءه ومن سيجعل له شركاء في حكمه؟.

فمن الناس من لا يعتبر بتلك الشدائد والمخاطر التي تصيبهم باستمرار، فما إن يخرجوا من شدتهم وينجوا من مخاطرها حتى يعودوا إلى شركهم أو كفرهم أو فسادهم في الأرض.

قال تعالى: (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ? حَتَّى? إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ? دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَ?ذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ?22?فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ? [يونس:22 - 23] .

يلاحظ أن الإنسان في مثل هذه الحالة «لا يطمع إلا في فضل الله ورحمته، ويصير منقطع الطمع عن جميع الخلق ويصير بقلبه وروحه وجميع أجزائه متضرعًا إلى الله تعالى، ثم إذا نجاه الله تعالى من هذه البلية العظيمة، ونقله من هذه المضرة القوية إلى الخلاص والنجاة، ففي الحال ينسى تلك النعمة ويرجع إلى ما ألفه واعتاده من العقائد الباطلة والأخلاق الذميمة» 76.

ويعود كتاب الله العزيز ليسوق لنا هذا المثال في مناسبات أخرى ليدلل به على أنه ما من خطر يتهدد الإنسان في حياته إلا وكان الله وحده هو المنجي منه، ولكن الإنسان تجده بعد نجاته مرة يعرض عن ذكر الله أو أنه يقتصد في الذكر، جهلًا منه بأن المخاطر تلك تصيبه في ظرف دون آخر، وما علم أنه معرض لها في كل زمان ومكان ولا فرق في أن يكون في البحر أو في البر ليتهدده خطرها.

قال تعالى: (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ ? فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ ? وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا ?67?أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا ?68?) [الإسراء:67 - 68] .

فحري بالإنسان أن يخلص النية ويواصل الذكر ويشكر آلاء الله في الشدة والرخاء، ويجعل نعمة الله عليه بالنجاة من المخاطر سببًا في التعلق به أكثر، فلا تكون الحاجة إلى الله محصورة في لحظات نزول الشدائد ثم إذا انفرج الهم جعل له شركاء في قدرته قال تعالى: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ) [العنكبوت:65] .

قيل: «إشراكهم أن يقول قائلهم لولا الله والرئيس أو الملاح لغرقنا، فيجعلون ما فعل الله لهم من النجاة قسمة بين الله وبين خلقه» 77.

ومنهم المقتصدون في كفرهم أو إخلاصهم كما يقول تعالى: (وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ ? وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍہ) [لقمان:32] .

فقد بقي لمشهد الموج العظيم أثر في نفوسهم «فخرج منهم مقتصد أي في الكفر وهو الذي انزجر بعض الانزجار أو مقتصد في الإخلاص فبقي معه شيء منه ولم يبق على ما كان عليه من الإخلاص» 78، فإلى هؤلاء وغيرهم يوجه الله تعالى سؤاله منكرًا عليهم جحودهم قائلًا: (قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَ?ذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ?63?قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ ?64?) [الأنعام:63 - 64] .

فقد جمع الله سبحانه المخاطر كلها في قوله (ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) ليشير بذلك إلى كل ما من شأنه أن يبعث الخوف في النفوس من أهوالهما، وهذه المخاوف هي التي تعود بالإنسان إلى فطرته السليمة فيتشبث بخالقه تلقائيًا، غير أنه وبعد الفوز بالنجاة والسلامة يحيل تلك السلامة إلى الأسباب الجسمانية. ومن يتدبر الآية الكريمة يجد أن لفظها يدل على أن الإنسان عمومًا يأتي بأمور أربعة عند نزول المخاطر هي: الدعاء والتضرع والإخلاص بالقلب والتزام الاشتغال بالشكر 79.

فهذه العوامل المنجية يجب أن لا تنتهي بعد تحقق النجاة إلى تقديم الشرك عليها.

7.العذاب الدنيوي.

يعرض لنا القرآن الكريم صور العذاب الدنيوي في نمطين: أحدهما عذاب صادر من الله تعالى والآخر عذاب صادر من الإنسان، فأما النمط الأول فغالبًا ما يقع بسبب ما يقدم عليه الناس من ارتكاب المعاصي وإتيان الظلم، وعلى الرغم من ذلك لا نجد الله تعالى يعاجلهم بالعذاب بل ينزل عليهم كتبه ويبعث فيهم رسله مبشرين ومنذرين رغبة منه في فوزهم بثوابه وخلاصهم من عذابه.

وتعرض لنا آيات الله البينات كثيرًا من المشاهد الممتزجة بألوان العذاب الذي حذر الله تعالى منه أو توعد به أهل القرى والظالمين من أعدائه والمتجاوزين على حدوده، وحري بنا أن نتعرف من خلالها على السبل الناجعة المفضية إلى النجاة منه، فمن بين تلك السبل:

أولًا: تطهير النفس من الشرك: قال تعالى: {فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ} [الشعراء:213] .

فمن جعل لله شركاء فقد ظلم نفسه وساقها إلى عذابه.

ثانيًا: الإيمان بالله وشكر نعمته: قال تعالى: {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (147) } [النساء:147] .

وقال تعالى في قصة نوح عليه السلام: {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} [هود:58] .

فالاعتراف بربوبية الله تعالى توجب الرحمة والنجاة من عذابه.

ثالثًا: دوام الذكر: كتسبيحه أو الاستغفار قال تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الأنفال:33] .

رابعًا: اجتناب الكفر: لأن الكفر يفتح الأبواب لكثير من المعاصي، لذا لا يكتفي الله سبحانه بعذاب الكافرين في الدنيا بل يذيقهم عذاب الآخرة حيث لا ناصر ينجيهم منه.

قال تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} [آل عمران:56] .

خامسًا: الابتعاد عن الاستنكاف والاستكبار: فالعزة والكبرياء لله وحده.

قال تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء:173] .

سادسًا: الحذر من النفاق: فمن بين أكثر الصفات ذمًا عند الله صفة النفاق، وقد قرن الله تعالى المنافقين بالمشركين في أكثر من آية وساوى بينهم في الوعيد بعذابه.

قال تعالى: {لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ} [الأحزاب/73] .

سابعًا: وقاية النفس من الصد عن سبيل الله: فمن يصد عباد الله عن عبادته لن يحول بينه وبين عذابه شيء قال تعالى: {وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ} [الأنفال:34] .

ثامنًا: الانقياد إلى أوامر الله تعالى ورسله: فكتاب الله تعالى مليء بشاهد العذاب التي نزلت بالأمم الغابرة جزاء عصيانها وعدم امتثالها لأوامره.

قال تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا} [الطلاق:8] .

تاسعًا: الحذر من إتيان المكر السيء: فقد أعد الله تعالى للماكرين عذابًا مفاجئًا غير محدد بشكل ولا مكان أو زمان.

قال تعالى: {أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ} [النحل:45] .

عاشرًا: النأي بالنفس عن الظلم: فالسعي إلى تجاوز حدود الله ومخالفة ما شرعه من العدل يوجب العذاب الذي لا منجاة منه.

قال تعالى: {وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ} [الأعراف:165] .

وأما النمط الآخر من العذاب فهو الصادر عن الإنسان في حق الإنسان، ويكون على قسمين:

عذاب بهدف إقامة حدود الله: وهو ما يتم تنفيذه بالزناة مثلًا.

قال تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النور:2] .

وتكون النجاة من هذا العذاب بصون النفس عن ارتكاب الكبائر.

وعذاب بهدف التجبر والهيمنة: وهو ما يصدر عن الطغاة والجبابرة بحق المستضعفين من الناس، ولا منجاة منه إلا بالإيمان بالله تعالى والتوكل عليه والدعاء إليه بالخلاص، ولا أدل على هذا القسم من العذاب من قصة فرعون واضطهاده لبني إسرائيل وإنزال أنواع العذاب فيهم، فلم يكن الله لينجيهم من ظلمه وجبروته إلا بعد أن آمنوا لموسى وهارون (عليهما السلام) .

قال تعالى: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ} [البقرة:49] .

أما وجوه العذاب فقد حدها بعض علماء التفسير في عشرة وجوه هي: الحد في الزنا، المسخ، هلاك المال الغرق، القذف والخسف، الجوع، القتل، الضرب المؤلم، نتف الريش، تعب الخدمة 80.

يتبين لنا من خلال ما تقدم أن نعم الله تعالى التي لا تعد ولا تحصى توجب علينا شكرها، فما من منعم سواه إن أمسك علينا نعمه.

قال تعالى: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} [النحل:53] .

فبالشكر تدوم النعم ويدرأ العذاب، فالله تعالى ما كان ليجتبي نبيه إبراهيم صلى الله عليه وسلم ويهديه لولا أنه كان شاكرًا لأنعمه، أما من يكفر بها فليس له من الله من عاصم.

قال تعالى: {وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [البقرة:211] .

فواجب إذن على كل مسلم ومسلمة أن يتذكر نعمة الله عليه، ولا يجحدها كما جحد بها بنو إسرائيل ويستحضر موارد النجاة التي أنقذه منها، فيخشاه ويتقيه حق تقاته.

ثانيًا: المنجى منه في الآخرة:

الموت أول مراحل الآخرة والقبر أول منازلها، والموت هو المخلوق الذي قهر الله به عباده، والحقيقة الثابتة التي يقر بها الخلق جميعًا سواء من آمن منهم بالله واليوم الآخر أم غير المؤمنين، فهو أمر محسوس ومدرك لا يحتاج الاعتقاد بحقيقته إلى إثبات أو برهان يؤكد وجوده، وليس أمره بمقتصر على فئة من الخلق دون أخرى بل هو قضاء إلهي عادل يتساوى فيه الخلق جميعًا.

قال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} [آل عمران:185] .

فالإنسان إذا مات انقطع عمله وقامت قيامته وبدأت مسيرة حسابه ليوفى أجره بما عمل، فإما إلى سعادة أو إلى شقاء وعمله هو رفيقه الذي يسوقه إلى ما يستحقه من مثوى، وهو الشاهد على ما قدمته يداه، فإذا صلح كان طوق النجاة الذي يدرأ عنه العذاب ويزحزحه عن النار ويدخله الجنة، وأما إذا فسد فقد خسر خسرانًا مبينا فالمفسدون لن ينجوا بما فسد من أعمالهم وقد أحبطها الله وأخزاهم بها، بل سيدورون يبحثون عن ما ينجيهم من العذاب فمرة تتعلق آمالهم بالناجين من المؤمنين فيقولون لهم: {انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ} [الحديد:13] .

ومرة يتعلقون برغباتهم اليائسة كتمني الافتداء: {يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (13) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ} [المعارج:11 - 14] .

ومرة يبحثون عن شفعاء أو يسألون العودة إلى الحياة ثانية للتزود بالعمل الصالح {فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ} [الأعراف:53] .

وفي كل الأحوال تبقى هذه الآمال مستحيلة التحقق، لقوله تعالى: {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} [الأنعام:158] .

فالإيمان بالله والعمل الصالح في الحياة الدنيا هما مفتاح النجاة من أهوال الآخرة التي سنقف عندها في هذا المبحث لنفصل القول في أحوالها وسبل النجاة منها كما هي واردة في آيات الذكر الحكيم.

كثر الخلاف في مسألة عذاب القبر، ولا زال من الناس من تساورهم الشكوك في حقيقته أو الكيفية التي يكون عليها؛ لأن الله سبحانه قصر العلم بأمور الآخرة على نفسه، وحجبه عن إدراك المكلفين بأمور الدنيا، وإذ لم يعد أحد من الموت ليخبر الأحياء بما نزل به من العذاب في قبره، فقد ظل هذا الأمر مثار جدل طويل حتى حسم بعضهم أمره بالقول: إن «عذاب القبر حق لا ينكره إلا ضال أو مضل» 81.

قيل: «ومما ينبغي أن يعلم أن عذاب القبر هو عذاب البرزخ فكل من مات وهو مستحق للعذاب ناله نصيبه منه قبر أم لم يقبر» 82.

وليس عذاب القبر بمقصور على «الكافرين ولا موقوفًا على المنافقين بل يشاركهم فيه طائفة من المؤمنين، وكل على حاله من عمله، وما استوجبه بخطيئته وزلله» 83.

أما الناجون من العذاب فقليل، فإذا تأملنا ظواهر القبور وجدناها ترابًا ولكن في بواطنها الدواهي والحسرات تغلي كما تغلي القدور بما فيها 84.

ويذكر لنا ابن القيم جملة من الأسباب التي يعذب بها أصحاب القبور وقد حصرها في وجهين: «مجمل ومفصل: أما المجمل فإنهم يعذبون على جهلهم بالله، وإضاعتهم لأمره، وارتكابهم لمعاصيه فلا يعذب الله روحًا عرفته وأحبته، وامتثلت أمره واجتنبت نهيه، ولا بدنًا كانت فيه أبدًا، فإن عذاب القبر وعذاب الآخرة أثر غضب الله وسخطه على عبده، فمن أغضب الله وأسخطه في هذه الدار ثم لم يتب ومات على ذلك كان له من عذاب البرزخ بقدر غضب الله وسخطه عليه» 85.

وأما المفصل فالأخبار والأحاديث كثيرة في شأنه، ومن أسبابه: الزنا والكذب وأكل الربا والنوم عن الصلاة المكتوبة وهجر القرآن والدين وحبس الحيوان وتعذيبه واللواط والنياحة على الميت والغلول في الغنيمة والسرقة والإفطار المتعمد والنميمة والغيبة. وقد ركزت آيات الله البينات على أربعة أسباب موجبة لعذاب القبر إذا اجتنبها العبد فاز بالنجاة في حياته البرزخية، والأسباب هي:

أولًا: الظلم: وفي ذلك يقول الله تعالى: (وَلَوْ تَرَى? إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ ? الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ) [الأنعام:93] .

وفي موضع آخر يذكر آل فرعون، وهم الذين وصفهم في أكثر من آية بالقوم الظالمين، فيصور ما هم عليه من عذاب القبر بقوله: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا ? وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:46] .

وفي موضع ثالث يشير إليه بأنه عذاب أدنى من عذاب الآخرة قال تعالى: (وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَ?لِكَ وَلَ?كِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) [الطور:47] .

فقد «اختلف أهل التأويل في العذاب الذي توعد الله به هؤلاء الظلمة ... فقال بعضهم: هو عذاب القبر» 86.

ثانيًا: النفاق: ليس على الإسلام من هو أخطر من المنافقين، لذا أعد الله تعالى لهم عذابين في الدنيا والآخرة مضافًا إليهما عذاب ثالث هو عذاب القبر المشار إليه في قوله: (وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ) [التوبة:101] .

ثالثًا: الفسق: وجعل من ذلك ما ذكره الله تعالى في كتابه الكريم في شأن عذابهم الأدنى من قوله: (وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ ? كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ?20?وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى? دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ?21?) [السجدة:20 - 21] .

رابعًا: الإعراض عن ذكر الله تعالى: وقد جعل المفسرون من ذلك قوله:. وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى?) [طه:124] .

فعن أبي سعيد الخدري: «قال في قول الله: (مَعِيشَةً ضَنْكًا) قال: عذاب القبر» 87.

وتتحقق نجاة الإنسان من عذاب القبر باجتناب ما تم عرضه من الأسباب التي تقتضي عذاب القبر 88 وبمواصلة الذكر والاستغفار والتوبة إلى الله تعالى، وبالمفصل يكون الخلاص من عذاب القبر بالالتزام بالآتي:

أولًا: التوحيد: فمن عرف الله حق معرفته في حياته، فسيثبته الله على ذلك النهج في آخرته، وقد استدل على ذلك بقوله تعالى: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ?) [إبراهيم:27] .

قيل: إنها «نزلت في عذاب القبر، يقال: من ربك؟ فيقول: ربي الله وديني دين محمد» 89.

ثانيًا: الاستقامة على طاعة الله عز وجل: قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ) [فصلت:30] .

ثالثًا: الشهادة في سبيل الله: فللشهيد منزلة عظمى عند الله تعالى، وقد كتب له الخلود واستمرار الحياة ولم يعده في الأموات.

قال تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ? بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ?169?فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ?170?) [آل عمران:169 - 170] .

وقال في موضع آخر: (وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ? بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَ?كِن لَّا تَشْعُرُونَ) [البقرة:154] .

فسبحان الذي ميز بينها وبين أرواح الموتى، فحري بأبدانهم إذن أن تتمايز هي أيضًا في قبورها، فيسأل من مات حتف أنفه ويعذب بذنوبه، أما من «أظهر صدق ما في ضميره حيث برز للحرب والقتل، فلماذا يعاد عليه السؤال في القبر؟» 90.

قال تعالى: (لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَ?ذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) [الأنبياء:103] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت