فهرس الكتاب

الصفحة 2234 من 2431

فبعد هذا كله يوجّه الله سبحانه خطابه إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأن لا يكون من الشاكّين في صحة الإسلام، وأنه الدين الحق الذي يأبى الله إلا أن يظهره على الدين كله، ولو كره المشركون.

قال تعالى: {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (94) } [يونس:94] .

وقوله: {فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} نفسًا وعملًا، وهذا كله من باب التهييج والتثبيت، وقطع أطماع المشركين عنه، وقيل: «المراد ممن عنده شك وارتياب، وقد كان الناس في أول عصر النبي صلى الله عليه وسلم على ثلاث فرق: مصدّقين، ومنكرين، ومتوقفين، فخاطبهم الله تعالى بهذا الخطاب» 24.

ومن الآيات الدالة على خسارة الكافرين المكذّبين بآيات الله، قوله تعالى: {لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (63) } [الزمر:63] .

3.التكذيب برسل الله.

إن التصديق برسل الله والإيمان بهم جميعًا هو ركن من أركان الإيمان، والتكذيب بهم ينفي الإيمان.

قال تعالى: {يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (30) } [يس:30] .

وقال أيضًا: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (66) } [التوبة:65 - 66] .

فكل من وقع في الاستهزاء برسل الله وكذبهم في رسالتهم، لا شك أنه سيخسر خسرانًا مبينًا بدخول جهنم، وبئس المصير.

قال تعالى: {ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (106) } [الكهف:106] .

وقد ذكر الله ذلك الخسران لهؤلاء المستهزئين بشكل واضح وصريح في قوله تعالى: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (10) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11) قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (12) } [الأنعام:10 - 12] .

يخبر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم عن أهل الكفر الذين كثيرًا ما سخروا من قبل بالرسل السابقين، وهذا من باب التسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، لما كان فيه من بلاء وابتلاء، فقد ابتلي من المشركين بالإنكار والمعاندة، وطلب الآيات المعجزات، ولا يقصدون بذلك إلا المهاترة، وقد سبق إنكارهم كلّ دليل يساق إليهم، فابتلى الله النبي صلى الله عليه وسلم باستهزائهم والسخرية منه، وقد أكد الله سبحانه وتعالى الاستهزاء بالرسل بـ (قد) وبـ (اللام) في قوله: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ} .

وبسبب هذا الاستهزاء نزل ما نزل من عذاب بأمر الله، وبأيدي المؤمنين حيث أحاط بهم الأثر المؤلم بسبب سخريتهم 25.

«ثم يأمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهؤلاء المستهزئين: سافروا في الأرض، وانظروا آثار من كان قبلكم لتعرفوا ما حل بهم من العقوبات، وكيف كانت عاقبتهم بعد ما كانوا فيه من النعيم العظيم الذي يفوق ما أنتم فيه، فهذه ديارهم خاربة، وجناتهم مغبرة، وأراضيهم مكفهرة، فإن كانت عاقبتهم هذه العاقبة فأنتم بهم لاحقون، وبعد هلاكهم هالكون» 26.

وقوله: {الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} .

جعل الله الكفر في هذه الآية نتيجة للخسران، فالخسران بدايته، والكفر نهايته، أو هما متلازمان، فالخسران سابق ولاحق؛ لأنه يترتب على الكفر خسران متضافر.

والخسران الذي يسبق الكفر، هو خسران الفطرة، فلا يكفر بالدليل القاطع إلا بخسران فطرته، وخسران الإدراك السليم، وخسروا عقولهم إذ سيطرت الأوهام عليهم، وخسروا نفوسهم فصارت معوجة، وخسروا قلوبهم فصارت مظلمة، وإذا كانت كل مداركهم قد سدّت فهم لا يؤمنون؛ لأن الإيمان يحتاج إلى قلب مخلص، وعقل مدرك، وإذعان للحق إذا بدت معالمه، وظهرت أماراته.

{فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} عبر بالمضارع للإشارة إلى أنهم لا يكون الإيمان شأنًا من شئونهم على الدوام؛ ذلك لأن من امتلأت نفسه بالأوهام، وصارت عشًّا لها، وضلت عقولهم لا يمكن أن تذعن لشيء، بل هي دائمًا مضطربة حائرة تنتقل من ضلال إلى ضلال 27.

4.التكذيب بالبعث.

يؤمن المسلم بأن لهذه الحياة الدنيا ساعة أخيرة تنتهي فيها، ويومًا آخرًا ليس بعده من يوم، ثم تأتي الحياة الثانية في الدار الآخرة، فيبعث الله سبحانه الخلائق بعثًا، ويحشرهم إليه جميعًا ليحاسبهم، فيجزي الأبرار بالنعيم المقيم في الجنة، ويجزي الفجّار بالعذاب المهين في النار 28.

ولكن هناك من ينكر البعث، ويكفر به، معتقدًا أن الحياة الدنيا هي الحياة الباقية، ولا حياة أخرى بعدها.

قال تعالى: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (7) } [التغابن:7] .

إنهم أخطأوا فيما اعتقدوه؛ لأن الأدلة والبراهين تثبت بأن هناك حياة أخرى، يحاسب الإنسان فيها على أعماله في الحياة الدنيا، وأنها هي الحياة الباقية الدائمة بعد الحياة الزائلة؛ لقوله تعالى: {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (1) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (2) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (3) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (4) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (5) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (6) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8) } [الزلزلة:1 - 8] .

ومن أصر على كفره وجحوده بالبعث فقد خسر خسرانًا مبينًا.

قال تعالى: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (31) } [الأنعام:31] .

تصور لنا هذه الآية مشهدًا من مشاهد يوم القيامة للكافرين الذين يكذبون باليوم الآخر، وينكرونه، ألا وهو يوم الحساب والجزاء، وبهذا خسروا كل ما ربحه المؤمنون من فوز وثواب لتفريطهم في طاعة الله وعمل الخير؛ فكانوا كالحيوان الذي يعيش ليأكل وليس له غاية أسمى وأعظم من ذلك، فيفقد كل المعنويات العالية، ولأنه يرتع في الشهوات الموبقة؛ ولأنه يكون في تناحر مستمر، إذ لا يخشى الله ولا يرهب عقابه، وأخيرًا يخسر رضوان الله وجنته، ويتلقى العذاب الذي يقع عليه يوم تقوم الساعة 29.

«وقد وصفوا بالخسران؛ لأنهم باعوا الإيمان بالكفر، فعظم خسرانهم في ذلك البيع» 30.

وقوله: {حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً} أي: حتى فوجئ الكافرون بالساعة، أي: الوقت الذي تقوم فيه القيامة، والتي لا يعلم أحد مجيئها غيره سبحانه وتعالى.

فإن قيل: الساعة تجئ من غير علم بوقتها للجميع، فكيف تكون بغتة للذين كذبوا بلقاء الله دون غيرهم.

الجواب على ذلك: إن الذين آمنوا بلقاء الله تعالى يتوقعونها، وإن لم يعلموا بوقتها، أما الذين كذّبوا فهم يكفرون بها فيفاجئون بها، وإن الذين آمنوا يرجون لقاء ربهم، ويرجون رحمته، وأما الذين كفروا بلقاء الله تعالى فلا رجاء عندهم.

وقد عبّر عن قيام الساعة واليوم الآخر بلقاء الله تعالى، تشريفًا لذلك اليوم، وفيه ترغيب في الإيمان باللقاء، وترهيب من تكذيبه، وسميت القيامة ساعة؛ لأنها تحمل أشد الأهوال؛ ولأنها فاصلة بين نوعين من الحياة، حياة فانية وأخرى باقية، حياة عمل، وحياة جزاء 31.

وقيل: «لأنها تفاجئ الناس بغتة في ساعة لا يعلمها أحد إلا هو تعالى» 32.

{قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا} يعني: منكري البعث، وهم كفار قريش، ومن سلك سبيلهم في الكفر والاعتقاد، فقالوا: يا ندامتنا ويا حسرتنا على ما قصرنا في الحياة الدنيا؛ إذ لم نكتسب من الاعتقادات والأخلاق والأعمال ما ينجينا، أو على ما فرطنا في شأنها، ومراعاة حقها، والاستعداد لها، بالإيمان بها، واكتساب الأعمال الصالحة، وعلى ما فاتنا من تهذيب الأخلاق المهيئة للسباق، ولا خسران أعظم من هذا» 33.

ثالثًا: فعل المحرمات:

حذّرنا الله سبحانه وتعالى من ارتكاب المحرمات وفعلها، وذلك كالزنا وشرب الخمر واللواط والقتل والربا؛ لأنها سبب في خسران الإنسان لدنياه وآخرته، وفي نيل غضب الله وسخطه، فلابد من إبرازها وتوضيحها لأخذ الحيطة والحذر من الوقوع فيها؛ وذلك لأجل النجاة يوم القيامة من عذاب الله، والفوز برضوانه والجنة.

وسوف نورد -إن شاء الله- بعضًا من هذه المحرمات بصورة مختصرة وبيان الخسران المترتب على فعلها وارتكابها.

1.قتل النفس.

إن الإسلام حفظ للنفس الإنسانية حرمتها، إذ أعلى من شأن الإنسان لمجرد آدميته، فقال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء:70] .

وعلى قدر ما أعلى الإسلام من قدر الإنسان، فإنه اشتد في النكير على من يعتدي على حياته بغير حق، فجعل الله قتل النفس الواحدة بمثابة قتل الناس جميعًا؛ لقوله تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32) } [المائدة:32] .

ولم يأت القرآن بوعيد أشد من الوعيد الذي أنذر به قاتل النفس المؤمنة، فقال تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (93) } [النساء:93] .

ولقد جاءت السنة النبوية بأحاديث عديدة، ترفع من شأن النفس البشرية، وفيها من الكشف عن فظاعة العدوان على الدماء البريئة ما يريع المشاعر، ويقرع القلوب قرعًا، حتى اعتبرت أن الدنيا كلها أهون عند الله من قتل نفس إنسانية، تقتل بغيًا بغير حق، عن عبدالله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم بغير حق) 34.

قال تعالى: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (140) } [الأنعام:140] .

فهذه الآية تبين لنا الخسارة التي ينالها الإنسان في الدنيا والآخرة لكونه ارتكب جريمة شنعاء، ألا وهي قتل الأولاد بغير ذنب، وهي نفس حرم الله قتلها بغير حق.

يقول محمد رضا: «هذه الآية حكمت على مشركي العرب حكمًا حقًّا وعدلًا، وهو أنهم خسروا بقتل أولادهم وبوأد البنات، خسرانًا يستلزم خسران كلّ ما كان يرجى من فوائدهم من العزة والنصرة، والبر والصلة والفخر والزينة، والسرور والغبطة، كما يستلزم خسران الوالد القاتل لعاطفة الأبوة ورأفتها، وما يتبع ذلك من القسوة والغلظة والشراسة، وغير ذلك من مساوئ الأخلاق التي يضيق بها العيش في الدنيا، ويترتب عليها العقاب في الآخرة، ولذلك علّل هذا الجرم بسفه النفس، وهو اضطرابها وحماقتها، وبالجهل أي عدم العلم بما ينفع ويضر، وما يحسن ويقبح.

ثم بعد هذا بيّن أنهم حرّموا ما رزقهم الله من الطيبات، وهذا سفه وجهل أيضًا ... ثم بيّن نتيجة الأمرين؛ بأنهم قد ضلوا فيهما وما كانوا مهتدين إلى شيء من الحق والصواب من طريق العقل ولا من طريق الشرع، ولا من منافع الدنيا، ولا من سعادة الآخرة» 35.

وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن عكرمة في الآية أعلاه قال: «نزلت فيمن كان يئد البنات من مضرٍ وربيعة، كان الرجل يشترط على امرأته أنك تئدين جارية (أي: بنتًا) ، وتستحيين (أي: تبقين) أخرى، فإذا كانت الجارية التي توأد غدا من عند أهله أو راح وقال: أنت عليّ كأمي (أي: محرمة) إن رجعت إليك ولم تئديها، فترسل إلى نسوتها فيحفرن لها حفرة فيتداولنها بينهن، فإذا بصرن به مقبلًا دسسنها في حفرتها، وسوّين عليها التراب (أي: وهي حية) ، وهذا هو الوأد» 36.

وقيل: هؤلاء الذين صنعوا هذه الأفاعيل قد خسروا في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا: فخسروا أنفسهم وأولادهم بقتلهم، وضيقوا عليهم في أموالهم، فحرموا أشياء ابتدعوها من تلقاء أنفسهم، وخسروا عقولهم، وأزواجهم، وخسروا الكرامة التي جعلها الله لهم بإطلاقهم من العبودية لغيره، وأسلموا أنفسهم لربوبية العبيد؛ حين أسلموها لحاكمية العبيد، أما في الآخرة، فيصيرون إلى شر المنازل بكذبهم على الله وافترائهم 37.

ومعلوم عن المؤمن أنه يسمع ويطيع أوامر الله جميعًا بدون جدال ولا تهاون؛ لأنه أحرص ما يكون على مضاعفة حسناته وتكثيرها؛ لأنها السبيل إلى دخول الجنة والنجاة من النار، أما غيره فهو متهاون في الاستجابة لأوامر الله، وبالتالي تخف موازين حسناته، وذلك مدعاة إلى أن يخسر آخرته، ويبوء بسخط الله وعذابه، وذلك هو الخسران المبين؛ لقوله تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (80) } [النساء:80] .

وقد بيّن الله في كتابه العزيز الخسران المبين لمن لا يستجيب لأوامره في قوله تعالى: {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27) } [البقرة:27] .

{وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ الْأَرْضِ} : والفساد في الأرض ألوان شتى، تنبع كلها من الفسوق عن كلمة الله، ونقض عهد الله، وقطع ما أمر الله به أن يوصل.

ورأس الفساد في الأرض هو الابتعاد عن منهجه الذي اختاره ليحكم حياة البشر ويصرفها، وإن الهدم والشر والفساد حصيلة الفسوق عن طريق الله، ومن ثم يستحق أهله أن يضلهم الله بما يهدي به عباده المؤمنين 38.

{أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} : أي: الهالكون، بحرمان الله إياهم من رحمته لكفرهم ومعصيتهم إياه وارتكاب ما نهى عنه 39.

ذكر الرازي في كتابه: «أن معنى {أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} أي: في تجارتهم حيث باعوا الشريف الباقي بالخسيس الفاني، وقيل: هم الخاسرون في إنكار ما قال به رسول الله صلى الله عليه وسلم من التوحيد والبعث» 40.

2.الإلتهاء بالأموال والأولاد عن ذكر الله.

وأما بالنسبة للأولاد، فالله يمنح الإنسان أولادًا ليكونوا له زينة في الحياة الدنيا.

قال تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (46) } [الكهف:46] .

قال ابن تيمية: «وما كان ملهيًا وشاغلًا عما أمر الله تعالى به من ذكره والصلاة له فهو منهي عنه، وإن لم يكن جنسه محرمًا: كالبيع، والعمل في التجارة، وغير ذلك» 41.

والأموال والأولاد ملهاة ومشغلة إذا لم يستيقظ القلب، ويدرك غاية وجوده، ويشعر أن له هدفًا أعلى يليق بالمخلوق الذي نفخ الله فيه من روحه، فأودع روحه الشوق إلى تحقيق بعض صفاته الإلهية في حدود طاقته البشرية، وقد منحه الأموال والأولاد ليقوم بالخلافة في الأرض لا لتلهيه عن ذكر الله، وذكر الأموال والأولاد في الآية؛ لأنها أرغب الأشياء، وإن ألهته عن ذكر الله {أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} أي: خسروا آخرتهم وفضلوا دنياهم عليها، فضلوا الدنيا، وهي العاجلة الفانية على الآخرة، وهي الآجلة الباقية، خسروا كل شيء، مهما يملك من أموال ومن أولاد 42.

وقال تعالى: {قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (21) } [نوح:21] .

إذًا لا فائدة من كثرة الأموال والأولاد؛ لأنها لن تغني الإنسان من الله شيئًا ومن عذابه وخسرانه في الدنيا والآخرة؛ لقوله تعالى: {لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (17) } [المجادلة:17] .

الأصل في المؤمن أنه وقّاف عند حدود الله، فلا يحلّ إلا ما أحلّ الله، ولا يحرّم إلا ما حرّم الله، لكن إن تنكب الطريق، وسار في درب معوج، فوقع في محارم الله، وتنكر لما شرع الله افتراءً على الله، فهؤلاء قد باءوا بسخط من الله؛ لأنهم ضلّوا الطريق إلى الله، فيخسروا أعمالهم في الدنيا والآخرة خسارة تقودهم إلى جهنم وبئس المصير.

3.الصد عن سبيل الله.

وهذه مشكلة واقعية قديمًا وحديثًا، وإن أعداء هذا الدين، يتربصون الدوائر بالإسلام والمسلمين، ويترصدون المسلمين في كل مكان؛ ليصدوهم ويفتنوهم عن دين الله، فبدأ هذا الصراع منذ بدء الخليقة، ومع كل الأنبياء، واستمر عبر العصور والأجيال حتى يومنا هذا، فهذه إذن طبيعة الدعوات وطريق النبوات 43.

قال تعالى: {الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (19) أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (20) أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (21) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (22) } [هود:19 - 22] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت