فهرس الكتاب

الصفحة 1241 من 2431

أي: فإن كنتم صادقين فأتوا بعشر سور مثله مفتريات.

المرحلة الثالثة: ثم تحداهم بسورة، فقال تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [يونس: 38] .

أي: إن شككتم في أن هذا من عند الله، وقلتم كذبًا: «إن هذا من عند محمد» ، فمحمد بشر مثلكم، وقد جاء فيما زعمتم بهذا القرآن، فأتوا أنتم بسورة مثله، أي: من جنس القرآن، واستعينوا على ذلك بكل من قدرتم عليه من إنس وجان، ولفظ سورةٍ هنا يشمل القصيرة والطويلة.

وكذا في سورة البقرة تحداهم بسورة منه، وأخبر أنهم لا يستطيعون ذلك أبدًا، فقال: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة: 23 - 24] .

هذا وقد كانت الفصاحة من سجاياهم؛ وأشعارهم ومعلقاتهم إليها المنتهى في هذا الباب، ولكن جاءهم من الله ما لا قبل لأحد به، ولهذا آمن من آمن منهم بما عرف من بلاغة هذا الكلام وحلاوته، وجزالته وطلاوته، وإفادته وبراعته، فكانوا أعلم الناس به، وأفهمهم له، وأتبعهم له وأشدهم له انقيادًا 52.

وهنا تساؤل: لم قال في سورة البقرة: {مِنْ مِثْلِهِ} وقال في سورة يونس: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ} ؟

والجواب: أن محمدًا صلى الله عليه وسلم كان رجلًا أميًا، لم يتعلم على أحد، ولم يطالع كتابًا، فقال في سورة البقرة {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} يعني: فليأت إنسان يساوي محمدًا صلى الله عليه وسلم في أميته بسورة تساوي هذه السورة، وحيث ظهر العجز ظهر المعجز.

فهذا لا يدل على أن السورة في نفسها معجزة، ولكنه يدل على أن ظهور مثل هذه السورة من إنسان مثل محمد صلى الله عليه وسلم في أميته معجز، ثم إنه تعالى بين في سورة يونس أن تلك السورة في نفسها معجز، فإن الخلق وإن تعلموا وطالعوا وتفكروا فإنه لا يمكنهم الإتيان بمعارضة سورة واحدة من هذه السور، فلا جرم قال تعالى في هذه الآية: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ} ولا شك أن هذا ترتيب عجيب في باب التحدي وإظهار المعجز 53.

وعن جهاده صلى الله عليه وسلم في دحض افتراءات المفترين: قال الفضيل بن عياض رحمه الله: فلم يزل يقرعهم النبي صلى الله عليه وسلم أشد التقريع ويوبخهم غاية التوبيخ ويسفه أحلامهم، ويحط أعلامهم، وهم في كل هذا ناكصون عن معارضته، محجمون عن مماثلته، يخادعون أنفسهم بالتكذيب والإغراء بالافتراء 54.

ثالثًا: بيان تناقضهم في الاتهام والأقوال:

أخبر سبحانه عن تناقض أقوال المشركين، ولقن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بـ (قل) التلقينية، فقال: قل لهؤلاء: هل حرم الله الذكرين من الغنم؟ فإن قالوا: نعم، فقد كذبوا في ذلك؛ لأنهم لا يحرمون كل ذكر من الضأن والمعز، وقل لهم: هل حرم الله الأنثيين من الغنم؟ فإن قالوا: نعم، فقد كذبوا أيضًا؛ لأنهم لا يحرمون كل أنثى من ولد الضأن والمعز.

وقل لهم: هل حرم الله ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين من الضأن والمعز من الحمل؟ فإن قالوا: نعم، فقد كذبوا أيضًا؛ لأنهم لا يحرمون كل حمل من ذلك، خبروني بعلم يدل على صحة ما ذهبتم إليه، إن كنتم صادقين فيما تنسبونه إلى ربكم.

قال تعالى: ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت