وما أحقر المنافقين: يعيشون بين المؤمنين، وينعمون بحمايتهم، وتبادل المنافع معهم، وهم يودون لهم الشر والهلاك. تخلفوا عن الحديبية ثم جاؤوا بأعذار كاذبة، وطلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يستغفر لهم؛ لكن القرآن كان أسرع في تنزله؛ إذ راحت آياته تفضحهم وتبين مخازيهم: {بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (12) } [الفتح: 12] .
إنهم تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وظنوا أن أهل مكة سيقتلون محمدًا وصحبه، ويستأصلون شأفتهم، ويبيدون خضراءهم؛ فلا يرجع منهم مخبر حتى كانوا يقولون: إن محمدًا وأصحابه أكلة رأسٍ لا يرجعون. وذلك كناية عن القلة، أي: يشبعهم رأس بعير من قلتهم، فما هم بالنسبة لقريش والأحابيش وكنانة ومن في حلفهم؟! 106. هكذا ظنوا وتمنوا ولكن الله خيب ظنهم، ونكس أمانيهم فعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية سالمًا مظفرًا، وقد فات المنافقين شرف صحبته، وفضل بيعة الرضوان.
وفي قوله عز وجل: {وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (57) } [القصص:57] .
يخبر تعالى أنّ المكذبين من قريش وأهل مكة يقولون للرسول صلى الله عليه وسلم: {إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا} بالقتل والأسر ونهب الأموال، فإن الناس قد عادوك وخالفوك، فلو تابعناك لتعرضنا لمعاداة الناس كلهم، ولم يكن لنا بهم طاقة. وهذا الكلام منهم يدل على سوء الظن باللّه تعالى، وأنه لا ينصر دينه، ولا يعلي كلمته، بل يمكن الناس من أهل دينه، فيسومونهم سوء العذاب، وظنوا أن الباطل سيعلو على الحق 107. ولقد نهى سبحانه عن هذا الظن والحسبان فقال: {فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (47) } [إبراهيم: 47] .
ورد على من كان يظن أن الله لا ينصر رسوله، وأن دينه سيضمحل بقوله: {مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (15) } [الحج:15] .
وهذه الآية الكريمة فيها من الوعد والبشارة بنصر الله لدينه ولرسوله وعباده المؤمنين ما لا يخفى، ومن تأييس الكافرين الذين يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم 108.
قال ابن كثير رحمه الله: «من ظن أن الله ليس بناصر محمدًا وكتابه ودينه، فليذهب فليقتل نفسه إن كان ذلك غائظه؛ فإن الله ناصره لا محالة، {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (52) } [غافر:51 - 52] 109.
إن الظن السيئ بالله هو نتاج قلب فاسد جاهل به سبحانه وأسمائه وصفاته، خالٍ من ذكر الله وتعظيمه. وهكذا كان حال المنافقين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يتعلقون بأي شيء فيه إضعاف للحق، وإرجاف بين المؤمنين؛ رجاء أن يزول هذا الحق الذي لا يريدونه، وتكررت منهم الظنون السيئة في مواقف كثيرة، سجل القرآن منها ظنونهم في أحدٍ والأحزاب والحديبية، واستمر المنافقون منذ ذلك الوقت إلى اليوم على هذا المنهج الفاسد، تدفعهم إليه قلوبهم المريضة.
ومع بالغ الأسف فإن كثيرًا من المسلمين يقعون في الظن الفاسد الذي هو من خصال المنافقين من حيث لا يعلمون، فقد ينظر بعض المسلمين إلى أحوال الأمة الإسلامية، وما أصابها من الضعف والهوان؛ فيصيبه اليأس من صلاح أحوالها؛ فيقعد عن العلم والدعوة، ويتخلف عن الخير والصلاح. يظن ظنًّا سيئًا أنه لا صلاح يرجى، ولا خير ينتظر. ويبصر البعض الآخر الكفار وما يملكون من أسلحة متطورة، وصناعة متقدمة، وقوة ضاربة، ويقارن ذلك بأحوال المسلمين، الذين يقتلون ويشردون ويمنعون أبسط الحقوق الضرورية للعيش على الأرض!! فلربما يقدح الشيطان في قلوبهم أن تلك القوة عند الكفار دليل على الحق، وأن ذلك الضعف عند المسلمين دليل على الباطل، فيطلقون لأنفسهم العنان في هذه الأوهام الفاسدة، والظنون السيئة؛ حتى ربما خرجوا من الإسلام وهم لا يشعرون.
خامسًا: عدم علم الله لما يسرون:
قد أنكر الله في كتابه من ظن ذلك الظن، فقال سبحانه: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (80) } [الزخرف:80] .
ويقول عز من قائل: {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (22) } [فصلت:22] .
وسبب نزول الآية كما ذكر ابن مسعودٍ رضي الله عنه قال: اجتمع عند البيت ثلاثة نفرٍ: قرشيّان وثقفيٌّ أو ثقفيّان وقرشيٌّ، قليلٌ فقه قلوبهم، كثيرٌ شحم بطونهم، فقال أحدهم: أترون اللّه يسمع ما نقول؟ وقال الآخر: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا! وقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا فهو يسمع إذا أخفينا، فأنزل اللّه عزّ وجل: {وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (22) } [فصلت:22] 110. أي: الخفيات من أعمالكم، وهذا الظن كفر وجهل بالله وسوء معتقد يؤدي إلى تكذيب الرسل والشك في علم الإله 111.
يقول ابن القيم رحمه الله في ذلك: «من ظن أنه سبحانه لا سمع له ولا بصر، ولا علم له ولا إرادة، وأنه لم يكلم أحدًا من الخلق ولا يتكلم أبدًا، وأنه ليس فوق سماواته على عرشه بائنًا من خلقه، أي بلا كيف، وكما وصف الله به نفسه، فقد ظن به أقبح الظن وأسوأه 112.
سادسًا: كذب الرسل:
إنّ من أسس العقيدة الإسلامية الإيمان بجميع الرسل والأنبياء عليهم السلام وبما جاؤا به من عند الله، فالمؤمنون يعتقدون إيمانًا راسخًا ثابتًا لا يتزعزع بالرسل والأنبياء عليهم السلام. وقد وصف القرآن الكريم إيمان المؤمنين حيث قال سبحانه: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) } [البقرة: 285] .
فما من نبي دعا قومه إلى الله إلا وجاءهم ببينّة على صدقه في دعواه من حجة عقلية وآية كونية. فمن شكّ أو ظنّ في صدق الرسل وبما جاؤوا به فقد أساء الظن بالله وبرسله إساءة تورده الهلاك في الدنيا والآخرة 113.
ولا يخفى ما حلّ بالأقوام السابقة من العذاب العظيم حينما أساءوا الظن برسلهم وشكوا بهم فكذبوهم. فمن قوم نوح عليه السلام من كذب وشك فيما فضّله الله به عليهم، يقول الله عز وجل مخبرًا عنهم: {فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (27) } [هود:27] .
وقال سبحانه عن قوم هود: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (66) } [الأعراف:66] .
قد تشابهت أقوال قوم هود وأقوال قوم نوح في تكذيب الرّسل؛ لأنّ ضلالة المكذّبين متّحدة، وشبهاتهم متّحدة، كما قال عز وجل: {تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ} [البقرة:118] .
فكأنّهم لقّن بعضهم بعضًا كما قال تعالى: {أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (53) } [الذاريات:53] 114. وقال سبحانه عن قوم صالح عليه السلام: {قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (62) } [هود:62] .
ونجد أن قوم شعيب عليه السلام عندما دعاهم إلى الله ظنوه كاذبًا، ولم يقفوا عند ذلك بل طلبوا بأنفسهم العذاب إن كان صادقًا، فقالوا: {إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (185) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (186) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (187) } [الشعراء:185 - 187] .
وقوم موسى عليه السلام اختلفوا وشكّوا فيما جاءهم به {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (110) } [هود:110] .
ثمّ إنّ فرعون ظنّ أنه حين دانت له البلاد، وذلّ له العباد، استحق ما ليس له فقال: {فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24) } [النازعات: 24] ، فأخذه الله نكال الآخرة والأولى، وأراه الآيات العظام على يد موسى عليه السلام فكذب وعصى، وقال في حق موسى: {وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا} [غافر:37] .
وفي آية أخرى أراد أن يحقق ظنه فقال: {يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (38) } [القصص: 38] .
كذب موسى، وادّعى أنه إله، ونفى أن يكون له علم بالإله الحق، وفعل الأسباب ليتوصل إلى إله موسى، وكل هذا ترويج، ولكن العجب من هؤلاء الملأ، الذين يزعمون أنهم كبار المملكة، المدبرون لشئونها، كيف لعب هذا الرجل بعقولهم، واستخف أحلامهم، وهذا لفسقهم الذي صار صفة راسخة فيهم 115.
كثير من المسائل الفقهية ظنية: إما لخفاء الدليل، أو خفاء الدلالة؛ فليس كل مسألة في الفقه يقول بها الإنسان على سبيل اليقين أبدًا، بل بعضها يقين وبعضها ظن، والظن إذا تعذر اليقين مما أحل الله، ومن نعمة الله أنه إذا تعذر اليقين رجعنا إلى غلبة الظن، فليس كل ظن منكرًا، لكن الظن الذي ليس له أصل يبنى عليه منكر. فهؤلاء الذين سموا الملائكة تسمية الأنثى لا علم لهم بذلك بل هو ظن مبني على وهم، وربما يكون مبنيًا على أهواء، يعني لم يطرأ على بالهم أنهم إناث، ولكن تبعوا آباءهم، {وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (28) } [النجم:28] .
أي: هذا الظن المبني على الوهم لا على القرائن لا يغني من الحق شيئًا، أي لا يفيد شيئًا من الحق، لأنه وهم باطل، والوهم الباطل لا يمكن أن يفيد 116.
إن مسائل الشريعة التي لا يمكن الوصول فيها إلى درجة اليقين؛ لا بد فيها من الاستناد إلى الظن الغالب. والمقصود بالظن الغالب هنا هو الظن الذي يغلب الظنون الأخرى، فالظّن ضربٌ من أفعال القلوب، يحدث عند بعض الأمارات، وهو رجحان أحد طرفي التّجوّز، وإذا حدث عند أمارات غلبت وزادت بعض الزيادة، فظنّ صاحبه بعض ما تقتضيه تلك الأمارات، سمي ذلك: غلبة الظّن 117.
وهذا المعنى هو المصطلح عليه عند علماء أصول الدين وأصول الفقه. وهو العلم المستند إلى دليل راجح مع احتمال الخطأ احتمالًا ضعيفًا. وهذا الظن هو مناط التكليف بفروع الشريعة.
وغلبة الظن تنزل منزلة اليقين والعلم في الأحكام الشرعية، قال الشاطبي: «الحكم بغلبة الظن أصل في الأحكام «118 بل عدّ الجصّاص الاقتصار على غالب الظن وإجراء الحكم عليه واجب 119.
وإنما أجري الظن مجرى العلم؛ لأنّ الظن الغالب يقوم مقام العلم في العادات والأحكام؛ ولأنّ ما يدرك بالاجتهاد قلّما يخلو عن الوسواس والخواطر وهي تفضي إلى الظنون؛ فجاز إطلاق لفظ الظن عليها؛ لما لا يخلو عنه 120.
والمشهور من مذهب مالك أن الغالب مساوٍ للمحقق في الحكم 121. وقد دل على ذلك قوله تعالى في شأن المهاجرات: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ} [الممتحنة:10] .
ومعلوم أنه لا سبيل إلى العلم اليقيني بإيمانهن، وإنما المقصود حصول غلبة الظن بأنهن مؤمنات، وقد سمى الله حصول هذه الغلبة علمًا، وفي الصحيح من حديث أم سلمة مرفوعًا: «عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أنّه سمع خصومةً بباب حجرته فخرج إليهم، فقال: (إنّما أنا بشرٌ وإنّه يأتيني الخصم، فلعلّ بعضكم أن يكون أبلغ من بعضٍ، فأحسب أنّه صادقٌ فأقضي له بذلك، فمن قضيت له بحقّ مسلمٍ، فإنّما هي قطعةٌ من النّار فليأخذها، أو ليتركها) 122. فقوله: فأحسب أنه صادق دليل على العمل بالظن الغالب.
قال البيضاوي رحمه الله في تفسير قوله تعالى: {إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} [البقرة:230] «إن كان في ظنهما أنهما يقيمان ما حدده الله وشرعه من حقوق الزوجية. وتفسير الظن بالعلم هاهنا غير سديد؛ لأن عواقب الأمور (غيب) تظن ولا تعلم؛ ولأنه لا يقال: علمت أن يقوم زيد؛ لأن (أن الناصبة) للتوقع، وهو ينافي العلم 123.
ولعل البيضاوي أراد غلبة الظن بقوله: (في ظنهما) والذي هو دون العلم والله أعلم.
أولًا: آثار حسن الظن:
1.المبادرة بالتوبة إلى الله.
إذا أحسن العبد ظنه بربه؛ فإنه يسعى للمبادرة إلى طلب عفوه، ورحمته، ورجائه، ومغفرته، ليطرق بعد ذلك العبد باب ربه منطرحًا بين يديه، راجيًا مغفرته، تائبًا من معصيته مستحضرًا قول النّبي صلى الله عليه وسلم: (إنّ اللّه عزّ وجلّ يبسط يده باللّيل ليتوب مسيء النّهار، ويبسط يده بالنّهار ليتوب مسيء اللّيل حتّى تطلع الشّمس من مغربها) 124.
حسن الظن بالله من أقوى ما يدفع به القنوط؛ فالمؤمن حين يصيبه الغم والهم من ذنب اقترفه، يعلم بحسن ظنه أنه لا يغفر الذنوب إلا الله فيبادر بالتوبة، وهذا ماحصل للثلاثة الذين خلفوا؛ إذ يقول سبحانه عنهم: (وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى? إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ? إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) [التوبة:118] .
في قوله تعالى: (ا حَتَّى? إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ) (وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ) (وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِٹ) جاءت هذه الجمل في كنف (إذا) في غاية الحسن والترتيب. ذكر أولًا: ضيق الأرض عليهم وهو كناية عن استيحاشهم، ونبوة الناس عن كلامهم. وثانيًا: وضاقت عليهم أنفسهم وهو كناية عن تواتر الهم والغم على قلوبهم، حتى لم يكن فيها شيء من الانشراح والاتساع. فذكر أولًا ضيق المحل، ثم ثانيًا ضيق الحال فيه؛ لأنه قد يضيق المحل وتكون النفس منشرحة ... ثم ثالثًا: لما يئسوا من الخلق علقوا أمورهم بالله وانقطعوا إليه، وعلموا أنه لا يخلص من الشدة ولا يفرجها إلا هو تعالى 125. ولاشك أن نبي الله داود عليه السلام كان حسن الظن بالله تعالى حينما أيقن أنه سبحانه سيغفر له ذنبه، فبادر عليه السلام في الإنابة له والاستغفار، وفي ذلك يقول عز وجل: (? وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ) [ص:24] .
2.حسن العمل.
إنّ من أحسن الظن أحسن العمل. فنبي الله إبراهيم عليه السلام قد لاقى ما لاقى من أبيه ومع ذلك قال: (قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ ? سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ? إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا ?47?) [مريم:47] .
فقد أحسن الظن والعمل مع والده بقوله: (سَلَامٌ عَلَيْكَ ? سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي) فلم ييأس منه ويتركه. وأحسن الظن بربه حينما قال: (إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا) أي: لطيفًا، يجيب الدعاء. قال الحسن البصري رحمه الله: «إنّ المؤمن أحسن الظن بربه فأحسن العمل، وإن الفاجر أساء الظن بربه فأساء العمل» 126.
ونلحظ هذا الأثر في قوله سبحانه: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ? وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ?45?الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ?46?) [البقرة:45 - 46] .
ومن أحسن الظن بربه فأيقن صدق وعده، وتمام أمره، وما أخبر به من نصرة الدين والتمكين في الأرض للمؤمنين؛ اجتهد في العمل لهذا الدين العظيم، والدعوة إلى الله، والجهاد في سبيله بماله ونفسه 127. فالعبد إنّما يحمله على حسن العمل حسن ظنه بربه أن يجازيه على أعماله ويثيبه عليها ويتقبلها منه.
3.الشعور بالطمأنينة.
إنّ المؤمن حين يحسن الظن بربه لا يزال قلبه مطمئنًا ونفسه آمنة تغمرها سعادة الرضا بقضاء الله وقدره وخضوعه لربه سبحانه. فها هم المؤمنون بعد غزوة أحد أخذهم نوم مريح، وغلبهم نعاس هانئ ولذيذ، وهم في عدة الحرب، في الوقت الذي كان فيه المنافقون وضعاف الإيمان والجبناء يعانون من كابوس الأوهام والوساوس طوال الليل، ولم يذوقوا لذة النوم، فكانوا-من حيث لا يشعرون ولا يقصدون- يحرسون المؤمنين الحقيقيين الذين كانوا يستريحون في تلك النومة الطارئة اللذيذة -إن صح التعبير-، وإلى هذا كلّه يشير الكتاب العزيز في الآية الحاضرة إذ يقول سبحانه: (ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى? طَائِفَةً مِنْكُمْ ? وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ) [آل عمران:154] .
أجل، إنّ المنافقين والجبناء وضعاف النفوس والإيمان لم يزرهم النوم ولا حتى النعاس في تلك الليلة خوفًا على نفوسهم، وعلى أرواحهم، وجريًا وراء الوساوس الشيطانية، والمخاوف التي هي من طبيعة ولوازم النفاق وضعف اليقين ووهن الإيمان، بينما المؤمنون الصادقون يستريحون في ذلك النعاس اللذيذ، وتلك النومة الطارئة الهانئة، وهذا هو أحد آثار حسن الظن وثماره المهمة البارزة، فإن المؤمن يحظى بالراحة والطمأنينة حتّى في هذه الدنيا، على العكس من غير المؤمنين من الكفار أو المنافقين أو ضعاف الإيمان، فإنهم محرومون من الطمأنينة والراحة اللذيذة تلك.
وها هي هاجر زوج إبراهيم عليه السلام عندما تركها ووليدها إسماعيل في الصحراء لا أنيس ولا جليس، وقليل من الزاد ثم ولى عنها، نادته: لمن تتركنا هنا. فلم يرد عليها فقالت: آللّه الّذي أمرك بهذا؟، قال: نعم، فقالت: إذن لا يضيّعنا 128.
أحسنت الظن بالله فاطمأنت، فكان ما كان من أمر زمزم والبيت الحرام. فالعبد إذا أحسن الظن بالله فإنّ الاطمئنان والسكينة تعمران قلبه، وتنفيان كل دواعي الخوف والوجل من المخاليق الضعفاء الذين لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًّا فضلًا عن أن يملكوا شيئًا من ذلك لغيرهم، ويبقى مطمئنًا إلى حسن اختيار الله له، يستشرف رحمة ربه وخيره في كل ما يقضيه الله عليه؛ ولو ظهر في هذا المقضي من الشر والألم ما ظهر، فمن يدري؟! فلعل في طيات المحنة منحة ونعمة.
4.النجاة من الشدائد.
لن يجد المؤمن في أوقات الشدة مثل حسن الظن بالله؛ ينير له طريق الأمل والثبات والغلبة، فالذي يحسن الظن بربه-وخاصة في الملمات- يعلم أنه سبحانه لن يضيعه مهما طال الوقت، و بذلك لن يكون أمامه إلا الصبر ليظفر بالنصر. فهاهي الفئة التي آمنت مع طالوت أحسنت الظن بالله؛ فصبرت وأيقنت بأن الله معها؛ ففرج الله كربتها وانتصرت على عدوها: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249) } [البقرة:249] .
فثمرة حسن الظن بالله تجلّت في قوله سبحانه: {فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ} [البقرة:251] .
ويعقوب عليه السلام عندما اشتدت عليه الكربة قال: {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا} [يوسف:83] .