فهرس الكتاب

الصفحة 1055 من 2431

الجن

أولًا: المعنى اللغوي:

الجنّ بالكسر: اسم جنس جمعي، واحده جنّيّ، وهو مأخوذ من الاجتنان، وهو التستر والاستخفاء. وقد سمّوا بذلك لاجتنانهم من الناس فلا يرون، والجمع جنان، وهم الجنة.

ومنه المجن بالكسر: وهو الترس؛ لأن المقاتل يستتر به من الرامي والطاعن وغير ذلك. وكل شيء وقيت به نفسك واستترت به، فهو جنّة. ومنه قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (والصيام جنّة) 1. أي: وقاية؛ لأنه يقي صاحبه من المعاصي.

وعلى هذا فهم ضد الإنس؛ لأن الإنس سمي بذلك؛ لظهوره، وإدراك البصر إياه، فيقال: آنست الشيء: إذا أبصرته.

ويقال: لا جنّ بهذا الأمر: أي: لا خفاء به، ولا ستر.

قال الجوهري: الجنّ: خلاف الإنس، والواحد جنّيٌّ. يقال: سمّيت بذلك لأنّها تتّقى ولا ترى. وجنّ الرجل جنونًا، وأجّنّه الله، فهو مجنونٌ 2.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

عرّف مصطلح الجنّ خلق كثيرون، ومما ينبغي ذكره في هذا المقام هو ما ينسجم مع طبيعة الدراسة القرآنية، ومن هذه التعريفات:

ما ذكره البيضاوي بأنه: «أجسام عاقلة خفية، تغلب عليهم النارية أو الهوائية» 3.

وعرّفه الكفوي بأنه: «حيوانات هوائية تتشكل بأشكال مختلفة» 4.

وبالنظر إلى هذين التعريفين وغيرهما يمكن القول: إن مصطلح الجن هو: نوع من الأرواح العاقلة المريدة، المكلّفة على نحو ما عليه الإنسان، مجرّدون عن المادة، مستترون عن الحواس، لا يرون على طبيعتهم، ولا بصورتهم الحقيقية، ولهم قدرة على التشكل، يأكلون، ويشربون، ويتناكحون، ولهم ذرية، محاسبون على أعمالهم في الآخرة.

وهذا التعريف يعطي الصفات البارزة لهذا العالم الذي نجهل الكثير عن طبيعة حياته؛ لأنه غائب عن حواسنا، ومن ثمّ فإن الجن خلقٌ يغاير طبيعة البشر من حيث الشكل، وأصل المادة التي خلقوا منها؛ إذ إنهم مخلوقون من النار، بعكس الإنسان الذي خلق من الطين، قال تعالى: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (14) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ} [الرحمن: 14 - 15] .

وكذلك فإن هذا المخلوق له حياته الخاصة من حيث الطعام والشراب، يختلف فيها عن الإنسان، وغير ذلك مما يختص به من الصفات 5.

والمعنى الاصطلاحي مأخوذ من المعنى اللغوي إلا أن فيه زيادة تفصيل.

ورد الجذر (ج ن ن) في القرآن (201) مرة، والذي يخص موضوع (الجن) منها (34) مرة 6.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الاسم الجنس ... 22 ... {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ} [الأعراف: 179]

الجمع ... 5 ... {وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا} [الصافات: 158]

اسم الفاعل ... 7 ... {وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (15) } [الرحمن: 15]

وجاء الجن في الاستعمال القرآني بمعنى الأرواح المستترة عن الحواس 7.

الشيطان:

الشيطان لغةً:

اختلف في اشتقاقه، قيل: إن النون في لفظ الشيطان أصلية، وهو من شطن، الشين والطاء والنون أصل مطرد صحيح يدل على البعد 8، وسمي الشيطان بذلك؛ لبعده عن أمر ربه.

وذهب آخرون من أهل اللّغة: إلى النون في لفظ الشيطان زائدة، واشتقاقه من شاط يشيط وتشيّط، وشاط الشيء شيطًا وشياطة وشيطوطة: احترق 9، وهذا المعنى كذلك يتناسب مع الشيطان، فالشيطان يحترق ويهلك إذا سمع صوت الحق.

الشيطان اصطلاحًا:

هو الشديد البعد عن محل الخير من إنس، أو جن، أو دابّة 10.

الصلة بين الشيطان والجن:

من خلال التعريفين اللغوي والاصطلاحي للشيطان تبين أن الجن أعم وأشمل منه باعتبار جنسه؛ فالشيطان هو ما تمرّد وبعد عن أيّ محل للخير منه ومن غيره، وإن كانت الأذهان تصرف من الوهلة الأولى إلى الجن إذا ذكرت الشياطين.

الغاسق:

الغاسق لغةً:

الأسود من الحيّات، وهو إبليس 11.

الغاسق اصطلاحًا:

هو رأس الشياطين إبليس، أو هو صنف من أصناف الجن، وهو الأسود من الحيّات.

الصلة بين الغاسق والجن:

من خلال التعريفين اللغوي والاصطلاحي للغاسق تبين أن الجن أعم وأشمل من الغاسق؛ إذ إنه يدل على رأس الشياطين الذين هم جزء من الجن أصلًا، وفي المعنى الآخر فإنه يدل على نوع من الأنواع وهو الأسود من الحيّات.

الملائكة:

الملائكة لغةً:

«الملك: واحد الملائكة، قال ابن فارس: «الهمزة واللام والكاف أصل واحد، وهو تحمّل الرسالة» 12، ومنه الألوكة والمألكة والألوك 13.

الملائكة اصطلاحًا:

هي أجسام نورانية خلقت من النور، لا يأكلون، ولا يشربون، ولا يتزوجون، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون.

الصلة بين الملائكة والجن:

الملائكة معصومون عن الزلل، والجن كالإنس من حيث الشهوة وأصنافهم؛ ومن ثمّ فإن الملائكة -وإن كانت مثل الجن من حيث الخفاء-، إلا أنهم أرقى المخلوقات، من حيث فضلهم وطاعتهم.

الإنس:

الإنس لغةً:

مادة (أ ن س) تدور في اللّغة حول معنيين رئيسين هما: الظّهور والنّسيان 14.

الإنس اصطلاحًا:

هم كل حيوان ناطق يرى شكله، ولا يستطيع أن يرى الجن ولا الملائكة.

وقال الجرجانيّ: الإنسان هو الحيوان النّاطق 15. فالحي والحيوان لوجود الرّوح فيه، والنّطق بكلامٍ مرتّبٍ لا بدّ له من آلة العقل، وهو من البدن وله تعلق بالروح.

الصلة بين الإنس والجن:

الإنس يراهم الجن، والجن لا يراه الإنس، وكلاهما عالم مختلف، في طبعه وشهواته، وطريقة أكله وشربه.

تحدث القرآن الكريم عن خلق الجن، وقدراتهم التي وهبهم الله إياها، وعن أصنافهم، وهذا ما سنبيّنه فيما يأتي:

أولًا: خلق الجان وصفاتهم:

فلقد أخبرنا القرآن الكريم والسنة النبوية بذكر المادة التي خلق منها الجن، فقد ورد في القرآن قوله تعالى: {وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ} [الحجر: 27] ؛ فعطف جملة: {وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ} فيه إدماج وتمهيد إلى بيان نشأة العداوة بين آدم وجند إبليس، وأكّدت جملة: {وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ} بصيغة الاشتغال، التي هي تقوية للفعل بتقدير نظير المحذوف، ولما فيها من الاهتمام بالإجمال، ثم التفصيل لمثل الغرض الذي أكّدت به جملة: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ} .. إلخ.

وفائدة قوله: {مِنْ قَبْلُ} تعليم أن خلق الجان أسبق؛ لأنه مخلوق من عنصر الحرارة أسبق من الرطوبة و {السَّمُومِ} بفتح السين: الريح الحارة. فالجن مخلوق من النارية والهوائية؛ ليحصل الاعتدال في الحرارة؛ فيقبل الحياة الخاصة اللائقة بخلقة الجن، فكما كوّن الله الحمأة الصلصال المسنون لخلق الإنسان، كوّن ريحًا حارة، وجعل منها الجن، فهو مكوّن من حرارة زائدة على مقدار حرارة الإنسان، ومن تهوية قوية، والحكمة كلها في إتقان المزج والتركيب 16.

هذا وقد ورد أيضًا ذكر المادة التي خلق منها الجان في مقابل الحديث عن خلق الإنسان من الطين، في قوله: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (14) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ} [الرحمن: 14 - 15] .

وغير ذلك من الآيات التي تتحدث عن إباء إبليس عن السجود لآدم عليه السلام، كقوله تعالى: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [الأعراف: 12] 17.

ثانيًا: قدرات الجن:

قد أخبر القرآن الكريم بأن الله عز وجل منح الجنّ قدرات خاصة، لم يمنحها للإنس جميعًا.

ويمكن تقسيم قدرات الجن إلى:

1.قدرات خاصة قد منحها الله عز وجل لهم.

ومن هذه القدرات سرعة التنقل الفائق، والقوة العظيمة التي تدل على عظمة الخالق سبحانه، كما جاء في قصة سليمان عليه السلام، عندما أراد أن يثبت لملكة سبأ عظم ما أعطاه الله عز وجل من نعم عظيمة، وآلاء جليلة، قال تعالى: {قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (39) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} [النمل: 38 - 40] .

قال سليمان عليه السلام مخاطبًا من سخّرهم الله له من الجن والإنس: أيّكم يأتيني بسرير ملكها العظيم قبل أن يأتوني منقادين طائعين؟

قال مارد قويٌّ شديد من الجن: أنا آتيك به قبل أن تقوم من مجلسك هذا، وإني لقويٌّ على حمله، أمين على ما فيه، آتي به كما هو لا أنقص منه شيئًا ولا أبدله.

قال الذي عنده علم من الكتاب: أنا آتيك بهذا العرش قبل ارتداد أجفانك إذا تحرّكت للنظر في شيء، فأذن له سليمان فدعا الله، فأتى بالعرش 18.

ومن تلك القدرات أن الجن يستطيعون التحليق في الفضاء الخارجي.

وكانوا يستمعون إلى السماء، وينقلون أخبارها إلى الكهنة بعد إضافة كثير من الأكاذيب إليها، فلما بعث الله عز وجل النبي صلى الله عليه وسلم حرست السماء بالشهب والملائكة، يقول الله عز وجل على لسان أحد الجن: {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (8) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا} [الجن: 8 - 9] .

وأنّا -معشر الجن- طلبنا بلوغ السماء؛ لاستماع كلام أهلها، فوجدناها ملئت بالملائكة الكثيرين الذين يحرسونها، وبالشهب المحرقة التي يرمى بها من يقترب منها.

وأنّا كنا قبل ذلك نتخذ من السماء مواضع؛ لنستمع إلى أخبارها، فمن يحاول الآن استراق السمع، يجد له شهابًا بالمرصاد يحرقه ويهلكه.

وعن عائشة رضي الله عنها زوج النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إنّ الملائكة تنزل في العنان -وهو السّحاب- فتذكر الأمر قضي في السّماء، فتسترق الشّياطين السّمع فتسمعه، فتوحيه إلى الكهّان، فيكذبون معها مائة كذبةٍ من عند أنفسهم) 19.

ومن تلك القدرات أن الجن قد سخّرهم الله تعالى لسليمان عليه السلام يغوصون في البحر، ويستخرجون له من خيراته، ويبنون له القصور الشامخات، وقد جعلهم الله عز وجل من جنود سليمان عليه السلام، قال تعالى: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} [النمل: 17] .

وجمع لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير في مسيرة لهم، فهم على كثرتهم لم يكونوا مهملين، بل كان على كل جنس من يردّ أولهم على آخرهم؛ كي يقفوا جميعًا منتظمين 20.

وقال تعالى: {وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (12) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ} [سبأ: 12 - 13] .

وسخّرنا لسليمان الريح تجري من أول النهار إلى انتصافه مسيرة شهر، ومن منتصف النهار إلى الليل مسيرة شهر بالسير المعتاد، وأسلنا له النحاس كما يسيل الماء، يعمل به ما يشاء، وسخّرنا له من الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه، ومن يعدل منهم عن أمرنا الذي أمرناه به من طاعة سليمان نذقه من عذاب النار المستعرة.

يعمل الجن لسليمان ما يشاء من مساجد للعبادة، وصور من نحاس وزجاج، وقصاع كبيرة كالأحواض التي يجتمع فيها الماء، وقدور ثابتات لا تتحرك من أماكنها لعظمهن 21.

وقال تعالى: {وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ} [الأنبياء: 82] .

وسخّرنا لسليمان من الشياطين شياطين يستخدمهم فيما يعجز عنه غيرهم، فكانوا يغوصون في البحر يستخرجون له اللآلئ والجواهر، وكانوا يعملون كذلك في صناعة ما يريده منهم، لا يقدرون على الامتناع مما يريده منهم، حفظهم الله له بقوته وعزه سبحانه وتعالى.

2.قدرات على التشكيل.

وقد اختلف، هل الجن يتشكّلون بالصور المختلفة؟

فذهب قوم إلى أنه ليس للجن قدرة على تغيير خلقهم، وهو مروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وبه قال القاضي أبو يعلى.

وروي عن عمر أنه قال: إن أحدًا لا يستطيع أن يتغير عن صورته التي خلقه الله تعالى عليها، ولكن لهم سحرة كسحرتكم، فإذا رأيتم ذلك فأذّنوا 22.

هذا ومن خصائص الجن، أنهم يرون الإنس ولا يراهم الإنس، قال الله تعالى: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ} [الأعراف: 27] .

وقال القاضي أبو يعلى: لا قدرة للشياطين على تغيير خلقهم والانتقال في الصور، وإنما يجوز أن يعلّمهم الله تعالى كلمات وضروبًا من الأفعال، إذا فعله وتكلم به، نقله الله تعالى من صورة إلى صورة.

والقول الثاني: وهو قول الجمهور، وهو الصحيح أن للجن قدرة على التشكيل، وتغيير خلقتهم.

قال ابن تيمية: «والجن يتصوّرون في صور الإنس والبهائم، فيتصوّرون في صور الحيات والعقارب وغيرها، وفي صور الإبل والبقر والغنم والخيل والبغال والحمير، وفي صور الطير، وفي صور بني آدم» 23.

ولا يمنع خلقهم من النار تشكّلهم في الصور المختلفة، وقد حكى ابن حجر الهيتمي عن الباقلاني أنه قال: «لسنا ننكر -مع كون أصلهم النار- أن الله تعالى يكثّف أجسامهم ويغلّظها، ويخلق لهم أغراضًا تزيد على ما في النار؛ فيخرجون عن كونهم نارًا، ويخلق لهم صورًا وأشكالًا مختلفة» 24.

قال بدر الدين الشبلي: «للجن القدرة على التطور والتشكل في صور الإنس والبهائم، فيتصوّرون في صور الحيات والعقارب، وفي صور الإبل والبقر والغنم والخيل والبغال والحمير، وفي صور الطير، وفي صور بني آدم، كما أتى الشيطان قريشًا في صورة سراقة بن مالك بن جعشم؛ لما أرادوا الخروج إلى بدر» 25.

قال الله تعالى: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال: 48] .

وكما روي أنه تصوّر في صورة شيخ نجدي لما اجتمعوا بدار الندوة للتشاور في أمر الرسول صلى الله عليه وسلم هل يقتلونه، أو يحبسونه، أو يخرجونه؟ 26، وورد عن أبي سعيد الخدري يرفعه (أن بالمدينة نفرًا من الجن قد أسلموا، فمن رأى شيئًا من هذه العوامر، فليؤذنه ثلاثًا، فإن بدا له بعد فليقتله، فإنه شيطان) 27.

الأدلة على تشكّل الجن ورؤيتهم:

أما من القرآن فقوله تعالى: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال: 48] .

عن ابن عباس قال: «جاء إبليس يوم بدر في جند من الشيطان، معه رايته، في صورة رجل من بني مدلج، في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، فقال الشيطان للمشركين: {لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ} [الأنفال: 48] .

فلما اصطف الناس، أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضة من التراب، فرمى بها في وجوه المشركين، فولوا مدبرين، وأقبل جبريل إلى إبليس، فلما رآه -وكانت يده في يد رجل من المشركين- انتزع إبليس يده، فولى مدبرًا هو وشيعته، فقال الرجل: يا سراقة: تزعم أنك جار لنا؟ قال: {إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال: 48] .

وذلك حين رأى الملائكة» 28.

وقد ورد من السنة ما يدل على ذلك:

1.عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن عفريتًا من الجن جعل يفتك عليّ البارحة؛ ليقطع عليّ الصلاة، وأن الله أمكنني منه فذعته 29، فلقد هممت أن أربطه إلى جنب سارية من سواري المسجد؛ حتى تنظرون إليه أجمعون -أوكلكم- ثم ذكرت قول أخي سليمان:(ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ) [ص: 35] ، فردّه الله خاسئًا) 30.

2.عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (وكّلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آتٍ، فجعل يحثو من الطعام، فأخذته وقلت: والله لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: إني محتاج، وعلي عيال، ولي حاجة شديدة، قال: فخلّيت عنه، فأصبحت فقال النبي صلى الله عليه وسلم:(يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة؟) قال: قلت: يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالًا فرحمته، فخلّيت سبيله، فقال: (أما إنه قد كذبك، وسيعود) فعرفت أنه سيعود؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنه سيعود) ، فرصدته؛ فجاء يحثو من الطعام؛ فأخذته، فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: دعني فإني محتاج، وعلي عيال، لا أعود، فرحمته، فخلّيت سبيله، فأصبحت، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أبا هريرة ما فعل أسيرك؟) قلت: يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالًا، فرحمته، فخليت سبيله، قال: (أما إنه قد كذبك وسيعود) ، فرصدته الثالثة؛ فجاء يحثو من الطعام؛ فأخذته، فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله، وهذا آخر ثلاث مرات، أنك تزعم لا تعود، ثم تعود قال: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، قلت: ما هو؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي (? ? ? ہ ہ ہ ہھ) [البقرة: 255] . حتى تختم الآية، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربنك شيطان حتى تصبح، فخلّيت سبيله، فأصبحت، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما فعل أسيرك البارحة؟) قلت: يا رسول الله، زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها، فخلّيت سبيله، قال: (ما هي؟) قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم الآية (? ? ? ہ ہ ہ ہھ) [البقرة: 255] . وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح -وكانوا أحرص شيء على الخير-، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أما إنه قد صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة؟) قال: لا، قال: (ذاك شيطان) 31.

وقد يظهر الشيطان لبعض الناس في صورة بعض الأموات، وأكبر ما يقع ذلك من المشركين، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «وقد وقع هذا كثيرًا، حتى إنه يتصور لمن يعظّم شخصًا في صورته، فإذا استغاث به فيظن ذلك الشخص أنه شيخه الميت» .

ويقول أيضًا: «وكذلك يأتي كثيرًا من الناس في مواضع ويقول إنه الخضر، وإنما كان جنيًّا من الجن» 32.

ثالثًا: تكليف الجن:

قد وردت آيات كثيرة في القرآن تدل على تكليف الجن، منها:

فالآية صريحة في أن الله قد خلق الجن والإنس للعبادة، وعلى هذا وردت أقوال العلماء:

قال ابن عباس: « (? ?) أي: إلا ليقرّوا بعبادتي طوعًا أوكرهًا» ، وهذا اختيار ابن جرير الطبري 33.

وورد عن علي بن أبي طالب، وابن جريج، والربيع بن أنس أن معنى قوله تعالى: (? ? ? ? ? ?) أي: إلا لآمرهم بالعبادة، وهو اختيار الزجاج 34.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت