فهرس الكتاب

الصفحة 2009 من 2431

الحوار

أولًا: المعنى اللغوي:

(الحاء والواو والراء) ثلاثة أصول: أحدها لون، والآخر الرجوع، والثالث أن يدور الشيء دورًا، وتعود أصل كلمة الحوار إلى (الحور) وهو الرجوع عن الشيء وإلى الشيء، يقال: (حار بعدما كار) 1، والحور النقصان بعد الزيادة؛ لأنه رجوع من حال إلى حال، والتحاور: التجاوب، نقول: كلمته فما حار إلي جوابًا، أي: ما رد جوابًا 2، قال الله تعالى: {إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ} [الانشقاق: 14] .

أي: «لن يرجع» 3، وهم يتحاورون أي: يتراجعون الكلام، والمحاورة: مراجعة المنطق والكلام في المخاطبة 4.

«تحاوروا: تراجعوا الكلام بينهم» 5.

ويقصد بالمحاورة «المجاوبة ومراجعة النطق والكلام في المخاطبة» 6.

إذن فالحوار لغة تعني المراجعة في الكلام بين اثنين فأكثر، فمعناه في اللغة واسع يشمل كل مناقشة بين اثنين أو أكثر في أي موضوع.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

الحوار هو: «نوع من الحديث بين شخصين أو فريقين، يتم فيه تداول الكلام بينهما بطريقة متكافئة فلا يستأثر به أحدهما دون الآخر، ويغلب عليه الهدوء والبعد عن الخصومة والتعصب» 7.

الحوار هو: «محادثة بين شخصين أو فريقين، حول موضوع محدد، لكل منهما وجهة نظر خاصة به، هدفها الوصول إلى الحقيقة، أو إلى أكبر قدر ممكن من تطابق وجهات النظر، بعيدًا عن الخصومة أو التعصب، بطريق يعتمد على العلم والعقل، مع استعداد كلا الطرفين لقبول الحقيقة ولو ظهرت على يد الطرف الآخر» 8.

ويلاحظ من التعاريف الثلاثة السابقة اتفاقهم على أن الحوار حديث متبادل بين طرفين أو أكثر، ويعجبني التعريف الثالث للدكتور بسام عجك، فهو تعريف جامع مانع مكتمل الأركان.

العلاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي:

هناك علاقة قوية بين معنى الحوار في اللغة والاصطلاح، فالحوار هو نشاط عقلي ولفظي يقدم المتحاورون الأدلة والحجج والبراهين التي تبرر وجهات نظرهم بحرية تامة من أجل الوصول إلى حل لمشكلة أو توضيح لقضية ما، وهذا ما يتفق عليه المعنيون.

ولم يرد لفظ (الحوار) في القرآن الكريم، وإن ورد أصل مادته (حور) .

الجدل:

الجدل لغةً:

اللدد في الخصومة والقدرة عليها، وجادله أي: خاصمه مجادلة وجدالًا، والجدل: مقابلة الحجة بالحجة؛ والمجادلة: المناظرة والمخاصمة، والجدال: الخصومة؛ سمي بذلك لشدته 9.

الجدل اصطلاحًا:

الجدل: «هو عبارة عن دفع المرء خصمه عن فساد قوله بحجة أو شبهة، وهو لا يكون إلا بمنازعة غيره والنظر قد يتم به وحده» 10.

وقيل: مقابلة المتنازعين الحجة بالحجة على سبيل التدافع والتخاصم؛ بالعبارة أو ما يقوم مقامها؛ لإلزام الخصم غالبًا، وتقرير المذهب، سواء أكان حقًّا أم باطلًا.

الصلة بين الحوار والجدل:

كل من الحوار والجدال عبارة عن تبادل للحديث بين أطراف معينة، ولكن القصد مختلف فالجدال كما بين الإمام أبو زهرة الغرض منه بقوله: «والجدل يكون الغرض منه إلزام الخصم والتغلب عليه في مقام الاستدلال» 11، ومثال ذلك قوله تعالى {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [العنكبوت: 46]

قال تعالى: {هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا} [النساء: 109] .

المناظرة:

المناظرة لغةً:

المناظرة في اللغة مشتقة من المادة اللغوية (نظر) ، ومن معانيها تأمل الشيء بالعين المجردة، وتقليب البصيرة لإدراك الشيء ورؤيته، والتّأمّل والفحص، وقد يراد بالنظر المعرفة الحاصلة بعد الفحص، والطلب؛ يقال: انظر لي فلانًا، أي: اطلبه، والمقابلة؛ والعرب تقول: داري تنظر إلى دار فلان، ودورنا تناظر، أي: تقابل، والإمهال والترقب والتوقع واللّمحة السّريعة 12.

المناظرة اصطلاحًا:

المحاورة بين طرفين متضادين في الرأي، والقائمة على الأدلة المنطقية والبراهين والإحصائيات الدقيقة، يقصد كل منهما تصحيح قوله وإبطال قول الآخر بأدب رفيع، مع الرغبة في إظهار الحق، والراجح على المرجوح، وتحقيق الفائدة المبنية على المناصحة والحلم 13.

الصلة بين الحوار والمناظرة:

وهكذا يتبين أن المناظرة ما هي إلا محاورة من أجل الوصول إلى الصواب.

المحاجة:

المحاجة لغةً:

الحجّ: الغلبة بالحجّة، يقال: حجّه يحجّه حجًّا، إذا غلبه على حجّته، ومنه الحجّة بالضّمّ: الدّليل والبرهان، وقيل: ما دفع به الخصم، وإنما سمّيت حجّةً لأنّها تحجّ، أي: تقصد؛ لأنّ القصد لها وإليها، وبها يقصد الحقّ المطلوب، وجمع الحجّة حججٌ وحجاجٌ 14.

المحّاجة اصطلاحًا:

قدرة الفرد على توظيف ما يمتلكه من الأدلة والبراهين العقلانية الموضوعية في قضية خلافية؛ لإثبات دعواه، وأيضًا ح فكرته، مع تفنيد حجج مخالفيه، والوصول بهم إلى الاقتناع بهذه الفكرة، والإيمان بها، دون إلزامهم باتباعها، والسير عليها 15.

الصلة بين الحوار والمحاجة:

هناك فرق بين الحوار والمحاجة حيث إن الحوار هو تبادل حديث بقصد الوصول لحل مشكلة ما، أما المحاجة ففيها يثبت كل طرف صحة دعواه، ومثال ذلك قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} [البقرة: 258]

قال تعالى: {وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ} [الأنعام: 80] .

المخاصمة:

المخاصمة لغةً:

المخاصمة في اللغة مشتقة من المادة اللغوية (خصم) ، ويأتي بمعنى الجدل والمنازعة؛ يقال: خاصمه خصامًا وخصومة، أي: جادله ونازعه، وبمعنى الشّقِّ؛ يقال للخصمين: خصمان؛ لأخذ كلّ واحد منهما في شقٍ من الحجاج والدّعوى، والطرف والجانب والزاوية، تلقين الحجة؛ يقال: أخصم صاحبه إذا لقّنه حجّته على خصمه 16.

المخاصمة اصطلاحًا:

اللجاج في الكلام من أجل المعارضة والمعاندة ابتداءً؛ يستوفي به المخاصم مراده من خصمه، في جو من التشاحن والتباغض ورفض الآخر 17.

الصلة بين الحوار والتخاصم:

هناك فرق واضح بين المعنيين حيث إن الأول المقصود منه إيجاد حل لمشكلة ما بالتوافق، أما الثاني فهو يؤدي للتنازع دون إيجاد حلول ومثال ذلك قوله تعالى: {قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ} [ص: 22] .

قال تعالى: {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ} [الحج: 19] .

القرآن الكريم تناول كثيرًا من الأدلة والبراهين التي حاور بها وحاج بها خصومه في صورة واضحة جلية يفهمها العامة والخاصة، وأبطل كل شبهة فاسدة، فللحوار في القرآن الكريم مقاصد عدة، منها: إقامة الحجة على البشر و الهداية إلى الحق وحل الخلافات، وبيان ذلك فيما يأتي:

أولًا: إقامة الحجة:

إنّ من الأساليب التي استخدمها القرآن الكريم من أجل إقامة الحجّة على العباد، والدّلالة على وحدانيّته سبحانه وتعالى، وعلى صدق ما جاؤوا به من رسالات، وبلّغوا به دين الله في الأرض، هو الحوار فالغاية من الحوار إقامة الحجة ودفع الشبهة والفاسد من القول والرأي، والسير بطرق الاستدلال الصحيح للوصول إلى الحق.

من أجل ذلك ورد السياق القرآني الجليل مصدرًا بصيغة الأمر (قل) المشعرة بأن الداعية ينبغي أن يتخذ من القول المبين والحجة البالغة منهاجًا وغاية، ونجد فعل الأمر: (قل) وردت (332) مرة في القرآن الكريم، 18 من تأملها وتدبرها وقف على منهاج متكامل في صيغ البيان وطرائق الأداء ومسالك إقامة الحجة في إحقاق الحق ودحض الباطل 19.

-في تقرير التوحيد يقول عز وجل: (چ چ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ کک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ) [الرعد: 16] .

-وأيضًا في الرد على المشركين قال سبحانه وتعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ?ں ں ? ? ? ?) [سبأ: 24 - 27] .

-وأيضًا في الرد على منكري النبوة قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹٹ ٹ ? ?) [سبأ: 46 - 50] .

نلاحظ من الآيات السابقة كيف أقام القرآن الكريم الحجة على الناس أجمعين مؤمنهم وكافرهم، وأظهرت قدرة الله عز وجل وعظيم شأنه جل جلاله.

وإذا نظرنا في المحاورات التي أثبتها الله في كتابه العزيز، فسنلاحظ صنفين منها:

صنف يبتدئ فيه المتحاورون بالتخاصم من أول الأمر، كل يريد إثبات دعواه فيما ذهب إليه، وهذا الصنف نستطيع تسميته «مناظرة أو جدل» .

ومثال ذلك: عندما حاور سيدنا إبراهيم عليه السلام النمرود في المناظرة التي أثبتها الله عز وجل في آياته الكريمة.

ومن الواضح من خلال هذه الآية، أن النمرود بدأ مخاصمًا لإبراهيم عليه السلام من أول الأمر، وهذه مناظرة.

قال سبحانه وتعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گگ گ ? ? ? ?) [البقرة: 258] .

فهذا الملك الذي حاج إبراهيم في ربه لم يكن منكرًا لوجود الله أصلًا إنما كان منكرًا لوحدانيته في الألوهية والربوبية ولتصريفه للكون وتدبيره لما يجري فيه وحده، وهذا شأن الكثير من الناس في الجاهلية يعترفون بوجود الله، ولكنهم يجعلون له اندادًا ينسبون إليها الأعمال، وسبب هذه المحاجة لأنه أعطاه جل جلاله الملك فبطر وتكبر ولم يشكره سبحانه على هذه النعمة، بل استعملها في غير ما خلقت له فنسب لنفسه الإحياء والإماتة بطريقة سخيفة غير منطقية 20.

وكان رد سيدنا إبراهيم عليه السلام على ذلك الملك في مقام التدليل على وحدانية الله أنه عز وجل هو المستحق للعبادة، ربي وحده هو الذي ينشئ الحياة ويوجدها، ويميت الأرواح ويفقدها حياتها، ولا يوجد أحد سواه يستطيع أن يفعل ذلك، فالتحدي قائم، والأمر ظاهر، ولا سبيل إلى سوء الفهم، أو الجدال والمراء، وكان التسليم أولى والإيمان أجدر، ولكن الكبر عن الرجوع إلى الحق يمسك بالذي كفر، فيبهت ويبلس ويتحير، ولا يهديه الله إلى الحق؛ لأنه لم يتلمس الهداية، ولم يرغب في الحق ولم يلتزم القصد والعدل 21.

صنف ثان يبتدئ فيه الطرفان لا على أنهما خصمان يختلفان في الاعتقاد والمذهب، بل هما شريكان فيه، وهذا ما نستطيع تسميته بالحوار.

حوار آخر في القرآن لإبراهيم عليه السلام أيضًا وهو يحاور قومه: (? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھھ ے ے ? ?) [الأنعام: 75 - 79] .

فسيدنا إبراهيم عليه السلام يحاكي قومه في اعتقادهم، ولا يعلن مخالفته لهم، ولم يسفه أحلامهم، فذلك أدعى إلى إنصاتهم لقوله، وتفهمهم لحجته، ثم لم يلبث أن كرّ على قولهم ينقضه، ولكن من طرف خفي ينبئ عن سداد في الرأي ونفاذ للبصيرة 22.

ولم يكن إبراهيم عليه السلام يعتقد هذه العبادة، ولكنه نصّب نفسه في أول الأمر شريكًا لقومه فيها، استدراجًا لهم واستهواء لقلوبهم، حتى إذا أحس منهم الإصغاء راح ينقض هذه العبادة شيئًا فشيئًا، وقومه لا يبدون التخاصم معه، حتى إذا أعلن انصرافه عن آلهتهم وبراءته من عبادتهم، عندها حاجوه في ذلك الذي فاجأهم به حيث لا يتوقعونه، وفي هذه المرحلة بدأت المناظرة.

فيلاحظ هنا أنه بدأ معهم شريكًا في الاعتقاد، وهو يحاورهم ويحاورونه في جو من الهدوء حتى إذا أعلن مخالفته لهم انقلب الحوار إلى مناظرة بينه وبينهم كل يريد إثبات رأيه 23.

فلما ستره الليل بظلامه، أبصر كوكبًا ظاهرًا في السماء فقال عليه السلام مستعظمًا شأن هذا الكوكب: هذا ربي، مجاراة لقومه وتأليفًا لقلوبهم، حتى بلغوا بقلوبهم إلى التأمل في موضع الحجة، فلما غاب هذا الكوكب وأفل قال: لا أحب اتخاذ الآفلين أربابًا، لأن الرب الحقيقي، الجدير بالربوبية، يستحيل عليه التغير والانتقال من حال إلى حال؛ لأن ذلك من شأن الحوادث فلم ينتفعوا بهذا الاستدلال 24.

فانتقل إلى الاستدلال التالي حين أبصر إبراهيم القمر قال مستعظمًا شأنه: إنه ربه، مجاراةً لقومه أيضًا، فلما أفل وغاب قال إبراهم: (ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک) [الأنعام: 77] ، قصد به تنبيه قومه للنظر في معرفة الرب الحق وأنه واحد، وأن الكوكب والقمر كليهما لا يستحقان ذلك، مع أنه عرّض في كلامه بأن له ربًّا يهديه وهم لا ينكرون عليه ذلك؛ لأنهم قائلون بعدة أرباب، وفي هذا تهيئة لنفوس قومه لما عزم عليه من التصريح بأن له ربًّا غير الكواكب.

ثم عرَّض بقومه أنهم ضالون وهيأهم قبل المصارحة للعلم بأنهم ضالون.

وإنما تريث إلى أفول القمر فاستدل به على انتفاء إلهيته، ولم ينفها عنه بمجرد رؤيته بازغًا، مع أن أفوله محقق بحسب المعتاد؛ لأنه أراد أن يقيم الاستدلال على أساس المشاهدة على ما هو المعروف في العقول؛ لأن المشاهدة أقوى.

فلما طلعت الشمس قال: (? ? ? ?) ، فعلل ربوبية الشمس بكونها أكبر من الكوكب والقمر، وهي أكثر إضاءة، فأولى باستحقاق الإلهية 25.

فلما غابت الشمس أعلن براءته مما كانوا يعبدون من دون الله، وأعلن الإيمان الذي استقر في قلبه حقًّا ويقينًا و بين عليه السلام بالحجة الدامغة على أن لا اله إلا الله عز وجل، والذي يستحق العبادة الذي أنشأ السموات والأرض وما فيهما مائلًا عن الاعتقادات الباطلة، إلى عقيدة التوحيد المؤيدة بالدلائل 26.

وعن هذا يقول الزمخشري رحمه الله تعالى: «فأراد أن ينبههم على الخطأ في دينهم، وأن يرشدهم إلى طريق النظر والاستدلال، ويعرفهم أن النظر الصحيح مؤدّ إلى أن شيئًا منها لا يصح أن يكون إلهًا، لقيام دليل الحدوث فيها، وأن وراءها محدثًا أحدثها، وصانعًا صنعها، ومدبرًا دبر طلوعها وأفولها وانتقالها ومسيرها وسائر أحوالها، هذا ربّي، قول من ينصف خصمه مع علمه بأنه مبطل، فيحكى قوله كما هو غير متعصب لمذهبه؛ لأنّ ذلك أدعى إلى الحق وأنجى من الشغب، ثم يكرّ عليه بعد حكايته فيبطله بالحجة أنه لا أحب عبادة الأرباب المتغيرين عن حال إلى حال» 27.

ومن خلال ما سبق يتضح لنا أن القرآن الكريم قد أقام الحجة على المشركين بالله بالحوار بطريق الاستدلال العقلي للوصول إلى الحقيقة الكامنة بأن لا إله يستحق العبادة سوى الله جل جلاله.

ثانيًا: الهداية إلى الحق:

كشف الشبهات والرد على الأباطيل، لإظهار الحق وإزهاق الباطل هو واحد من مقاصد الحوار في القرآن الكريم، كما قال تعالى: (? ? ? ? ? ?) [الأنعام: 55] ، ومن أمثلة هذه الحوارات الهادية للحق في القرآن الكريم:

1.حوار الرجل المؤمن مع صاحبه الكافر.

والحوار في الآيات التالية ينحو نحوًا إيجابيًّا لإحقاق الحق وإبطال الباطل، والآيات تقرر أن الطرفين المتحاورين ليسا عدوّين ابتداءً.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک کک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ?) [الكهف: 37 - 41] .

وفى هذه الرؤية العاقلة، والحوار البناء نرى بصيصًا من نور في قلب وفكر يعرف طريق الحق، فينصح ويبذل الخير لغيره حتى يهتدى، يصور هذا كله في صورة رجلين:

أحدهما: له جنتان مثمرتان، وقد حوتا ألوان الثمار، وزخرتا بكل ألوان الجمال البادي في المياه الجارية، والزروع، والنخيل، والأعناب، مما كان دافعًا بصاحبها إلى الغرور، والتباهي على الآخر بكثرة ما لديه، وأنه لن يفنى أبدًا، وأن حظه في الآخرة، إن كانت هناك آخرة، سيكون أوفر ثراء، وأكثر رزقًا، ظلم نفسه بهذا التفكير الأخرق، وبكفره، وضعف يقينه بالله، وإعجابه بالحياة الدنيا، ونسيانه للآخرة، وبذلك عرضها للعقاب يوم القيامة 28.

والثاني: المؤمن الواعظ لأخيه الناصح له بالحوار الهادئ الزاجر عما هو فيه الآخر من الكفر الراضي عن الله عز وجل والذي ادخر ما عنده للآخرة التي هي خير وأبقى 29.

هذه صورة مؤلمة لمن يخدع بالمظاهر البراقة التي قد تخدع، وتغري بما لا تحمل في طياتها من القيم الرفيعة التي يعتز بها الإنسان، يخدع بمتاع زائل، وجاه عريض، وسلطان مزيف، ولذائذ رخيصة، وينسى تلك القيم التي تعلي من شأن الإنسان، وإن كان فقيرًا مجردًا من المال والسلطان، من جهاد النفس، والزهد في الحياة، والعلم، والعمل، والبذل في سبيل الدعوة فالحق بين وإن كان الباطل الخبيث أوفر حظًّا من الطيب 30.

وصيغة (يحاوره) و (تحاوركما) تقتضي المشاركة من الطرفين في هذا النقاش والحوار وأن كلًّا منهما يسمع للآخر دون مصادرة للرأي أو قصدٍ لمجرد الإفحام، والملاحظ أن الطرف المؤمن في هذا الحوار على درجة من الوعي الديني والثبات والعلم، فكان الهدف من هذا الحوار أن يرجع الكافر الضال عما هو فيه من الغي والظلم لنفسه ويعود للحق الذي لا مراء فيه، وأخيرًا اتضحت هذه الحقائق أمام عينيه وتكشفت الحقائق، فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهى خاوية على عروشها، ويقول (? ? ? ? ?) [الكهف: 42] .

2.حوار موسى عليه السلام وفرعون.

(? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? پپ پ پ ? ? ?) [طه: 49 - 52] .

أمر الله عز وجل موسى وهارون عليهما السلام بالتوجه إلى فرعون وإخباره أنهما رسولان من ربه، وأن يطلبا منه رفع العذاب عن بنى إسرائيل، ويخبراه أن السلام على من اتبع الهدى، والعذاب على من كذب وتولى فتوجها إليه وأبلغاه، فبدأ يناقشهما فيما جاءاه به.

وأول ما بدأ به مناقشته أن قال: إذا كنتما رسولي ربكما الذي أرسلكما فأخبراني من ربكما الذي تدعوني إلى الإيمان به يا موسى.

فكان جواب موسى عليه السلام لفرعون: ربّنا يعرف بصفاته، ولا يدرك بذاته، فهو الذي أعطى كل شيءٍ ما خلقه عليه من المادة والصورة والوظيفة، وأعطاه ما يحقق به ما خلق له، وهداه إلى تحقيقه 31.

فلما وضح الحق في جانب موسى عليه السلام وظهر جليًّا للعيان، خاف فرعون أن يتأثر الناس بما قاله موسى عليه السلام، فيكفوا عن القول بألوهيته، والاندماج في عبوديته، فلهذا وجه إليه سؤالًا يريد أن يحرجه به، ويظهر ضعفه أمام سامعيه، فقال له: إن كنت رسولًا يا موسى فأخبرنى: ما حال أهل القرون الماضية، وماذا جرى عليهم من الحوادث مفصلة؟ فقال موسى عليه السلام (? ? ? ? پپ پ پ ? ? ?) [طه: 52] .

فعلم أحوال القرون الماضية يختص به ربّى الذي أرسلني وما أنا إلا عبد له تعالى، فلا علم لي إلا بما أخبرني من شئون الرسالة، وقد بلغ من علم الله أنه سبحانه وتعالى لا يضل ولا يغيب عنه شيء في الوجود، فلا يفوته علم شيءٍ منه ابتداءً، ولا ينسى معلومًا دخل دائرة علمه، فقد أحصى وأحاط بكل شيءٍ علمًا أزلًا وأبدًا 32.

هذا هو ديدن الكفار والظالمين على مر الزمان، جدال عقيم من أجل إضلال الناس، وغطوا أعينهم عن الحق وأبوا إلا المشي في طريق الضلال وكذبوا الرسل بما جاؤوا به من عند الله، فقال الحق سبحانه وتعالى: (ڑ ڑ ک ک ک ک گگ گ گ ? ? ? ? ? ? ں ں? ? ? ?) [غافر: 5] .

يجادلون في آيات الله جل جلاله الواضحة البيان، المؤيدة بالبرهان، ويكفرون بالحق مع وضوحه، فهمت كل أمة برسولهم ليقتلوه، وخاصموا رسولهم بالباطل ليبطلوا بجدالهم إياه وخصومتهم له الحق الذي جاءهم به من عند الله، من الدخول في طاعته، والإقرار بتوحيده، والبراءة من عبادة ما سواه.

فما كان عقابهم إلا أن أخذ الله عز وجل الذين هموا برسولهم ليأخذوه بالعذاب، فأهلكهم وجعلهم للخلق عبرة، ولمن بعدهم عظة 33.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت