فهرس الكتاب

الصفحة 730 من 2431

الاستعاذة

أولًا: المعنى اللغوي:

الاستعاذة: مصدر استعاذ، وهي قول القائل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وأعوذ فعل مضارع يصلح للحال والاستقبال، وهو مشتق من العوذ؛ وهو الالتجاء إلى الشيء، ثم يحمل عليه كل شئ لصق بشئ أو لازمه 1. وعلى هذا فإن العوذ له معنيان:

أحدهما: الالتجاء إلى الشيء، والانحياز له، والاستجارة به.

يقال: عذت بالشيء أعوذ عوذًا وعياذًا إذا لجأت إليه، وهو عياذي: أي ملجئي 2.

قال ابن منظور: «عاذ به يعوذ عوذًا وعياذًا ومعاذًا: لاذ به ولجأ إليه واعتصم» 3.

والثاني: الالتصاق، يقال: أطيب اللحم عوذه، وهو ما التصق منه بالعظم 4.

فعلى الوجه الأول: معنى قوله: أعوذ بالله: أي ألتجئ إلى رحمة الله وعصمته، ومنه: العوذة، وهو ما يعاذ به من الشر، وقيل للرقية والتميمة- وهو ما يعلق على الصبي-: عوذة وعوذة 5. وعلى الوجه الثاني: معناه: التصق نفسي بفضل الله ورحمته 6.

قال ابن القيم: «والقولان حق، والاستعاذة تنتظمهما معًا» 7.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

لا يختلف معنى الاستعاذة الاصطلاحي كثيرًا عن المعنى اللغوي.

عرفها ابن كثير بقوله: «هي الالتجاء إلى الله والالتصاق بجنابه من شر كل شر، والعياذة تكون لدفع الشر، و اللياذة تكون لطلب الخير» 8.

وردت مادة (عوذ) في القرآن (17) مرة 9.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 2 ... {وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (27) } [غافر:27]

الفعل المضارع ... 9 ... {قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67) } [البقرة:67]

فعل الأمر ... 4 ... {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200) } [الأعراف:200]

المصدر الميمي ... 2 ... {قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23) } [يوسف:23]

وجاءت الاستعاذة في الاستعمال القرآني بمعناها اللغوي، وهو: الالتجاء إلى الغير والتعلق به 10.

الدعاء:

الدعاء لغة:

مأخوذ من مادة (د ع و) التي تدل في الأصل على إمالة الشيء إليك بصوت وكلام يكون منك، ومن هذا الأصل: الدعاء في معنى الرغبة إلى الله عز وجل، وهو واحد الأدعية، والفعل من ذلك: دعا يدعو، والمصدر: الدعاء والدعوى 11.

الدعاء اصطلاحًا:

هو سؤال العبد ربَه حاجتَه.

الصلة بين الاستعاذة والدعاء:

بالتأمل نجد أن الدعاء أعم من الاستعاذة، فهو لجلب الخير أو دفع الشر، والاستعاذة دعاء لدفع الشر.

الاستعانة:

الاستعانة لغة:

الاستعانة: مصدر استعان، وهي: طلب العون، يقال: استعنته واستعنت به فأعانني 12.

الاستعانة اصطلاحًا:

لا يخرج عن المعنى اللغوي، فالاستعانة بالله سبحانه وتعالى: طلب العون من الله، والاستعانة بالمخلوق: طلب العون من المخلوق فيما يقدر عليه من الأمور.

الصلة بين الاستعاذة والاستعانة:

الاستعانة أعم من الاستعاذة، فإنهما يجتمعان في طلب كف الشر، وبذلك: فالاستعاذة صورة من صور الاستعانة، وتزيد الاستعانة بأنها تكون في تحصيل الخير. فكل استعاذة استعانة، وليس كل استعانة استعاذة.

الاستغاثة:

الاستغاثة لغة:

مصدر استغاث، وهو مأخوذ من الغوث بمعنى: الإغاثة والنصرة عند الشدة 13.

الاستعاثة اصطلاحًا:

طلب الغوث في الشدائد والأزمات 14.

الصلة بين الاستعاذة والاستغاثة:

عرفنا في تعريف الاستغاثة أنها طلب الغوث والتخليص من الشدة والنقمة، أو طلب العون على فكاك الشدائد، والاستعاذة هي الالتجاء وطلب العون، ففي كل منهما طلب العون والمدد، إلا أن طلب العون في الاستغاثة قيد بحالة الشدة والنقمة والكرب ونحوها، ولم يقيد ذلك في الاستعاذة.

وعليه، فالاستغاثة تكون برفع الأمر بعد وقوعه، أما الاستعاذة فالأصل أن تكون بدفع الأمر قبل وقوعه.

أولًا: الاستعاذة مظهر من مظاهر التوحيد:

الاستعاذة نوع من أنواع العبادات القولية التي يجب أن تصرف لله وحده دون ما سواه من المخلوقين؛ تحقيقًا لقوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة:5] .

ولا ينبغي الاستعاذة إلا به، ولا يستعاذ بأحد من خلقه؛ بل هو يعيذ المستعيذين، ويعصمهم، ويمنعهم من شر ما استعاذوا من شره.

وقد أمر الله نبيه بالاستعاذة به دون ما سواه في قوله تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ} [الفلق: 1 - 2] .

وفي قوله تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ} [الناس: 1 - 4] .

وجاءت الاستعاذة في هاتين السورتين باسم (الرب) و (الملك) و (الإله) ، وجاءت الربوبية فيهما مضافة إلى (الفلق) وإلى (الناس) ، ولابد من أن يكون ما وصف به نفسه في هاتين السورتين يناسب الاستعاذة المطلوبة، ويقتضي دفع الشر المستعاذ منه أعظم مناسبة وأبينها 15.

وكلما كان توحيد المسلم لله أكمل؛ كان حفظ الله له أتم.

قال ابن القيم: «التوحيد حصن الله الأعظم الذي من دخله كان من الآمنين. قال بعض السلف: من خاف الله خافه كل شيء، ومن لم يخف الله أخافه من كل شيء» 16.

ثانيًا: الاستعاذة من هدي الأنبياء والصالحين:

الاستعاذة بالله من هدي الأنبياء والصالحين، وقد أمرنا الله بالاقتداء بهم.

قال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ} [الأنعام: 90] .

وهذا نبي الله نوح عليه السلام يستعيذ بالله من أن يسأله ما ليس به علم عندما سأله نجاة أهله.

قال تعالى: {قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [هود: 47] .

فاستجار بالله أن يتكلف مسألته مما قد استأثر الله بعلمه، وطوى علمه عن خلقه، وكذلك سأل الله أن يغفر زلته في سؤاله نجاة ابنه، وأن الله إن لم يغفر له ويرحمه ليكونن من الذين غبنوا أنفسهم حظوظها فهلكوا 17.

وهذا موسى عليه السلام استعاذ بالله من أن يرجمه قومه.

قال تعالى: {وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ} [الدخان: 20] .

الرجم الذي استعاذ موسى عليه السلام بربه منه قيل: هو الشتم باللسان، وقيل: هو الرجم بالحجارة، وقيل: المراد بالرجم: القتل.

قال ابن جرير: «والصواب أن يقال: استعاذ موسى بربه من كل معاني رجمهم الذي يصل منه إلى المرجوم أذى ومكروه، شتمًا كان ذلك باللسان، أو رجمًا بالحجارة باليد» 18.

وهذا نبي الله يوسف عليه السلام يستعيذ بالله من الوقوع في الفاحشة.

قال تعالى: {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [يوسف: 23] .

وهذا في غاية النزاهة والطهر؛ يستعيذ بالله -مع قوة الداعي- من أن يقع في هذا الفعل القبيح؛ لأنه مما يسخط الله ويبعد منه، ولأنه خيانة في حق سيده الذي أكرم مثواه 19، وسيده الحق جل جلاله قد أحسن مثواه بما سخر له، فكيف يخونه بما حرم عليه 20، وهذا من أعظم الظلم، والظالم لايفلح.

وهذه امرأة عمران حين وضعت مريم عليها السلام طلبت من الله أن يعيذها وذريتها من الشيطان الرجيم.

قال تعالى: {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [آل عمران: 36] .

فاستجاب الله لها، فأعاذها الله وذريتها من الشيطان الرجيم، فلم يجعل له عليها سبيلًا 21.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان، إلا ابن مريم وأمه) 22.

قال القرطبي: «قال علماؤنا: أفاد هذا الحديث أن الله تعالى استجاب دعاء أم مريم؛ فإن الشيطان ينخس جميع ولد آدم، حتى الأنبياء والأولياء، إلا مريم وابنها» 23.

ثالثًا: آثارالاستعاذة:

مما يبين لنا أهمية الاستعاذة ذكر آثارها على المستعيذين:

قال الله تعالى -حكاية عن نوح عليه السلام أنه قال: {قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [هود: 47] .

فأعطاه الله نعمتين: السلام، والبركات.

قال تعالى: {قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ} [هود: 48] .

وقال يوسف عليه السلام: {مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي} [يوسف: 23] .

فأعطاه الله نعمتين: صرف السوء عنه والفحشاء.

وقال أيضًا: {قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ} [يوسف: 79] .

فأعطاه الله نعمًا كثيرة، منها: نعمة العدل، وكشف الأمور، وظهور البراءة، ورفع أبويه على العرش، وسجودهم له.

وحكى عن موسى عليه السلام: {قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [البقرة: 67] .

فأعطاه الله نعمتين: إزالة التهمة له بالجهل، وإحياء القتيل.

وحكى عن موسى عليه السلام أيضًا: {وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ} [غافر: 27] .

وفي آية أخرى قال تعالى: {وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ} [الدخان: 20] .

فأعطاه الله نعمتين: أفنى عدوه، وأورثهم أرضهم وديارهم.

وحكى عن أم مريم أنها قالت: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [آل عمران: 36] .

فأعطاها الله نعمتين: تقبل مريم منها بقبول حسن، وأنبتها نباتا حسنا، وهو قوله تعالى: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا (37) } [آل عمران: 37]

ومريم عليها السلام لما رأت جبريل عليه السلام في صورة بشر يقصدها {قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا} [مريم: 18] .

فوجدت نعمتين: ولدًا من غير أب، وتبرئة الله إياها بلسان ذلك الولد عن السوء؛ وهو قوله تعالى: {إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ} [مريم: 30] 24.

أولًا: الاستعاذة المشروعة:

هي الاستعاذة التي تكون بالله، والمستعاذ به هو الله وحده رب الفلق، ورب الناس، وملك الناس، وإله الناس، الذي لا ينبغي الاستعاذة إلا به، ولا يستعاذ بأحد من خلقه؛ بل هو يعيذ المستعيذين ويمنعهم، ويعصمهم من شر ما استعاذوا من شره 25.

والاستعاذة به سبحانه مما لا يقدر عليه سواه من مقتضيات التوحيد ولوازمه، فلا يستعاذ من ذلك بغيره. ثم الاستعاذة تكون بأسماء الله الحسنى وصفاته العليا، وأكثر ما وردت به نصوص القرآن الاستعاذة باسم (الله) ؛ كقوله تعالى: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [فصلت: 36] .

وقال تعالى: {فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} [غافر: 56] .

وقال سبحانه عن موسى عليه السلام: {أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [البقرة: 67] .

ومن الكثير أيضًا الاستعاذة باسم (الرب) ، كقوله تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} [الفلق: 1] .

وقوله عز وجل عن موسى عليه السلام {وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ} [الدخان: 20] .

أو بالضمير العائد إلى الرب؛ كقوله تعالى عن نوح عليه السلام: {رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ} [هود: 47] .

وقوله سبحانه عن امرأة عمران: {رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [آل عمران: 36] .

أما اسم (الرحمن) فلم ترد الاستعاذة به في القرآن إلا مرة واحدة؛ في قوله تعالى عن مريم عليها السلام: {قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا} [مريم: 18] 26.

فنستنتج مما سبق: أن الاستعاذة المشروعة تكون بالله أو أسمائه أو صفاته، ويجوز الاستعاذة بالإنسان فيما هو داخل تحت قدرته وإرادته، كأن يستجير به من حيوان مفترس، أو إنسان يريد الفتك به 27.

ثانيًا: الاستعاذة المحرمة:

هي الاستعاذة التي تكون بغير الله؛ كالاستعاذة بالجن والشياطين والأموات والأصنام وغيرهم، فهي لا تزيد المستعيذ بها إلا رهقًا، ولاشك أن ذلك كفر أو شرك.

قال تعالى حكاية عن مؤمني الجن: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} [الجن: 6] .

والرهق في كلام العرب: الإثم والخطيئة وغشيان المحارم 28، فزادوهم بهذه الاستعاذة غشيانًا لما كان محظورًا من الكبر والتعاظم، فظنوا أنهم سادوا الإنس والجن 29. وكان أول من تعوذ من الجن قوم من أهل اليمن، ثم من بني حنيفة، ثم فشا ذلك في العرب، فلما جاء الإسلام عاذوا بالله وتركوهم 30.

قال ابن عباس: كان رجال من الإنس يبيت أحدهم بالوادي في الجاهلية فيقول: أعوذ بعزيز هذا الوادي، فزادهم ذلك إثمًا 31.

ما يستعاذ منه أمور كثيرة، منها:

أولًا: من شر شياطين الإنس والجن ومن شر كل مخلوق:

أمرنا الله تعالى بالاستعاذة من شياطين الإنس والجن في عدة مواضع من كتابه، فأمر الله بمصانعة شيطان الإنس ومداراته بإسداء الجميل؛ ليرده عما هو فيه من أذى، وأمر بالاستعاذة به من شيطان الجن؛ لأنه لا يقبل رشوة، ولا يؤثر فيه جميل؛ لأنه شرير بالطبع، ولا يكفه عنك إلا الذي خلقه، وورد هذا المعنى في ثلاث آيات من القرآن 32:

الموضع الأول: قال تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199] .

هذا فيما يتعلق بمعاملة الأعداء من البشر، ثم قال: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأعراف: 200] .

أي: يصيبك ويعرض لك من الشيطان نزغ فاستجر بالله.

قال ابن جرير: (وإما يغضبنك من الشيطان غضب يصدك عن الإعراض عن الجاهلين، ويحملك على مجازاتهم؛ فاستجر بالله من نزغه؛ فإنه سميع لجهل الجاهل عليك، عليم بما يذهب عنك الشيطان» 33.

الموضع الثاني: قال تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (96) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} [المؤمنون: 96 - 98] .

قال ابن عطية: «والنزغات وسورات الغضب من الشيطان، وهي المتعوذ منها في الآية. وهمزات الشيطان: خطراته التي يخطرها بقلب الإنسان» 34.

الموضع الثالث: قال تعالى: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [فصلت: 35 - 36] .

قال ابن عباس: «قوله: ادفع بالتي هي أحسن قال: أمر الله المؤمنين بالصبر عند الغضب، والحلم والعفو عند الإساءة، فإذا فعلوا ذلك عصمهم من الشيطان، وخضع لهم عدوهم كأنه ولي حميم» 35.

ثم أمر الله نبيه بأنه إذا حمله الشيطان على مجازاة المسيء بالإساءة؛ بالاستجارة منه والاعتصام بالله من خطراته؛ إن الله هو {السَّمِيعُ} لاستعاذتك منه، واستجارتك به من نزغاته {الْعَلِيمُ} بما ألقى في نفسك من نزغاته، وحدثتك به نفسك ومما يذهب ذلك عن قلبك» 36.

وأمر الله في سورة الفلق بالاستعاذة من شر ما خلق، ويدخل فيه شياطين الإنس والجن.

قال تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ} [الفلق: 1 - 2] .

قال ابن القيم: «فالاستعاذة من شر ما خلق تعم شر كل مخلوق فيه شر، وكل شر في الدنيا و الآخرة، وشر شياطين الإنس والجن، وشر السباع والهوام، وشر النار والهواء، وغير ذلك» 37.

وكذلك أمر الله في سورة الناس بالاستعاذة من شر شياطين الإنس والجن.

قال تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} [الناس: 1 - 6] .

قال قتادة: «إن من الجن شياطين، ومن الإنس شياطين، فتعوذ بالله من شياطين الإنس والجن» 38.

ثانيًا: الجهل والسفه:

استعاذ نبي الله موسى عليه السلام من الجهل والسفه في قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [البقرة: 67] .

والجهل خلاف العلم 39. والجاهل: هو الذي يتكلم بالكلام الذي لا فائدة فيه.

فهذا موسى عليه السلام استعاذ بالله أن يكون من الجاهلين.

قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [البقرة: 67] .

والخروج عن جواب السائل المسترشد إلى الهزء جهل؛ فاستعاذ منه عليه السلام؛ لأنها صفة تنتفي عن الأنبياء، والجهل نقيض العلم، فاستعاذ من الجهل كما جهلوا في قولهم: أتتخذنا هزوًا لمن يخبرهم عن الله تعالى؟! وظاهر هذا القول يدل على فساد اعتقاد من قاله، ولا يصح إيمان من قال لنبي ذلك.

قال القرطبي: «وفي الآية دليل على منع الاستهزاء بدين الله ودين المسلمين ومن يجب تعظيمه، وأن ذلك جهل وصاحبه مستحق للوعيد» 40.

ثالثًا: تسلط الجبابرة والمتكبرين:

استعاذ نبي الله موسى عليه السلام بالله من كل متكبر على الله، تكبر عن توحيده، والإقرار بألوهيته وطاعته، وأنكر اليوم الآخر.

قال تعالى: {وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ} [غافر: 27] .

قال ابن جرير: «وإنما خص موسى صلوات الله وسلامه عليه الاستعاذة بالله ممن لا يؤمن بيوم الحساب؛ لأن من لا يؤمن بيوم الحساب مصدقًا لم يكن للثواب راجيًا ولا للعقاب خائفًا؛ لذلك كانت استجارته من هذا الصنف من الناس خاصة» 41.

وكذلك استعاذ بالله من أن يرجم في قوله تعالى: {وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ} [الدخان: 20] .

قال ابن عطية: «هذا كلام قاله موسى عليه السلام لخوف لحقه من فرعون وملئه» 42، فكأنهم توعدوه بالقتل، فاستجار بالله من ذلك 43.

وكذلك أمر الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بالاستعاذة من الذي يجادل في آيات الله بغير علم، ويتكبر عن قبول الحق.

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [غافر: 56] .

أي: فاستجر بالله يا محمد من شر هؤلاء الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان؛ لأن في صدورهم كبرًا، أي: عظمة 44 يتعاظمون بها عن اتباعك وقبول الحق منك؛ حسدًا منهم على الفضل الذي آتاك الله، والكرامة التي أكرمك الله بها من النبوة 45.

أولًا: عند قراءة القرآن:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت