فهرس الكتاب

الصفحة 1108 من 2431

وفي ذلك يقول الله تعالى: {وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الرعد: 4] 23.

إن هذه الآية الكريمة تلفت أنظار العباد إلى الأرض التي يعيشون عليها؛ فإن فيها {قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ} أي: أراضٍ يجاور بعضها بعضًا، مع أن هذه طيبة تنبت ما ينفع الناس، وهذه سبخة مالحة، لا تنبت شيئًا، ويدخل في هذه الآية اختلاف ألوان بقاع الأرض؛ فهذه تربة حمراء، وهذه بيضاء، وهذه صفراء، وهذه سوداء، وهذه محجرة، وهذه سهلة، وهذه سميكة، وهذه رقيقة، والكل متجاورات، وتقارب بعضها بعضًا، وهذا كله مما يدل على الفاعل الحكيم، لا إله إلا هو سبحانه.

ومع هذا الاختلاف في قطع الأرض هناك اختلاف عجيب آخر أشارت إليه الآية: {وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ} .

فهذا الاختلاف في أجناس الثمرات والزروع في أشكالها وألوانها وطعومها وروائحها وأوراقها وأزهارها؛ فهذا في غاية الحلاوة، وهذا في غاية الحموضة، وذا في غاية المرارة، وهذا أصفر، وهذا أحمر، وهذا أبيض، وكذلك الأزهار، والأرض الواحدة يكون فيها الخوخ، والكمثرى، والعنب الأبيض والأسود، وبعضها أكثر حملًا من بعض، وبعضه حلو، وبعضه حامض، وبعضه أفضل من بعض، مع أنها كلها تستمد من طبيعة واحدة وهو الماء، مع هذا الاختلاف الكثير الذي لا ينحصر ولا ينضبط، ففي ذلك آيات لمن كان واعيًا، وهذا من أعظم الدلالات على الفاعل الحكيم الذي بقدرته فاوت بين الأشياء وخلقها على ما يريد 24.

قال القرطبي: «وفي هذا أدل دليل على وحدانيته، وعظم صمديته، والإرشاد لمن ضل عن معرفته؛ فإنه سبحانه نبه بقوله: {يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ} على أن ذلك كله ليس إلا بمشيئته وإرادته، وأنه مقدور بقدرته، وهذا أدل دليل على بطلان القول بالطبع؛ إذ لو كان ذلك بالماء والتراب، والفاعل له الطبيعة لما وقع الاختلاف» 25.

إن في ذلك كله آيات وعبر ودلائل لمن نظر وتدبر باستبصار واعتبار، ولا ينتفع بكل تلك الآيات إلا العقلاء، ومن لم ينتفع بها فهو منزل منزلة من لا يعقل، وهذا ما يستفاد من وصف الآيات بأنها من اختصاص الذين يعقلون في قوله سبحانه في ختام الآية: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} 26.

ثالثًا: النبات من مظاهر النعيم:

إن من عجيب آيات الله عز وجل في خلق النبات أنه تعالى جعل في ذلك النبات ما لا يعد ولا يحصى من الفوائد والمنافع؛ فما أكثر منافعه، وما أعظم فوائده؛ فقد جعل الله عز وجل فيه حياة للإنسان والحيوان، وبه تستقيم الحياة على وجه الأرض، وفيه الغذاء لجميع الحيوانات والأنعام والإنسان.

والنبات ضروري جدًا للتوازن الحراري على الأرض؛ إذ النبات يحفظ للأرض حرارتها المعتدلة، ويمنع الزيادة الضارة لحرارة الأرض، كما أنه يقوم بتنقية الجو من غاز ثاني أكسيد الكربون، وإخراج الأكسجين، من خلال ما يعرف بعملية البناء الضوئي.

ويستفيد الإنسان من أخشاب النبات وأوراقه في بناء البيوت والمساكن، وصنع الأثاث والآلات والمعدات، كما أن النبات مصدر رئيسي من مصادر الطاقة للإنسان.

وللنبات فوائد نفسية للإنسان؛ فمنظره البهيج، وصورته الجميلة تبعث في النفس الطمأنينة والسرور، وأزهاره وثماره بأشكالها وألوانه الجذابة، وروائحها العطرة الفواحة تشرح الصدر، وتريح النفس، وتملأ القلب راحةً وسعادةً، وكل هذا معروف ومجرب لا يحتاج إلى دليل أو برهان.

وكثيرًا ما يذكر الله عز وجل عباده بما جعل لهم من منافع ونعم لا تحصى فيما خلقه سبحانه من نبات وزرع وجنات؛ فهو سبحانه الذي ساق الماء، وأنزله على الأرض الميتة، وأخرج به سبحانه طعامًا ورزقًا يأكل منه العباد، وتتغذى عليه الخلائق.

قال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ} [السجدة: 27] .

والأرض الجرز هي: الأرض اليابسة الغليظة التي لا نبات فيها، وأصل الجرز من قولهم: ناقة جرز، وذلك إذا كانت تأكل كل شيء، وكذلك الأرض الجروز، أي: التي لا يبقى على ظهرها شيء إلا أفسدته 27.

تلك الأرض الجرز الميتة أصبحت حية خضراء منبتةً، فيها أنواع الزروع، وأصناف الثمر، ليأكل العباد ويرعوا أنعامهم، وليشكروا ربهم الذي أسبغ عليهم نعمه وعطاياه.

قال سبحانه: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى} [طه: 53 - 54] .

قال السعدي: «وخص الله عز وجل أولي النهى بذلك، لأنهم المنتفعون بها، الناظرون إليها نظر اعتبارٍ، وأما من عداهم، فإنهم بمنزلة البهائم السارحة، والأنعام السائمة، لا ينظرون إليها نظر اعتبار، ولا تنفذ بصائرهم إلى المقصود منها، بل حظهم حظ البهائم؛ يأكلون ويشربون، وقلوبهم لاهية، وأجسامهم معرضة» 28.

إن ذلك لمن عظيم آيات الله عز وجل وبديع صنعه، وإن ذلك لمن عظيم نعمه سبحانه على خلقه، تستوجب على العباد الشكر للمنعم، وإخلاص الطاعة للمتفضل، قال الله عز وجل: {وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ} [يس: 33 - 35] .

إن الإنسان يعتمد في غذائه اعتمادًا كليًا على النبات؛ سواء كان ذلك بطريق مباشر أو غير مباشر؛ فالإنسان يعيش على النبات وما يخرجه من ثمار، أو على لحوم الأنعام والطيور التي تتغذى على النبات؛ فالنبات أساس الغذاء للإنسان والحيوان 29.

وقد ذكر الله سبحانه العباد بأنه هو من يخرج الزرع من الأرض الميتة، فتكون المراعي الخضراء والكلأ تتغذى الدواب والبهائم، وتأكل الوحوش والضواري، ويرعى العباد أنعامهم، ويتنعمون بما لذ وطاب من أصناف الفاكهة والثمار، قال عز وجل ممتنًا على عباده: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 10 - 11] .

إنه الله الكريم الرحمن الذي أخرج الحب والزرع والجنات، ورزق العباد من ثمار النخل والأعناب، {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (10) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ} [ق: 9 - 11] .

لقد دعا الله عز وجل عباده للتفكر فيما أخرج لهم من الزروع والثمار، وفيما رزقهم ربهم من أصناف الطعام وألوان الغذاء؛ ليعلموا عظمة الخالق المنعم الرزاق ذي القوة المتين، {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا وَحَدَائِقَ غُلْبًا وَفَاكِهَةً وَأَبًّا مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ} [عبس: 24 - 32] .

وعلى العباد أن يعلموا أن من أنعم عليهم بكل تلك النعم، وتفضل عليهم بأنواع الفضائل والنعم، قادر سبحانه على منعها عنهم، وحرمانهم منها؛ فلو شاء سبحانه ما أنزل على العباد الغيث، ولو شاء سبحانه لأذهب الماء غورًا في الأرض، ولو شاء سبحانه لما أنبت نباتًا ولا أخرج حبًا، ولا خلق ثمرًا، ومن غيره سبحانه ينزل المطر إن منعه عن العباد؟! ومن غيره يرزق العباد إن حبس عنهم الرزق؟!

قال سبحانه وتعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ} [المؤمنون: 18 - 20] .

إنه يجب على العباد أن يقابلوا نعمة الله عز وجل عليهم بإنبات النبات والشجر والثمر بالشكر الجميل، وبالثناء الحسن لمن أنعم عليهم وتفضل؛ فما أعظم نعم الخالق على خلقه، وما أشد تقصير العباد في شكر ربهم عز وجل على آلائه ونعمه، يقول ابن القيم: «فجدير بمن له مسكة من عقل أن يسافر بفكره في هذه النعم والآلاء، ويكرر ذكرها؛ لعله يوقفه على المراد منها؛ ما هو؟ ولأي شيءٍ خلق؟ ولماذا هيئ، وأي أمر طلب منه على هذه النعم؟ كما قال تعالى: {فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأعراف: 69] .

فذكر آلائه تبارك وتعالى ونعمه على عبده سبب الفلاح والسعادة؛ لأن ذلك لا يزيده إلا محبة لله، وحمدًا وشكرًا وطاعةً، وشهود تقصيره بل تفريطه في القليل مما يجب لله عليه» 30.

رابعًا: النبات والسجود:

النبات خلق من خلق الله عز وجل، وكل الخلائق تسجد لخالقها وتسبح بحمده، ولا يستنكف مخلوق من مخلوقات الله عز وجل عن الانقياد لأمره، والخضوع لسلطانه؛ فالكل يخر لعظمة الجبار سبحانه، والكل طوع أمره، وما ينبغي لمخلوق أن يعصي ربه.

ولقد أخبر الله عز وجل عن سجود المخلوقات جميعًا له سبحانه فقال: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} [النحل: 48 - 49] .

وقال سبحانه: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} [الرعد: 15] .

ففي هاتين الآيتين يخبر الله تعالى عن عظمته وسلطانه، الذي قهر كل شيء، ودان له كل مخلوق؛ ولهذا يسجد له سبحانه ما في السموات وما في الأرض من دابة والملائكة، الكل يسجد لربه سجود الذل والقهر والخضوع؛ فكل أحد من مخلوقاته سبحانه خاضعٌ لربوبيته، ذليلٌ لعزته، مقهورٌ تحت سلطانه عز وجل.

ولكل مخلوقٍ سجودٌ جعله الله عز وجل خاصًا به، كما أنه سبحانه جعل لكل مخلوقٍ من مخلوقاته تسبيحًا خاصًا، وصلاةً خاصةً.

قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} [النور: 41] .

فقد علم كل مصلٍ وكل مسبحٍ من مخلوقات الله عز وجل ما كلفه الله سبحانه به من صلاةٍ وتسبيحٍ 31، والناس لا يعلمون حقيقة سجود الخلائق وتسبيحها لله عز وجل، ولا يفقهون كيفيته.

قال الله عز وجل: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [الإسراء: 44] .

وقد أخبر الله عز وجل أن من الخلائق من تسجد لربها طوعًا، ومنها من يسجد له سبحانه كرها.

قال تعالى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} [الرعد: 15] .

وفي معنى سجود الساجدين لله عز وجل كرهًا أقوالًا ذكرها المفسرون؛ أشهرها: أنه سجود ظل الكافر، أو أنه سجود الكاره بتذلله لله عز وجل، وانقياده لما يريده سبحانه منه؛ من عافيةٍ ومرضٍ، وغنى وفقر، وغير ذلك من أقدار الله عز وجل 32.

ولعل الراجح -والله أعلم- أن من يسجد لله كرهًا هو الكافر فقط؛ إذ جميع الخلائق تسجد لربها وتطيعه طوعًا لا كرهًا، كما قال تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} [فصلت: 11] .

والمخلوق الوحيد الذي يتصور أنه يسجد كرهًا هو الكافر من الإنس والجن، وكيفية سجوده كرهًا إما بسجود ظله -كما ذكر بعض المفسرين-، وإما أن يكون بتذلله لله عز وجل، وانقياده لما يريده سبحانه منه؛ من عافيةٍ ومرضٍ، وغنى وفقر، وغير ذلك من أقدار الله عز وجل.

وإذا كانت الخلائق كلها تسجد لله عز وجل فإن النبات من جملة ما خلق الله سبحانه، وهي تسجد ككل المخلوقات لله سبحانه، تسجد سجودًا جعله الله عز وجل لها، لا نعلمه، ولا نفقهه، وقد صرح الله عز وجل بسجود الشجر مع سجود غيرها من المخلوقات؛ كالشمس والقمر، والنجوم، والجبال، وغيرها من مخلوقات، وذلك في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} [الحج: 18] .

والمقصود بالرؤية في الآية: العلم، أي: ألم تعلم أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض؛ إذ إنما عرف ذلك وعلم بخبر الله عز وجل لا أنه يرى بالعين الباصرة 33.

وقد ورد أيضًا الإخبار الصريح عن سجود النبات لله عز وجل في قوله تعالى: {وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} [الرحمن: 6] .

فقد رجح أكثر المفسرين أن المقصود بالنجم هنا: ما نجم (أي: خرج) من الأرض، مما ينبسط عليها، ولم يكن على ساق مثل: البقل ونحوه، فهو كل نبات لا ساق له، وأما الشجر فهو النبات الذي له ساق 34.

ولا شك أن سجود النبات ليس كسجود الإنسان بوضع الرأس على التراب؛ بل هو سجود يتضمن معنى التسليم و الخضوع لله المتعال، ويتضمن سجودًا حقيقيًا لله عز وجل لا نعرفه نحن البشر، ولا نفقهه؛ ولكننا نؤمن به، ونصدق خبر ربنا تعالى عنه.

وقد ظن بعض الناس أن تسبيح الخلائق لله عز وجل، وسجودها له سبحانه هو دلالتها على خالقها، وذلك بما فيها من آيات وعبر، وهذا كلام مردود غير مقبول؛ فسجود المخلوقات لربها سجود حقيقي، طاعة لبارئها تعالى؛ ولكن نحن البشر لا نعلم كيفيته، ولا نفقه حقيقته.

وقد رد ابن القيم على من قال مثل هذا الكلام بقوله: «ولعلك أن تكون ممن غلظ حجابه فذهب إلى أن التسبيح دلالتها على صانعها فقط، فاعلم أن هذا القول يظهر بطلانه من أكثر من ثلاثين وجهًا .. وفي أي لغة تسمى الدلالة على الصانع تسبيحًا وسجودًا وصلاةً وتأويبًا وهبوطًا من خشيته؟ كما ذكر تعالى ذلك في كتابه؛ فتارةً يخبر عنها بالتسبيح، وتارةً بالسجود، وتارةً بالصلاة؛ كقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} [النور: 41] .

أفترى يقبل عقلك أن يكون معنى الآية: قد علم الله دلالته عليه؟ وسمى تلك الدلالة صلاةً وتسبيحًا؟ وفرق بينهما، وعطف إحداهما على الآخر، وتارةً يخبر عنها بالتأويب، وتارةً يخبر عنها بالتسبيح الخاص بوقت دون وقت؛ كالعشي والإشراق؛ أفترى دلالتها على صانعها إنما يكون في هذين الوقتين؟ وبالجملة فبطلان هذا القول أظهر لذوي البصائر من أن يطلبوا دليلًا على بطلانه، والحمد لله» 35.

والخلاصة أن الله عز وجل قد أخبر بأن النباتات والأشجار تسجد لربها عز وجل كغيرها من المخلوقات، والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليهم، ولا نفقه كيفية ذلك السجود ولا هيأته، ولا شك بأن سجود النبات له عز وجل آية من آيات الله التي لا تحصى ولا تنتهي، ولا شك بأن علمنا بسجود النبات لله عز وجل يزيد من حبنا للنبات، ويضفي عليها جمالًا فوق جمالها، وبهجة فوق بهجتها؛ فسبحان من خلق النبات، وسبحان من يسجد له النبات وكل المخلوقات.

خامسًا: الدورة النباتية والبعث بعد الموت:

إن من تأمل في آيات القرآن الكريم التي ذكر فيها النبات يجد أن كثيرًا من تلك الآيات قد ساقها الله عز وجل للدلالة على حقيقة البعث بعد الموت، تلك الحقيقة العظيمة التي يؤمن بها المؤمنون، وقد أنكرها الكفار والمشركون، وزعموا أن الله عز وجل لا يعيد الأموات إلى الحياة مرة أخرى، {وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا} [الإسراء: 49] .

وقد ساق الله عز وجل في كتابه العزيز الأدلة القاطعة، والبراهين الساطعة الدالة على حقيقة البعث بعد الموت.

وقد تنوعت أساليب القرآن الكريم في إثبات حقيقة البعث؛ فتارة يستدل بالنشأة الأولى للخلق؛ وذلك كما في قوله تعالى: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} [يس: 78 - 79] .

فالذي خلق الخلق أول مرة قادر سبحانه على إعادة الخلق مرة أخرى، {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الروم: 27] .

وتارة يستدل القرآن الكريم على حقيقة البعث بخلق ما هو أعظم من بعث الناس، وهو خلق السماوات والأرض، والآيات في ذلك كثيرة؛ منها قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الأحقاف: 33] .

فخلقه تعالى للسماوات والأرض من أعظم البراهين على بعث الناس بعد الموت؛ «لأن من خلق الأعظم الأكبر لا شك في قدرته على خلق الأضعف الأصغر» 36.

وتارة يستدل القرآن الكريم على حقيقة البعث بإحياء الأرض الميتة؛ فكما أن الله عز وجل يحي الأرض بعد موتها فهو سبحانه قادرٌ على إحياء الناس بعد أن تبلى أجسادهم، وتفنى عظامهم، وقد ذكرت آيات كثيرة من كتاب الله عز وجل هذه الحقيقة العظيمة؛ من ذلك قوله سبحانه: {فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الروم: 50] .

أي: انظروا نظر استبصار واستدلال، واستدلوا بذلك على أن من قدر على إحياء الأرض قادرٌ على إحياء الموتى، وهذا من قبيل الاستدلال بالشاهد على الغائب 37.

ومن آيات الاستدلال على حقيقة البعث بإحياء الأرض الميتة قول الله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [فصلت: 39] .

فتلك الأرض الخاشعة الميتة، التي لا نبات فيها ولا حياة أحياها الله عز وجل بما أنزل عليها من ماء من السماء، ولا ريب بأن من كانت هذه قدرته فهو قادرٌ على إحياء الناس بعد الموت والفناء، قال الشنقيطي: «وما أشار إليه جل وعلا في هذه الآية الكريمة: من أن إحياء الأرض بعد موتها برهانٌ قاطعٌ على قدرة من فعل ذلك على إحياء الناس بعد موتهم؛ لأن الجميع إحياءٌ بعد موتٍ، وإيجادٌ بعد عدم» 38.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت