أولًا: المعنى اللغوي:
النار: «النون والواو والراء، أصلٌ صحيحٌ يدل على إضاءةٍ واضطرابٍ وقلة ثباتٍ، ومنه النور والنار، سميا بذلك من طريقة الإضاءة؛ ولأن ذلك يكون مضطربًا سريع الحركة» 1.
ونار نورًا وأنار واستنار ونور، بمعنًى واحدٍ، أي: أضاء، والتنوير: الإنارة، يقال: نورت الشجرة تنويرًا، وأنارت: أي: أخرجت نورها. والنار مؤنثةٌ وهي من الواو؛ لأن تصغيرها نويرةٌ، وجمع النار على (أنيارٍ) ، وأصلها (أنوارٌ) ؛ لأنها من الواو، و (نورٌ) و (نيرانٌ) انقلبت الواو ياءً لكسرة ما قبلها، و (نيرةٌ) ، و (نيارٌ) ، وبينهم (نائرةٌ) أي: عداوةٌ وشحناء، وتنور النار من بعيدٍ: تبصرها 2. ونار الحرب ونائرتها: شرها وهيجها. ونرته وأنرته: نفرته، وامرأة نوار: نافرة عن الشر والقبيح 3.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
قيل: «الدار التي أعدها الله للكافرين به، المتمردين على شرعه، المكذبين لرسله، وهي عذابه الذي يعذب به أعداءه، وسجنه الذي يسجن فيه المجرمين، وهي الخزي الأكبر، والخسران العظيم الذي لا خزي فوقه، ولا خسران أعظم منه» 4.
وقيل: «هي دار العذاب والإهانة، أعدها الله لأعدائه الكافرين الذين كفروا به وعصوا رسله» 5.
وهذه أقوال وتعاريف متقاربة، وبينهما نوع اشتراك في بعض، وعلاقة المعنى الاصطلاحي بالمعنى اللغوي ظاهر في الإضاءة.
وردت مادة (نور) في القرآن الكريم (194) مرة، يخص موضوع البحث منها (145) مرة 6.
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الاسم ... 145 ... {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24) } [البقرة:24]
وجاءت النار في الاستعمال القرآني على ستة أوجه 7:
الأول: العداوة: ومنه قوله تعالى: {كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ} [المائدة: 64] يعني: عداوة.
الثاني: الحرام: ومنه قوله تعالى: {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} [النساء: 10] يعني: حرامًا.
الثالث: جهنم: ومنه قوله تعالى: {فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [البقرة: 24] .
الرابع: الكفر: ومنه قوله تعالى: {أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ} [البقرة: 221] أي: إلى الكفر بالله.
الخامس: النار التي لا دخان لها تنزل من السماء فتأكل القربان: ومنه قوله تعالى: {حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ} [آل عمران: 183] يعني: بنار تأكل القربان.
السادس: النار المعروفة: ومنه قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) } [الواقعة: 71] يعني: النار التي تقدحون من الزند.
جهنم:
جهنم لغةً:
اسم من أسماء النار التي يعذب بها الله عز وجل عباده، وهو ملحق بالخماسي بتشديد الحرف الثالث منه، ولا يجرى للمعرفة والتأنيث، ويقال: هو فارسي معرب 8.
وجهنم: من الجهنام، بئرٌ جهنمٌ وجهنامٌ، بكسر الجيم والهاء: أي: بعيدة القعر، وبه سميت جهنم لبعد قعرها، ولم يقولوا: جهنام فيها 9.
جهنم اصطلاحًا:
جهنم: «اسم النار الآخرة، من الجهامة، وهي كراهة المنظر» 10.
الصلة بين النار وجهنم:
النار: هي الملتهبة الحراقة، وأما جهنم: اسم من أسماء النار فيفيد من قولك: بئر جهنام إذا كانت بعيدة القعر 11.
اللهب:
اللهب لغةً:
اللام والهاء والباء أصل صحيح، وهو ارتفاع لسان النار، ثم يقاس عليه ما يقاربه، من ذلك اللهب: لهب النار، تقول: التهبت التهابا، وكل شيء ارتفع ضوؤه ولمع لمعانًا شديدًا فإنه يقال فيه ذلك، واللهب واللهاب: اشتعال النار 12.
اللهب اصطلاحًا:
«اشتعال النار إذا خلص من الدخان» 13.
الصلة بين النار واللهب:
النار: هي المشتعلة بحد ذاتها، واللهب: ما يظهر ويمكن رؤيته بوضوح عند اشتعال النار.
الإضاءة:
الإضاءة لغةً:
ضوء: الضاد والواو والهمزة أصل صحيح يدل على نور، من ذلك: الضوء، وهو بمعنى: الضياء والنور، قيل: أضاءت النار وأضاءت غيرها 14.
الإضاءة اصطلاحًا:
«فرط الإنارة، من الضوء الذي هو النور البالغ القوي» 15.
الصلة بين النار والضوء:
النار: لابد من اشتعالها حتى تنتج عنها الإضاءة، أما الضوء فهو فرع النور، وهو الشعاع المنتشر.
تحدث القرآن الكريم عن أسماء النار وصفاتها، وهذا ما سنبينه في النقاط الآتية.
أولًا: أسماء النار:
تعددت أسماء النار في القرآن الكريم تعددًا يؤذن بعظم شأنها، وأهمية أمرها، وكثرة أسماء النار توجب على العبد الأخذ بأسباب النجاة منها، وشدة الاحتياط والحذر؛ رغبة في توقي شرها.
وفيما يأتي عرض لما ورد في القرآن من أسماء للنار:
1.لظى.
قال عز وجل: (كَلَّا ? إِنَّهَا لَظَى? ?15?نَزَّاعَةً لِلشَّوَى? ?16?) [المعارج: 15 - 16] .
وهذا الاسم لم يرد إلا في هذه الآية وسميت به لتلظيها وتلهبها 16 وللزوقها بالجلد، فـ «التلظلظ واللظلظة من قولك: حيةٌ تتلظلظ، وهو تحريك رأسها من شدة اغتياظها، وحيةٌ تتلظى من خبثها وتوقدها، والحر يتلظى كأنه يلتهب مثل النار» 17.
وهي تسمية تشعر بعظم ما عليه النار من الاشتعال والتوهج والتغيظ، وشدة الإحراق والتلهب.
2.الحطمة.
قال تعالى: (كَلَّا ? لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ ?4?وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ ?5?نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ ?6?) [الهمزة: 4 - 6] .
وهذا الاسم لم يرد إلا في هاتين الآيتين.
وسميت النار بالحطمة؛ لأنها تحطم كل ما ألقي فيها 18.
وفي هذه التسمية إشعار بشدة هذه النار وقوتها، وأنه لا يستعصي عليها أحد ولا شيء، فهي كفيلة بتحطيم كل ما يلقى فيها.
3.السعير.
قال تعالى: (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ?) [الملك: 10] .
وهذا الاسم ورد في القرآن معرفًا ثمان مرات، ومنكرًا سبع مرات.
وسميت بذلك؛ لأنها توقد وتهيج، فهي (فعيل) بمعنى (مفعول) 19.
وهذا الاسم يدل على شدة اشتعال النار واتقادها وارتفاع ألسنة لهبها، فـ «السين والعين والراء أصلٌ واحدٌ، يدل على اشتعال الشيء واتقاده وارتفاعه» 20.
وفي اللفظة إيماء أيضًا لشدة هيجان النار على أهلها، حيث يقال: ناقة مسعورة، نحو موقدة ومهيجة 21. والسعير: اسم لأشد النار اشتعالًا، يقال: سعر فلان النار: إذا أوقدها بشدة 22.
4.سقر.
قال تعالى: (يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى? وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ) [القمر: 48] .
ورد هذا الاسم في القرآن أربع مرات.
وسميت بذلك؛ لأنها تذيب الأجسام من قولهم: سقرته الشمس إذا أذابته 23.
وهذه التسمية توحي بشدة إحراق النار، فـ «السين والقاف والراء، أصل يدل على إحراقٍ أو تلويح بنار» 24.
وفي هذا ما يشعر بهول العذاب، وبسخونة هذه النار، واشتداد حرها الذي لا يحرق فحسب، بل يبلغ من درجة قوته أن يذيب الأجساد، وتتلاشى فيه اللحوم والأبدان.
5.الجحيم.
قال تعالى: (إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ ?64?طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ ?65?) [الصافات: 64 - 65] .
ورد هذا الاسم في القرآن ثلاثًا وعشرين مرة.
وسميت النار بذلك؛ لشدة تأجج نارها 25.
وفي تسمية النار بالجحيم إشارة إلى عظمتها، وشدة توقدها وحرها، وأنها نار جمع بعضها فوق بعض حتى اشتد حرها، وكل نار عظيمة في مهواة فهي جحيم 26.
6.الهاوية.
قال تعالى: (وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ ?8?فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ?9?وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ ?10?نَارٌ حَامِيَةٌ ?11?) [القارعة: 8 - 11] .
وهذا الاسم ورد في القرآن مرة واحدة في سورة القارعة.
وسميت بهذا الاسم؛ لأن المعذب يهوى فيها مع بعد قعرها 27؛ أو لأنه يهوى فيها من علوٍ إلى سفل 28.
وهي تسمية تشي بحال المعذبين، وتصور حجم الإذلال والهوان الذي يعانونه ويكابدونه، فهي هاوية، يلقى الناس فيها مهانين، فيهوون فيها كما تهوي الحجارة.
7.جهنم.
قال تعالى: أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) [آل عمران: 162] .
وهذا الاسم ورد في القرآن في اثنين وسبعين موضعًا، وجاء مضافًا إلى النار في تسعة مواضع، وسميت نار الآخرة بجهنم؛ لبعد قعرها 29.
وفي هذه التسمية إشعار بعظم هذه النار، وبعد قعرها، ومدى عمقها، وهي تسمية تملأ القلب رعبًا والنفس فزعًا، وتستحث العبد نحو فعل ما ينجيه منها.
فائدة المغايرة بين أسماء النار وأوصافها:
بالتأمل في أسماء النار وصفاتها ومغايرة القرآن في التعبير عنها بأسماء مختلفة وصفات متنوعة يظهر لنا أن من أسباب تلك المغايرة، وفوائدها:
الصلة بين هذه الأسماء المتعددة:
للنار عدد من الأسماء، ولكل منها مدلول خاص يظهره، وجانب من جوانب العظمة يبرزه، ووجه من وجوه الشدة يصوره، وهذا لا شك يدل على عظمة النار، وكأن عظمتها مما يعجز الاسم الواحد عن تصويره، والصفة الواحدة عن الإحاطة به -كما مر، فيتحصل من مجموع تلك الأسماء تصور كثير من جوانب عظمتها وهولها.
فاسم (السعير) يصور شدة التوقد، واسم (الحطمة) يبين القوة التي تمكنها من حطم كل ما يلقى فيها، واسم (الهاوية) يرسم صورة لعمقها وبعد قعرها، وهكذا في بقية الأسماء.
ومجموع هذه الأسماء يوقع في حس المتلقي شدة هولها، ويظهر له عظيم خطرها، كما تتكامل أمامه مختلف ألوان عذابها، وترتسم في مخيلته صور المعذبين فيها، وصنوف آلامهم.
وبالتأمل في أسماء النار نجد أن ثمة روابط وقواسم مشتركة، وهي كالآتي:
ثانيًا: فناء النار:
تمثل مسألة (فناء النار وبقائها) أهمية خاصة؛ لما لها من أهميةٍ في تكوين معتقد المسلم؛ ولما لها من تعلقٍ بإيمان المسلم بالآخرة. وذكر الآخرة من الأمور المركزية في القرآن الكريم، وحق لما كان من أمورها أن يدرس ويبحث، ويظهر فيه الحق من الباطل؛ ليكون المسلم في ذلك على بينة من أمره.
وسنتناول مسألة (فناء النار) من خلال الاختلاف الواقع فيها، وبيان أدلة المختلفين، ومناقشتها، وذكر الراجح من الأقوال في ذلك.
اختلف الناس حول بقاء النار في الآخرة وفنائها على أقوال كثيرة، أهمها ثلاثة:
الأول: القول ببقائها، وهو ما عليه جمهور أهل السنة والجماعة، ونقل بعضهم الإجماع عليه.
الثاني: القول بفنائها، وهو محكي عن الجهم بن صفوان وأتباعه وغيرهم، ونسب إلى شيخ الإسلام ابن تيمية 30.
الثالث: الإمساك عن ذلك 31.
وسنعرض أدلة القائلين ببقاء النار، وأدلة القائلين بفنائها، دون الفريق الثالث؛ لأنهم أمسكوا عن الخوض في المسألة.
أدلة القائلين ببقاء النار في الآخرة:
استدل القائلون ببقاء النار بأدلة كثيرة نذكر بعضها بحسب طبيعة البحث، فمنها:
قوله تعالى: (بَلَى? مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَ?ئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ? هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [البقرة: 81] .
قال الطبري: «وإنما هذه الآية إخبار من الله عباده عن بقاء النار، وبقاء أهلها فيها» 32.
وقوله تعالى: (يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا ? وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ) [المائدة: 37] .
فقد صرحت الآية بكون الكافرين غير خارجين من النار، وأن لهم فيها عذابًا مقيمًا لا يخرجون منه، قال القرطبي مبينًا معنى العذاب المقيم: «و (مُّقِيمٌ) معناه دائم ثابت، لا يزول ولا يحول» 33.
وقوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى? عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا ? كَذَ?لِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ ?36?) [فاطر: 36] 34.
فالآية مصرحة بكون العذاب لا يخفف عن الكفار، وفي هذا دليل على بقاء النار، وعدم فنائها.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا صار أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، جيء بالموت حتى يجعل بين الجنة والنار، ثم يذبح، ثم ينادي منادٍ: يا أهل الجنة لا موت، ويا أهل النار لا موت، فيزداد أهل الجنة فرحًا إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حزنًا إلى حزنهم) 35.
أدلة من قال بفنائها:
استدل بقوله تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ ?106?خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ? إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ?107?) [هود: 106 - 107] .
ووجه الاستدلال من الآية: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ?) [هود: 107] .
فالله جعل خلودهم في النار موقوفًا على مشيئته، فهذا يدل على أن عذاب الكفار منقطع، وله نهاية.
الرد على هذا الاستدلال:
أن الاستثناء عائد على العصاة من أهل التوحيد، ممن يخرجهم الله من النار بشفاعة الشافعين، كما رجحه بعض المفسرين 36.
ومن الأدلة قوله تعالى: (لَّابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا) [النبأ: 23] .
ووجه الدلالة من الآية: أن أهل النار يمكثون فيها أحقابًا، والحقب لها نهاية، فهذا يدل على أن النار تفنى، ولا بقاء لها 37.
الرد على هذا الاستدلال:
أن الذي حدد بالأحقاب ليس هو العذاب، بل هو نوع من العذاب، وهو ما جاء بعد هذه الآية من قوله تعالى: (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا…(24) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا… (25 ) ) [النبأ: 24 - 25] .38.
روى الطبري بسنده عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: (النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ? إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [الأنعام: 128] .
أنه كان يتأول في هذا الاستثناء: «أن الله عز وجل جعل أمر هؤلاء القوم في مبلغ عذابه إياهم إلى مشيئته» ، وقال: «إنه لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه، ولا ينزلهم جنة ولا نارًا» 39.
وروى عبد بن حميد في تفسيره بسنده عن الحسن البصري عند قوله تعالى: (لَّابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا) [النبأ: 23] .
قال: قال عمر رضي الله عنه: «لو لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالج 40 لكان لهم على ذلك يوم يخرجون فيه» 41.
قال الطبري: قال ابن مسعود رضي الله عنه: «ليأتين على جهنم زمان تخفق أبوابها ليس فيها أحد؛ وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقابًا» 42.
الرد على استدلالهم بهذه الآثار:
الآثار السابقة التي استدل بها القائلون بفناء النار ضعيفة لا تقوم بها حجة، كما بينا ذلك في الحاشية.
ومما استدلوا به قولهم: إن معصية الظلم متناهية، فالعقاب عليها بما لا يتناهى ظلم 43.
الرد على هذا الاستدلال:
أن الله علم في سابق علمه أن الخبث قد تأصل في هؤلاء الخبثاء، بحيث إنهم لو عذبوا القدر من الزمن الذي عصوا الله فيه، ثم عادوا إلى الدنيا لعادوا لما يستوجبون به العذاب، لا يستطيعون غير ذلك، قال الله: (وَلَوْ تَرَى? إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ(27) بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ? وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (28 ) ) [الأنعام: 27 - 28] 44.
الرأي الراجح:
الذي يترجح مما سبق من الأقوال هو القول ببقاء النار في الآخرة، وهو قول جمهور أهل السنة والجماعة؛ لصراحة الأدلة من الآيات والأحاديث، وعدم قوة الأدلة التي استدل بها المعارضون.
ومن قرأ ما كتبه ابن القيم رحمه الله تعالى يظن أنه يرجح أن النار تفنى، وأن أهلها يخرجون منها، لكن في الحقيقة أن ابن القيم رحمه الله تعالى يكاد يميل إلى التوقف؛ لأنه بعد أن ذكر الخلاف الطويل، وذكر الأقوال في ذلك والأدلة، قال: «فهذا نهاية أقدام الفريقين في هذه المسألة؛ ولعلك لا تظفر به في غير هذا الكتاب؛ فإن قيل: فإلى أين أنتهى قدمكم في هذه المسألة العظيمة الشأن التي هي أكبر من الدنيا بأضعاف مضاعفة؟ قيل: إلى قوله تبارك وتعالى: (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) [هود: 107] .
وإلى هنا انتهى قدم أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب رضي الله عنه فيها، حيث ذكر دخول أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، وما يلقاه هؤلاء وهؤلاء، وقال: ثم يفعل الله بعد ذلك ما يشاء، بل وإلى ها هنا انتهت أقدام الخلائق» 45.
ثالثًا: عظم النار وشدة حرها:
1.عظم النار.
النار مخلوق من مخلوقات الله عز وجل العظيمة، التي يذهب العقل في تصور عظمتها وسعتها كل مذهب، وينتاب القلب الحي خوفٌ ووجلٌ مما يرد عليه من وصفها في القرآن والسنة، وقد أفصحت الآيات والأحاديث عن ذلك إفصاحًا يزجر كل من كان له قلبٌ أو ألقى السمع وهو شهيد، ويمكن أن نستلمح شيئًا من عظمتها من خلال ما يأتي:
الحديث عن عظم النار له أصل يقوم عليه، وهو أن الذي خلقها هو الله، وهذا هو الأصل الذي من عقله وانتفع به انتفع بوصف الله للنار، وذكره لأهوالها وحرها وعذابها، ومن غفل عنه فلن يقوم في قلبه خوفٌ ولا فزعٌ من النار وأهوالها وعذابها، فالخوف من النار في حقيقته خوفٌ من خالقها، وتعظيم له وتقديس؛ وذلك هو أعظم ما يطبع النفس بطابع الفزع من النار، ويلقي في أعماقها الخوف الرهيب من النار، والفرار الجاد عن مسالكها.
وقد جاءت آيات كثيرة في القرآن مؤكدة لتلك الحقيقة الكبرى، حقيقة أن الذي خلق النار وأعدها للظالمين هو الله، منها قوله تعالى: (? إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا) [الكهف: 29] .
وقوله عز وجل: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا) [النساء: 56] .
وغير ذلك من الآيات.
الحديث عن سعة النار في القرآن حديث يطول، ولكننا نكتفي هنا بالإشارة إلى بعض الآيات والأحاديث التي تبين عظمتها وعمقها واتساعها بما يتناسب مع البحث، من خلال عدة عناصر على النحو الآتي:
جهنم تطلب المزيد:
قال تعالى: (يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ) [ق: 30] .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول: هل من مزيدٍ حتى يضع رب العزة فيها قدمه، فينزوي بعضها إلى بعضٍ وتقول: قط قط، بعزتك وكرمك) 46.
قال ابن كثير معلقًا على هذه الآية: «يخبر تعالى أنه يقول لجهنم يوم القيامة: هل امتلأت؟ وذلك أنه وعدها أن سيملؤها من الجنة والناس أجمعين، فهو سبحانه يََأْمُرُ بمن يُأْمَرُ به إليها، ويلقى وهي تقول: (هَلْ مِنْ مَزِيدٍ) أي: هل بقي شيء تزيدوني؟» 47.
سعة قعرها وشدة عمقها:
مما يدل على عظم جهنم وسعتها ما أخبر به رب العالمين بقوله: (فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ) [القارعة: 9] .
وسميت النار هاوية؛ لأن أهلها يهوون فيها مع بعد قعرها 48، وهذا الوصف لجهنم يبين لنا أن هذه النار عميقة القعر لا يعرف لها قرار ولا نهاية، يهوي أهل النار فيها مهوى بعيدًا.
وقعر هذه النار يتبين لنا إذا علمنا أن الحجر إذا ألقي فيها احتاج إلى فترة زمنية طويلة حتى يصل إلى قعرها، كما جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ سمع وجبةً 49، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:(تدرون ما هذا؟) قال: قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: (هذا حجرٌ رمي به في النار منذ سبعين خريفًا، فهو يهوي في النار الآن حتى انتهى إلى قعرها) 50.
فما أعظم هذه النار التي احتاج حجر سبعين خريفًا حتى انتهى إلى قعرها!.
جهنم تجر ولا تحمل:
جهنم لعظمتها وشدة اتساعها تجر ولا تحمل، فقد بين الله عز وجل أن جهنم يؤتى بها يوم القيامة إلى أرض المحشر، فقال تعالى: (. وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ) [الفجر: 23] .
وهذا المجيء بين لنا النبي صلى الله عليه وسلم كيفيته، فقال: (يؤتى بجهنم يومئذٍ لها سبعون ألف زمامٍ، مع كل زمامٍ سبعون ألف ملكٍ يجرونها) 51. ثم قرأ الآية.
وإيثار (يجرونها) دون (يحملونها) أو غيره من الألفاظ، ليدل على عظم جهنم ومدى اتساعها؛ إذ من المعلوم أن الشيء كلما عظم واتسع صعب حمله فيجر.
ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن للزمام الواحد سبعين ألف ملك، وهو دليل على أن الزمام الواحد متعلق بشيء عظيم يحتاج إلى آلاف من الملائكة حتى يجروه.
وإضافة إلى ما ذكر فإن من يتأمل هذه الآية يجد أنها جاءت في سياق التهويل لموقف القيامة، وتوضيح مشاهد الرعب والفزع فيه، حيث: دك الأرض، ومجيء الرب، واصطفاف الملائكة، ثم مجيء جهنم.
وهذا يوحي لنا أن مجرد حضور النار ورؤيتها لهو هولٌ من أهوال هذا الموقف، فكيف بهول السوق إليها ودخولها؟!
عن عائشة رضي الله عنها أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: (وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) [الزمر: 67] .