أولًا: المعنى اللغوي:
الأمن ضد الخوف، والمأمن: موضع الأمن، والآمن: المستجير ليأمن على نفسه 1، والأمان والأمانة بمعنىً، وقد أمنت فأنا آمن، وآمنت غيري من الأمن والأمان 2، وأمن كفرح أمنًا وأمانًا بفتحهما، وأمنًا وأمنةً محركتين، وإمنًا بالكسر، فهو أمن وأمين كفرح وأمير، ورجل أمنةٌ كهمزة ويحرك: يأمنه كل أحد في كل شيء 3، والأمن والأمانة والأمان في الأصل مصادر، ويجعل الأمان تارة اسمًا للحالة التي يكون عليها الإنسان في الأمن، وتارة اسمًا لما يؤمن عليه الإنسان 4.
ومن خلال ما تقدم من معانٍ لغوية يتضح لنا أن كلمة الأمن لها عدة إطلاقات: فهي تعنى الطمأنينة وعدم الخوف، أو الثقة والهدوء النفسي، إضافة إلى راحة القلب، وعدم وقوع الغدر أو الخيانة من الغير.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
عرفه المناوي بقوله: «عدم توقع مكروهٍ في الزمن الآتي، وأصله طمأنينة النفس، وزوال الخوف» 5.
وقال الراغب الأصفهاني: «أصل الأمن: طمأنينة النفس، وزوال الخوف» 6.
ومن خلال هذه المعاني اللغوية والاصطلاحية تبين أن هناك ارتباطًا بينها، فالأمن ضد الخوف، وهو يعني: الأمان والطمأنينة والسكون والثقة.
وردت مادة (أمن) في القرآن (853) مرة، ويخص موضوع البحث منها (45) مرة 7.
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل الماضي ... 14 ... {أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (97) } [الأعراف:97]
الفعل المضارع ... 7 ... {قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (11) } [يوسف:11]
المصدر ... 7 ... {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ} [النساء:83]
اسم الفاعل ... 17 ... {وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (99) } [يوسف:99]
وجاء الأمن في القرآن بمعناه في اللغة وهو: طمأنينة النفس وزوال الخوف 8.
الخوف:
الخوف لغة:
الخاء والواو والفاء أصلٌ واحدٌ يدل على الذعر والفزع 9.
الخوف اصطلاحًا:
«خلاف الأمن، والأمن سكون النفس، والخوف من انزعاجها وقلقها» 10.
وقال التفتازاني: «غم يلحق الإنسان مما يتوقعه من السوء» 11.
الصلة بين الأمن والخوف:
يلاحظ أن الخوف جاء على خلاف الأمن، فالعلاقة بينهما علاقة تضاد.
القلق:
القلق لغة:
القاف واللام والقاف كلمةٌ تدل على الانزعاج 12.
القلق اصطلاحًا:
«حالة انفعالية، تتميز بالخوف مما قد يحدث» 13.
الصلة بين الأمن والقلق:
القلق يدل على الانزعاج نتيجة الخوف، بخلاف الأمن الذي يدل على الطمأنينة والسكون، فالعلاقة بينهما علاقة تضاد.
الطمأنينة:
الطمأنينة لغة:
السكون بعد الانزعاج 14.
الطمأنينة اصطلاحًا:
الاطمئنان والثقة، وعدم القلق والقرار 15.
الصلة بين الأمن والطمأنينة:
إن الأمن معناه طمأنينة النفس وزوال الخوف، فالعلاقة بينهما علاقة ترادف.
السكينة:
السكينة لغة:
السكون ضد الحركة، سكن الشيء يسكن سكونًا: إذا ذهبت حركته، وأسكنه هو وسكنه غيره تسكينًا، وكل ما هدأ فقد سكن، كالريح والحر والبرد ونحو ذلك 16.
السكينة اصطلاحًا:
هي الطمأنينة والوقار والسكون الذي ينزله الله في قلب عبده عند اضطرابه 17.
الصلة بين الأمن والسكينة:
الأمن: طمأنينة النفس وزوال الخوف، والسكينة: الطمأنينة في القلب والاستقرار والرزانة والوقار.
السلام:
السلام لغة:
أصل مادة (سلم) تفيد معنى السلامة من كل شر، والسلامة: أن يسلم الإنسان من العاهة والأذى 18.
السلام اصطلاحًا:
«تجرد النفس عن المحنة في الدارين» 19.
الصلة بين الأمن والسلام:
الأمن: طمأنينة النفس وزوال الخوف، أما السلام: أن يسلم كل واحد منهما أن يناله ألم من صاحبه، مع وزوال المحنة 20.
تنوعت أساليب القرآن في الحديث عن الأمن، وبيانها فيما يأتي:
أولًا: الامتنان بالأمن:
إن نعمة الأمن من الخوف من أجل النعم التي من الله بها على العباد، والله سبحانه وتعالى ذكر عن إبراهيم عليه السلام دعاءه في سورة إبراهيم (37 - 41) وذكر أنه طلب في دعائه أمورًا سبعةً.
وكان المطلوب الأول: أنه طلب من الله نعمة الأمان، وهو قوله: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا} [البقرة: 126] .
والابتداء بطلب نعمة الأمن في هذا الدعاء يدل على أنه أعظم أنواع النعم والخيرات، وأنه لا يتم شيءٌ من مصالح الدين والدنيا إلا به، وسئل بعض العلماء: الأمن أفضل أم الصحة؟ فقال: الأمن أفضل 21.
وإن الله تعالى ذكر امتنانه على عباده بتلك النعمة الجليلة في غير ما آية من كتاب الله تعالى، ومن صور الامتنان بنعمة الأمن في القرآن الكريم ما يلي:
1.الامتنان على أهل مكة.
وتكرر ذلك في أكثر من موضع في القرآن، ومن ذلك:
قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ} [العنكبوت: 67] .
وقال تعالى: {وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [القصص: 57] 22.
عن قتادة قال: كان أهل الحرم آمنين يذهبون حيث شاءوا، إذا خرج أحدهم فقال: إني من أهل الحرم لم يتعرض له، وكان غيرهم من الناس إذا خرج أحدهم قتل 23.
وقال سبحانه: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (2) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (3) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (4) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ} [الفيل: 1 - 5] .
وقال: {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} [قريش: 1 - 4] .
فكلتا السورتين تذكير بنعم الله على أهل مكة، فسورة الفيل تشتمل على إهلاك عدوهم (وهو نوع من تأمينهم) الذي جاء لهدم البيت الحرام أساس مجدهم وعزهم، وسورة قريش تذكر نعمة أخرى اجتماعية واقتصادية، حيث حقق الله بينهم الألفة واجتماع الكلمة، وأكرمهم بنعمة الأمن والاستقرار، ونعمة الغنى واليسار 24.
إنها منطقة الأمان يقيمها الله للبشر في زحمة الصراع، إنها الكعبة الحرام، تقدم في وسط المعركة المستعرة بين المتخاصمين والمتحاربين والمتصارعين والمتزاحمين على الحياة بين الأحياء من جميع الأنواع والأجناس، بين الرغائب والمطامع والشهوات والضرورات، فتحل الطمأنينة محل الخوف، ويحل السلام محل الخصام، وترف أجنحة من الحب والإخاء والأمن والسلام، وتدرب النفس البشرية في واقعها العملي-لا في عالم المثل والنظريات- على هذه المشاعر وهذه المعاني، فلا تبقى مجرد كلمات مجنحة ورؤى حالمة، تعز على التحقيق في واقع الحياة.
لقد جعل الله هذه الحرمات تشمل الإنسان، والطير، والحيوان، والحشرات بالأمن في البيت الحرام.
ولقد ألقى الله في قلوب العرب -حتى في جاهليتهم- حرمة هذه الأشهر، فكانوا لا يروعون فيها نفسًا، ولا يطلبون فيها دمًا، ولا يتوقعون فيها ثأرًا، حتى كان الرجل يلقى قاتل أبيه وابنه وأخيه فلا يؤذيه، فكانت مجالًا آمنًا للسياحة، والضرب في الأرض، وابتغاء الرزق.
جعلها الله كذلك لأنه أراد للكعبة -بيت الله الحرام- أن تكون مثابة أمن وسلام، تقيم الناس وتقيهم الخوف والفزع.
لقد جعل الله هذه الحرمات منذ بناء هذا البيت على أيدي إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وجعله مثابة للناس وأمنًا، حتى لقد امتن الله به على المشركين أنفسهم إذ كان بيت الله بينهم مثابة لهم وأمنًا، والناس من حولهم يتخطفون، وهم فيه وبه آمنون، ثم هم -بعد ذلك- لا يشكرون الله ولا يفردونه بالعبادة في بيت التوحيد، ويقولون للرسول صلى الله عليه وسلم إذ يدعوهم إلى التوحيد: {إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا} ، فحكى الله قولهم هذا وبين حقيقة الأمن والمخافة، فقال: {وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [القصص: 57] 25.
وقال تعالى ممتنًا على قريش: {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الأنفال: 26] .
قال قتادة: «كان هذا الحي من العرب أذل الناس ذلًا، وأشقاه عيشًا، وأبينه ضلالةً، وأعراه جلودًا، وأجوعه بطونًا، مكعومين على رأس حجرٍ بين الأسدين: فارس والروم، لا والله ما في بلادهم يومئذٍ من شيءٍ يحسدون عليه، من عاش منهم عاش شقيًا، ومن مات ردي في النار، يؤكلون ولا يأكلون، والله ما نعلم قبيلًا يومئذٍ من حاضر الأرض، كانوا فيها أصغر حظًا وأدق فيها شأنًا منهم، حتى جاء الله عز وجل بالإسلام، فورثكم به الكتاب، وأحل لكم به دار الجهاد، ووضع لكم به من الرزق، وجعلكم به ملوكًا على رقاب الناس، وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم، فاشكروا نعمه، فإن ربكم منعمٌ يحب الشاكرين، وإن أهل الشكر في مزيد الله، فتعالى ربنا وتبارك» 26.
2.الامتنان على النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى أصحابه رضوان الله عليهم.
قال الله تعالى: {ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا} [آل عمران: 154] .
وقال: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ} [الأنفال: 11] .
قال ابن كثير: «يذكرهم الله بما أنعم به عليهم من إلقائه النعاس عليهم، أمانًا من خوفهم الذي حصل لهم من كثرة عدوهم، وقلة عددهم، وكذلك فعل تعالى بهم يوم أحد، كما قال تعالى: {ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ} [آل عمران: 154] .
أما النعاس فقد أصابهم يوم أحدٍ، وأمر ذلك مشهورٌ جدًا، وأما يوم بدرٍ في هذه الآية الشريفة إنما هي في سياق قصة بدرٍ، وهي دالةٌ على وقوع ذلك أيضًا، وكأن ذلك كان سجية للمؤمنين عند شدة البأس لتكون قلوبهم آمنةً مطمئنةً بنصر الله، وهذا من فضل الله ورحمته بهم، ونعمه عليهم، وكما قال تعالى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [الشرح: 5 - 6] » 27.
وعن أنسٍ، عن أبي طلحة رضي الله عنهما قال: «كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أحدٍ حتى سقط سيفي من يدي مرارًا، يسقط وآخذه، ويسقط فآخذه» 28.
قال ابن القيم: «وأنزل الله عليهم النعاس أمنةً منه في غزاة بدرٍ وأحدٍ، والنعاس في الحرب وعند الخوف دليلٌ على الأمن، وهو من الله» 29.
وقال الرازي: «واعلم أن كل نومٍ ونعاسٍ فإنه لا يحصل إلا من قبل الله تعالى، فتخصيص هذا النعاس بأنه من الله تعالى لابد فيه من مزيد فائدةٍ، وذكروا فيه وجوهًا:
أحدها: أن الخائف إذا خاف من عدوه الخوف الشديد على نفسه وأهله فإنه لا يأخذه النوم، وإذا نام الخائفون أمنوا، فصار حصول النوم لهم في وقت الخوف الشديد يدل على إزالة الخوف، وحصول الأمن.
وثانيها: أنهم خافوا من جهاتٍ كثيرةٍ.
أحدها: قلة المسلمين وكثرة الكفار.
وثانيها: الأهبة والآلة والعدة للكافرين وقلتها للمؤمنين.
وثالثها: العطش الشديد، فلولا حصول هذا النعاس، وحصول الاستراحة حتى تمكنوا في اليوم الثاني من القتال لما تم الظفر.
والوجه الثالث: في بيان كون ذلك النعاس نعمةً في حقهم، أنهم ما ناموا نومًا غرقًا يتمكن العدو من معاقصتهم، بل كان ذلك نعاسًا يحصل لهم زوال الأعيان والكلال، مع أنهم كانوا بحيث لو قصدهم العدو لعرفوا وصوله، ولقدروا على دفعه.
والوجه الرابع: أنه غشيهم هذا النعاس دفعةً واحدةً مع كثرتهم، وحصول النعاس للجمع العظيم في الخوف الشديد أمرٌ خارقٌ للعادة، فلهذا السبب قيل: إن ذلك النعاس كان في حكم المعجز» 30.
3.الامتنان على أهل الجنة.
قال تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (45) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ} [الحجر: 45 - 46] .
وقال: {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ} [سبأ: 37] .
قال ابن القيم: «قال تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (51) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} [الدخان: 51 - 52] .
والمقام الأمين: موضع الإقامة، والأمين: الآمن من كل سوء وآفة ومكروه، وهو الذي قد جمع صفات الأمن كلها، فهو آمن من الزوال والخراب وأنواع النقص، وأهله آمنون فيه من الخروج والنغص والنكد، وتأمل كيف ذكر سبحانه الأمن في قوله تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ} [الدخان: 51] . وفي قوله تعالى: {يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ} [الدخان: 55] .
فجمع لهم بين أمن المكان وأمن الطعام، فلا يخافون انقطاع الفاكهة ولا سوء عاقبتها ومضرتها، وأمن الخروج منها فلا يخافون ذلك، وأمن من الموت فلا يخافون فيها موتًا» 31.
4.الامتنان على أهل سبأ:
قال تعالى: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ} [سبأ: 18] .
قال ابن كثير: «يذكر تعالى ما كانوا فيه من النعمة والغبطة، والعيش الهني الرغيد، والبلاد الرخية، والأماكن الآمنة، والقرى المتواصلة المتقاربة، بعضها من بعضٍ، مع كثرة أشجارها وزروعها وثمارها، بحيث إن مسافرهم لا يحتاج إلى حمل زادٍ ولا ماءٍ، بل حيث نزل وجد ماءً وثمرًا، ويقيل في قريةٍ، ويبيت في أخرى، بمقدار ما يحتاجون إليه في سيرهم» 32.
وقال ابن عاشور: «وتقديم الليالي على الأيام للاهتمام بها في مقام الامتنان؛ لأن المسافرين أحوج إلى الأمن في الليل منهم إليه في النهار؛ لأن الليل تعترضهم فيه القطاع والسباع» 33.
فالواجب علينا أن نشكر الله تعالى على هذه النعمة، وأن نعلم أننا سنسأل عنها، كما قال تعالى: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} [التكاثر: 8] .
ذكر ابن مسعودٍ رضي الله عنه وجماعة أن النعيم: الأمن والصحة 34.
ثانيًا: التحذير من الركون إلى الأمن:
قال تعالى: {أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (97) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف: 97 - 99] .
قال الطبري: «يقول تعالى ذكره: أفأمن يا محمد هؤلاء الذين يكذبون الله ورسوله ويجحدون آياته، استدراج الله إياهم بما أنعم به عليهم في دنياهم من صحة الأبدان ورخاء العيش، كما استدرج الذين قص عليهم قصصهم من الأمم قبلهم، فإن مكر الله لا يأمنه، يقول: لا يأمن ذلك أن يكون استدراجًا مع مقامهم على كفرهم وإصرارهم على معصيتهم إلا القوم الخاسرون، وهم الهالكون» 35.
وقال الطاهر ابن عاشور: «واعلم أن المراد بأمن مكر الله في هذه الآية هو الأمن الذي من نوع أمن أهل القرى المكذبين، الذي ابتدئ الحديث عنه من قوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ} [الأعراف: 94] .
ثم قوله: {أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا} الآيات، وهو الأمن الناشئ عن تكذيب خبر الرسول صلى الله عليه وسلم، وعن الغرور بأن دين الشرك هو الحق فهو أمنٌ ناشئٌ عن كفرٍ، والمأمون منه هو وعيد الرسل إياهم، وما أطلق عليه أنه مكر الله» 36.
وقال تعالى: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (67) أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (68) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا} [الإسراء: 67 - 69] .
قال في الظلال: «ولكن الإنسان هو الإنسان، فما إن تنجلي الغمرة، وتحس قدماه ثبات الأرض من تحته حتى ينسى لحظة الشدة، فينسى الله، وتتقاذفه الأهواء، وتجرفه الشهوات، وتغطي على فطرته التي جلاها الخطر» .
وهنا يستجيش السياق وجدان المخاطبين بتصوير الخطر الذي تركوه في البحر وهو يلاحقهم في البر، أو وهم يعودون إليه في البحر؛ ليشعروا أن الأمن والقرار لا يكونان إلا في جوار الله وحماه، لا في البحر ولا في البر، لا في الموجة الرخية والريح المواتية، ولا في الملجأ الحصين والمنزل المريح: {أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (68) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا} [الإسراء: 68 - 69] .
إن البشر في قبضة الله في كل لحظة وفي كل بقعة، إنهم في قبضته في البر كما هم في قبضته في البحر، فكيف يأمنون؟ كيف يأمنون أن يخسف بهم جانب البر بزلزال أو بركان، أو بغيرهما من الأسباب المسخرة لقدرة الله؟!
أو يرسل عليهم عاصفة بركانية تقذفهم بالحمم والماء والطين والأحجار، فتهلكهم دون أن يجدوا لهم من دون الله وكيلًا يحميهم ويدفع عنهم؟
أم كيف يأمنون أن يردهم الله إلى البحر فيرسل عليهم ريحًا قاصفة، تقصف الصواري وتحطم السفن، فيغرقهم بسبب كفرهم وإعراضهم، فلا يجدون من يطالب بعدهم بتبعة إغراقهم؟
ألا إنها الغفلة أن يعرض الناس عن ربهم ويكفروا، ثم يأمنوا أخذه وكيده، وهم يتوجهون إليه وحده في الشدة ثم ينسونه بعد النجاة، كأنها آخر شدة يمكن أن يأخذهم بها الله! 37.
وقال تعالى: {أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (45) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (46) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} [النحل: 45 - 47] .