فهرس الكتاب

الصفحة 345 من 2431

إن من التكريم الإلهي للإنسان إسكان آدم وحواء في الجنة في بدء الخلق، فقد أمر الله تعالى آدم وزوجه حواء بسكنى الجنة، والتمتع فيها حيث شاءا، والأكل منها أكلا هنيئًا لا عناء فيه، أو واسعًا لا حد له. ونهاهما عن الأكل من شجرة معينة، فكان الأكل منها ظلمًا لأنفسهما، وتجاوزًا لأمر الله ومخالفة نهيه، ولكن الشيطان عدوهما أزلهما عنها، أذهبهما وأبعدهما عن الجنة، وأخرجهما من ذلك النعيم، بعد أن أغواهما بالأكل من الشجرة، فحولهما من الجنة، قائلًا لهما: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ} [الأعراف: 20 - 21] .

فتغلبت عليهما وساوس الشيطان، وخرجا من الجنة إلى الأرض، وشقاء الدنيا، وقد نشأت بعدها العداوة بين البشر والشيطان: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [فاطر: 6] .

وقال الله لهما: اهبطوا من الجنة إلى الأرض، بعضكم عدو بعض، ولكم استقرار في الأرض وتمتع بنعمها وخيراتها إلى مدة معينة من الزمان. فألهم الله آدم كلمات، فعمل بها هو وزوجته، فقالاها، وتابا توبة خالصة، والكلمات هي قوله تعالى: {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23] .

فتقبل الله منهما التوبة؛ لأنه كثير القبول لتوبة عباده، وكرر الأمر بالهبوط من الجنة هو وزوجه للتأكيد 131.

[انظر: الإنسان: خلق حواء]

1.إن الله خلق آدم وأخرج من ظهره ذريته كالذر، وأحياهم، وجعل لهم عقلًا وإدراكًا، وأخرج من ظهور بني آدم ذريتهم، وأشهدهم على أنفسهم، وهم في عالم الأرواح، وقد كرم الله بني آدم أن استخلفهم في الأرض؛ لإعمارها ولإقامة حدود الله، وأخذ عليهم الميثاق.

أولًا: نداءات الله لبني آدم:

من خلال استقراء آيات كتاب الله نجد أن الآيات القرآنية التي نادى الله بها البشر بصيغة {يَابَنِي آدَمَ} خمس آيات، هي:

1.قول الله تعالى: {يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [الأعراف: 26] .

هناك تلازم بين شرع الله اللباس؛ لستر العورات والزينة، وبين التقوى، كلاهما لباس، هذا يستر عورات القلب ويزينه، وذاك يستر عورات الجسم ويزينه، وهما متلازمان، فعن شعور التقوى لله والحياء منه ينبثق الشعور باستقباح عري الجسد والحياء منه، ومن لا يستحي من الله ولا يتقيه لا يهمه أن يتعرى وأن يدعو إلى العري 132.

قال عبد الرحمن بن أسلم: «يتقي الله فيواري عورته، فذاك لباس التقوى» 133.

فاللباس: ستر العورات، والرياش: ما يتجمل به ظاهرًا، فالأول: ضروريات، والثاني: مكملات. وفي الآية دليلٌ على وجوب ستر العورة، وقيل: بل فيها دلالةٌ على الإنعام فقط، بل إن من جملة الإنعام ستر العورة، فبين أنه سبحانه وتعالى جعل لذريته ما يسترون به عوراتهم 134.

2.قول الله تعالى: {يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 27] .

تنبيه لبني آدم بأن الشيطان عدو الإنسان، فيجب التنبه لمخاطره وتذكر عهد الله وميثاقه بأن نعبده وحده لا شريك له، ونزكي النفس بالأخلاق الكريمة والآداب الحميدة؛ لنحقق السعادة الأبدية في الآخرة، ونؤدي الرسالة في هذه الحياة على الوجه الأكمل 135.

لا يصرفنكم الشيطان عن الدين ولا يمتحننكم بأن لا تدخلوا الجنة، كما فتن أبويكم بأن أخرجهما منها.

{يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا} حال إخراجهما، فكان سببًا في أن نزع عنهما.

وقوله: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ} هو تعليلٌ للنهي، وتحذيرٌ من فتنته، بأنه بمنزلة العدو المداجى، يكيدكم ويغتالكم من حيث لا تشعرون.

وقيل: إن عدوًا يراك ولا تراه، لشديد المؤنة إلا من عصم الله.

{إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ} جنوده ونسله، قال مجاهدٌ: يعني الجن والشياطين، {مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ} 136، وعطف {وَقَبِيلُهُ} على الضمير في {يَرَاكُمْ} المؤكد بـ {هُوَ} ، والضمير في {إِنَّهُ} للشأن 137.

وفي الآية دليلٌ على وجوب ستر العورة وتحذير من زوال النعمة، كما نزل بآدم 138.

3.قول الله تعالى: {يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31] .

هذا خطاب عام لجميع العالم وأمروا بهذه الأشياء بسبب عصيان حاضري ذلك الوقت من مشركي العرب فيها، والزينة هاهنا: الثياب الساترة، ويدخل فيها ما كان من الطيب للجمعة والسواك، وكل ما وجد استحسانه في الشريعة ولم يقصد به مستعمله الخيلاء، {عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} عند كل موضع سجود فهي إشارة إلى الصلوات وستر العورة فيها، ويدخل معها مواطن الخير كلها 139.

4.قول الله تعالى: {يَابَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي} [الأعراف: 35] .

هذا هو عهد الله لآدم وبنيه، وهذا هو شرطه في الخلافة عنه سبحانه في أرضه التي خلقها وقدر فيها أقواتها، واستخلف فيها هذا الجنس، ومكنه فيها؛ ليؤدي دوره وفق هذا الشرط وذلك العهد، وإلا فإن عمله ردٌ في الدنيا لا يقبله ولا يمضيه مسلم لله، وهو في الآخرة وِزْرٌ، جزاؤه جهنم لا يقبل الله من أصحابه صرفًا ولا عدلًا.

{فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} ؛ لأن التقوى تنأى بهم عن الآثام والفواحش، وأفحش الفواحش الشرك بالله، واغتصاب سلطانه وادعاء خصائص ألوهيته، وتقودهم إلى الطيبات والطاعات وتنتهي بهم إلى الأمن من الخوف والرضى عن المصير 140.

5.قول الله تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ} [يس: 60] .

اتفق العقلاء على أن الشيطان يأمر بالشر، وإن اختلفوا في حقيقته وكيفيته 141، ونداؤهم هنا {يَابَنِي آدَمَ} فيه من التبكيت ما فيه، فإن الشيطان ظاهر العداوة لكم، بدءًا من أبيكم آدم عليه السلام 142.

وقوله: {لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ} معناه: لا تطيعوه؛ ذلك أن المنهي عنه ليس هو السجود له فحسب، بل الانقياد لأمره والطاعة له، فالطاعة عبادةٌ، وطاعة الشيطان في مخالفة أمر الله، أو ترك أمر الله.

وجملة: {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} تعليل لما قبلها من النهي عن طاعة الشيطان وقبول وسوسته 143.

ثانيًا: تكريم بني آدم:

يقول الله تعالى: {قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 62] .

أرأيت هذا الذي فضلته علي، وكرمته، يعني: آدم، {لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} أي: أجل موتي، {لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ} لأستأصلنهم، ولأستولين عليهم بالإغواء والإضلال، وأصله من احتناك الجراد الزرع، وهو أن تأكله وتستأصله بأحناكها وتفسده، ثم يسمى الاستيلاء على الشيء وأخذ كله احتناك، أوهو مأخوذ من تحنيك الدابة، وهو أن يشد على حنكها بحبل فتنقاد 144.

يقول سيد قطب: «لأستولين عليهم وأحتويهم، وأملك زمامهم، وأجعلهم في قبضة يدي أصرف أمرهم. ويغفل إبليس عن استعداد الإنسان للخير والهداية استعداده للشر والغواية، عن حالته التي يكون فيها متصلًا بالله، فيرتفع ويسمو، ويعتصم من الشر والغواية» 145.

ويقول الله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء: 70] .

{كَرَّمْنَا} جعلهم ذوي كرم، بمعنى: الشرف والمحاسن الجمة، كما تقول: ثوب كريم وفرس كريم؛ أي: جامع للمحاسن، وليس من كرم المال في شيء 146، وما جاء عن أهل التفسير من تكريمهم وتفضيلهم بأشياء ذكروها، هو على سبيل التمثيل لا الحصر 147.

مظاهر تكريم الله لبني آدم:

1.اختص الله الإنسان بأن خلقه بيديه، ونفخه فيه من روحه، (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) [ص: 72] .

وهذا يدل على علو مكانة الروح التي حلت في الإنسان، وعن زيد بن أسلم في قوله: (ولقد كرمنا بني آدم) قال: قالت الملائكة: يا ربنا إنك أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون منها، ويتنعمون، ولم تعطنا ذلك، فأعطناه في الآخرة، فقال: وعزتي لا أجعل ذرية من خلقت بيدي، كمن قلت له كن فكان 148.

2.الصورة الحسنة، والقامة المعتدلة، كما قال عز وجل: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) [التين: 4] .

3.تسخير الكون للإنسان دون ثمن يدفعه، مثل استخدامه لضياء الشمس ودفئها، قال تعالى: (لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ? وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ?40?) [يس: 40] .

4.حملهم في البر والبحر، ورزقهم من كل غذاء نباتي أو حيواني، وتفضيلهم على كثير من خلقه، فقال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى? كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًاں ں) [الإسراء: 70] .

5.تحميله الأمانة، ونفي الجبر عنه، وإعطاؤه الحرية كاملة، قال تعالى: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ? إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولً [الأحزاب: 72] .

6.إعطاؤه حق المساواة لكل فرد مع الأخرين، فلا يتفاضل أحد على أحد إلا بالتقوى والعمل الصالح (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [الحجرات: 13] .

7.يأتي التكريم الأعظم في الآخرة بما أعده الله للطائعين من الكرامة في دار المقام، فقال تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ? وَرِضْوَانٌ) 149.

ثالثًا: أخذ الميثاق على بني آدم:

يقول الله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} [الأعراف: 172] .

والميثاق: العهد المؤكد باليمين، من الوثاقة وهي الشدة في العقد والربط 150، في هذا إشارة إلى أن الله سبحانه وتعالى قد أخرج من أبناء آدم من ظهورهم ذريتهم، وأشهدهم على أنفسهم، وهم في عالم الأرواح، أليس الله سبحانه وتعالى هو ربكم وخالقكم؟ فشهدوا جميعًا وقالوا: بلى أنت ربنا وخالقنا 151. وخلق الناس على فطرة التوحيد مقرر في آية أخرى، هي قوله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} [الروم: 30] .

وفي قوله تعالى: {يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ} [الزمر: 6] ، يقول الطبري: «خلقًا بعد ذلك، قال: فلما أخذ عليهم الميثاق أماتهم، ثم خلقهم في الأرحام، ثم أماتهم، ثم أحياهم يوم القيامة، فذلك قول الله: {قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا} » 152. واختلفوا في كيفية الإخراج وهيئة المخرج والمكان والزمان 153.

والميثاق: هو إقرار من الناس جميعًا -قبل أن يخلقوا وقبل أن يكونوا أناسًا- بالولاء لله، والاعتراف بربوبيته، وهو إقرار ضمن الإقرار العام للوجود كله بالانقياد لله، والولاء له، ويمكن أن يكون الميثاق الذي بايع به المسلمون رسول الله إذ دخلوا في الإسلام، فقد كانت بيعتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم قائمة على السمع والطاعة في المكره والمنشط، أي: في الضراء والسراء 154.

وقد اختلف العلماء في كيفية أخذ الميثاق على رأيين:

أما السلف من المفسرين فقالوا: إن الله خلق آدم وأخرج من ظهره ذريته كالذر، وأحياهم وجعل لهم عقلًا وإدراكًا، وألهمهم ذلك الحديث وتلك الإجابة، وأخذ عليهم العهد بأنه ربهم، فأقروا بذلك.

وأما الخلف فقالوا: هذا من قبيل التمثيل والتصوير، والمجاز والاستعارة فلا سؤال ولا جواب، وإنما أقام الله الأدلة الكونية على وحدانيته وربوبيته للكون كله، وقال لهم: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} فقالوا: {بَلَى} 155.

فالمراد من الآية أن الله تعالى جعل الفطرة التي فطروا عليها من الإقرار بالتوحيد حجة مستقلة عليهم؛ ولهذا قال: {أَنْ تَقُولُوا} أي: لئلا تقولوا يوم القيامة: {إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا} أي: التوحيد {غَافِلِينَ} أي: لم ننبه إليه، وهو أولى الآراء بالصواب 156، وسبب الإشهاد لمنع اعتذارهم يوم القيامة بغفلتهم عن التوحيد، أو بادعائهم التقليد، والله لا يقبل عذرهم أبدًا؛ لأن التقليد في الاعتقاد وأصول الدين لا يجوز.

يقول الله تعالى: {وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [الحديد: 8] .

أي شيء يحول بينكم وبين الإيمان بالله، وهذا رسول الله {يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ} ؟ فلقد دعاكم الله سبحانه وتعالى إلى الإيمان من قبل، وأخذ ميثاقكم وأنتم في ظهور آبائكم، وقوله تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} أي: إن كنتم ما زلتم على إيمانكم بالله الذي وثقه معكم وأنتم في ظهور آبائكم، فما لكم لا تؤمنون بما يدعوكم إليه الرسول من إيمان، وهو إنما يدعوكم إلى هذا الإيمان الذي آمنتم به من قبل؟ 157.

وظاهر الآية متناقض، ولو كانوا لا يؤمنون بالله كيف يقرون بالله وبالرسول؟ لكنه يخرج على وجهين:

أحدهما: أي: {وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} ؟ أي: بقدرة الله على بعثكم وإحيائكم بعد موتكم.

والثاني: أي عذر لكم في ترك الإيمان بالله تعالى والرسول دعاكم، وقد أتاكم من الآيات والحجج ما يدفع عنكم العذر، ويزيح عنكم الشبه؟ 158.

وهذا الاستفهام للتوبيخ والتقريع، والخطاب للكفار 159.

رابعًا: الاستخلاف في الأرض:

يقول الإمام الطبري: «الخليفة، مستخلف في الأرض، ومصير فيها خلفًا» 160.

والخلائف: جمع خليفة، وهو: آدم وذريته، والهاء للمبالغة والتأكيد، وهذا اسمٌ لمن يخلف الغير، ويقوم مقامه فيما أسند إليه، وآدم خلف الملائكة في اتخاذ الأرض مسكنًا 161.

وقال الحسن البصري: «خلفًا يخلف بعضهم بعضًا، وهم ولد آدم الذين يخلفون أباهم آدم، ويخلف كل قرن منهم القرن الذي سلف قبله» 162، كما قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ} [الأنعام: 165] ، وهو من يخلف غيره ويقوم مقامه في تنفيذ الأحكام، وقيل: أريد بالخليفة آدم، واستغنى بذكره عن ذكر بنيه، وقال ابن كثير: والظاهر أنه لم يرد آدم عينًا؛ إذ لو كان ذلك، لما حسن قول الملائكة: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} فإنهم أرادوا: أن من هذا الجنس من يفعل ذلك 163.

واختلف المفسرون واللغويون في سبب تسمية خليفة على ثلاثة أقوال:

القول الأول: أن الله لما خلق الأرض أسكنها الجن، ولما خلق السماء أسكنها الملائكة، ثم لما خلق آدم أزعج الجن إلى أطراف الأرض، فهو خليفة الجن في الأرض.

القول الثاني: أنه سمي خليفة؛ لأنه يخلفه غيره فيكون مكانه.

القول الثالث: أنه سمي خليفة؛ لأنه خليفة الله في الأرض لإقامة أحكامه وحدوده، وهو الذي رجحه البغوي، وتبعه الخازن والرازي والسمعاني، وهو المروي عن ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم، وهو المتعين إن شاء الله 164.

ومعلومٌ أن أعلى الناس منصبًا عند الملك من كان قائمًا مقامه في الولاية والتصرف، وكان خليفةً له فهذا يدل على أن آدم عليه السلام كان أشرف الخلائق 165.

قوله تعالى: {يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} [ص: 26] .

وهذه الآية يخاطب الله تعالى داود عليه السلام بأنه استخلفه حاكمًا بين الناس في الأرض، فله السلطة والحكم، وعليهم السمع والطاعة، ثم بين الله تعالى له قواعد الحكم والاستخلاف تعليمًا لغيره من الناس:

1. (فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ) أي: فاقض بين الناس بالعدل الذي قامت به السماوات والأرض، وهذه أولى وأهم قواعد الحكم.

2. (وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى) أي: لا تمل في الحكم مع أهواء نفسك أو بسبب مطامع الدنيا، فإن اتباع الهوى مزلقة ومدعاة إلى النار؛ لذا قال: (فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) أي: إن اتباع الهوى سبب في الوقوع في الضلال والانحراف عن جادة الحق، والعبرة من هذا الموضوع: الوصية من الله عز وجل لولاة الأمور أن يحكموا بين الناس بالحق، ولا يحيدوا عنه، فيضلوا عن سبيل الله.

وقوله تعالى: {جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً} أي: بعد من تقدمك من الأنبياء عليهم السلام، وقيل: حاكمًا من قبلي لتحكم بين عبادي بالحق، وأوصاه بألا يتبع في الحكم هواه 166.

فكل نبي استخلفه الله في عمارة الأرض وسياسة الناس، لا لحاجة به تعالى إلى من ينوبه، بل لقصور المستخلف عليه عن قبول فيضه؛ لذلك لم يستنبئ ملكًا، كما قال الله تعالى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا} [الأنعام: 9] 167.

1.عن الحسن، قال: رأيت شيخًا بالمدينة يتكلم فسألت عنه، فقالوا: هذا أبي بن كعبٍ، فقال: إن آدم عليه السلام لما حضره الموت قال لبنيه: أي بني، إني أشتهي من ثمار الجنة، فذهبوا يطلبون له منها، فاستقبلتهم الملائكة ومعهم أكفانه وحنوطٌ، ومعهم الفؤوس والمساحي والمكاتل، فقالوا لهم: يا بني آدم ما تريدون؟ قالوا: أبونا مريضٌ واشتهى من ثمار الجنة، قالوا لهم: ارجعوا قد قضى أبوكم. فجاءوا فلما رأتهم حواء عرفتهم، فلاذت بآدم، فقال: إليك عني إنما أتيت من قبلك، خلي بيني وبين ملائكة ربي تبارك وتعالى، فقبضوه وغسلوه وكفنوه وحنطوه وحفروا له وألحدوا له، وصلوا عليه، ثم دخلوا قبره فوضعوه في قبره ووضعوا عليه اللبن، ثم خرجوا من القبر ثم حثوا عليه، ثم قالوا: يا بني آدم هذه سنتكم 168.

1.الجمهور الأعظم من علماء الدين اتفقوا على عصمة كل الملائكة عن جميع الذنوب.

2.استدل بعض العلماء بآية (وعلم آدم الأسماء كلها) على أن اللغات كلها توقيفية، بمعنى أن الله تعالى خلق علمًا ضروريًا بتلك الألفاظ وتلك المعاني، وبأن تلك الألفاظ موضوعة لتلك المعاني.

3.تعليم آدم الأجناس التي خلقها الله، دال على فضل العلم؛ فإنه سبحانه ما أظهر كمال حكمته في خلقه آدم عليه السلام، إلا بأن أظهر علمه، فلو كان في الإمكان وجود شيء أشرف من العلم، لكان من الواجب إظهار فضله بذلك الشيء، لا بالعلم.

4.قصور علم المخلوقات أمام علم الخالق، وأن فعل الخالق لا يخلو من الحكمة والفائدة، وأن علم الملائكة محدود لا يتناول جميع الأشياء، والواجب على من سئل عن علم لم يعرفه أن يقول: الله أعلم، لا أدري، اقتداء بالملائكة والأنبياء وفضلاء العلماء.

5.التنبيه على عجيب صنع الله تعالى؛ إذ أخرج من هذه الحالة المهينة نوعًا هو سيد أنواع عالم المادة ذات الحياة.

6.أن الله تعالى أراد تمييز آدم عن جميع خلقه بأن يخلقه بيده الكريمة مباشرة، وهذا لا يكون إذا كان خلقه من العدم، فالملائكة والجن مخلوقون من العدم، ولا يقال فيهم: إنه خلقهم بيده.

7.الإنسان وإن كرمه الله، لكنه ضعيف، عرضة للنسيان، كما نسي آدم أوامر الله ونواهيه، فأطاع إبليس عدوه، وأكل من الشجرة التي نهاه الله عن الأكل منها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت