فلابد من دار أخرى يتم فيها تمام الإنسان، فدلالة هذه الأطوار على البعث دلالة مزدوجة، فهي تدلُّ على البعث من ناحية أنَّ القادر على الإنشاء قادر على الإعادة، وهي تدلُّ على البعث؛ لأن الإرادة المدبرة تكمِّلُ تطوير الإنسان في الدار الآخرة، وهكذا تلتقي نواميس الخلق والإعادة ونواميس الحياة والبعث، ونواميس الحساب والجزاء، تشهد كلها بوجود الخالق المدبر القادر، الذي ليس في وجوده جدال 56.
ومن الآيات أيضًا قوله تعالى: (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ ? قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ?78?قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ? وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ?79? [يس: 78 - 79] .
فالله تعالى يعلم أين ذهبت العظام في سائر أقطار الأرض وأرجائها وتفرقها وتمزقها، ويعلم مم يعيد خلق الإنسان كما بدأه من أصغر جزء في الإنسان وهو: عجب الذنب. قال مجاهدٌ، وعكرمة، وعروة بن الزبير، والسدي، وقتادة في سبب نزول هذه الآيات الكريمات: (جاء أبي بن خلفٍ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده عظمٌ رميمٌ، وهو يفتته ويذريه في الهواء، وهو يقول: يا محمد، أتزعم أن الله يبعث هذا؟ فقال:(نعم، يميتك الله تعالى ثم يبعثك، ثم يحشرك إلى النار) .
ونزلت هذه الآيات من آخر يس: (أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ) ، إلى آخرهن عن ابن عباس، (أن العاصي بن وائلٍ أخذ عظمًا من البطحاء ففته بيده، ثم قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أيحيي الله هذا بعد ما أرى؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(نعم، يميتك الله ثم يحييك، ثم يدخلك جهنم) . قال: ونزلت الآيات من آخر يس) 57.
وقد أمر الله عباده بالسير في الأرض، والنظر في كيفية بدء الخلق؛ ليستدلوا بذلك على قدرته على الإعادة، فقال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ? وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى? فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ? وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ?27?ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ ? هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ ? كَذَ?لِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ?28?) [الروم: 27 - 28] .
وهذه الآيات مثلٌ ضربه الله تعالى لعباده؛ ليدلَّ على «أن الإعادة أهون عليه من البداية، أي: أيسر، وإن كان جميعه على الله تعالى هينًا، وقاله ابن عباسٍ. ووجهه أن هذا مثلٌ ضربه الله تعالى لعباده، يقول: إعادة الشيء على الخلائق أهون من ابتدائه، فينبغي أن يكون البعث لمن قدر على البداية عندكم وفيما بينكم» 58.
يقول الفخر الرازي رحمه الله معلقًا على هذه الآيات نقلًا: «لو اجتمع كلُّ الخلائق على إيراد حجةٍ في البعث على هذا الاختصار لما قدروا عليها؛ إذ لاشكَّ أنَّ الإعادة ثانيًا أهون من الإيجاد أولًا، ونظيره: قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ?ہ) [يس: 79] .
وقوله: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ?) [الروم: 27] » 59.
وبمجموع الآيات السابقة كلها نجد أن أسلوب الآيات يمزج الحجج والبراهين العقلية القاطعة بالكلمات البليغة المؤثرة، والمنطق الصحيح، وبهذا يرد القرآن الكريم على منكري البعث والحساب ويجادلهم ويبطل مزاعمهم، ويبدد شبههم الباطلة الواهية في أسلوب بليغ محكم يلزم الحجة في الاستدلال على البعث بعد الموت بالنشأة الأولى.
إنَّ تقلب الخلق بين الموت (العدم) ثمَّ الحياة، ثم الموت، ثم الحياة الأبدية الخالدة أعظم دليل على قدرة الله التي تجعل النفوس تخضع لعظمته وسلطانه فـ (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ? ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ?28?) [البقرة: 28] .
وفي كثير من المواضع من القرآن الكريم يبين ربنا الرحمن تعالى أن من تمام مستحقات ألوهيته وربوبيته قدرته على تحويل الخلق من حال إلى حال، ولذا فإنه يميت ويحيي، ويخلق ويفني، ويخرج الحي من الميت، والميت من الحي، ومن كانت هذه حاله فهو قادر على رد الأرواح إلى الأجساد وبعثها في الآخرة.
قال تعالى: (وَلَقَد جِئتُمونا فُرادى كَما خَلَقناكُم أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكتُم ما خَوَّلناكُم وَراءَ ظُهورِكُم وَما نَرى مَعَكُم شُفَعاءَكُمُ الَّذينَ زَعَمتُم أَنَّهُم فيكُم شُرَكاءُ لَقَد تَقَطَّعَ بَينَكُم وَضَلَّ عَنكُم ما كُنتُم تَزعُمونَ ?94? إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الحَبِّ وَالنَّوى يُخرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَمُخرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنّى تُؤفَكونَ ?95? فالِقُ الإِصباحِ وَجَعَلَ اللَّيلَ سَكَنًا وَالشَّمسَ وَالقَمَرَ حُسبانًا ذلِكَ تَقديرُ العَزيزِ العَليمِ ?96? وَهُوَ الَّذي جَعَلَ لَكُمُ النُّجومَ لِتَهتَدوا بِها في ظُلُماتِ البَرِّ وَالبَحرِ قَد فَصَّلنَا الآياتِ لِقَومٍ يَعلَمونَ ?97? وَهُوَ الَّذي أَنشَأَكُم مِن نَفسٍ واحِدَةٍ فَمُستَقَرٌّ وَمُستَودَعٌ قَد فَصَّلنَا الآياتِ لِقَومٍ يَفقَهونَ) [الأنعام: 94 - 98] .
وأبعد من ذلك فقد استدل القرآن الكريم في كثير من آياته بقصص وأحداث من أماتهم الله تعالى ثم أحياهم في الدنيا؛ ليثبت قضية البعث بعد الموت، ويدلل على صدق ما أخبر به الرسل من أمر المعاد. ومن هذا الاستدلال ما ورد في سورة البقرة، إذ وردت فيها أحداث متنوعة تدلل على ذلك:
منها حادثة بني إسرائيل مع نبيهم سيدنا موسى عليه السلام حين قالوا له: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فأماتهم الله تعالى، ثم أحياهم، وفي ذلك يقول الله تعالى مخاطبًا بني إسرائيل في معرض الامتنان عليهم: وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى? لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى? نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ?55?ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ?56?وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى? ? كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ? وَمَا ظَلَمُونَا وَلَ?كِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ?57?) [البقرة: 55 - 57] .
وقريب من هذه الحادثة ما تحكيه لنا السورة المباركة أن أناسًا فروا خوفًا من قدر الله المتحقق في الموت، وهم ألوف، فوقعوا به فماتوا ثم أحياهم الله بعدها، يقول ربنا تعالى فيهم: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ ? إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَ?كِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ) [البقرة: 243] .
وفي هذه الآيات «يقص سبحانه وتعالى علينا قصة الذين خرجوا من ديارهم على كثرتهم واتفاق مقاصدهم، بأن الذي أخرجهم منها حذر الموت من وباء أو غيره، يقصدون بهذا الخروج السلامة من الموت، ولكن لا يغني حذر عن قدر، (فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا) فماتوا (ثُمَّ) إن الله تعالى (أَحْيَاهُمْ) إما بدعوة نبي أو بغير ذلك، رحمة بهم ولطفا وحلما، وبيانا لآياته لخلقه بإحياء الموتى، ولهذا قال: (إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ) أي: عظيم (عَلَى النَّاسِ وَلَ?كِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ) فلا تزيدهم النعمة شكرًا، بل ربما استعانوا بنعم الله تعالى على معاصيه، وقليل منهم الشكور الذي يعرف النعمة ويقر بها ويصرفها في طاعة المنعم» 60.
ومنها أيضًا في الاستدلال على البعث قصة العزير عليه السلام وهو أحد أنبياء بني إسرائيل الذي مر على قرية ميتة فاستبعد أن يحييها الله تعالى، فأماته الله تعالى مائة سنة، ثم أحياه.
وفي ذلك يقول الله تعالى: (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى? قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى? عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى? يُحْيِي هَ?ذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ? فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ? قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ? قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ? قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى? طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ? وَانْظُرْ إِلَى? حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ ? وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا ? فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ?259?) [البقرة: 259] .
وهذه القرية هي: بيت المقدس، خربها الملك الجبار بختنصر وقتل أهلها، فمر عليها عزير، فإذا بالقرية خربة مدمرة، فوقف عزير متفكرًا فيما آلت إليه من الخراب، مستعظمًا قدرة الله ومعترفًا بالعجز عن معرفة طريق الإحياء فقال: (أَنَّى? يُحْيِي هَ?ذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا) ؟! فأراه الله ذلك في عالم الواقع؛ ليكون ذلك أبلغ في المعرفة؛ لأن أحاسيس الإنسان ومشاعره أحيانًا لا تقبل مجرد دليل، فأراه الله أبعد الأمرين في نفسه على أبلغ وجه، حيث أماته فاختلط لحمه وعظمه وشعره بالتراب ثم أحياه، ثم في غيره حيث أحيا له الحمار وحفظ طعامه من الفساد؛ ليكون ذلك آية على قدرة الله على البعث والإعادة ودرسًا لغيره 61.
ومن هذا الاستدلال في السورة المباركة نفسها سؤال إبراهيم عليه السلام عن كيفية إحياء الموتى؛ فأمره الله تعالى أن يذبح أربعة من الطير، ويفرقهن أجزاء على الجبال التي حوله، ثم يناديهن، فتلتئم الأجزاء بعضها إلى بعض، ويأتين إلى إبراهيم سعيًا.
وفي ذلك يقول الله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى? ? قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ ? قَالَ بَلَى? وَلَ?كِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ? قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى? كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ? وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ?260?) [البقرة: 260] .
وهذه حادثة أخرى يستدل بها القرآن الكريم على البعث بعد الموت بطريقة عملية تطبيقية.
ومنها أيضًا في قصة القتيل الذي اختصم فيه بنو إسرائيل، فأمرهم الله تعالى أن يذبحوا بقرة فيضربوه ببعضها؛ ليخبرهم بمن قتله، وفي ذلك يقول الله تعالى: (وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا ? وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ?72?فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ? كَذَ?لِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى? وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ?73?) [البقرة: 72 - 73] .
لقد كشف الله لقوم موسى عن الحكمة من ذبح البقرة. لقد كانوا قد قتلوا نفسًا منهم ثم جعل كل فريق يدرأ عن نفسه التهمة ويلحقها بسواه. ولم يكن هناك شاهد فأراد الله أن يظهر الحق على لسان القتيل ذاته وكان ذبح البقرة وسيلة إلى إحيائه، وذلك بضربه ببعض من تلك البقرة. وهكذا كان، فعادت إليه الحياة؛ ليخبر بنفسه عن قاتله، وليجلو الشكوك التي أحاطت بمقتله، وليحق الحق ويبطل الباطل بأوثق البراهين. حادثة أمام العيان لم يكن الغرض منها إحياء هذا الميت؛ ليكشف لهم عن قاتله فحسب، بل ليكشف الله للقوم بأنه جعل ذبح البقرة وسيلة ظاهرة تكشف لهم عن قدرة الله في إحياء الموتى بما شاهدوه من أمر القتيل، حتى يبلغوا من بعدهم قدرة الله تعالى على الإيجاد والمعاد 62.
ومن هذا الاستدلال أيضًا الذي دل على إمكان إحياء الموتى. ما جعله الله تعالى من آيات عيسى بن مريم في إحياء الموتى، وإخراجهم من قبورهم بإذن الله تعالى، وذلك في قوله تعالى: (وَرَسُولًا إِلَى? بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ? أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ ? وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى? بِإِذْنِ اللَّهِ ? وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ? إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ?49? [آل عمران: 49] .
ومن ذلك أيضًا ما أخبر الله عن قصة أصحاب الكهف، إذ لبثوا وهم رقود في كهفهم مدة طويلة ثم بعثهم قال تعالى: (إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا ?10?فَضَرَبْنَا عَلَى? آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا ?11?ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى? لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا ?12?) [الكهف: 10 - 12] .
قال الشوكاني رحمه الله: «فإن من شاهد حال أهل الكهف علم صحة ما وعد الله به من البعث» 63، كما قال تعالى: (وَكَذَ?لِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا) [الكهف: 21] .
إن هذه الحوادث والقصص كلها جاءت؛ لتدل على إحياء الموتى بعد مماتهم، وهذا برهان قطعي على قدرة الله تعالى على ذلك، وعبرة وعظة لمنكري البعث وتبصرة وذكرى لكل عبد منيب.
لم يخلق الله تعالى الخلق عبثًا ولن يتركهم سدى، بل خلقهم لغاية معلومة وهي العبادة؛ لتكون الدنيا دار عمل واختبار لهم، فانقسموا على قسمين: قسم آمن وعمل الصالحات، والقسم الآخر كفر وعصى وعمل السيئات، ومن هنا فإن من حكمة الله ومقتضى عدله وجود البعث ومن ثم الجزاء للخلق بعد الموت؛ ليجزي كل واحد منهم الجزاء الأوفى على ما قدم في الدنيا، فيثيب المحسن منهم ويعاقب المسيء، ولو لم يكن هناك بعث للخلق وحساب لهم على أعمالهم التي قدموها في الحياة الدنيا، لكان الخلق كله عبثًا باطلًا ولانتفت صفة العدالة في حقه تعالى، وهذا أمر لا يتفق مع حكمة الله تعالى وعدله وهو مناقض ومعارض للعدل الرباني الإلهي؛ لأن الله خلق الخلق لعبادته، وأرسل الرسل وأنزل عليهم الكتب؛ لبيان الطريق الموصلة إليه، وعليه فإن ذلك يستلزم الحساب والجزاء -كما سبق-.
وقد جاءت آيات كثيرة من القرآن الكريم تبين أن البعث ضرورة يقتضيها عدل الله وحكمته وتقرر ذلك، منها قوله تعالى: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ?35?مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ?36?) [القلم: 35 - 36] .
آيات ابتدأت المحاججة بالاستفهام الإنكاري؛ لنفي التساوي بين المسلمين والكافرين في الجزاء، وإبطال زعم الكافرين بالتساوي حينها. أي: لا يكون المسلمون كالمجرمين الكافرين في سوء الحال والمآل.
ومنها أيضًا قوله تعالى: (ے ے أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ?115?فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ? لَا إِلَ?هَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ?116?) [المؤمنون: 115 - 116] .
فهل يظن عاقل أن يترك الإنسان في هذه الدنيا لا يؤمر ولا ينهى ويترك في قبره سدى دون أن يبعث؟! إن ذلك لا يليق بحكمة الله، فكل شيء يصدر عنه سبحانه له حكمة تقتضيه 64.
وعدل الله لا يسوي بين من أحسن وأساء قال تعالى: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ? سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) [الجاثية: 21] .
قال ابن القيم رحمه الله: «لهذا كان الصواب أن المعاد معلوم بالعقل مع الشرع، وأن كمال الرب تعالى وكمال أسمائه وصفاته تقتضيه وتوجبه» 65.
وحكمته تعالى تقتضي أن تكون هناك حياة ثانية بعد الحياة الدنيا، يقام فيها ميزان العدل الإلهي، وينال كل عامل جزاء عمله خيرًا كان أم شرًا، وهذا ما أكده القرآن وأشارت إليه آياته وقوله تعالى: (. إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى? كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى?) [طه: 15] .
وغيرها من الآيات.
ذكرنا -فيما سبق- أدلة على البعث وكانت أغلبها -إن لم تكن كلها- أدلة عقلية، وفي القادم نذكر بعض الأدلة الحسية من واقع الإنسان الذي يعايشه تدل على صدق البعث والنشور بعد الموت، أدلة حسية ملموسة في الأرض والسماء، كتاب الله المنظور، تأتي آيات القرآن الكريم -الكتاب المسطور- لتعبر عنها بأبلغ بيان وأحسنه وتقرها، أدلة جعلها الله لكل ناظر فيها الفوز والنجاة، ومن هذه الأدلة الحسية التي يشير إليها القران الكريم: الأرض اليابسة القاحلة الميتة، ومنها أيضًا: النبات وغيرها التي تأتي في مقام الاستدلال ومحاججة الكافرين ومنكري البعث على أن الله تعالى هو الخالق وحده لهذا الكون العظيم القادر على إفنائه، وهو وحده القادر على إعادة الخلق بعد مماتهم في اليوم الآخر بعد فناء الدنيا وزوالها، قال تعالى على لسان سيدنا نوح عليه السلام وهو يدعو قومه إلى معرفة أمر البعث فيقول: (وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا ?17?ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا ?18?) [نوح: 17 - 18] .
ومن آيات الاستدلال بالأدلة الحسية: الأرض الميتة اليابسة التي لا نبات فيها وذلك في قوله تعالى: (ڑ ڑ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ ? وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى? أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ? وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى? وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى? أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ? وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ?5?ذَ?لِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى? وَأَنَّهُ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ?6?وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ ?7?) [الحج: 5 - 7] .
فهذا مثل ضربه الله تعالى بإحياء الأرض بالنبات بعد إنزال المطر عليها كدليل آخر على قدرته تعالى على إحياء الموتى، فكما يحيي سبحانه الأرض الميتة التي لا نبت فيها ولا ماء يحيي الله تعالى الموتى عند البعث، فجعل الله سبحانه وتعالى إحياء الأرض بعد موتها نظير إحياء الأموات، وإخراج النبات منها نظير إخراجهم من القبور، ودل بالنظير على نظيره، وجعل ذلك آية ودليلًا على خمسة مطالب:
أحدها: وجود الصانع وأنه الحق المبين، وذلك يستلزم إثبات صفات كماله وقدرته وإرادته وحياته وعلمه وحكمته ورحمته وأفعاله.
الثاني: أنه يحصي الموتى.
الثالث: عموم قدرته على كل شيء.
الرابع: إتيان الساعة، وأنها لا ريب فيها.
الخامس: أنه يخرج الموتى من القبور كما أخرج النبات من الأرض 66.
قال ابن عاشور رحمه الله: «وهذا ارتقاءٌ في الاستدلال على الإحياء بعد الموت بقياس التمثيل؛ لأنه استدلالٌ بحالةٍ مشاهدةٍ، فلذلك افتتح بفعل الرؤية، بخلاف الاستدلال بخلق الإنسان؛ فإن مبدأه غير مشاهدٍ، فقيل في شأنه: (فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ) . ومحل الاستدلال من قوله تعالى: (فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ) ، فهو مناسبٌ لقوله في الاستدلال الأول: (فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ) ، فهمود الأرض بمنزلة موت الإنسان واهتزازها وإنباتها بعد ذلك يماثل الإحياء بعد الموت» 67.
ومن الآيات التي تبين قدرة الله تعالى على البعث وتدلل عليه قوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ ? فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ?48?وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ ?49?فَانْظُرْ إِلَى? آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ? إِنَّ ذَ?لِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى? ? وَهُوَ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ?50?) [الروم: 48 - 50] .
وفي هذه الآيات يربط القرآن الكريم حقيقة الحياة الدنيوية لبعض مخلوقات الله وبين النشأة الأخرى، موضحًا ذلك على طريقة الناس في معرفتهم لنشأة هذه الحياة، أي: كما أحيا الله الأرض الميتة بالماء، كذلك يحيي الموتى من قبورهم تصوير لكيفية انبعاث الحياة في الأبدان المودعة في القبور، بحال انبعاث الحياة في النبات المودعة في الأرض، بما يطرأ عليهما من أحوال مختلفة من حياة وموت بطريقة متعاقبة.
ومن آيات الاستدلال أيضًا قوله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ? إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى? ? إِنَّهُ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [فصلت: 39] .
آية يؤثرها التعبير القرآني بأسلوب الخطاب، وهو خطاب عام، والمعنى: ومن العلامات الواضحة والدلالات القاطعة على وجوده، وعلى البعث وأنه يحيي الموتى هذه الصورة المحسوسة. وأدخل المخاطب في جو الآية؛ ليباشر رؤية هذا المشهد المليء بالحركة بعد السكون، فالإنسان المنكر للبعث يرى في كل زمان ومكان الأرض (الْأَرْضَ خَاشِعَةً) هكذا على سبيل استعارة الخشوع -وهو (التذلل) - لحال الأرض إذ كانت مقحطة يابسة لا نبات عليها.
وقد أوثرت هذه الاستعارة في هذه الآية، في حين وصفت الأرض في سورة الحج بأنها هامدة في قوله تعالى: (وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ) ، وهي صفات إنسانية أضفاها التعبير القرآني على الأرض، فأخرجها بهذه الصورة الموحية المؤثرة، والصفتان تعبران عن معنى واحد، وهو ما يظهر على الأرض من آثار الجدب وفقدان معالم الحياة.
ويتناسب اختيار الصفتين مع هدف الآيات في عرض قدرته تعالى على إحياء الأرض وهو إثبات البعث والنشور وإحياء الموتى، فكما أن الأرض (خَاشِعَةً) و (هَامِدَةً) لا حياة فيها ولا روح قبل نزول الماء عليها، كذلك (الْمَوْتَى) هامدون، وكما تستجيب الأرض الميتة وتهتز وتربو وتدب الحياة فيها بسبب الماء النازل، كذلك فإن الله الذي أحياها لمحيي الموتى، فالآيتان ذات دلالة شاملة من خلال اقترانهما بالسماء والأرض، وبذلك تحقق شمول العبرة لكل كائن على الأرض، وتتحقق نعمة الهداية، فضلًا عن أن حيوية الصورة قائمة بتجددها واستمرارها؛ لأن إنزال الماء على الأرض عملية مكررة مع الزمان والمكان، فهي قائمة ما دامت السموات والأرض، شاهدة على قدرته تعالى، يعتبر بها جيل بعد جيل، ولابد من ملاحظة التناسب والانسجام بين الفكرة المراد إثباتها وبين الاستعارتين، فهو تناسب وتأليف محكم 68.
ونظير هذه الآيات قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ? حَتَّى? إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ ? كَذَ?لِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى? لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ?57?) [الأعراف: 57] .
وفي هذه الآيات السابقة استدلال بتبدل أحوال الأرض والنباتات من موت إلى حياة، وسلب خاصية النشوء والنماء في بعض النباتات فتهمد وتتفتت ثم تسقى بالماء فتعود إليها تلك الخاصية، فلو كان مستحيلًا إعادة الحياة إلى الإنسان مرة أخرى لما عادت الحياة إلى النباتات المختلفة بعد موتها؛ لأن المشابهة واضحة في القدرة الإلهية في إعادة الحياتين سيرتهما الأولى.
ولهذا لفت القرآن الكريم أنظار المنكرين إلى التبصر في الموجودات الحسية واستنتاج العظات والعبر منها؛ ليعود للنفس إيمانها فتسعد بالطمأنينة والاستقرار، وقد تقدمت المشابهة بين إعادة الحياة إلى النبات بالمطر وإعادة بناء الأجساد وإنباتها بالمطر الذي يجعله الله عند البعث وهو مطر كمني الرجال فتنبت منه الأجساد. ولهذا يقول تعالى: (وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ) [الرعد: 5] .
إشارة إلى أن العجب يكون من إنكارهم لا من البعث ومعناه: إن كان لك عجب من شيء فمن إنكارهم البعث، فاعجب؛ لأن العجب ما ندر وجوده وخفي سببه، وليس البعث مما ندر، وهم يشاهدون إحياء الأرض بعد موتها، واكتساء الأشجار بعد عريها، وعود النهار بعد زواله، والليل بعد ذهابه، وإخراج الحي من الميت والميت من الحي، ولا مما خفي سببه فإن الله سبحانه هو الفاعل لذلك والمخترع له والقادر عليه وحكمته إظهار ما استتر عن خلقه من تدبيره، وما النشأة الثانية بأعجب من الأولى.
ومن طرق الاستدلال التي تبين قدرة الله تعالى على البعث وتدلل عليه بدليل واقعي حسي: (أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ?77? وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ?78? قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ?79? الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ ?80? أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ?81? إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ?82? فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [يس: 77 - 83] .
فهذه الآيات تدلل على البعث عن طريق الشجر المقطوع لإيقاد النار، فالشجر إذا قطع وأصبح حطبًا يكون ميتًا وليس فيه أثر للحياة، فإذا أوقدت به النار دبت فيه الحركة واضطرب، وهذه آثار الحياة، فمن قدر على هذا قادر على إحياء الموتى، وقد ذكر الله تعالى هذا الدليل في موضع آخر في معرض الاستدلال على ألوهية الله وربوبية، وإثبات البعث والحساب، ومحاججة منكريه، وإبطال اعتقادهم الفاسد في سورة الواقعة، فبعد أن أكد سبحانه البعث إجمالًا في معرض الرد على الكافرين في قوله تعالى: (وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ?47?أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ ?48?قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ ?49?لَمَجْمُوعُونَ إِلَى? مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ?50?) [الواقعة: 47 - 50] .
يرجع السياق لإثبات البعث بمحاججتهم بما يرونه بأعينهم من أدلةٍ وبراهين ثابتةٍ فيبدأ سبحانه بقوله: (نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ) [الواقعة: 57] .