وقال تعالى: {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128) قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129) } [الأعراف:128 - 129] .
قال تعالى: {وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (12) } [إبراهيم:12] .
وبالتأمل في هذه الآيات يتبين لنا بوضوح أن الصبر عامل مهم من عوامل مواجهة الأذى فآية سورة (الأنعام) «تضمنت عرض الأسوة التي ينبغي الاقتداء بها على محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وترجيته أن يأتيه مثل ما أتاهم من النصر إذا امتثل ما امتثلوه من الصبر» 68.
فالصبر في مواجهة الأذى طريق يرجى بها تحقيق النصر، ورفع الأذى عن المؤمنين.
ويتكرر الأمر في آية سورة الأعراف على لسان موسى عليه السلام والذي يبين لقومه أن الاستعانة بالله، والصبر هما سبيل مواجهة تهديدات فرعون، فقال لهم: استعينوا بالله وحده، واطلبوا العون والتأييد منه على رفع ذلك الوعيد عنكم، واصبروا ولا تحزنوا، فالله هو المعين على الشدائد، والصبر سلاح المؤمن ومفتاح الفرج 69.
وهذه وظيفة العبد، أنه عند القدرة، أن يفعل من الأسباب الدافعة عنه أذى الغير، ما يقدر عليه، وعند العجز، أن يصبر ويستعين الله، وينتظر الفرج 70.
أما في آية سورة إبراهيم نجد الرسل عليهم السلام يستعينون بالصبر في مواجهة أذى أقوامهم، وذلك لأنه دعامة قوية في التغلب على أذى الطغاة، فيعلنون موقفهم معتمدين على الله قائلين: «لنستمرن على دعوتكم ووعظكم وتذكيركم، ولا نبالي بما يأتينا منكم من الأذى، فإنا سنوطن أنفسنا على ما ينالنا منكم من الأذى؛ احتسابًا للأجر، ونصحًا لكم، لعل الله أن يهديكم مع كثرة التذكير» 71.
في مواجهة الأذى لابد من التوكل على الله فهو المعتمد، وهو المقصود سبحانه في كل الحوائج وبدون معيته فالضياع محتوم والقدرة على المواجهة معدومة، ولهذا صرح به الرسل وهم يتحدون أقوامهم، وذكر الله ذلك على لسانهم في قوله تعالى: {وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (12) } [إبراهيم:12] .
«فلا سبيل أمام الأنبياء إلا الصبر على الأذى والاعتصام بالله وتفويض الأمر إليه والتوكل التام عليه، فإن الصبر مفتاح الفرج، ومطلع الخيرات، والتوكل على الله والاعتماد على فضله محقق للنصر والفتوح» 72، «فأمام هؤلاء الأقوياء المتعنتين لابد من اعتماد على القوي القادر القهار» 73؛ «فليستمر المؤمنون، ويثبتوا على توكلهم على الله، وليثقوا به، وليتحملوا كل أذى في سبيل مرضاته، ففي ذلك الخير كله والنجاة الأبدية في عالم الآخرة» 74.
وذلك باحتساب الأجر على الله، وباليقين بأن الله حسبه وكافيه، فمن العوامل المعينة على مواجهة الأذى؛ شعور الإنسان أن ما يتعرض له من أذى يقابله الأجر الكبير من الله، فهو يحتسب ما يصيبه من أذى عند الله؛ مما يهون عليه شدة العذاب، وقسوة الجلاد، كما أن إدراكه بأن الله كافيه شرور المتربصين، يزيده عزمًا على المضي في نشر دعوة الحق، ولذلك وجه الله نبيه عليه الصلاة والسلام إلى الاعتماد عليه في وجه متاعب الدعوة، وإعراض الناس عنه، فقال سبحانه: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (129) } [التوبة:129] .
وفي هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ولكل مضطهد بأن الله «يعينك عليهم ويكفيك أمر توليهم وما يتبعه من عداوتهم وصدهم عن سبيله» 75.
وقد لجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام -رضوان الله عليهم- إلى هذا الدعاء، في مواجهة ما بلغهم من أخبار عن تجمع جيش قريش لهم، بعد غزوة أحد كما قال سبحانه: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (129) } [التوبة:129] .
أما في رجاء الأجر، واحتساب تكاليف الاستجابة لنداء الحق عند الله، نجد المؤمنين يتوجهون إلى الله بالدعاء، أن يجزيهم أجر استجابتهم لرسالة الإيمان؛ بكل ما تحمله الاستجابة من تكاليف، كما قال سبحانه مخبرًا عنهم: {رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (193) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (194) } [آل عمران:193 - 194] .
فكانت الاستجابة من الله عز وجل كما أخبر سبحانه: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (195) } [آل عمران:195] .
ومن المؤكد أن استشعار الداعية لمعية الله، ويقينه بجزيل الأجر؛ استشعاره هذا يمنحه إرادة قوية في مواجهة الأذى.
وهذا منهج آخر ووسيلة مختلفة في مواجهة الأذى تتلخص في إعراض الداعية عن المؤذي كما قال سبحانه: {وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (48) } [الأحزاب:48] .
«أي: لا تكترث بما يصدر منهم من أذًى إليك؛ فإنك أجل من الاهتمام بذلك» 76، فإن تجاهلك للمؤذي يرفع من قيمتك ومكانتك، وقد يرفع من شأنك عند المدعوين الآخرين فيكون سببًا في هدايتهم.
1.تعرض النبي عليه الصلاة والسلام خلال رحلته المباركة إلى كثير من الأذى؛ عبر أساليب متعددة، فمن السخرية به، والتكذيب لرسالته، إلى الأذى الجسدي له، ولمن تبعه، وقد ورد في ذلك روايات كثيرة؛ تصف هذه المحن التي تعرض لها النبي صلى الله عليه وسلم نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ما يلي:
1.السخرية والتكذيب: فعن سخريتهم وتكذيبهم قال سبحانه مبينًا ذلك: (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ(29) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ) [المطففين:29 - 31] . وكذلك ما رواه البخاري عن جندب بن سفيان رضي الله عنه، قال: اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يقم ليلتين - أو ثلاثًا - فجاءت امرأةٌ فقالت: يا محمد، إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أره قربك منذ ليلتين - أو ثلاثةٍ - فأنزل الله عز وجل: (وَالضُّحَى? ?1?وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى? ?2?مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى? ?3?) [الضحى:1 - 3] 77.
2.الأذى الجسدي: أما عن الأذى الجسدي الذي تعرض له النبي عليه الصلاة والسلام وصحبه الكرام، ما رواه البخاري بسنده إلى (عروة بن الزبير، قال: سألت عبد الله بن عمرٍو، عن أشد ما صنع المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: رأيت عقبة بن أبي معيطٍ، جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، فوضع رداءه في عنقه فخنقه به خنقًا شديدًا، فجاء أبو بكرٍ حتى دفعه عنه، فقال:(أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ) [غافر:28] ) 78.
ومن المؤكد أن الأذى الذي يتعرض له الصحابة؛ كان يؤلم النبي صلى الله عليه وسلم ولهذا نصحهم بالهجرة إلى الحبشة، فكانت الهجرة الأولى إليها.
وباستعراض الآيات التي تحدثت عن إيذاء الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وتناولت ذلك بلفظ الأذى، يمكن أن تكتمل الصورة أكثر:
أولًا: بالتأمل في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (56) إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (57) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (58) } [الأحزاب:56 - 58] .
يمكن ملاحظة بعض الأمور:
1.قبل أن يتحدث القرآن عن أذى النبي عليه الصلاة والسلام بينت الآيات عظم مكانته وشرفه صلى الله عليه وسلم، فقال سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب:56] «فلما ذكر سبحانه ما يجب لرسوله من التعظيم ذكر الوعيد الشديد للذين يؤذونه» 79، فقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا [الأحزاب:57] .
2.والأذى هنا «يشمل كل أذية، قولية أو فعلية، من سب وشتم، أو تنقص له، أو لدينه، أو ما يعود إليه بالأذى» 80. الذين يؤذون الله ورسوله صلى الله عليه وسلم في الآية «هم اليهود والنصارى والمشركون، أما اليهود فإنهم قالوا: يد الله مغلولة، وإن الله فقير ونحن أغنياء، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، وإن الله ثالث ثلاثة، وقال المشركون: الملائكة بنات الله، والأصنام شركاؤه، وسبوا رسول الله، وكسروا رباعيته وقالوا: مجنون شاعر كذاب» 81، وقد استدل الواحدي على صحة هذا التفسير بما رواه مسلم عن عبد الله ابن قيس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أحدٌ أصبر على أذًى يسمعه من الله تعالى، إنهم يجعلون له ندًا، ويجعلون له ولدًا، وهو مع ذلك يرزقهم، ويعافيهم، ويعطيهم) 82. ثم أضاف الواحدي مبينًا حقيقة معنى يؤذون الله: أي «يخالفون أمر الله، ويعصونه، ويقولون في وصفه ما هو منزه عنه، والله تعالى لا يلحقه أذى، ولكن لما كانت المخالفة فيما بيننا، والخروج عن أمر الله، يسمى إيذاء له؛ خاطبنا الله بما نعرفه في تخاطبنا» 83، وفي إيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم إضافة إلى ما سبق من قولهم: مجنون وشاعر وكذاب، كذلك «قيل: هو كسر رباعيته، وشج وجهه الكريم يوم أحد، وقيل: طعنهم في نكاح صفية، والحق هو العموم فيهما» 84.
3.جاء التعبير عن أذى الله عز وجل، وأذى رسوله صلى الله عليه وسلم معًا؛ في حين أفرد للحديث عن أذى المؤمنين آية أخرى، فقال سبحانه بعد الوعيد للذين يؤذون الله، ورسوله صلى الله عليه وسلم: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا) [الأحزاب:58] .
4.فالأول -أي: ذكرهما معًا-: فإضافة إلى ما ذكر في معنى أذى الله عز وجل، فإنه سبحانه جعل أذى النبي عليه الصلاة والسلام أذى له؛ تشريفًا لمنزلته 85 صلى الله عليه وسلم. وأما الثاني -أي: إفراد أذى المؤمنين-: فلعل ذلك «لأن أذى الله ورسوله، لا يكون إلا غير حق أبدًا، وأما أذى المؤمنين والمؤمنات، فمنه» 86 «حق كالحد والتعزير ومنه باطل» 87، كما أن «أذية الرسول صلى الله عليه وسلم ليست كأذية غيره؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لا يؤمن العبد بالله، حتى يؤمن برسوله صلى الله عليه وسلم وله من التعظيم، الذي هو من لوازم الإيمان، ما يقتضي ذلك، أن لا يكون مثل غيره، وإن كانت أذية المؤمنين عظيمة، وإثمها عظيمًا» 88، ولهذا عقب بذكرها.
5.بيَن سبحانه أن من يتجرأ على إيذاء الله عز وجل، وإيذاء رسوله صلى الله عليه وسلم عقابه «الطرد والإبعاد من رحمته، وجعل ذلك في الدنيا والآخرة؛ لتشملهم اللعنة فيهما، بحيث لا يبقى وقت من أوقات محياهم، ومماتهم، إلا واللعنة واقعة عليهم، ومصاحبة لهم، وأعد لهم مع ذلك اللعن، عذابًا مهينًا يصيرون به في الإهانة في الدار الآخرة، لما يفيده معنى الإعداد من كونه في الدار الآخرة» 89.
ثانيًا: وفي موضع آخر نرى كيف يثبت الله نبيه صلى الله عليه وسلم ويسليه؛ ليتجاوز به آلام الأذى، ووقعها المحزن على النفس، فالأذى ليس سهلًا، حتى وإن كان مجرد تكذيب واتهام، ناهيك عن الأذى الجسدي، فقال سبحانه: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34) } [الأنعام:33 - 34] .
وهنا نجد المواساة للنبي عليه الصلاة والسلام والتثبيت، والوعد بالنصر، فالمواساة لأنهم «لا يكذبونك في الحقيقة؛ وإنما يكذبون الله بجحود آياته» 90، والتثبيت لأن هذا التكذيب حدث للأنبياء من قبلك، والوعد بالنصر حيث إنها إرادة الله التي لا مبدل لها، «فلما سلاه تعالى بأنهم بتكذيبك إنما كذبوا الله تعالى، سلاه ثانيًا بأن عادة أتباع الرسل قبلك، تكذيب رسلهم، وأن الرسل صبروا، فتأس بهم في الصبر» 91.
ثالثًا: وفي موضع ثالث تعرض لنا الآيات بعض السلوكيات التي تصدر من بعض المسلمين، وتسبب أذىً للنبي صلى الله عليه وسلم حيث يقول سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (53) } [الأحزاب:53] .
فالآية تفصل في سلوك اجتماعي؛ يجب معرفة الصواب فيه، والتصرف بما هو لائق بخصوصه، فتبين كيفية التعامل مع بيوت النبي صلى الله عليه وسلم؛ من حيث دخولها أولًا، وتناول الطعام فيها ثانيًا، والتعامل المؤدب النظيف مع زوجات النبي عليه الصلاة والسلام، وعليهن رضوان الله.
وقد كان ذلك لحادثة رواها البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: (لما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش، دعا القوم فطعموا، ثم جلسوا يتحدثون، وإذا هو كأنه يتهيأ للقيام، فلم يقوموا؛ فلما رأى ذلك قام، فلما قام قام من قام، وقعد ثلاثة نفر، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ليدخل فإذا القوم جلوس، ثم إنهم قاموا، فانطلقت فجئت، فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قد انطلقوا، فجاء حتى دخل فذهبت أدخل، فألقى الحجاب بيني وبينه، فأنزل الله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ} [الأحزاب:53] الآية) 92.
وهذا تصحيح لسلوك خاطئ؛ أراد الله سبحانه أن يعلمهم، ويعلم من بعدهم، فقد كانوا يجلسون عند النبي صلى الله عليه وسلم قبل الطعام، وبعد الطعام، يتحدثون عنده طويلًا، وكان يؤذيه ذلك، ويستحي أن يقول لهم قوموا، إذ أن دخول بيته بغير إذن، والقعود لانتظار الطعام، يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم فيستحي منهم أن يخرجهم منها، فيحتمل صلى الله عليه وسلم إطالتهم كرمًا منه، ويصبر على الأذى في ذلك، فعلم الله من يحضره الأدب، فصار أدبًا لهم ولمن بعدهم 93.
أما في مسألة زوجات النبي صلى الله عليه وسلم وهو أذىً آخر تحركت له حساسية عمر بن الخطاب رضي الله عنه كما روى البخاري عن أنس، قال: قال عمر رضي الله عنه: قلت: (يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب) 94، فأذن الله «في مسألتهن من وراء حجاب، في حاجة تعرض، أو مسألة يستفتين فيها، ويدخل في ذلك جميع النساء بالمعنى، وبما تضمنته أصول الشريعة» 95.
فالأمر إذًا ليس مقصورًا على أذى الكفار، بل هناك ممارسات يومية، قد تسبب الأذى للداعية، من المحيطين به، وعلينا أن ننتبه لهذا، ونقوم سلوكنا نحو الأفضل؛ لا أن نكون مصدر إزعاج لبعضنا البعض.
موضوعات ذات صلة:
الاستهزاء، الثبات، الضر، الفتنة، المرض، المن
1 انظر: العين، الفراهيدي، 8/ 206، مختار الصحاح، الرازي، ص 16، لسان العرب، ابن منظور، 14/ 27.
2 المفردات، الراغب الأصفهاني، 1/ 27.
3 المصدر السابق.
4 التوقيف، المناوي، 1/ 46.
5 انظر: المعجم الموسوعي لألفاظ القرآن وقراءاته، د. أحمد مختار، ص 67.
6 انظر: المعجم المفهرس، محمد فؤاد عبدالباقي ص 26.
7 انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص 71.
8 انظر: الكليات، ص 503.
9 المفردات، الراغب الأصفهاني، ص 441.
10 انظر: المصدر السباق، ص 377.
11 انظر: لسان العرب، ابن منظور 1/ 534.
12 انظر: المصدر السابق.
13 انظر: المصدر السابق، 4/ 483.
14 انظر: المصدر السابق.
15 مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين 10/ 823.
16 مدارك التنزيل، النسفي، 3/ 644.
17 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 3/ 82.
18 روح المعاني، الألوسي، 1/ 519.
19 أخرجه مسلم، كتاب الطهارة، باب اصنعوا كل شيء إلا النكاح، رقم 620، 1/ 169.
20 تفسير الشعراوي، الشعراوي، 1/ 966.
21 فتح القدير، الشوكاني، 1/ 225.
22 تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 90.
23 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 2/ 235.
24 تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 171.
25 فتح القدير، الشوكاني، 1/ 474.
26 انظر: مدارك التنزيل، النسفي، 1/ 217.
27 الفقه على المذاهب الأربعة، الجزيري، 1/ 584.
28 هوامك: جمع هامة بالتشديد ويطلق على ما يدب من الحيوان كالقمل وشبهه.
انظر: فتح الباري، ابن حجر 1/ 202.
29 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحج، أبواب المحصر، باب قول الله تعالى: (فمن كان منكم مريضًا أو به أذًى من رأسه) ، رقم 1814، 3/ 10.
30 أنوار التنزيل، البيضاوي، ا/158.
31 المصدر السابق.
32 التفسير الوسيط، محمد سيد طنطاوي، 6/ 115.
33 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 3/ 312.
34 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب غلظ تحريم إسبال الإزار، والمن بالعطية، رقم 171، 1/ 102.
35 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، رقم 3، 1/ 7، من حديث عائشة رضي الله عنها.
36 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، رقم 3612، 4/ 201.
37 الكشاف، الزمخشري، 1/ 449.
38 جامع البيان، الطبري، 11/ 335.
39 انظر: المصدر السابق.
40 أضواء البيان، الشنقيطي، 2/ 244.
41 التفسير المنير، الزحيلي، 30/ 159.
42 المصدر السابق.
43 انظر: جامع البيان، الطبري، 13/ 35.
44 التحرير والتنوير، ابن عاشور، 9/ 56 - 57.
45 في ظلال القرآن، سيد قطب، 2/ 908.
46 التحرير والتنوير، ابن عاشور، 6/ 241.
47 جامع البيان، الطبري، 20/ 501.
48 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 6/ 569.
49 البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي، 9/ 53.
50 إرشاد العقل السليم، أبو السعود، 7/ 163.
51 فتح القدير، الشوكاني، 4/ 418.
52 تفسير المراغي، 22/ 152.
53 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 5/ 301.
54 صفوة التفاسير، الصابوني، 1/ 432.
55 المصدر السابق.
56 انظر: روح المعاني، الألوسي، 12/ 315.
57 الغشم: الظلم والغصب.
انظر: لسان العرب، ابن منظور، 12/ 437، والمراد عاد فرعون إلى ظلمه.
58 المحرر الوجيز، ابن عطية، 2/ 440.
59 في ظلال القرآن، سيد قطب، 3/ 1351.
60 جامع البيان، 20/ 508.
61 التحرير والتنوير، ابن عاشور، 13/ 246.
62 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 2/ 59.
63 المحرر الوجيز، ابن عطية، 1/ 551.
64 التفسير المنير، الزحيلي، 4/ 196.
65 زهرة التفاسير، أبو زهرة، 3/ 1541.
66 تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 160.