فهرس الكتاب

الصفحة 1076 من 2431

قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65) } [الفرقان:65] .

«أي: لازمًا دائمًا غير مفارق، ومنه سمي الغريم لملازمته. ويقال: فلان مغرم بكذا، أي: لازم له مولع به، وقال الحسن: قد علموا أن كل غريم يفارق غريمه إلا غريم جهنم. وقال الزجاج: الغرام أشد العذاب. وقال ابن زيد: الغرام الشر. وقال أبو عبيدة: الهلاك. والمعنى واحد.

وقال محمد بن كعب: طالبهم الله تعالى بثمن النعيم في الدنيا فلم يأتوا به، فأغرمهم ثمنها بإدخالهم النار» 103.

«والعذاب الغرام: هو العذاب المؤبّد أبدًا! لا ينقطع ولا يزول ما دامت السماوات والأرض! فكيف إذا كان ذلك التأبيد الرهيب في قعر جهنم وجوف جحيمها؟ عذاب ولا كأي عذاب والعياذ بالله! أوليس هذا مما لا يطيق الخيال تصوره؟

ولا يستطيع القلب تحسسه لما يحمله من هول عظيم؟ ولذلك قالوا: {إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66) } [الفرقان:66] . أي: بئس المنزل هي! وبئس القرار! وبئس المصير! فبأي عين يستحلي النوم والسبات أصحاب مثل هذه المشاهدات؟!» 104.

فما أقسى ذلك العذاب الذي يلازم صاحبه، فلا يفارقه ولا يتحول عنه، يفقد معه أي أمل في النجاة أو الخلاص {يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (37) } [المائدة:37] .

3.العذاب المهين.

قال الله تعالى: {بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (90) } [البقرة:90] .

«لما كان كفرهم سببه البغي والحسد، ومنشأ ذلك التكبر، قوبلوا بالإهانة والصغار في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60) } [غافر:60] .

أي: صاغرين حقيرين ذليلين راغمين.

قال الإمام أحمد: حدثنا يحيى، حدثنا ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الناس، يعلوهم كل شيء من الصغار حتى يدخلوا سجنًا في جهنم، يقال له: بولس، فيعلوهم نار الأنيار، يسقون من طينة الخبال: عصارة أهل النار) 105» 106.

والآيات التي وصفت العذاب بأنه مهين كثيرة منها:

قوله تعالى: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (178) } [آل عمران:178] .

وقوله تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (14) } [النساء:14] .

وقوله تعالى: {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (37) } [النساء:37] .

وقوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (6) } [لقمان:6] .

«مهين: أي مذل مخز. وهذا الإذلال والاحتقار له يكون في مقابل استهزائه بعناصر سبيل الله، واحتقاره لها في الحياة الدنيا، إذ كانت تشغله عنها الملهيات التي كان يجد فيها متعات تعلقت نفسه بها، فصار يحتقر من أجلها عناصر سبيل الله الموصل إلى السعادة الأبدية في جنات التعيم، إذ هو غير مؤمن بالآخرة» 107.

4.العذاب الأخزى.

قال الله تعالى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (16) } [فصلت:16] .

«الخزى: الانكسار من الوقوع في بليّةٍ وشهرة. وقد خزى كرضى خزيًا -بالكسر- وخزىً، واخزوى: بمعناه. وأخزاه الله: فضحه. والخزية والخزية بالفتح والكسر: البلية. وقيل الخزى: انكسار يلحق الإنسان إمّا من نفسه وإمّا من غيره. فالّذي يلحقه من نفسه هو الحياء المفرط ومصدره الخزاية، ورجل خزيان وامرأة خزيا. والّذي يلحقه من غيره يقال: هو ضرب من الاستخفاف ومصدره الخزى ورجل خز. وأخزى من الخزاية والخزى جميعًا» 108.

«ونلاحظ عناية الآية بلفظ (الخزي) و (الأخزى) ؛ لأن هذا هو المراد إبرازه لقدع تلك الأنوف المستكبرة والمتغطرسة، وكان يمكن أن تقول الآية: ولعذاب الآخرة أشد، وقد جاء ذلك كثيرًا في الكتاب ولكل كلمة مقام» 109.

ولما علم أولو الألباب أن عذاب النار هو الخزي الأكبر والهوان الأعظم توجهوا إلى ربهم في ضراعة وخشوع داعين إياه سبحانه أن ينجيهم من هذا الموقف المخزي والمصير المظلم، لأن قلوبهم قد عمرتها الخشية والإجلال والتعظيم لله عز وجل عبر ممارسة التفكر في الأنفس والآفاق، فأصبحت النجاة من خزي النار هو القضية التي تشغل بالهم، والهم الذي يسيطر على تفكيرهم.

وفي ذلك يقول تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (192) } [آل عمران:190 - 192] .

5.العذاب الأليم.

قال ابن فارس: « (ألم) الهمزة واللّام والميم أصلٌ واحدٌ، وهو الوجع. قال الخليل: الألم: الوجع، يقال: وجعٌ أليمٌ، والفعل من الألم ألم، وهو ألمٌ، والمجاوز أليمٌ، فهو على هذا القياس فعيلٌ بمعنى مفعلٍ. وكذلك وجيعٌ بمعنى موجعٍ. قال ابن الأعرابيّ عذابٌ أليمٌ، أي: مؤلمٌ ورجلٌ أليمٌ ومؤلمٌ، أي: موجعٌ» 110.

وردت نصوص كثيرة تدل على أن عذاب الآخرة هو العذاب الأليم، منها:

قوله تعالى: {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (4) } [يونس:4] .

قوله تعالى: {إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (12) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (13) } [المزمل:12 - 13] .

6.العذاب العظيم.

وردت نصوص كثيرة تدل على أن عذاب الآخرة هو العذاب العظيم، منها:

قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (114) } [البقرة:114] .

وقوله تعالى: {وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (176) } [آل عمران:176] .

7.سوء العذاب.

قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (47) } [الزمر:47] .

«متاع الدنيا واقع مشهود، ونعيم الجنة غيب موعود، والناس يتأثرون بما يرون ويشاهدون، ويثقل على قلوبهم ترك ما بين أيديهم إلى شيء ينالونه في الزمن الآتي، فكيف إذا كان الموعود ينال بعد الموت؟ من أجل ذلك قارن الحق تبارك وتعالى بين متاع الدنيا ونعيم الجنة، وبين أن نعيم الجنة خير من الدنيا وأفضل، وأطال في ذم الدنيا وبيان فضل الآخرة، وما ذلك إلا ليجتهد العباد في طلب الآخرة ونيل نعيمها» 111.

أولًا: المقابلة بين متاع الدنيا ونعيم الآخرة:

تنوعت النصوص القرآنية التي تقارن بين متاع الدنيا الزائل وبين نعيم الآخرة الدائم، نقف مع بعضها بالشرح والتحليل:

قال الله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15) } [آل عمران:14 - 15] .

هذه الآيات تتحدث عن أفضلية النعيم الأخروي على المتاع الدنيوي.

«وهذا المتاع الأخروي الذي تذكره الآية هنا، ويؤمر الرسول عليه الصلاة والسلام أن يبشر به المتقين، هو نعيم حسي في عمومه، ولكن هنالك فارقًا أساسيًّا بينه وبين متاع الدنيا، إنه متاع لا يناله إلا الذين اتقوا. الذين كان خوف الله وذكره في قلوبهم. وشعور التقوى شعور مهذب للروح والحس جميعًا. شعور ضابط للنفس أن تستغرقها الشهوات، وأن تنساق فيها كالبهيمة. فالذين اتقوا ربهم حين يتطلعون إلى هذا المتاع الحسي الذي يبشرون به يتطلعون إليه في شفافية مبرأة من غلظة الحس! وفي حساسية مبرأة من بهيمية الشهوة! ويرتفعون بالتطلع إليه -وهم في هذه الأرض- قبل أن ينتهي بهم المطاف إلى قرب الله.

وفي هذا المتاع النظيف العفيف عوض كامل عن متاع الدنيا، وفيه زيادة. فإذا كان متاعهم في الدنيا حرثًا معطيًا مخصبًا، ففي الآخرة جنات كاملة تجري من تحتها الأنهار. وهي فوق هذا خالدة وهم خالدون فيها، لا كالحرث المحدود الميقات!

وإذا كان متاعهم في الدنيا نساء وبنين، ففي الآخرة أزواج مطهرة. وفي طهارتها فضل وارتفاع على شهوات الأرض في الحياة!

فأما الخيل المسومة والأنعام. وأما القناطير المقنطرة من الذهب والفضة. فقد كانت في الدنيا وسائل لتحقيق متاع. فأما في نعيم الآخرة فلا حاجة إلى الوسائل لبلوغ الغايات!

ثم هنالك ما هو أكبر من كل متاع، هنالك {وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ} رضوان يعدل الحياة الدنيا والحياة الأخرى كليهما، ويرجح، رضوان بكل ما في لفظه من نداوة، وبكل ما في ظله من حنان» 112.

وقوله تعالى: {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15) } [آل عمران:15] .

«والسؤال هنا سؤال إغراء وتحريض على طلب الجواب ومعرفة حقيقة الخبر!

{قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ} ألا ترغبون في معرفة ما هو أحسن مما أنتم فيه من متع وملذات؟ وما أنتم غارقون فيه من شهوات؟ ألا ترغبون في نعم لا تفنى أبدًا ولا تزول! إنها قطعًا خير مما أنتم فيه من الاستمتاع الفاني القريب! هذا الاستمتاع الشهواني الكاذب، الذي لا يتعدى أيام العمر البشري القصير! لكنه خبر يهم فقط المؤمنين المتقين، الذين لم يغتروا بشهوات الحياة الدنيا، ولم يفتنوا بها، فإذا كان الله قد ابتلاهم بشيء منها فقد أدوا حق الله فيها، وأنفقوها في وجوهها المشروعة، فكانوا بها لربهم عابدين، حامدين شاكرين!» 113.

وقوله تعالى: {لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (198) } [آل عمران:196 - 198] .

وجملة معنى النص الكريم لا يصح أن يخدع أحد بما عليه أولئك الكفار من قوة وسطوة وتصريف في شئون البلاد، ورخاء ورفاهية وثراء فإن هذا إلى أمد قصير، وهو متاع قليل، ولذا قال سبحانه: {مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} ، فما قيمة هذا المتاع -مهما تقلبوا في هذه الحياة الدنيا بشتى صنوف المتع والشهوات- إذا كانت نهاية المطاف ودار القرار هي جهنم؟!

{لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا} .

«الاستدراك هنا ب «لكن» للمقابلة بين المتقين الأبرار والمشركين الفجار بالنسبة للمآل، فالكفار مآلهم جهنم ومتاعهم دنيوي قليل، والمتقون لربهم المدركون لمعنى الربوبية الشاكرون لنعمته مآلهم جنات تجري من تحتها الأنهار، وليست مدتها قليلة، بل لهم فيها الخلود، فالنعيم كثير والزمن طويل، بينما الآخرون نعيمهم ضئيل قصير، وعذابهم دائمٌ كثير» 114.

وقوله تعالى: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ (60) أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (61) } [القصص:60 - 61] .

«فهذه صفحة من وعده الله وعدًا حسنًا فوجده في الآخرة حقًّا وهو لا بد لاقيه. وهذه صفحة من نال متاع الحياة الدنيا القصير الزهيد، ثم ها هو ذا في الآخرة محضر إحضارًا للحساب. والتعبير يوحي بالإكراه {مِنَ الْمُحْضَرِينَ} الذين يجاء بهم مكرهين خائفين يودون أن لم يكونوا محضرين، لما ينتظرهم من وراء الحساب على ذلك المتاع القصير الزهيد!» 115.

فشتان شتان بين مؤمن ساع للآخرة سعيها، قد عمل على وعد ربه له، بالثواب الحسن، الذي هو الجنة، وما فيها من النعيم العظيم، وبين من يعيش في الحياة الدنيا يغترف من الشهوات والملذات فهو يأخذ فيها ويعطي، ويأكل ويشرب، ويتمتع كما تتمتع البهائم، قد اشتغل بدنياه عن آخرته، فهو لا يزال كذلك، لا يتزود من دنياه إلا الخسار والهلاك.

وهكذا .. فالعاقل يوازن بين ما ينبغي إيثاره، وما ينبغي الإيثار عليه، وما هو أولى بالسعي إليه، والتقديم له على غيره، وأما من نظر إلى عاجل طفيف منقطع، يفوت نعيمًا عظيمًا باقيًا فأنى له العقل والرأي؟

وقال تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (20) } [الحديد:20] .

في هذه الآية مقابلة بين ما في الحياة الدنيا من متع وشهوات ورغبات لا ثبات لها ولا استقرار، وبين ما في الآخرة من العذاب الشديد، أو المغفرة والرضوان، فليختر العاقل لنفسه ما يشاء.

«وقوله تعالى: {وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} ، هو تعقيب على تلك الأوصاف التي وصفت بها الدنيا، من أنها لعب ولهو، وذلك بعرض ما يقابلها، وهو الآخرة، التي لا لعب فيها ولا لهو، بل كل أمرها جدّ في جدّ .. ففيها عذاب شديد، وفيها مغفرة من اللّه ورضوان، وقدّم العذاب على المغفرة، لأن الآية في مواجهة الذين خدعوا بالحياة الدنيا وأذهبوا طيباتهم فيها، ولهذا جاءت فاصلة الآية مؤكدة لما بدئت به: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} » 116.

«فكيف يسوغ لمؤمن بالله واليوم الآخر أن يضيع حياته فيما لا بقاء له ولا جدوى فيه، في الوقت الذي يدرك فيه أنه متوجه إلى حياة الجزاء، من ثواب وعقاب؟ ولهذا اختتم المثل بذكر الآخرة وما فيها، فقال تعالى: {وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ} ، إذا لولا كون الآخرة حياة جزاء، لما كانت الدنيا حياة استعداد لها، فالتذكير بحياة الجزاء يصرف المؤمنين عما لا يعقب خيرا، ويدفع بهم إلى طاعة الله المجازي المثيب، والتقرب إليه بما أراد أن يتقرب به إليه» 117.

وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (38) } [التوبة:38] .

في هذه الآيات عاتب الله عز وجل الذين رضوا بلذات الدنيا الناقصة الزائلة بدلًا من نعيم الحياة الآخرة الكامل الباقي، «أفليست الدنيا -من أولها إلى آخرها- لا نسبة لها في الآخرة. فما مقدار عمر الإنسان القصير جدًّا من الدنيا حتى يجعله الغاية التي لا غاية وراءها، فيجعل سعيه وكده وهمه وإرادته لا يتعدى حياته الدنيا القصيرة المملوءة بالأكدار، المشحونة بالأخطار.

فبأي رأيٍ رأيتم إيثارها على الدار الآخرة الجامعة لكل نعيم، التي فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وأنتم فيها خالدون، فوالله ما آثر الدنيا على الآخرة من وقر الإيمان في قلبه، ولا من جزل رأيه، ولا من عدّ من أولي الألباب» 118.

والآيات التي تقارن بين متاع الدنيا ونعيم الآخرة كثيرة منها:

قوله تعالى: {فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36) } [الشورى:36] .

وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (77) } [النساء:77] .

وقوله تعالى: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (32) } [الأنعام:32] .

مما سبق يتضح أن كل ما يناله الإنسان في هذه الحياة الدنيا من مال أو جاه أو سلطان هو متاع، أي زاد لا يلبث أن ينفد، أو ثوب لا بد أن يبلى، فكل ما في الحياة الدنيا إلى نفاد، وزوال، وإن كثر وعظم، وما عند اللّه من الثواب والنعيم خير من زهرة الدنيا، لأنه باق سرمديّ، وما فيها زائل فان.

ثانيًا: المقابلة في قصد العباد لكل منهما:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت