فهرس الكتاب

الصفحة 1161 من 2431

الأنهار

أولًا: المعنى اللغوي.

(نهر) النون والهاء والراء أصلٌ صحيحٌ يدل على تفتح شيءٍ أو فتحه. وأنهرت الدم: فتحته وأرسلته، وأسلته، وسمي النهر لأنه ينهر الأرض، أي: يشقها. والمنهرة: فضاءٌ يكون بين بيوت القوم يلقون فيها كناستهم. وجمع النهر أنهارٌ ونهرٌ ونهورٌ، والنهر محركةً: السعة ومجرى الماء، واستنهر النهر: أخذ لمجراه موضعًا مكينًا، وأنهر الماء: جرى. ونهرٌ نهرٌ: كثير الماء 1.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

هو مسطح مائي ينساب على اليابسة في مجرى طويل، وتبدأ معظم الأنهار من أعالي الجبال أو التلال، وقد يكون منبع النهر مثلجة، أو نهرًا جليديًا ينصهر، أو ينبوعًا، أو بحيرة تفيض مياهها. ويتلقى النهر أثناء جريانه في مجراه المزيد من المياه من الجداول، والأنهار الأخرى، ومياه الأمطار. ويقع مصب النهر في نهايته، حيث تصب مياهه في نهر أكبر، أو في بحيرة، أو في أحد المحيطات 2.

فالأنهار: هي المجاري المائية التي تتدفق فيها المياه العذبة طوال السنة أو لعدة شهور 3.

وقيل: النهر: الخليج الكبير. والجدول: النهر الصغير، وأنهار الجنة ليست إلا المياه؛ لأنها تجري من غير أخدود 4.

والنهر: الماء الجاري المتسع، ثم أطلق على الأخدود مجازًا، فيقال: جرى النهر، وجف النهر، والأصل: جرى ماء النهر، وجف ماء النهر 5.

إذن فالأنهار هي: المجاري المائية الواسعة التي تتدفق فيها المياه العذبة.

وردت مادة (نهر) في القرآن (123) مرة، يخص موضوعنا منها (54) مرة 6.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

المفرد ... 3 ... {وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (33) } [الكهف: 33]

الجمع ... 51 ... {أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ (25) } [البقرة: 25]

واستعملت (الأنهار) في القرآن بمعناها اللغوي، وهو: الماء العذب الغزير الجاري، ومجرى الماء العذب 7.

اليم:

اليمُ لغة:

الياء والميم: كلمةٌ تدل على قصد الشيء وتعمده وقصده، واليم: البحر 8.

اليم اصطلاحًا:

بحر؛ متسع من الأرض أصغر من المحيط مغمور بالماء الملح أو العذب 9.

ففي قصة أم موسى، يقول الحق: {فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ} [القصص 7] .

وكان المقصود باليم هناك: النيل، لكن المقصود به هنا في سورة الأعراف هو البحر. {فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (136) } [الأعراف: 136] 10.

الصلة بين النهر واليم:

اليم في كلام العرب مرادف البحر، والبحر في كلامهم يطلق على الماء العظيم المستبحر، فالنهر العظيم يسمى بحرًا، قال تعالى {وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} [فاطر: 12] . فإن اليم من الأنهار 11.

البحر:

البحر لغة:

الماء الكثير، ملحًا كان أو عذبًا، وهو خلاف البر، سمي بذلك لعمقه واتساعه، قد غلب على الملح حتى قل في العذب، وجمعه أبحرٌ وبحورٌ وبحارٌ. وماءٌ بحرٌ: ملحٌ، قل أو كثر 12.

قال ابن فارس: (والأنهار كلها بحارٌ) 13.

البحر اصطلاحًا:

مستقر الماء الواسع بحيث لا يدرك طرفيه من كان في وسطه، وهو مأخوذ من الاتساع 14.

وأصل البحر: كل مكان واسع جامع للماء الكثير، هذا هو الأصل، وسموا كل متوسع في شيء بحرًا.

وقال بعضهم: البحر يقال في الأصل للماء الملح دون العذب 15.

الصلة بين النهر والبحر واليم:

النهر والبحر يلتقيان في المعنى، فكل منهما: مجرى للماء الفائض، أو: الماء الجاري المتسع، ولذا يقول ابن منظور: وقد أجمع أهل اللغة أن اليم هو البحر. وجاء في الكتاب العزيز: {فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ} [القصص 7] .قال أهل التفسير: هو نيل مصر، حماها الله تعالى 16.

وقد يكون البحر للمجرى المتسع للماء المالح، والنهر للمجرى المتسع للماء العذب.

قال الراغب: «يقال في الأصل للماء الملح دون العذب، وقوله تعالى: {الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} 17.

البر:

البر لغة:

والبر، بالفتح: خلاف البحر. والبرية من الأرضيين، بفتح الباء: خلاف الريفية. والبرية: الصحراء نسبت إلى البر، ويقال: أفصح العرب أبرهم. معناه: أبعدهم في البر والبدو دارًا. وقوله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ} [الروم: 41] ؛ قال الزجاج: معناه: ظهر الجدب في البر والقحط في البحر، أي: في مدن البحر التي على الأنهار 18.

والبر: الصادق. وفي التنزيل العزيز: {إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ} [الطور: 28] .والبر من صفات الله تعالى وتقدس: العطوف الرحيم اللطيف الكريم 19.

البر اصطلاحًا:

البر: خلاف البحر، وهو التراب واليابس 20.

الصلة بين النهر والبر:

إذا كان النهر بمعنى: مجرى الماء الفائض، أو: الخليج الكبير، أو: الماء الجاري المتسع، والبحر: مستقر الماء الواسع، وكما ذكرنا في البر أنه خلاف البحر، فيمكننا القول أيضًا: أن البر خلاف النهر، فالنهر والبر بينهما تضاد.

حينما نستعرض آيات القرآن الكريم نجد أن ورود الأنهار مرتبطة بالجنات في خمسة وثلاثين موضعًا 21.

وقد ورد لفظ الأنهار مقترنًا بلفظ (من تحتهم) في أربعة مواضع من القرآن الكريم 22، وما عدا هذه المواضع الأربعة فهو مقترن بلفظ (من تحتها) ، وموضع وحيد في سورة التوبة ورد بدون جر وهو في قوله تعالى: {وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ} [التوبة: 100] .

خلافًا لابن كثير، الذي يقرؤها بالجر 23.

ومن المتعارف عليه أن أول حاجات الإنسان الضرورية المكان والمسكن الذي يعيشه ويسكنه، وأحسن المكان المشتمل على النباتات والأشجار، وألطفه وأكمله ما كان تحت قصوره الأنهار بكثرة.

ولهذا ورد في جزاء المؤمنين. {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [البقرة: 25] .

ثم إن أشد الحاجات الأكل والشرب اللذين يشير إليهما الجنة والنهر، ثم إن أكمل الرزق هو أن يكون مألوفًا ومأنوسًا، وألذ الفاكهة أن تكون متجددة، وإن أصفى اللذة هو أن يكون المقتطف معلومًا وقريبًا، وإن ألذها أن يعرف أنها ثمرة عمله.

فلهذا قال: {كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 25] 24.

إذن فالعلة في اقتران الجنات بجريان الأنهار من تحتها هي زيادة النعيم واكتماله الذي أعده الله لأهل هذه الجنات.

قال الشيخ سعيد النورسي: أما {تَجْرِي} فاعلم أن أحسن الرياض ما فيها ماء، ثم أحسنها ما يسيل ماؤها، ثم أحسنها ما استمر السيلان، فبلفظ {تَجْرِي} أشار إلى تصوير دوام الجريان، وأما {مِنْ تَحْتِهَا} فاعلم أن أحسن الماء الجاري في الخضروات أن ينبع صافيًا من تلك الروضة، ويمر متخرخرًا تحت قصورها، ويسيل منتشرًا بين أشجارها فأشار بـ {مِنْ تَحْتِهَا} إلى هذه الثلاثة، وأما {الْأَنْهَارُ} فاعلم أن أحسن الماء الجاري في الجنان أن يكون كثيرًا، ثم أحسنه أن تتلاحق الأمثال من جداوله، فإن بتناظر الأمثال يتزايد الحسن على قيمة الأجزاء، ثم أحسنه أن يكون الماء عذبًا فراتًا لذيذًا، كما قال {مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ} فبلفظ (نهر) وجمعه وتعريفه أشار إلى هذه 25.

والجريان لا يكون للأنهار وإنما للماء؛ لأن الأنهار هي ما يشق في الأرض ليجري فيه الماء، فهو من إطلاق اسم المحل وإرادة الحال، مثل قوله تعالى: {فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (17) } [العلق: 17] .

وإن الناظر إلى الماء وهو يجري منسابًا في الأرض لايرى النهر؛ ولكن يرى الماء، فكأن النهر اختفى في الماء ولا يرى غير الماء.

وإن هذه الجنات فيها بهجة للناظرين، فهي متعة للأنظار، وبهجة للنفوس بذاتها، وفيها ثمرات شهية من كل شيء 26.

قال الراغب: إن قيل: لم قال: {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [البقرة: 25] .وقد علم أن الماء في البساتين إذا كان جاريًا على وجه الأرض أحسن منها إذا كان جاريًا تحتها؟ قيل: عنى أنهارًا جارية تحت الأشجار، لا تحت الأرض، وقد روي عن مسروق ما يدل على ذلك، وهو أن كل أنهار الجنة تجري في غير أخاديد 27.

على أن هناك آية تقول: {وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 100] .

فما الفرق بين الاثنين؟

يقول الشعراوي في خواطره: آية تجري تحتها الأنهار، أي: أن نبع الماء من مكان بعيد وهو يمر من تحتها، أما قوله تعالى: {تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ} فكأن الأنهار تنبع تحتها، حتى لا يخاف إنسان من أن الماء الذي يأتي من بعيد يقطع عنه أو يجف، وهذه زيادة لاطمئنان المؤمنين، أن نعيم الجنة باق وخالد، ومادام هناك ماء فهناك خضرة ومنظر جميل، ولابد أن يكون هناك ثمر 28 وكأنه يرجع علة اقتران الجنة بجريان الأنهار إلى بث الطمأنينة من الله لأهل هذه الجنات.

وقال رشيد رضا: ويحتمل أن من في قوله {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} أن يكون صلة معناه: تجري تحتها الأنهار، ويحتمل أن يكون المراد أن ماءها منها لا يجري إليها من موضع آخر، فيقال: هذا النهر منبعه من أين؟ يقال: من عين كذا من تحت جبل كذا.

ولو دققنا في هذه الآية آية سورة التوبة لوجدنا أنها الآية الوحيدة التي حددت الأصناف الذين يدخلون الجنة، أما باقي الآيات إنما هي على العموم، فالحق تبارك وتعالى يبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات بجنات تجري من تحتها الأنهار، والجنات جمع جنة، وهي جمع؛ لأنها كثيرة ومتنوعة، وهناك درجات في كل جنة أكثر من الدنيا، واقرأ قوله تبارك وتعالى: {انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (21) } [الإسراء: 21] 29.

من تحتها أي: من تحت أشجارها، الأنهار أي: ماء الأنهار، فنسب الجري إلى الأنهار توسعًا، وإنما يجرى الماء وحده، فحذف اختصارًا 30.

وقال السعدي: في آية سورة يونس: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (9) } [يونس: 9] .

{يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ} أي: بسبب ما معهم من الإيمان، يثيبهم الله أعظم الثواب، وهو الهداية، فيعلمهم ما ينفعهم، ويمن عليهم بالأعمال الناشئة عن الهداية، ويهديهم للنظر في آياته، ويهديهم في هذه الدار إلى الصراط المستقيم وفي الصراط المستقيم، وفي دار الجزاء إلى الصراط الموصل إلى جنات النعيم.

ولهذا قال: {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ} الجارية على الدوام {فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} أضافها الله إلى النعيم، لاشتمالها على النعيم التام، نعيم القلب بالفرح والسرور، والبهجة والحبور، ورؤية الرحمن وسماع كلامه، والاغتباط برضاه وقربه، ولقاء الأحبة والإخوان، والتمتع بالاجتماع بهم، وسماع الأصوات المطربات، والنغمات المشجيات، والمناظر المفرحات. ونعيم البدن بأنواع المآكل والمشارب، والمناكح ونحو ذلك، مما لا تعلمه النفوس، ولا خطر ببال أحد، أو قدر أن يصفه الواصفون 31.

إذن فقد ورد لفظ الأنهار مرتبطًا بالجنات في خمسة وثلاثين موضعًا، والحكمة في اقتران الجنة بجريان الأنهار من تحتها هي: زيادة النعيم الذي أعده الله لأهل هذه الجنات واكتماله لهم، وبث الطمأنينة لهم من الله عز وجل.

أولًا: تسخير الأنهار:

الله سبحانه وتعالى هو الذي خلق السموات والأرض وما فيهن، وهو الذي أنزل من السماء، هذا الماء الذي تتدفق به الأنهار، وتتفجر منه العيون، وتحيا عليه الزروع، وما يخرج منها من ثمر وحب، وهو سبحانه الذي سخر الفلك، وأجراها مع الماء، وسخر الأنهار لتحمل الفلك على ظهرها، وسخر الشمس والقمر تسخيرًا منتظمًا، لا يتخلف أبدًا، وسخر الليل والنهار، على هذا النظام البديع المحكم 32.

ويتعهد الله تعالى بفضله ورحمته لعباده بين الفينة والأخرى، فيذكرهم بما أنعم عليهم من نعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، ليحملهم على الشكر والطاعة، وينبههم على قدرته التي فيها إحسان إلى البشر، لتقوم الحجة عليهم من وجهين. وهذا كله دليل قاطع على وجود الله ووحدانيته، وسلطانه وتصرفه في الكون والأنفس، مما يوجب على العباد الإيمان بربهم، والثقة بوعده، وشكر إحسانه ونعمه 33.

قال الله تعالى معددًا آلاءه ومذكرًا بقدرته: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (32) } [إبراهيم: 32] .

قال الرازي: «يختم الله تعالى وصف أحوال السعداء والأشقياء بالدلائل الدالة على وجود الصانع وكمال علمه وقدرته، وذكر هاهنا عشرة أنواع من الدلائل. أولها: خلق السموات. وثانيها: خلق الأرض، ... إلى أن قال: وخامسها: قوله: وسخر لكم الأنهار» 34.

التسخير: تذليل الشيء وجعلك إياه منقادًا فكأنك إذا سخرت منه جعلته كالمنقاد لك 35.

وقد ورد تسخير الأنهار صريحًا في القرآن الكريم في قوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (32) } [إبراهيم: 32] .

والمراد بالتسخير هنا: التذليل، والإخضاع، والانقياد، وذلك بإخضاع هذه المخلوقات لسنن وقوانين تحكمها، وتضبط موقفها بين المخلوقات، بحيث يمكن الإنسان إخضاع هذه المخلوقات والانتفاع بها، إذا هو عرف القوانين الكونية الممسكة بها 36.

وسخر لكم الأنهار فجعلها معدة لانتفاعكم وتصرفكم، وقيل: تسخير هذه الأشياء تعليم كيفية اتخاذها 37.

{وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ} أي: ذللها لكم حيث تشربون منها وتسقون زروعكم وجناتكم ودوابكم، وتشقون منها جداول تسيرونها وفق إرادتكم 38.

وسخر الأنهار تشق الأرض من قطرٍ إلى قطرٍ رزقًا للعباد من شربٍ وسقيٍ، وغير ذلك من أنواع المنافع 39.

وتسخير الأنهار: خلقها على كيفيةٍ تقتضي انتقال الماء من مكانٍ إلى مكانٍ وقراره في بعض المنخفضات فيستقي منه من تمر عليه وينزل على ضفافه حيث تستقر مياهه، وخلق بعضها مستمرة القرار كالدجلة والفرات والنيل للشرب ولسير السفن فيها 40.

ومن المفسرين من يجعل من معاني التسخير: التفجير.

قال الرازي: «واعلم أن ماء البحر قلما ينتفع به في الزراعات، لا جرم ذكر تعالى إنعامه على الخلق بتفجير الأنهار والعيون حتى ينبعث الماء منها إلى مواضع الزرع والنبات، وأيضًا ماء البحر لا يصلح للشرب، والصالح لهذا المهم هو مياه الأنهار» 41.

وقال ابن عطية: «وأما تسخير الأنهار فتفجرها في كل بلد، وانقيادها للسقي وسائر المنافع» 42.

{وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ} ، أي: فجر لكم ينابيع الماء الجاري في الأنهار، ويسر توزيعها وتفرعها لسقي أكبر مساحة من الأرض والشجر والزرع 43.

وهو الذي سخر لكم الأنهار، وشقها في بطون الأودية وجعل منها حياة الأقاليم والأقطار. ألا ترى إلى نهر النيل والفرات وغيرهما؟! 44.

ومن باب التسخير قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (14) } [النحل: 14] .

يخبر تعالى عن تسخيره البحر المتلاطم الأمواج، ويمتن على عباده بتذليله لهم وتيسيرهم للركوب فيه، ... يسيرون من قطرٍ إلى قطر، ومن بلد إلى بلد، ومن إقليم إلى إقليم، لجلب ما هناك إلى ما هنا، وما هنا إلى ما هناك 45.

ويتضح لنا مما سبق من كلام المفسرين: أن تسخير الأنهار يدور حول: التذليل، والإخضاع، والانقياد، وخلقها على كيفيةٍ معينة تقتضي انتقال الماء من مكانٍ إلى مكانٍ، وقراره في بعض الأماكن، وتفجيرها وتيسير توزيعها.

ثانيًا: تفجير الأنهار

التفجر: التفتح بالسعة والكثرة. وقرأ مالك بن دينار (ينفجر) بالنون 46.

وقد ورد الحديث عن تفجير الأنهار في القرآن الكريم في ثلاثة مواضع:

الأول: في قوله تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74) } [البقرة: 74] .

والثاني: في قوله تعالى: {أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (91) } [الإسراء: 91] .

والثالث: في قوله تعالى: {كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (33) } [الكهف: 33] .

ويدور كلام المفسرين عن تفجير الأنهار الوارد في تلك الآيات حول المعاني الآتية: الشق والسيلان، التفتح والإجراء.

ففي آية سورة البقرة قال أبو حيان: «والتفجر: التفتح بالسعة والكثرة، والانفجار دونه، والمعنى: إن من الحجارة ما فيه خروقٌ واسعةٌ يندفق منها الماء الكثير الغمر؛ إذ ليس المعنى {وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ} للحجر الذي يتفجر منه الماء، إنما المعنى للأحجار التي يتفجر منها الأنهار.

وقد ذهب بعضهم إلى أن الحجر الذي يتفجر منه الأنهار، هو الحجر الذي ضربه موسى بعصاه، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا» 47.

وإن من الحجارة للذي يتفجر منه الأنهار، يعني: من الحجارة ما يسيل منه أنهار من ماء 48.

فكأنه قيل: وإن من القاسية قلوبهم من يراجع، فبعض يتفجر منه الأنهار، ومعناه: حكمة بالغة كأنهار متفجرة، وبعض يتحصل منه نوع من العلوم يجري مجرى الماء ... ، ونبه بفحوى في الكلام أن هؤلاء المذمومين لم يحصل منهم شيء من ذلك فهم أحجار صلدة، وإنما قال: {لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ} ، ولم يقل من اعتبار بلفظ الحجارة 49.

وسبب التفجير للأنهار إنما هو خشية الله عز وجل، قال مجاهد: كل حجر ينفجر منه الماء، وينشق عن ماء، أو يتردى من رأس جبل، فمن خشية الله 50.

أما عن آية سورة الإسراء فجاء في تفسيرها: {أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ} أي: بستان {فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ} أي: تفتحها وتجريها خلالها أي: وسط تلك الجنة 51.

فتجرى الأنهار وسط تلك الجنة جريانًا قويًا دائمًا للانتفاع بها في ري تلك الجنة وغيرها 52.، تشقيقًا.53.

والمعنى: هب أنك لا تفجر الأنهار لأجلنا ففجرها من أجلك بأن تكون لك جنةٌ من نخيلٍ وعنبٍ {فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ} أي: تجريها بقوةٍ {خِلَالَهَا تَفْجِيرًا} أي: وسطها تفجيرًا كثيرًا 54.

تفجر أنهارًا تسقي جنةً واحدةً تكون تلك الجنة وأنهارها لك 55.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت