فهرس الكتاب

الصفحة 995 من 2431

فعند ذلك ترك القوم مخالطة اليتامى، والمقاربة من أموالهم، والقيام بأمورهم، فعند ذلك اختلت مصالح اليتامى وساءت معيشتهم، فثقل ذلك على الناس، وبقوا متحيرين إن خالطوهم وتولوا أمر أموالهم استعدوا للوعيد الشديد، وإن تركوا وأعرضوا عنهم اختلت معيشة اليتامى، فتحير القوم عند ذلك فأنزل الله: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (220) } [البقرة:220] .

فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم.

وهذا هو سبب نزول الآية كما رواه ابن عباس، قال: (لما نزلت: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا(34) } [الإسراء:34] . وقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (10) } [النساء:10] .

انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه، فجعل يفضل له الشيء من طعامه فيحبس له حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (220) } [البقرة:220] . فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم) 64.

وقد ذكر المفسرون في المراد بمخالطة اليتيم وجوه:

أحدها: المراد: وإن تخالطوهم في الطعام والشراب والمسكن والخدم فإخوانكم، والمعنى: أن القوم ميزوا طعامه عن طعام أنفسهم، وشرابه عن شراب أنفسهم ومسكنه عن مسكن أنفسهم، فالله تعالى أباح لهم خلط الطعامين والشرابين، والاجتماع في المسكن الواحد كما يفعله المرء بمال ولده، فإن هذا أدخل في حسن العشرة والمؤالفة، والمعنى وإن تخالطوهم بما لا يتضمن إفساد أموالهم فذلك جائز.

وثانيها: أن يكون المراد بهذه المخالطة أن ينتفعوا بأموالهم بقدر ما يكون أجره مثل ذلك العمل؛ والقائلون بهذا القول منهم من جوز ذلك سواء كان القيم غنيًّا أو فقيرًا، ومنهم من قال: إذا كان القيم غنيا لم يأكل من ماله لأن ذلك فرض عليه وطلب الأجرة على العمل الواجب لا يجوز، واحتجوا عليه بقوله تعالى: ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف، وأما إن كان القيم فقيرًا فقالوا: إنه يأكل بقدر الحاجة ويرده إذا أيسر، فإن لم يوسر تحلله من اليتيم 65.

القول الثالث: أن يكون معنى الآية أن يخلطوا أموال اليتامى بأموال أنفسهم على سبيل الشركة بشرط رعاية جهات المصلحة والغبطة للصبي.

والقول الرابع: أن المراد بالخلط المصاهرة في النكاح، على نحو قوله: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا} [النساء:3] وقوله عز من قائل: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ} [النساء:127] .

وفي هذه الآية دليل على جواز أنواع المخالطات، في المآكل والمشارب، والعقود وغيرها، وهذه الرخصة لطف من الله تعالى وإحسان، وتوسعة على المؤمنين 66.

ويمكن القول بأن الأقوال الأربعة مرادة من تفسير الآية، ولا مانع من العمل بها أو بأحدها بشرط نية الإصلاح والعمل بمقتضى الأخوة في النظر في مصالح اليتيم بالتقويم والتأديب وغيرهما؛ لكي ينشأ على علم وأدب وفضل؛ لأن هذا الصنع أعظم تأثيرًا فيه من إصلاح حاله بالتجارة، ويدخل فيه أيضًا إصلاح ماله كي لا تأكله النفقة من جهة التجارة، ويدخل فيه أيضًا معنى قوله تعالى: {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ} [النساء:2] .

ومعنى قوله: {خَيْرٌ} يتناول حال المتكفل، أي: هذا العمل خير له من أن يكون مقصرًا في حق اليتيم، ويتناول حال اليتيم أيضًا، أي: هذا العمل خير لليتيم من حيث إنه يتضمن صلاح نفسه، وصلاح ماله، فهذه الكلمة جامعة لجميع مصالح اليتيم والولي 67.

ولهذا قال: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ} أي: يعلم من قصده ونيته الإفساد أو الإصلاح، وقوله: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} أي: ولو شاء الله لضيق عليكم وأحرجكم، ولكنه وسع عليكم، وخفف عنكم، وأباح لكم مخالطتهم بالتي هي أحسن، قال تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [الأنعام:152] .

بل جوز الأكل منه للفقير بالمعروف، إما بشرط ضمان البدل لمن أيسر، أو مجانا 68.

ثالثًا: التحذير من الإساءة لليتامى:

نهى الله سبحانه وتعالى صراحة عن الإساءة إليهم كما في قوله جل شأنه: {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) } [الضحى:9] .

والمعنى: قال مجاهد: «لا تحقر اليتيم، فقد كنت يتيما. فلا تظلمه ولا تأخذ حقه وتتقوى به، وقال الفراء والزجاج: لا تقهره على ماله، فتذهب بحقه لضعفه، وكذا كانت العرب تفعل في أمر اليتامى: تأخذ أموالهم، وتظلمهم حقوقهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحسن إلى اليتيم ويبره، ويوصي باليتامى 69.

ودلت الآية على اللطف باليتيم، وبره والإحسان إليه، حتى قال قتادة: «كن لليتيم كالأب الرحيم 70.

قالت عائشة بنت الشاطئ: «ونرى الإيحاء النفسي للكلمة القرآنية {فَلَا تَقْهَرْ} أعمق وأدق من أن يضبط بهذه التفسيرات المحدودة، فلا الظالم، ولا التسلط بما يؤذى، ولا منع الحق، ببالغ في التأثير ما يبلغه قوله تعالى: {فَلَا تَقْهَرْ} إذ يجوز أن يقع القهر مع إنصاف اليتم، وإعطائه ماله، وعدم التسلط عليه بالأذى؛ لأن حساسية اليتم بحيث تتأثر بالكلمة العابرة، واللفتة الجارحة عن غير قصد، والنبرة المؤلمة بلا تنبه، وإن لم يصحبها تسلط بالأذى أو غلبة على ماله وحقه» 71.

ويبين لنا الله سبحانه وتعالى حقيقة مزعجة للغاية تغيب عن بعض الناس، حيث أخبرنا بأن إذلال اليتيم والاشتداد عليه من الكفر والتكذيب بالدين؛ لقوله تعالى: {أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) } [الماعون:1 - 2] . يدفعه عن حقه دفعًا بعنف وجفوة 72.

أي: إن الذي يكذب بالدين هو الذي يدفع اليتيم دفعًا بعنف أي: الذي يهين اليتيم ويؤذيه. والذي لا يحض على طعام المسكين ولا يوصي برعايته. فلو صدق بالدين حقًا، ولو استقرت حقيقة التصديق في قلبه ما كان ليدع اليتيم، وما كان ليقعد عن الحض على طعام المسكين 73.

وقد أخبر تعالى أنه يهين من لم يكرم اليتيم.

قال تعالى: {فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) } [الفجر:15 - 17] .

قال الإمام ابن جرير الطبري في تفسير الآية: «يقول تعالى ذكره: بل إنما أهنت من أهنت من أجل أنه لا يكرم اليتيم، فأخرج الكلام على الخطاب، فقال: بل لستم تكرمون اليتيم، فلذلك أهنتكم» 74.

فأخبر أن الإكرام والإهانة لا تدور على المال وسعة الرزق، ولكن الفقر والغنى بتقديره فيوسع على الكافر لا لكرامته، ويقدر على المؤمن لا لهوانه، إنما يكرم المرء بطاعته ويهينه بمعصيته، وأن سبب ذلك عدم إكرام اليتيم 75.

قال الإمام الرازي: «واعلم أن ترك إكرام اليتيم على وجوه أحدها: ترك بره، وإليه الإشارة بقوله: {وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} والثاني: دفعه عن حقه الثابت له في الميراث وأكل ماله، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا} والثالث: أخذ ماله منه وإليه الإشارة بقوله: {وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا} أي: تأخذون أموال اليتامى وتضمونها إلى أموالكم» 76.

يمكن القول بأن النهي عن الإساءة إلى اليتامى يفهم بطريق غير مباشر من كل ما سبق ذكره بشأنهم: من الأمر برحمتهم والإحسان إليهم، وكفالتهم، وإعطائهم من الصدقة، وإصلاحهم ومخالطتهم، وكذلك صون أموالهم والاتجار فيها وتزكيتها.

سيتناول هذا العنوان أمورًا تتعلق بمال اليتيم وهي: حق اليتيم في التملك، ومصادر أموال اليتامى، وحفظ ماله، التحذير من أكل ماله، اختبار اليتامى في حسن التصرف وإيتاؤهم أموالهم، وذلك فيما يأتي:

أولًا: حق اليتيم في التملك:

قرر القرآن الكريم حق اليتيم في تملك المال، وبين وشدد في أحكام هذا المال في عدد من الآيات الكريمة.

قال تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) } [الأنعام:152] .

وقال سبحانه: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (34) } [الإسراء:34] .

وقال عز وجل: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (6) } [النساء:6] .

وفي تفسير هذه الآيات تعرض المفسرون لمال اليتيم وأحكامه من وجوب حفظه وصونه، وتثميره ودفعه لليتيم عند بلوغه، وتحريم أكله، مما يدل على أن اليتيم له حق تملك مال 77.

ثانيًا: مصادر أموال اليتامى:

هناك مصادر متعددة لأموال اليتيم أهمها:

1.الميراث.

وهذا أكثر أسباب التملك للمال عند اليتيم، وأوسعها انتشارًا، وأساس ذلك قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ? لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ?) [النساء:11] .

وقوله تعالى: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ? نَصِيبًا مَفْرُوضًا ?) [النساء:7] .

وهذه الآيات تبين أن لليتيم نصيبه في ميراث من مات وخلف ورثة منهم اليتيم، وأخبر الله تعالى أن ما خلفه الميت بين ورثته، على حد سواء صغار ولد الميت وكبارهم وإناثهم، إذا لم يكن له وارث غيرهم، للذكر مثل حظ الأنثيين 78.

2.الصدقات والتبرعات.

وتعتبر الصدقة على اليتيم من أفضل وجوه البر.

قال تعالى: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ ? قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى? وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ? وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) [البقرة:215] 79.

وكذلك الهبات والوصايا والوقف تعتبر من مصادر اليتيم المالية، سواء أكان ذلك من الأفراد أو المؤسسات أو الجمعيات أو الدولة.

قال تعالى: وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى? وَالْيَتَامَى? وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا) [النساء:8] 80.

3.الزكاة.

إن اليتامى يدخلون في الفقراء دخولا أوليا، بل هم الفقراء الصغار الذين يقدمون على الفقراء البالغين؛ لكونهم عاجزين عن التكسب والعمل، فيكون نصيب اليتامى داخلًا في سهم الفقراء والمساكين.

قال تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ? فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ ? وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [التوبة:60] 81.

4.الفيء والغنيمة.

فلليتامى نصيبهم من الفيء، وهو عند الفقهاء: هو ما يحل أخذه من أموال الكفار بلا قتال كالخراج والجزية وهو لكافة المسلمين ولا يخمس.

قال تعالى: (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى? رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى? فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى? وَالْيَتَامَى? وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ ? وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ? وَاتَّقُوا اللَّهَ ? إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ?7?) [الحشر:7] 82.

وكذلك نصيبهم من الغنيمة بعد تخميسها وهي المال الذي يناله المسلمون من عدوهم بالسعي وإيجاف الخيل والركاب.

قال تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى? وَالْيَتَامَى? وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى? عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ? وَاللَّهُ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ?41?) [الأنفال:41] .

أي: أن الخمس الذي للإمام يكون خمسه لليتامى بنص هذه الآية 83.

5.الكفالة المالية لليتيم.

وذلك بأن ينفق قريب على اليتيم، أو شخص متبرع على اليتيم، ومن الصور المعاصرة كفالة اليتيم من الأشخاص أو المؤسسات، وتعتبر هذه الكفالة من مصادر اليتيم المالية.

وتعتبر كفالة اليتيم من مسؤوليات المجتمع المسلم كله في أي مكان وأي زمان، وهو فرض كفاية على الأمة فإن تركت الأمة كفالة اليتيم أثمت جميعها 84.

وتعتبر كفالة اليتامى من المسلمين وغير المسلمين في البلاد الفقيرة نوعًا من التعاون على البر والتقوى، الذي أمر به الله تعالى في كتابه العزيز.

قال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة:2] 85.

[انظر: التبني: كفالة اليتامى]

ثالثًا: حفظ مال اليتيم:

أمر الله تعالى بحفظ مال اليتيم، وصيانته وتنميته وتكثيره، بكل الوسائل التي تؤدي إلى حفظ ماله وتمنع من هلاكه بمرور الزمن عليه.

قال تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} [الأنعام:152] .

وقال تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (34) } [الإسراء:34] .

فقد نهى الله سبحانه وتعالى عن قربان مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن، وهي بالعفة، واختلفوا في معناه على أقاويل:

أحدها: أن القربان بالأحسن هو حفظ الأصول، وتثمير الفروع، قال القرطبي: «أي: بما فيه صلاحه وتثميره، وذلك بحفظ أصوله وتثمير فروعه، وهذا أحسن الأقوال في هذا» 86.

والثاني: أن التي هي أحسن التجارة له بماله، وهذا قريب من الأول.

والقول الثالث: أن القربان بالأحسن هو أن لا يخالط مال اليتيم بمال نفسه إلا على سبيل الإصلاح 87.

وهذا نهي عن القرب الذي يعم وجوه التصرف، وفيه سد الذريعة، ثم استثنى ما يحسن وهو التثمير والسعي في نمائه، بالتجارة فيه 88.

رابعًا: التحذير من أكل مال اليتيم:

إن أكل مال اليتيم جريمة من أرذل الجرائم، لا يتجرأ عليها إلا الأنذال الذين قست قلوبهم، ونزعت منها عاطفة الرحمة والإنسانية؛ لما يترتب عليها من الأضرار البالغة بحق اليتيم الذي لا ناصر ولا كافي له؛ ولذلك حرم القرآن أكل مال اليتيم، وتوعد من يأكله بالعذاب الأليم، ليس في الآخرة فحسب، بل هم يتجرعون نارًا محرقة في بطونهم.

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (10) } [النساء:10] .

أي: إن الذي أكلوه نارا تتأجج في أجوافهم، وهم الذين أدخلوها في بطونهم، {وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} أي: نارًا محرقة متوقدة، وهذا أعظم وعيد ورد في الذنوب، يدل على شناعة أكل أموال اليتامى وقبحها، وأنها موجبة لدخول النار، فدل ذلك أنها من أكبر الكبائر 89.

والآية تشير إلى أن مال اليتيم نار تحرق كل من يمد إليه يدًا خائنة، أو يدسه في بطن شرهة، فمن أكل منه احترق به في الدنيا، وصَلَى به عذاب جهنم في الآخرة 90.

وأكل مال اليتيم كبيرة من الكبائر، وموبقة من الموبقات فقد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اجتنبوا السبع الموبقات) قيل: يا رسول الله، وما هن؟ قال: (الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات) 91.

وقد اتفق العلماء أن الآية شملت في النهي عن أكل أموال اليتامى كل ما فيه إتلاف أو تفويت، سواء كان بأكل حقيقة، أو باختلاس، أو بإحراق، أو إغراق، إذ لا فرق في ضياع مال اليتيم عليه بين كونه بأكل أو إحراق بنار أو إغراق في ماء حتى الإهمال فيه، فهو تفويت عليه وكل ذلك حفظًا لماله 92.

وفي آية أخرى بين سبحانه أن أكل مال اليتيم إثم عظيم ووزر جسيم، وأن ذلك استبدال للطيب بالخبيث قال تعالى: {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (2) } [النساء:2] .

قال ابن عباس: «أي: إثمًا كبيرًا عظيمًا» 93.

قال الماوردي: {وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ} «فيه أربعة تأويلات:

أحدها: الحرام بالحلال، وهو قول مجاهد.

والثاني: هو أن يجعل الزائف بدل الجيد، والمهزول بدل السمين وهو قول ابن المسيب والزهري والضحاك والسدي.

والثالث: هو استعجال أكل الحرام قبل إتيان الحلال، وهو معنى قول مجاهد.

والرابع: أن أهل الجاهلية كانوا لا يورثون الصغار والنساء ويأخذه الرجل» 94.

وينهى تعالى عن أكل أموال اليتامى من غير حاجة ضرورية إسرافًا وبدارًا، أي: مبادرة قبل بلوغهم.

قال تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (6) } [النساء:6] 95.

وأصل الإسراف: تجاوز الحد المباح إلى ما ليس بمباح، وأما البدار فهو: أكل مال اليتيم قبل أن يكبر، فيحول بين الآكل وبين ماله 96، والمعنى: لا تأكلوا أموال اليتامى أكل إسراف وأكل مبادرة لكبرهم، أو: لا تأكلوا لأجل السرف، ولأجل المبادرة، أو: لا تأكلوها مسرفين ومبادرين لكبرهم، وتقولوا: ننفق أموال اليتامى فيما نشتهي قبل أن يبلغوا فينتزعوها من أيدينا 97.

وفي الجملة ففي الآية نهي للأغنياء من الأولياء أن لا يأخذوا لأنفسهم من أموال اليتامى شيئًا، وللفقراء منهم أن لا يأخذوا منها شيئًا بغير المعروف، كما أن قوله: {وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا} يدل على أنه نهي للفريقين عن أكلها إسرافًا ومبادرة لكبرهم.

وقد رخص القرآن الكريم للوصي أن يأكل من مال اليتيم من غير إسراف ولا تبذير، إن كان فقيرًا وقيد هذا الأكل بالمعروف، فيجوز في حال الحاجة والاعتدال بمثابة أجر له بقدر عمله وخدمته، فإن كان الوصي غنيًّا فلا يأكل منه، وعليه أن يتعفف، وإن كان فقيرًا محتاجًا فليأكل الوصي بالمعروف شرعًا وعرفًا بلا إسراف ولا تبذير، قال عمر رضي الله عنه: «إني أنزلت نفسي من مال الله (أي: مال الأمة) منزلة والي اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن احتجت أكلت بالمعروف، فإذا أيسرت قضيت» 98.

وهذا القول رجحه الإمام ابن جرير، حيث قال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: المعروف الذي عناه الله تبارك وتعالى في قوله: {وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} ، أكل مال اليتيم عند الضرورة والحاجة إليه، على وجه الاستقراض منه فأما على غير ذلك الوجه، فغير جائز له أكله» 99.

وقال الإمام الشوكاني: «واختلف أهل العلم في الأكل بالمعروف ما هو؟ فقال قوم: هو القرض إذا احتاج إليه ويقضي متى أيسر الله عليه، وبه قال عمر بن الخطاب، وابن عباس، وعبيدة السلماني، وابن جبير، والشعبي، ومجاهد، وأبو العالية، والأوزاعي، وقال النخعي وعطاء والحسن وقتادة: لا قضاء على الفقير فيما يأكل بالمعروف، وبه قال جمهور الفقهاء، وهذا بالنظم القرآني ألصق فإن إباحة الأكل للفقير مشعرة بجواز ذلك له من غير قرض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت