يقول تعالى: والذين قاتلوا هؤلاء المفترين على الله كذبًا من كفار قريش، المكذبين بالحق لما جاءهم فينا، مبتغين بقتالهم علو كلمتنا، ونصرة ديننا (لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) أي: لنوفقنهم لإصابة الطريق المستقيمة، وذلك إصابة دين الله الذي هو الإسلام الذي بعث الله به محمدًا صلى الله عليه وسلم (وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) يقول: وإن الله لمع من أحسن من خلقه، فجاهد فيه أهل الشرك، مصدقًا رسوله فيما جاء به من عند الله بالعون له، والنصرة على من جاهد من أعدائه 117.
وقد تكفل الله تعالى بأنه لايضيع من أحسن في الجهاد.
قال تعالى: (مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الْأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ? ذَ?لِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ? إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ(120 ) ) [التوبة: 120] .
كما يكون الإحسان في الجهاد بالإنفاق في سبيل الله تعالى: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا ? إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ?195?) [البقرة: 195] .
أي: أنفقوا في سبيل الله فمن أنفق في سبيل الله فهو محسن، فقوله: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) [البقرة: 195] وكل ما أمر الله به من الخير فهو في سبيل الله وأكثر ما يستعمل في الجهاد، لأنه السبيل الذي يقاتل فيه 118.
(وَأَحْسِنُوا) أي: بالإنفاق على من تلزمكم مؤنته ونفقته. وقيل: أحسنوا في الإنفاق ولا تسرفوا ولا تقتروا، نهوا عن الإسراف والإقتار في الإنفاق. وقيل: معناه: وأحسنوا في أداء فرائض الله تعالى. (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) ، أي: يثيبهم على إحسانهم 119 ..
كما يكون الاحسان في الجهاد بالالتزام بتعاليم الإسلام في قتال أعدائه، وذلك بعدم المثلة والغلول وقتل النساء والصبيان والشيوخ، الذين لا رأي لهم ولا قتال فيهم، والرهبان وأصحاب الصوامع، وتحريق الأشجار، وقتل الحيوان لغير مصلحة، لما رواه بريدة رضي الله عنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرًا على جيش، أو سرية، أوصاه في خاصته بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: (اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا، وإذا لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى ثلاث خصال - أو خلال - فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك، فاقبل منهم، وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها، فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله، وذمة نبيه، فلا تجعل لهم ذمة الله، ولا ذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك، فإنكم أن تخفروا ذممكم وذمم أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا) 120.
وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنه قال: (إن امرأة وجدت في بعض مغازي النبي صلى الله عليه وسلم مقتولة، فأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل النساء والصبيان) 121.
وكذلك فعل الخلفاء الراشدون، ففي وصية أبي بكر رضي الله عنه لأسامة بن زيد حين بعثه إلى الشام: «لا تخونوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلًا صغيرًا، ولا شيخًا كبيرًا، ولا امرأة، ولا تعقروا نخلًا، ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاةً ولا بقرةً ولا بعيرًا إلا لمأكله، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم له» 122.
رابعًا: الإحسان في الأخلاق:
إن الإحسان في الأخلاق يكون بالتخلق بالقرآن الكريم في الأقوال والأفعال وجميع التصرفات، فإن أحسن الناس خلقًا هو من يتخلق بالقرآن، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال عنه تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلَى? خُلُقٍ عَظِيمٍ) [القلم: 4] .
والمعنى: أنت على الخلق الذي أمرك الله به في القرآن 123، أي: على الخلق الذي أدبك الله به مما نزل به القرآن من الإحسان إلى الناس، والعفو، والتجاوز، وصلة الأرحام، وإعطاء النصفة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وما أشبه ذلك.
وفي حديث سعد بن هشام، قال: أتيت عائشة، فقلت: يا أم المؤمنين، أخبريني بخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: (كان خلقه القرآن) . أما تقرأ القرآن، قول الله عز وجل: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) [القلم: 4] 124125.
وما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: «أن هذه الآية التي في القرآن: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا) [الأحزاب: 45] .
قال في التوراة: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخاب بالأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، فيفتح بها أعينًا عميًا، وآذانًا صمًا، وقلوبًا غلفًا» 126.
وقال تعالى: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) [البقرة: 83] أي: كلموهم طيبًا، ولينوا لهم جانبًا، ويدخل في ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالمعروف كما قال الحسن البصري في قوله تعالى (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) فالحسن من القول يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويحلم ويعفو ويصفح، ويقول للناس حسنًا كما قال الله، وهو كل خلق حسن رضيه الله 127.
وقال تعالى: (. وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ? إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا) [النساء: 86] .
فقوله تعالى: (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا) .
التحية: هي دعاء بطول الحياة، والمراد بالتحية هاهنا: السلام، يقول: إذا سلم عليكم مسلم فأجيبوا بأحسن مما سلم أو ردوها كما سلم، فإذا قال: السلام عليكم، فقل: وعليكم السلام ورحمة الله، وإذا قال: السلام عليكم ورحمة الله، فقل: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وإذا قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد مثله، روي أن رجلًا سلم على ابن عباس رضي الله عنهما، فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ثم زاد شيئًا، فقال ابن عباس: إن السلام ينتهي إلى البركة 128.
وقال تعالى: (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ? إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ ? إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا) [الإسراء: 53] .
يأمر تبارك وتعالى عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم أن يأمر عباد الله المؤمنين أن يقولوا في مخاطبتهم ومحاوراتهم الكلام الأحسن والكلمة الطيبة، فإنهم إن لم يفعلوا ذلك، نزع الشيطان بينهم، وأخرج الكلام إلى الفعال، وأوقع الشر والمخاصمة والمقاتلة، فإنه عدو لآدم وذريته من حين امتنع عن السجود لآدم، وعداوته ظاهرة بينة، ولهذا نهى أن يشير الرجل إلى أخيه المسلم بحديدة، فإن الشيطان ينزع في يده، أي: فربما أصابه بها 129.
وقال تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ? وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ? إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ? وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) [النحل: 125] .
«يقول تعالى آمرًا رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يدعو الخلق إلى الله بالحكمة، وهو ما أنزله عليه من الكتاب والسنة والموعظة الحسنة، أي: بما فيه من الزواجر والوقائع بالناس، ذكرهم بها ليحذروا بأس الله تعالى.
وقوله: (وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) أي: من احتاج منهم إلى مناظرة وجدال فليكن بالوجه الحسن برفق ولين وحسن خطاب، كقوله تعالى: (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) [العنكبوت: 46] .
فأمره تعالى بلين الجانب كما أمر به موسى وهارون عليهما السلام حين بعثهما إلى فرعون في قوله: (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى?) [طه: 44] » 130.
أولًا: جزاء المحسنين في الدنيا:
إن الله تعالى أحسن على الإنسان بجميع النعم تفضلًا منه وكرمًا.
قال تعالى: (وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ? وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ? إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) [إبراهيم: 34] .
وقال سبحانه: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ? إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) [النحل: 18] .
وقال عز وجل: (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ? وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ) [لقمان: 20] .
يقول تعالى ذكره: (أَلَمْ تَرَوْا) أيها الناس (أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ) من شمس وقمر ونجم وسحاب (وَمَا فِي الْأَرْضِ) من دابة وشجر وماء وبحر وفلك، وغير ذلك من المنافع، يجري ذلك كله لمنافعكم ومصالحكم، لغذائكم وأقواتكم وأرزاقكم وملاذكم، تتمتعون ببعض ذلك كله، وتنتفعون بجميعه، (وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً) 131.
والإسباغ: الإفاضة والشمول، عن سعة وكثرة. والنعم السابغة: الكثيرة المتعددة والنعم الظاهرة: ما يعرفها الإنسان، ويلمسها بحواسه، أو يدركها بعقله والنعم الباطنة، هى ما لا يعلمه الإنسان من أسرار هذا الوجود الذي يعيش فيه 132.
وقد أحسن الله للإنسان في خلقه، قال تعالى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) [التين: 4] .
وأحسن إليه بالصحة والعافية، وذلك على المعنى الوارد في قوله تعالى: (وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ ? قَالُوا خَيْرًا ? لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَ?ذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ ? وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ) [النحل: 30] .
وفي قوله تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ ? لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَ?ذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ ? وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ ? إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ?10?) [الزمر: 10] .
فحسنة الدنيا المذكورة في الآيتين هي الحسنة: الصحة والعافية 133.
قال الماوردي: «وفيما أريد بالحسنة التي لهم في الدنيا أربعة أوجه: أحدها: العافية والصحة، قاله السدي. الثاني: ما رزقهم الله من خير الدنيا، قاله يحيى بن سلام، الثالث: ما أعطاهم من طاعته في الدنيا وجنته في الآخرة، قاله الحسن، الرابع: الظفر والغنائم، حكاه النقاش. ويحتمل خامسًا: إن الحسنة في الدنيا الثناء وفي الآخرة الجزاء» 134.
ومن إحسان الله تعالى على العبد الإحسان المعنوي المتمثل في السعادة.
قال تعالى: (. إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى? أُولَ?ئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ) [الأنبياء: 101] .
قال المفسرون: (. إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى? أُولَ?ئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ) : عني به: كل من سبقت له من الله السعادة من خلقه أنه عن النار مبعد 135.
وقيل: الآية عامة في كل من سبقت لهم من الله السعادة.
وقال أكثر المفسرين: عني بذلك: كل من عبد من دون الله وهو لله طائع ولعبادة من يعبده كاره 136.
والحسنى: الخصلة المفضلة في الحسن تأنيث الأحسن؛ إما السعادة، وإما البشرى بالثواب وإما التوفيق للطاعة، يروى أن عليًا رضي الله عنه قرأ هذه الآية ثم قال: أنا منهم، وأبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه 137.
ومن المفسرين من قال: إن المراد: (أُولَ?ئِكَ) يعني: عزيرًا والمسيح والملائكة (عَنْهَا) عن جهنم (مُبْعَدُونَ) لأنهم لم يرضوا بعبادتهم، وقيل: المراد بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى) : جميع المؤمنين لما روي أن عليًا رضي الله عنه قرأ هذه الآية ثم قال: «أنا منهم وأبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف» 138.
والواجب على العبد تجاه إحسان الله تعالى في الدنيا ما يأتي:
1.الإحسان في الاعتقاد والعبادة وجميع الأعمال.
قال تعالى: (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ) [الرحمن: 60] .
وفي معناها وجوه:
أحدها: هل جزاء التوحيد غير الجنة، أي: جزاء من قال: لا إله إلا الله إدخال الجنة.
ثانيها: هل جزاء الإحسان في الدنيا إلا الإحسان في الآخرة.
ثالثها: هل جزاء من أحسن إليكم في الدنيا بالنعم وفي العقبى بالنعيم إلا أن تحسنوا إليه بالعبادة والتقوى.
وأما الأقرب فإنه عامٌ، فجزاء كل من أحسن إلى غيره أن يحسن هو إليه أيضًا 139.
2.الشكر للمحسن سبحانه وذلك بالاعتراف بذلك.
كما قال يوسف عليه السلام: قال تعالى: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ? وَقَالَ يَا أَبَتِ هَ?ذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ? وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ? إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ ? إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ?100?) [يوسف: 100] .
أي: وقد أحسن بي ربي إذ أخرجني من السجن، وسما بي إلى عرش الملك، وجاء بكم من البادية حيث كنتم تعيشون في شظف العيش وخشونته، ونقلكم إلى الحضر حيث تعيشون في نعم الاجتماع ونشر الدين الحق، وتتعاونون على ترقي العلوم والصناعات 140.
وكذلك ببذل الإحسان إلى الآخرين من المستحقين والمساكين.
قال تعالى: (وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ) [القصص: 77] .
بين سبحانه أنه يرضى عن المحسنين في إتباع السلف الصالح.
قال تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ? ذَ?لِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ?100?) [التوبة: 100] .
قال أبو جعفر الطبري: «يقول تعالى ذكره: والذين سبقوا الناس أولًا إلى الإيمان بالله ورسوله من المهاجرين، الذين هاجروا قومهم وعشيرتهم، وفارقوا منازلهم وأوطانهم والأنصار الذين نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أعدائه من أهل الكفر بالله ورسوله (وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ.) ، يقول: والذين سلكوا سبيلهم في الإيمان بالله ورسوله، والهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام، طلب رضا الله (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) » 141.
قال الزجاج: « (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) تأويله: والله أعلم أن الله رضي أفعالهم، وأنهم رضوا ما جازاهم الله به» 142.
هو عرض كاشف لمنزلة هؤلاء الصفوة من عباد الله، وأن الله رضي عنهم، بما كان منهم من إحسان، وأنهم رضوا، بما أرضاهم الله به، ونعموا فيه.
وفي قوله تعالى: (وَرَضُوا عَنْهُ) رضوان فوق رضوان من عند الله، يحفهم به، ويزيدهم نعيمًا إلى نعيم؛ إذ جعل الله سبحانه وتعالى رضاهم عنه بما أعطاهم معادلًا لرضاه عنهم، حتى لكأنه سبحانه وتعالى، يتبادل الرضا معهم، فيرضى عنهم، ويرضون عنه. فسبحانه، ما أعظم لطفه، وما أوسع فضله، وما أكرم عطاءه، وأسبغ إحسانه 143.
أثبت الله تعالى محبته للمحسنين في الدنيا بصفة عامة، قال تعالى: (فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ? وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [آل عمران: 148] .
وذلك جزاء من قال: (وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ?147?فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ ? وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ?148?) [آل عمران: 147 - 148] 144.
وفي معرض الحث على الإنفاق في سبيل الله تعالى، قال تعالى: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ? وَأَحْسِنُوا ? إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [البقرة: 195] .
والمعنى: أحسنوا أيها المؤمنون في أداء ما ألزمتكم من فرائضي، وتجنب ما أمرتكم بتجنبه من معاصي، ومن الإنفاق في سبيلي، وعود القوي منكم على الضعيف ذي الخلة، فإني أحب المحسنين في ذلك 145، أي: أنفقوا في سبيل الله فمن أنفق في سبيل الله فهو محسن 146.
وهذا مثل قوله تعالى: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ? وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ?134?) [آل عمران: 134] .
فإن الله يحب من عمل بهذه الأمور التي وصف أنه أعد للعاملين بها الجنة التي عرضها السماوات والأرض، والعاملون بها هم المحسنون، وإحسانهم، هو عملهم بها، أي: وذلك الإحسان، وأنا أحب من عمل به 147، لفظ: (الْمُحْسِنِينَ) للجنس، فيتناول كل محسن ويدخل تحته هؤلاء المذكورون، وقد تكون للعهد فتكون إشارة إلى هؤلاء 148.
وقوله تعالى: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ? يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ? وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ? وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى? خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ? فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ? إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ?13?) [المائدة: 13] .
قال أبو جعفر الطبري: «وهذ أمر من الله عز ذكره نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بالعفو عن هؤلاء القوم الذين هموا أن يبسطوا أيديهم إليه من اليهود. يقول الله جل وعز له: اعف، يا محمد، عن هؤلاء اليهود الذين هموا بما هموا به من بسط أيديهم إليك وإلى أصحابك بالقتل، واصفح لهم عن جرمهم بترك التعرض لمكروههم، فإني أحب من أحسن العفو والصفح إلى من أساء إليه» 149.
(فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ? إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) ظاهره الأمر بالمعروف والصفح عنهم جميعهم، وذلك بعث على حسن التخلق معهم ومكارم الأخلاق.
قال الإمام أبو جعفر الطبري: يجوز أن يعفو عنهم في غدرة فعلوها ما لم ينصبوا حربًا، ولم يمتنعوا من أداء جزية 150.
أخبر الله تعالى بأنه مع المحسنين في قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) [النحل: 128] .
يقول تعالى ذكره (إِنَّ اللَّهَ) يا محمد (مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا) الله في محارمه فاجتنبوها، وخافوا عقابه عليها، فأحجموا عن التقدم عليها.
(وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) يقول: وهو مع الذين يحسنون رعاية فرائضه، والقيام بحقوقه، ولزوم طاعته فيما أمرهم به ونهاهم عنه 151.
والمراد من هذه المعية: المعية بالحفظ والنصرة والحراسة والمعونة 152، وهذه معية خاصة كقوله: (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ?) [الأنفال: 12] .
وقوله لموسى وهارون: (قَالَ لَا تَخَافَا ? إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى?) [طه: 46] .
وقول النبي صلى الله عليه وسلم للصديق وهما في الغار: (لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ? فَأَنْزَلَ اللَّهُ) [التوبة: 40] .
ومعنى (الَّذِينَ اتَّقَوْا) أي: تركوا المحرمات، (وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) أي: فعلوا الطاعات، فهؤلاء الله يحفظهم ويكلؤهم، وينصرهم ويؤيدهم، ويظفرهم على أعدائهم ومخالفيهم 153.
وقوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ? وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) [العنكبوت: 69] .
أي: إن الله لمع من أحسن من خلقه، فجاهد فيه أهل الشرك، مصدقًا رسوله فيما جاء به من عند الله بالعون له، والنصرة على من جاهد من أعدائه 154.
وقوله: (وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) تأويله إن الله ناصرهم؛ لأن قوله: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا) الله معهم، يدل على نصرهم، والنصرة تكون في علوهم على عدوهم بالغلبة بالحجة والغلبة بالقهر والقدرة 155.
وروي عن ابن عباس: والذين جاهدوا في طاعتنا لنهديننهم سبل ثوابنا. وإن الله لمع المحسنين، بالنصر والمعونة في دنياهم وبالثواب والمغفرة في عقباهم 156.
إن من جزاء الإحسان في الدنيا، أن يكون العبد قريبًا من رحمة الله.
قال تعالى: (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ? إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) [الأعراف: 56] .
في الآية تنبيه ظاهر على أن فعل هذا المأمور به هو الإحسان المطلوب منكم، ومطلوبكم أنتم من الله هو رحمته القريبة من المحسنين الذين فعلوا ما أمروا به من دعائه خوفًا وطمعًا، فقرب مطلوبكم منكم وهو الرحمة بحسب أدائكم لمطلوبه منكم وهو الإحسان الذي هو في الحقيقة إحسان إلى أنفسكم.
قال ابن القيم 157: في قوله: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) : «له دلالة بمنطوقه، ودلالة بإيمائه وتعليله، ودلالة بمفهومه:
فهذه ثلاث دلالات لهذه الجملة، وإنما اختص أهل الإحسان بقرب الرحمة منهم؛ لأنها إحسان من الله أرحم الراحمين، وإحسانه تعالى إنما يكون لأهل الإحسان؛ لأن الجزاء من جنس العمل، فكما أحسنوا بأعمالهم أحسن إليهم برحمته، وأما من لم يكن من أهل الإحسان فإنه لما بعد عن الإحسان بعدت عنه الرحمة، بعدًا ببعد، وقربًا بقرب، فمن تقرب بالإحسان تقرب الله إليه برحمته، ومن تباعد عن الإحسان تباعد الله عنه برحمته، والله سبحانه يحب المحسنين، ويبغض من ليس من المحسنين، ومن أحبه الله فرحمته أقرب شيء منه، ومن أبغضه فرحمته أبعد شيء منه.
والإحسان هاهنا: هو فعل المأمور به، سواء كان إحسانًا إلى الناس، أو إلى نفسه. فأعظم الإحسان: الإيمان والتوحيد، والإنابة إلى الله، والإقبال عليه، والتوكل عليه، وأن يعبد الله كأنه يراه إجلالًا ومهابةً وحياءً ومحبةً وخشيةً، فهذا هو مقام الإحسان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: وقد سأله جبريل عليه السلام عن الإحسان فقال: (أن تعبد الله كأنك تراه) 158.
وإذا كان هذا هو الإحسان فرحمة الله قريب من صاحبه، فإن الله إنما يرحم أهل توحيده المؤمنين به وإنما كتب رحمته: للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون، والذين يتبعون رسوله، فهؤلاء هم أهل الرحمة، كما أنهم هم المحسنون، وكما أحسنوا جوزوا بالإحسان، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ يعني: هل جزاء من أحسن عبادة ربه إلا أن يحسن ربه إليه؟
قال ابن عباس: هل جزاء من قال: لا إله إلا الله، وعمل بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم إلا الجنة؟».
إن من جزاء الإحسان في الدنيا: أن الله تعالى يجعل للمحسن ذكرًا جميلًا، وثناء حسنًا في الناس في حياته وبعد موته.
قال تعالى مبينًا بقاء ذكر المحسنين، وعلى رأسهم الأنبياء عليهم السلام، فقال في نوح عليه السلام: {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (77) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (78) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (79) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (80) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (81) } [الصافات: 77 - 81] .