فهرس الكتاب

الصفحة 1590 من 2431

وقال ابن عاشور: «الله تعالى جعل هذه الأمة وسطًا، وعلمنا أن الوسط هو الخيار العدل الخارج من بين طرفيه إفراط وتفريط، علمنا أن الله تعالى أكمل عقول هذه الأمة بما تنشأ عليه العقول من الاعتقاد بالعقائد الصحيحة، ومجانبة الأوهام السخيفة التي ساخت فيها عقول الأمة» 88.

وقال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأنعام: 82] .

قال محمد رشيد رضا: «لا يخفى أن الأمن في الآية مقصورٌ على الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلمٍ، فإذا حمل العموم فيها على إطلاقه وعدم مراعاة موضوع الإيمان يكون المعنى: الذين آمنوا ولم يخلطوا إيمانهم بظلمٍ ما لأنفسهم -لا في إيمانهم ولا في أعمالهم البدنية والنفسية من دينيةٍ ودنيويةٍ، ولا بغيرهم من المخلوقات من العقلاء والعجماوات- أولئك لهم الأمن من عقاب الله تعالى الديني على ارتكاب المعاصي والمنكرات، وعقابه الدنيوي على عدم مراعاة سننه في ربط الأسباب بالمسببات، كالفقر والأسقام والأمراض، دون غيرهم ممن ظلموا أنفسهم أو غيرهم، فإن الظالمين لا أمان لهم، بل كل ظالمٍ عرضةٌ للعقاب، وإن كان الله تعالى لسعة رحمته لا يعاقب كل ظالمٍ على كل ظلمٍ، بل يعفو عن كثيرٍ من ذنوب الدنيا، ويعذب من يشاء، ويغفر لمن يشاء في الآخرة ما دون الشرك به.

وهذا المعنى في تفسير الآية صحيحٌ في نفسه، ويترتب عليه أن الأمن المطلق من الخوف من عقاب الله الديني والدنيوي أو الشرعي والقدري جميعًا لا يصح لأحدٍ من المكلفين، دع خوف الهيبة والإجلال الذي يمتاز به أهل الكمال، وقد صح إسناد الخوف إلى الملائكة والأنبياء» 89.

وحصر المولى عز وجل الفلاح لأهل العدل المقسطين، فقال: {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [الأنعام: 135] .

قال محمد رشيد رضا: «قد تقدم شرح هذا المعنى في تفسير: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأنعام: 82] .

من هذه السورة، وإذا كان فلاح الظالمين لأنفسهم وللناس بالأولى منتفيًا بشرع الله وسنته العادلة؛ انحصر الفلاح والفوز في أهل الحق والعدل الذين يقومون بحقوق الله وحقوق أنفسهم، ومن يرتبط معهم في شئون الحياة، وهذا لا يكمل إلا لرسل الله وجندهم من المؤمنين الصالحين، ألم تر كيف نصر الله رسوله على الظالمين من قومه أولًا كأكابر مجرمي مكة المستهزئين به؟

ثم على سائر مشركي العرب، ثم نصر أصحابه على أعظم أمم الأرض وأقواها جندًا، وأعظمها ملكًا، وأرقاها نظامًا، كالرومان والفرس؟ ثم نصر من بعدهم من المسلمين من كل أمةٍ وشعبٍ على من ناوأهم وقاتلهم من أهل الشرق والغرب في الحروب الصليبية والفتوح العثمانية وغيرها بقدر حظهم من اتباع ما جاء به من الحق والعدل، فلما ظلموا أنفسهم، وظلموا الناس، وصار حظهم من هداية دينهم نحوًا مما كان من حظ أهل الكتاب قبلهم من هداية رسلهم أو أقل، ولم يعد لهم مزيةٌ ثابتةٌ في هذا السبب المعنوي للنصر والفلاح.

بل انحصر الفوز في الأسباب المادية والفنية، وسائر الأسباب المعنوية، كالصبر والثبات، والعدل والنظام ونرى كثيرًا من الجاهلين بالإسلام يقولون: ما بال المسلمين قد أضاعوا ملكهم إذا كان الله قد وعد بنصرهم؟

وجوابه: أن الله تعالى لم يعد قط بنصر من يسمون مسلمين -كيفما كانت حالهم-، وإنما وعد بنصر من ينصره، ويقيم ما شرعه من الحق والعدل، وبإهلاك الظالمين مهما تكن أسماؤهم وألقابهم، إذا نازعهم البقاء من هم أقرب إلى الحق والعدل أو النظام منهم» 90.

وغير هذه الآيات كثير جدًا، مما توضح الفلاح لأهل العدل، وحسن عاقبتهم في الدنيا والآخرة، سواء كانت صريحة أم ضمنية، كقوله تعالى: {فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: 39] .

وقوله تعالى: {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [الأنعام: 21] .

وقوله تعالى: {فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ} [يونس: 39] .

يدخل العدل في مجالات كثيرة في الحياة، ومن ذلك:

أولًا: مجال الأحكام:

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وكل عمل يؤمر به فلابد فيه من العدل، فالعدل مأمور به في جميع الأعمال، والظلم منهي عنه نهيًا مطلقًا؛ ولهذا جاءت أفضل الشرائع والمناهج بتحقيق هذا كله وتكميله، فأوجب الله العدل لكل أحد على كل أحد في كل حال» 91.

ومن صور اهتمام الإسلام بالجانب العملي والميدان التطبيقي للعدل المأمور به في حياة الأفراد والجماعات البشرية المنتشرة على وجه البسيطة ما يلي:

اشتراط العدل «العدالة» في الشهادة والشهود 92:

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ} [البقرة: 282] .

قال الطبري: «يعني بذلك جل ثناؤه: وليكتب كتاب الدين إلى الأجل المسمى بين الدائن والمدين {كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ} يعني: بالحق والإنصاف في كتابه الذي يكتبه بينهما، بما لا يتحيف ذا الحق حقه، ولا يبخسه، ولا يوجب له حجة على من عليه دينه فيه بباطل، ولا يلزمه ما ليس عليه» 93.

وقال الماوردي: «وعدل الكاتب ألا يزيد فيه إضرارًا بمن هو عليه، ولا ينقص منه إضرارًا بمن هو له» 94.

وقال الزجاج: «ومعنى: {فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ} أي: الذي يقوم بأمره؛ لأن الله أمر ألا نؤتي السفهاء الأموال، وأمر أن يقام لهم بها، فقال: {وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ} [النساء: 5] . فوليه الذي يقوم مقامه في ماله لو كان مميزًا» 95.

وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء: 135] .

هذه الآية الكريمة تبين أن إنصاف المرء أخاه في النسب أو الدين قد يكون أمرًا معقولًا تقره الطبائع السليمة، والفطر النقية، أما إنصاف العدو، وتبرئة ساحته مع مخالفته لنا في الدين فهذا ما لا يستطيعه إلا من تربى على مائدة الإسلام، وتشبع بروح العدل والإنصاف التي جاء بها القرآن، فهذه الآية تعلمنا أن الميل في العدل بسبب الغضب أو عاطفة القرابة، أو بسبب الخشية من إنسان ما، أو التودد إلى ضعيف يجب أن يبعد تمامًا من دائرة العدل عند مباشرته.

وصمام الأمان في إبعاده تذكر الله، واستحضار جلاله في القوامة على الناس، والحكم فيما بينهم.

قال ابن كثير: «أي: لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل؛ فإن العدل واجب على كل أحد في كل حال. وقد قال بعض السلف: ما عاملت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه» 96.

وقال أبو عبيدة والفراء: «أي: لا يكسبنكم بغض قوم أن تعتدوا الحق إلى الباطل، والعدل إلى الظلم» 97.

وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} [المائدة: 95] .

قال الطبري: «يقول تعالى ذكره: يحكم بذلك الجزاء الذي هو مثل المقتول من الصيد من النعم عدلان منكم، يعني: فقيهان عالمان من أهل الدين والفضل» 98.

وقال الزجاج: «أي: من أهل ملتكم، فعلى قاتل الصيد أن يسأل فقيهين عدلين عن جزاء ما قتل» 99.

وقال الشعراوي: «هم الذين لا يميلون عن الحق، ويقيمون الميزان، ويأمرنا الحق أن نحكم بالإنصاف؛ لنكون من ذوي العدل، أي: أن الإنسان حين يواجه خصمين، فهو يعطي نصفه لخصم، ونصفه الآخر للخصم الثاني، فلا يميل بالهوى ناحية أحدهما، ولا يدير الإنسان وجهه إلى الخصم أكثر مما يديره للآخر.

وإن سأل أحد: كيف نأتي بذوي العدل؟ ونقول: انظر إلى عدالتهما في نفسيهما، ولنر تصرفات الإنسان، هل هي مستقيمة أو لا؟ وهل هو مسرف أو معتدل سواء في الطعام أو الغضب أو في أي لون من ألوان السلوك؟ ومن كان مأمونًا على نفسه فهو مأمون على غيره» 100.

وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} [المائدة: 106] .

قال الطبري: « {اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} يقول: ذوا رشد وعقل وحجًى من المسلمين» 101.

وقال ابن قتيبة: «رجلان عدلان من المسلمين تشهدونهما على الوصية» 102.

وقال تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق: 2] .

قال الطبري: «هما اللذان يرضى دينهما وأمانتهما» 103.

وقال ابن عطية: «العدل حقيقة الذي لا يخاف إلا الله» 104.

ثانيًا: الحياة الأسرية والاجتماعية:

خص المولى عز وجل هذا الجانب باهتمام بالغ؛ فذكر آيات كثيرة في غاية الوضوح تؤسس الأسرة على أسس العدل والحق؛ لأن الأسرة نواة المجتمع، فإذا صلحت، صلح المجتمع، وإذا فسدت فلا سبيل لصلاح المجتمع، ومن هذه الآيات:

قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} [النساء: 3] .

قال ابن قتيبة: «أي: فإن علمتم أنكم لا تعدلون بين اليتامى يقال: أقسط الرجل: إذا عدل ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (المقسطون في الدنيا على منابر من لؤلؤ يوم القيامة) 105.

ويقال: قسط الرجل: إذا جار بغير ألف، ومنه قول الله: {وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا} [الجن: 15] » 106.

وقال الطبري: «اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك: وإن خفتم يا معشر أولياء اليتامى أن لا تقسطوا في صداقهن فتعدلوا فيه، وتبلغوا بصداقهن صدقات أمثالهن؛ فلا تنكحوهن، ولكن انكحوا غيرهن من الغرائب اللواتي أحلهن الله لكم وطيبهن، من واحدة إلى أربع، وإن خفتم أن تجوروا -إذا نكحتم من الغرائب أكثر من واحدة- فلا تعدلوا فانكحوا منهن واحدة، أو ما ملكت أيمانكم.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: النهي عن نكاح ما فوق الأربع حذارًا على أموال اليتامى أن يتلفها أولياؤهم؛ وذلك أن قريشًا كان الرجل منهم يتزوج العشر من النساء والأكثر والأقل، فإذا صار معدمًا؛ مال على مال يتيمه الذي في حجره فأنفقه، أو تزوج به، فنهوا عن ذلك، وقيل لهم: إن أنتم خفتم على أموال أيتامكم أن تنفقوها؛ فلا تعدلوا فيها من أجل حاجتكم إليها لما يلزمكم من مؤن نسائكم، فلا تجاوزوا فيما تنكحون من عدد النساء على أربعٍ، وإن خفتم أيضًا من الأربع أن لا تعدلوا في أموالهم؛ فاقتصروا على الواحدة، أو على ما ملكت أيمانكم 107.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أن القوم كانوا يتحوبون في أموال اليتامى أن لا يعدلوا فيها، ولا يتحوبون في النساء أن لا يعدلوا فيهن، فقيل لهم: كما خفتم أن لا تعدلوا في اليتامى؛ فكذلك فخافوا في النساء أن لا تعدلوا فيهن، ولا تنكحوا منهن إلا من واحدة إلى الأربع، ولا تزيدوا على ذلك، وإن خفتم أن لا تعدلوا أيضًا في الزيادة على الواحدة؛ فلا تنكحوا إلا ما لا تخافون أن تجوروا فيهن من واحدة، أو ما ملكت أيمانكم.

وقال آخرون: معنى ذلك: فكما خفتم في اليتامى؛ فكذلك فتخوفوا في النساء أن تزنوا بهن، ولكن انكحوا ما طاب لكم من النساء.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى، اللاتي أنتم ولاتهنفلا تنكحوهن، وانكحوا أنتم ما حل لكم منهن.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال التي ذكرناها في ذلك بتأويل الآية قول من قال: تأويلها: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فكذلك فخافوا في النساء فلا تنكحوا منهن إلا ما لا تخافون أن تجوروا فيه منهن، من واحدة إلى الأربع، فإن خفتم الجور في الواحدة أيضًا فلا تنكحوها، ولكن عليكم بما ملكت أيمانكم؛ فإنه أحرى أن لا تجوروا عليهن.

وإنما قلنا: إن ذلك أولى بتأويل الآية؛ لأن الله جل ثناؤه افتتح الآية التي قبلها بالنهي عن أكل أموال اليتامى بغير حقها وخلطها بغيرها من الأموال، فقال تعالى ذكره: {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا} [النساء: 2] .

ثم أعلمهم أنهم إن اتقوا الله في ذلك فتحرجوا فيه، فالواجب عليهم من اتقاء الله، والتحرج في أمر النساء مثل الذي عليهم من التحرج في أمر اليتامى، وأعلمهم كيف التخلص لهم من الجور فيهن، كما عرفهم المخلص من الجور في أموال اليتامى، فقال: انكحوا إن أمنتم الجور في النساء على أنفسكم ما أبحت لكم منهن وحللته، مثنى وثلاث ورباع، فإن خفتم أيضًا الجور على أنفسكم في أمر الواحدة، بأن لا تقدروا على إنصافها فلا تنكحوها، ولكن تسروا من المماليك؛ فإنكم أحرى أن لا تجوروا عليهن؛ لأنهن أملاككم وأموالكم، ولا يلزمكم لهن من الحقوق كالذي يلزمكم للحرائر، فيكون ذلك أقرب لكم إلى السلامة من الإثم والجور.

ففي الكلام -إذ كان المعنى ما قلنا- متروك، استغنى بدلالة ما ظهر من الكلام عن ذكره؛ وذلك أن معنى الكلام: وإن خفتم أن لا تقسطوا في أموال اليتامى فتعدلوا فيها، فكذلك فخافوا أن لا تقسطوا في حقوق النساء التي أوجبها الله عليكم، فلا تتزوجوا منهن إلا ما أمنتم معه الجور مثنى وثلاث ورباع، وإن خفتم أيضًا في ذلك فواحدة، وإن خفتم في الواحدة فما ملكت أيمانكم، فترك ذكر قوله: فكذلك فخافوا أن لا تقسطوا في حقوق النساء بدلالة ما ظهر من قوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} » 108.

وقوله تعالى: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} [النساء: 4] .

في هذه الآية الكريمة نهي عن مظلمة تقع على المرأة حين يؤكل صداقها من أقاربها، ولا تعطى إياه، وهو حق لها خالص لا سبيل لوالد ولا لأخ عليه.

وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء: 10] .

قال البغوي: « {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا} أي: حرامًا بغير حقٍ {إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} أخبر عن مآله، أي: عاقبته تكون كذلك» 109.

وقوله تعالى: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} [النساء: 34] .

قال محمد رشيد رضا: «معنى: {فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا} لا تطلبوا طريقًا للوصول إلى إيذائهن بالقول أو الفعل، فالبغي بمعنى الطلب، ويجوز أن يكون بمعنى تجاوز الحد في الاعتداء، أي: فلا تظلموهن بطريقٍ ما، فمتى استقام لكم الظاهر فلا تبحثوا عن مطاوي السرائر {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} فإن سلطانه عليكم فوق سلطانكم على نسائكم، فإذا بغيتم عليهن عاقبكم، وإذا تجاوزتم عن هفواتهن كرمًا وشممًا تجاوز عنكم.

قال الأستاذ 110: أتى بهذا بعد النهي عن البغي؛ لأن الرجل إنما يبغي على المرأة بما يحسه في نفسه من الاستعلاء عليها، وكونه أكبر منها وأقدر، فذكره تعالى بعلوه وكبريائه وقدرته عليه؛ ليتعظ ويخشع، ويتقي الله فيها، واعلموا أن الرجال الذين يحاولون بظلم النساء أن يكونوا سادةً في بيوتهم إنما يلدون عبيدًا لغيرهم، يعني: أن أولادهم يتربون على ذل الظلم، فيكونون كالعبيد الأذلاء لمن يحتاجون إلى المعيشة معهم» 111.

وقوله تعالى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا} [النساء: 127] .

عن عائشة رضي الله عنها في قول الله تعالى: {وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ} قالت: «هذا في اليتيمة التي تكون عند الرجل لعلها أن تكون شريكته في ماله وهو أولى بها، فيرغب عنها أن ينكحها فيعضلها لمالها ولا ينكحها غيره؛ كراهية أن يشركه أحد في مالها» 112.

وقوله تعالى: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء 129] .

قال الشنقيطي: «قوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً} الآية [النساء: 3] .

هذه الآية الكريمة تدل على أن العدل بين الزوجات ممكنٌ، وقد جاء في آيةٍ أخرى ما يدل على أنه غير ممكنٍ، وهو قوله تعالى: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ} [النساء: 129] .

والجواب عن هذا: أن العدل بينهن الذي ذكر الله أنه ممكنٌ هو العدل في توفية الحقوق الشرعية، والعدل الذي ذكر أنه غير ممكنٍ هو المساواة في المحبة والميل الطبيعي؛ لأن هذا انفعالٌ لا فعلٌ، فليس تحت قدرة البشر، والمقصود أن من كان أميل بالطبع إلى إحدى الزوجات فليتق الله وليعدل في الحقوق الشرعية، كما يدل عليه قوله: {فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ} » 113.

وقوله تعالى: {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ} [الأحزاب: 5] . {أَقْسَطُ} أي: أعدل 114.

قال الطبري: «دعاؤكم إياهم لآبائهم هو أعدل عند الله، وأصدق وأصوب من دعائكم إياهم لغير آبائهم ونسبتكموهم إلى من تبناهم، وادعاهم وليسوا له بنين» 115.

وقال سيد قطب: «وإنه لقسط وعدل أن يدعى الولد لأبيه، عدلٌ للوالد الذي نشأ هذا الولد من بضعة منه حية، وعدلٌ للولد الذي يحمل اسم أبيه، ويرثه ويورثه، ويتعاون معه، ويكون امتدادًا له بوراثاته الكامنة، وتمثيله لخصائصه، وخصائص آبائه وأجداده، وعدلٌ للحق في ذاته الذي يضع كل شيء في مكانه، ويقيم كل علاقة على أصلها الفطري، ولا يضيع مزية على والد ولا ولد، كما أنه لا يحمل غير الوالد الحقيقي تبعة البنوة، ولا يعطيه مزاياها، ولا يحمل غير الولد الحقيقي تبعة البنوة ولا يحابيه بخيراتها! وهذا هو النظام الذي يجعل التبعات في الأسرة متوازنة، ويقيم الأسرة على أساس ثابت دقيق مستمد من الواقع، وهو في الوقت ذاته يقيم بناء المجتمع على قاعدة حقيقية قوية بما فيها من الحق ومن مطابقة الواقع الفطري العميق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت