فهرس الكتاب

الصفحة 615 من 2431

الرضا

أولًا: المعنى اللغوي:

تدل مادة (ر ض و) على خلاف السّخط، يقال: رضي يرضى رضًا، والرضوان هو الرضى الكثير 1.

فالرضا ضد السخط، وفي الحديث: (اللهمّ إنّي أعوذ برضاك من سخطك) 2.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

قال المناويّ: «الرّضا طيب نفسيّ للإنسان بما يصيبه أو يفوته مع عدم التّغيّر» 3.

وقيل: الرضا: سرور القلب بالقضاء، وعدم الجزع 4.

فالرضا إذًا يدور حول قبول النفس للأمر، وعدم التسخط منه، وهو بذلك لا يختلف عن معناه اللغوي.

وردت مادة (رضو) الدالة على (الرضا) في القرآن الكريم (73) مرة 5.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 23 ... {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [المائدة: 119]

الفعل المضارع ... 23 ... {يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (96) } [التوبة: 96]

اسم الفاعل ... 4 ... {فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21) } [الحاقة: 21]

اسم المفعول ... 2 ... {وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (55) } [مريم: 55]

صيغة المبالغة ... 1 ... {وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6) } [مريم: 6]

مصدر ... 20 ... {أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ} [آل عمران: 162]

وجاء الرضا في القرآن الكريم بمعناه اللغوي، الذي هو ضد السخط 6.

قال الله سبحانه وتعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (28) } [محمد: 28] أي: وكرهوا ما يرضيه عنهم 7.

التسليم:

التسليم لغة:

الانقياد وبذل الرضا بالحكم 8.

التسليم اصطلاحًا:

الاستسلام والإذعان والانقياد لأمر الله تعالى، وترك الاعتراض فيما لا يلائم، وقيل: التسليم: استقبال القضاء بالرضا، وقيل: التسليم، هو الثبوت عند نزول البلاء من تغير في الظاهر والباطن 9.

الصلة بين الرضا والتسليم:

التسليم انقيادٌ لأوامر الله تعالى وأحكامه، والإذعان لما يصدر من الحكمة الالهية، وما يصيبه من الحوادث والنوائب ظاهرًا وباطنًا، وقبول كل ذلك من غير إنكار بالقلب واللسان، وهو مرتبة فوق الرضا 10.

المحبة:

المحبة لغةً:

عبارة عن ميل الطّبع في الشّيء الملذ، فإن تأكّد الميل، وكان قويًّا؛ يسمى عشقًا، وأول مراتب الحبّ: الهوى، وهو ميل النّفس، وقد يطلق ويراد به: نفس المحبوب 11.

قال الفيروز آبادي: «ولا يحدّ المحبّة بحدّ أوضح منها، والحدود لا تزيدها إلاّ خفاءً وجفاءً فحدّها وجودها، ولا توصف المحبّة بوصف أظهر من المحبّة» 12.

المحبة اصطلاحًا:

لا يختلف عن معناه اللغوي، الذي هو ميل الإنسان للشيء وغلبته على قلبه 13.

الصلة بين الرضا والمحبة:

قيل: هما نظيران، وإنما يظهر الفرق بضديهما، فالمحبة ضدها البغض، والرضا ضده السخط، قيل: وهو يرجع إلى الإرادة، فإذا قيل: (رضي عنه) ، فكأنه أراد تعظيمه وثوابه، وإذا قيل: (رضي عليه) فكأنه أراد ذلك، والسخط إرادة الانتقام 14.

اليقين:

اليقين لغة:

هو العلم و زوال الشك. يقال منه: يقنت الأمر يقنًا، وأيقنت، واستيقنت، وتيقّنت، كلّه بمعنًى. وأنا على يقين منه. وإنّما صارت الياء واوًا في قولك: موقنٌ؛ للضمة قبلها. وإذا صغّرته رددته إلى الأصل وقلت: مييقنٌ. وربّما عبّروا عن الظنّ باليقين، وباليقين عن الظنّ 15.

اليقين اصطلاحًا:

من صفة العلم فوق المعرفة والدّراية وأخواتها، يقال: علم يقينٍ، ولا يقال: معرفة يقينٍ، وهو سكون القلب إلى خبر المخبر ووثوقه به، مع ثبات الحكم 16.

الصلة بين الرضا واليقين:

اليقين هو سكون القلب إلى خبر المخبر ووثوقه به. أما الرضا فهو سرور القلب بمرّ القضاء، وارتفاع الجزع في أيّ حكم كان، وربما كان الرضا ثمرة لليقين.

السخط:

السخط لغة:

الكراهية للشّيء، وعدم الرّضا به 17.

السخط اصطلاحًا:

قيل: الغضب الشديد المقتضي للعقوبة 18.

الصلة بين الرضا والسخط:

إن العلاقة بين الرضا والسخط علاقة تضاد.

لقد ذكر القرآن الكريم أن رضا الله تعالى هو أكبر الجزاء وأعظم النعيم في الجنة، وهو الغاية التي ليس وراءها غاية، وسوف نذكر ذلك في النقاط الآتية:

أولًا: رضا الله غاية:

ذكر القرآن الكريم أن العبادات والصدقات والجهاد وغيرها من الأعمال يجب أن يبتغي بها العبد رضا الله تعالى وحده.

قال سبحانه: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} [البقرة: 207] .

وقال تعالى: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 114] .

وقال جل وعلا: {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [البقرة: 265] .

إن رضوان الله تعالى هو الغاية الذي ليس فوقها غاية لكل إنسان، وقد ذكر القرآن الكريم أن الناس تجاه الدين مراتب، أقلها من يعجبك قوله في الحياة الدنيا، كما قال سبحانه: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ} [البقرة: 204] .

أي: يضمر الكيد ويفسد على الناس ما فيه نفع الجميع، وهو خيرات الأرض، وأعلاها من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} [البقرة: 207] ؛ لأن النفس أغلى ما يبذل، فهذا القسم هو الذي تمحض فعله للخير حتى بلغ غاية ذلك، وهو تعريض نفسه التي هي أنفس الأشياء عليه للهلاك؛ لأجل تحصيل ما يرضي الله تعالى، وإنما رضا الله تعالى بفعل الناس للخير الذي أمرهم به، ويشري معناه: يبيع، كما أنَّ يشتري بمعنى: يبتاع، كما في قوله تعالى: {وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا} [البقرة: 41] .

واستعمل (يشري) هنا في البذل مجازًا، والمعنى: ومن الناس من يبذل نفسه للهلاك؛ ابتغاء مرضاة الله، أي: هلاكًا في نصر الدين، وهذا أعلى درجات الإيمان؛ لأن النفس أغلى ما عند الإنسان، وهذا البيع لا يتحقق إلا إذا جاد المؤمن بنفسه وماله في سبيل الله إذا دعت الحاجة إلى ذلك، كجهاد أعداء الأمة عند الاعتداء عليها، أو الاستيلاء على شيء من أرضها، فمن قدر على الجهاد بنفسه وجب عليه ذلك، ومن قدر عليه بماله وجب عليه ذلك، وإن قدر عليهما معًا وجب عليه، فإن قصّر في شيء من ذلك فقد آثر نفسه على مرضاة الله وخرج من زمرة المؤمنين الذين باعوا أنفسهم لله، كما قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ} [التوبة: 111] .

وقد سمى الله تعالى ذلك تجارة، فقال جل وعلا: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الصف: 10 - 11] 19.

أما قوله تعالى: {وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} [البقرة: 207] .

فمن رأفته أنه جعل النعيم الدائم جزاء على العمل القليل المنقطع، ومن رأفته جوز لهم كلمة الكفر؛ إبقاء على النفس، ومن رأفته أنه لا يكلف نفسًا إلا وسعها، ومن رأفته ورحمته أن المصر على الكفر مائة سنة إذا تاب -ولو في لحظة- أسقط كل ذلك العقاب وأعطاه الثواب الدائم، ومن رأفته أن النفس له والمال، ثم إنه يشتري ملكه بملكه فضلًا منه ورحمة وإحسانًا 20.

وقد ذكرت الروايات سبب نزول هذه الآية: وأنها نزلت في صهيب بن سنان الرومي رضي الله عنه، وذلك أنه لما أسلم بمكة، وأراد الهجرة منعه الناس أن يهاجر بماله، وعرضوا عليه إن أحب أن يتجرد منه ويهاجر فعل، فتخلص منهم، وأعطاهم ماله، فأنزل الله فيه هذه الآية، فتلقاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وجماعة إلى طرف الحرّة، فقالوا له: ربح البيع، فقال: وأنتم، فلا أخسر الله تجارتكم، وما ذاك؟ فأخبروه أن الله أنزل فيه هذه الآية 21.

وقوله تعالى: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 114] .

والمعنى: أن هذه الأقسام الثلاثة من الطاعات وإن كانت في غاية الشرف والجلالة إلا أن الإنسان إنما ينتفع بها إذا أتى بها لوجه الله ولطلب مرضاته، فأما إذا أتى بها للرياء والسمعة انقلبت القضية فصارت من أعظم المفاسد 22.

وعطف {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ} [البقرة: 265] .

في مرضاة الله على الآية في قوله تعالى: {كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [البقرة: 264] ؛ لزيادة بيان ما بين المرتبتين من البون، وتأكيدًا للثناء على المنفقين بإخلاص، وتفنُّنًا في التمثيل؛ فإنه قد مثله فيما سلف بحبة أنبتت سبع سنابل، ومثل الذي ينفق ماله ابتغاء مرضات الله كمثل جنة بربوة؛ لتحصل السرعة بتخيل مضاعفة الثواب وحسن الجزاء وبهجته وجماله، فمثله بما هو أعجب في حسن التخيل، فإن الأمثال تبهج السامع كلما كانت أكثر تركيبًا وضمنت الهيأة المشبه بها أحوالًا حسنة تكسبها حسنًا؛ ليسري ذلك التحسين إلى المشبه، وهذا من جملة مقاصد التشبيه 23.

وقد ذكرت الآيات أنه يجب على المؤمن أن يبتغي بعمله مرضات الله تعالى في كل أفعاله وأقواله؛ من صلاة وصيام وصدقة وجهاد في سبيل الله وإصلاح ذات البين، وغيرها من أفعال الخير، وفيها تحذير من الرياء والنفاق، فيجب على كل مؤمن أن يكون رضا الله غايته في كل عمل يعمله؛ فإن ابتغاء مرضاته سبحانه هو الإخلاص، ونظيره قوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5] .

وقوله سبحانه: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم: 39] .

وقوله عليه الصلاة والسلام: (إنما الأعمال بالنيات) 2425.

ثانيًا: رضا الله جزاء:

ذكر القرآن الكريم الرضا جزاء في قوله عز وجل: {قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [المائدة: 119] .

وقال تعالى: {وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة: 22] .

وقال سبحانه: {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ} [البينة: 8] .

بينت هذه الآيات أن جزاء المؤمنين على صدقهم وإيمانهم، وأعمالهم الصالحة، ومجاهدة أعدائه، وعدم ولايتهم، بأن رضي الله عنهم فأرضاهم، فرضوا عنه، وإنما حصل لهم هذا بعد الرضا به ربًّا، وبمحمد نبيًّا، وبالإسلام دينًا، فإن منزلة الرضا أشرف المنازل بعد النبوة، وأكبر الأجر وأعظم الجزاء الذي أعده الله تعالى لعباده المؤمنين، فمن رضي عن اللّه فقد رضي اللّه عنه؛ لقوله تعالى: {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [البينة: 8] .

فجعل أحد الرضاءين مقرونًا بالآخر، فمن بلغ هذه المنازل فقد عرف خساسة الدنيا، واطلع على جنة المأوى، وخطب مودة الملأ الأعلى، وحظي بتحيتهم المعنية بقوله تعالى: {وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} [الرعد: 23 - 24] .

ورضوان أكرم الأكرمين يستلزم رضا من رضي هو عنه؛ لأنه يعطيه أضعاف ما يستحق، وفوق ما يؤمل ويرجو، وقال تعالى: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17] .

ورضوانه تعالى فوق كل شيء، وقال سبحانه: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 72] .

فقد رفع الله الرضا فوق جنات عدن، {وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ} ، وشيء من رضوان الله أكبر من ذلك كله؛ لأن رضاه هو سبب كل فوز وسعادة، ولأنهم ينالون برضاه عنهم تعظيمه وكرامته، والكرامة أكبر أصناف الثواب، ولأن العبد إذا علم أن مولاه راض عنه فهو أكبر في نفسه مما وراءه من النعم، وإنما تتهنأ له برضاه، كما إذا علم بسخطته تنغصت عليه ولم يجد لها لذة وإن عظمت 26.

وروي من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله تبارك وتعالى يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة؟ فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من خلقك، فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك، قالوا: يا رب، وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدًا) 27.

وقد ذكرت الآيات أن رضوان الله تعالى هو الغاية العظيمة التي ليس وراءها غاية، وهو الجزاء الكبير والفوز العظيم، وفيها تنبيه للمؤمنين؛ ليطلبوا رضوان الله، كما قال تعالى: {لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ} [الصافات: 61] .

وكما قال سبحانه: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [المطففين: 26] 28.

إن الله تعالى رضي عن أنبيائه وعن المؤمنين وعن الأعمال الصالحة، والشفاعة لمن يشاء من عباده الصالحين، ولم يرض لعباده الكفر والفسوق والعصيان، فيجب على العبد أن يوافق ربه في رضاه وسخطه، وسوف نذكر هذه الأشياء في النقاط الآتية:

أولًا: الرضا المثبت في حق الله تعالى:

إن النبوة درجة عظيمة يعطيها الله تعالى لمن رضي له هذه المرتبة، وارتضاه من بين عباده، ومنتهى درجة العبد أن يكون راضيًا مرضيًّا عند ربه، وهو مطلوب الأنبياء عليهم السلام، وقد ذكر القرآن زكريا عليه السلام، وهو يسأل ربه ذكرًا صالحًا، ويكون وليًّا من بعده مرضيًّا عند الله وعند خلقه، وراضيًا بتقدير الله، قال تعالى: {وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا} [مريم: 5 - 6] .

وهذا أفضل ما يكون من الأولاد، ومن رحمة الله بعبده، أن يرزقه ولدًا صالحًا، جامعًا لمكارم الأخلاق ومحامد الشيم، فرحمه ربه واستجاب دعوته، وذكر الله تعالى إسماعيل وأنه ارتضاه للنبوة والرسالة، قال سبحانه: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (54) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا} [مريم: 54 - 55] .

وهو في نهاية المدح؛ لأن المرضي عند الله هو الفائز في كل طاعاته بأعلى الدرجات، وذكر القرآن شوق موسى عليه السلام إلى رضى الله، فقال جل وعلا: {وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى (83) قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} [طه: 83 - 84] .

وسليمان عليه السلام يستعين بربه؛ ليمكنه من شكر نعمته عليه وعلى والديه، ويستعين ربه كذلك؛ ليوفقه إلى عمل صالح يرضاه، وهو يشعر أن العمل الصالح توفيق ونعمة أخرى من الله، قال عز من قائل: {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} [النمل: 19] 29.

بين القرآن الكريم إكمال الله تعالى للمؤمنين دينهم الذي ارتضى لهم بالقرآن، وإتمام نعمته عليهم بالإسلام، قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3] .

وقال سبحانه: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ} [النور: 55] .

إن الله تعالى أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بأن أعظم وأجل نعمة امتن بها عليهم هي دين الإسلام، وقد كتب الله له الكمال وسجل له البقاء، وأظهره على الدين كله، وأن الكفار قد يئسوا من زوال هذا الدين، وانقطع رجاؤهم من إبطاله ورجوعكم عنه؛ لما شاهدوا من فضل الله عليكم؛ إذ وفّى بوعده، وأنه ينبغي لكم -وقد بدلكم بضعفكم قوة، وبخوفكم أمنًا، وبفقركم غنى- ألا تخشوا غيره، وقد عرفتم فضله وإعزازه لكم، وأتمَّ هذا الكمال فلا يحتاجون إلى زيادة أبدًا، وقد أتمه فلا ينقص أبدًا، وقد رضيه فلا يسخطه أبدًا، وأن هذا هو الدين المرضي عند الله تعالى.

ويؤكده قوله تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85] .

فارضوه أنتم لأنفسكم، فإنه الدين الذي رضيه الله وأحبه وبعث به أفضل رسله الكرام، وأنزل به أشرف كتبه 30.

ورضيت لكم الإسلام لأمري والانقياد لطاعتي فيما شرعت لكم من الفرائض والأحكام والحدود ومعالم الدين الذي أكملته لكم، وإنما قال تعالى: {وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3] ، يوم نزلت هذه الآية -وإن كان الله تعالى لم يزل راضيًا بدين الإسلام فيما مضى قبل نزول هذه الآية-؛ لأنه لم يزل يصرف نبيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعباده المؤمنين من حال إلى حال، وينقلهم من مرتبة إلى مرتبة أعلى منها حتى أكمل لهم شرائع الدين ومعالمه، وبلغ بهم أقصى درجاته ومراتبه، ثم أنزل عليهم هذه الآية: {وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3] .

يعني: أتممت عليكم دينكم فهو اليوم في نهاية الكمال وأنتم الآن عليه فالزموه ولا تفارقوه، وذكر الله تعالى في آيات أخر أن دين الإسلام هو دين كل الأنبياء السابقين، ألا ترى أن أنبياء الله ورسله رغبوا فيه إليه وسألوه إياه، فقال إبراهيم وإسماعيل: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ} [البقرة: 128] .

وقال تعالى: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 132] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت