ولقد بين القرآن الكريم عاطفة الأمومة المليئة بالرحمة والشفقة عندما استعطف هارون أخاه بعدم لومه وعتابه، بعد أن عبد بنو إسرائيل العجل في غياب موسى عليه السلام لمناجاة ربه، مستخدمًا تذكيره بالأم مبعث العواطف الرحيمة والحنان والحب، مبررًا ما حدث بخوفه وخشيته من تفرق بني إسرائيل تارة، وأخرى بالاستضعاف وقلة الحيلة، قال تعالى: {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150) } [الأعراف:150] .
يقول ابن جزي: «وإنما دعاه بأمه، لأنه أدعى إلى العطف والحنو» 50.
هذه هي الأم مصدر الحب وينبوع الحنان، فمسكين ذلك الابن الذي لا يدرك مكانة الأم و حقوقها عليه بعد كل هذا العطاء المتفاني، فإذا بنا نسمع في هذا الزمان أو نرى أولادًا لم يكتفوا بعدم البر والإحسان لهذه الأم، بل زادوا على ذلك بالإيذاء والتأفف والتذمر والعقوق، خسر الدنيا والآخرة والعياذ بالله.
أما مشقات الأمومة، فالأمومة لها مشاق مختلفة ومتنوعة، أولها:
1.الحمل.
وضح القرآن الكريم مشقات الحمل في مواضع عديدة، منها: قوله جل ذكره في محكم التنزيل: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) } [لقمان:14] .
والمقصود فيها ولدته أمه شدة بعد شدة، وخلقًا بعد خلق 51، فالأم تعاني المشاق منذ بداية حملها، بل وتزاد المشقة يومًا بعد يوم؛ لتثاقل الحمل، قال النيسابوري: «وقوله {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا} أي: حال كونها تهن وهنًا {عَلَى وَهْنٍ} ٍ أي: ضعفا على ضعف، لأن الحمل كلما زاد وعظم ازدادت ثقلًا وضعفًا، اعتراض في اعتراض تحريضًا على رعاية حق الوالدة خصوصًا» 52.
«المرأة إذا حملت توالى عليها الضعف والمشقة، ويقال: الحمل ضعف، والطلق ضعف، والوضع ضعف» 53.
وقال المولى عز وجل: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ} [الأحقاف:15] .
يقول سيد قطب: «تركيب الألفاظ وجرسها يكاد يجسم العناء والجهد والضنى والكلال: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا} ، لكأنها آهة مجهد مكروب ينوء بعبء ويتنفس بجهد، ويلهث بالأنفاس! إنها صورة الحمل وبخاصة في أواخر أيامه، وصورة الوضع وطلقه وآلامه! ويتقدم علم الأجنة فإذا به يكشف لنا في عملية الحمل عن جسامة التضحية ونبلها في صورة حسية مؤثرة، إن البويضة بمجرد تلقيحها بالخلية المنوية تسعى للالتصاق بجدار الرحم، وهي مزودة بخاصية أكالة، تمزق جدار الرحم الذي تلتصق به وتأكله، فيتوارد دم الأم إلى موضعها، حيث تسبح هذه البويضة الملقحة دائمًا في بركة من دم الأم الغني بكل ما في جسمها من خلاصات وتمتصه لتحيا به وتنمو، وهي دائمة الأكلان لجدار الرحم، دائمة الامتصاص لمادة الحياة، والأم المسكينة تأكل وتشرب وتهضم وتمتص، لتصب هذا كله دمًا نقيًا غنيا لهذه البويضة الشرهة النهمة الأكول! وفي فترة تكوين عظام الجنين يشتد امتصاصه للجير من دم الأم فتفتقر إلى الجير. ذلك أنها تعطي محلول عظامها في الدم ليقوم به هيكل هذا الصغير» 54.
2.الولادة.
وتحدث القرآن الكريم عن شدة الولادة وآلامها حينما وصف السيدة مريم بقوله تعالى: {فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (23) } [مريم:23] .
والمخاض يعني الطلق، ووجع الولادة وآلامها، وقيل: التجأت إلى النخلة تستند إليها وتستمسك بها من شدة الطلق، ووجع الولادة 55.
ويتابع سيد قطب بوصف الآلام التي تلاقيها الأم، فيقول: «ثم الوضع، وهو عملية شاقة، ممزقة، ولكن آلامها الهائلة كلها لا تقف في وجه الفطرة ولا تنسي الأم حلاوة الثمرة، ثمرة التلبية للفطرة، ومنح الحياة نبتة جديدة تعيش، وتمتد، بينما هي تذوي وتموت! ثم الرضاع والرعاية، حيث تعطي الأم عصارة لحمها وعظمها في اللبن، وعصارة قلبها وأعصابها في الرعاية» 56
إن للأمومة أحكامًا خاصة بها لا بد من مراعاتها، والقيام بموجبها، والتزام ما أمر به الله عز وجل، من حرمة نكاحها، وأحكام الوصية والإرث، وما يتعلق بالقرابة ممن ترضعهم الأم، وأحكام الرضاعة والنفقة والحضانة، وسنتناول هذه الأحكام بشيء من التفصيل بإذن الله فيما يلي:
1.حرمة نكاحها.
وردت آيات في القرآن الكريم توضح لنا حرمة نكاح الأمهات، حيث قال سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ} [النساء:23] .
فنستدل من خلال الآية الكريمة على حرمة نكاح الأمهات وترك ذكر لفظ النكاح، اكتفاءً بدلالة الكلام عليه 57، وسمى الله عز وجل المرضعات أمهات لأجل الحرمة فيحرم عليه نكاحها، كأزواج النبي صلى الله عليه وسلم سماهن الله تعالى أمهات المؤمنين في قوله: {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [الأحزاب:6] .
فكما يحرم على الرجل نكاح أمه التي ولدته، كذلك يحرم عليه نكاح أمه التي أرضعته، ويحل له النظر إليها والخلوة بها والسفر معها 58.
يقول الطنطاوي: «ومن الحكم التي ذكرها العلماء من وراء تحريم النكاح بسبب الرضاعة: أن المولود يتكون جسمه من جسم المرأة التي أرضعته فيكون جزءًا منها، كما أنه جزء من أمه التي حملته، وإذا كانت هذه قد غذته بدمها وهو في بطنها، فإن تلك قد غذته بلبانها وهو في حجرها، فكان من التكريم لهذه الأم من الرضاع أن تعامل معاملة الأم الحقيقية» 59.
2.الوصية والإرث.
ذكر الله عز وجل الميراث في القرآن الكريم، وفصله بدقة ووضوح من غير غموض أو لبس فيه، ولم يترك الشرع موضوع تقسيم الميراث إلى مالكه حتى يعطي من يشاء ويحرم آخرين لهم الحق فيه، فالله سبحانه وتعالى هو الذي قسم الميراث والتركة من خلال الآيات الكريمة في القرآن الكريم، كل ذلك لحماية حقوق النساء والأطفال المستضعفين الذين كانوا في الجاهلية يحرمون من الميراث، فميراث الأم له ثلاث حالات، وهي على النحو الآتي:
-الثلث: ترث الأم الثلث بشروط ثلاث:
1.عدم وجود الفرع الوارث للميت، ذكرًا كان أو أنثى، مثل الابن، أو البنت، وابن الابن، وبنت الابن.
2.عدم وجود الإخوة، أو الأخوات للميت، اثنين فأكثر، أشقاء، أو لأب، أو لأم.
3.ألا تكون المسألة إحدى العمريتين.
دليل إرث الأم الثلث بالشروط السابقة قول الله عز وجل: (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ) [النساء:11] 60.
وأعطيت الأم ثلث الباقي؛ لئلا تزيد على نصيب الأب وهما في درجة واحدة من الميت، وليكون للذكر مثل حظ الأنثيين 62.
«فالأم لا تحجب حرمان على أية حال فمتى وجدت ورثت إما السدس، وإما ثلث الكل، وإما ثلث الباقي» 63.
أما حكم الأم المرضعة فإن الرضاع يؤثر في تحريم النكاح، وثبوت المحرمية المفيدة لجواز النظر والخلوة دون سائر أحكام النسب، فلا يتوارثان ولا تجب على كل واحد منهما نفقة الآخر وغير ذلك من الأحكام، وهذا متفق عليه 64.
3.ثبوت القرابة بين من أرضعتهم.
كل أقارب الأم المرضع أقارب للرضيع، فالمرضعة تصبح أمًا للرضيع وكما بينا سابقًا فإنها تحرم عليه، وبنتها أخته، وأولادها إخوته، وزوجها أبوه، وأبواه جداه وأخته عمته وكل ولد ولد له من غير المرضعة قبل الرضاع وبعده فهم إخوته وأخواته لأبيه وأم المرضعة جدته وأختها وأخواته لأبيه وأمه ومن ولد لها من غيره فهم إخوته وأخواته لأم 65.
قال تعالى في محكم التنزيل: (وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ) [النساء: 23] .
وجاء في السنة النبوية عن عليٍ رضي الله عنه، قال: قلت: يا رسول الله، ما لك تنوق 66 في قريشٍ وتدعنا؟ فقال: «وعندكم شيءٌ؟» قلت: نعم، بنت حمزة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنها لا تحل لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة) 67.
وكذلك ما ورد عن عائشة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عندها، وإنها سمعت صوت رجلٍ يستأذن في بيت حفصة، قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله، هذا رجلٌ يستأذن في بيتك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أراه فلانًا» -لعم حفصة من الرضاعة-فقالت عائشة: يا رسول الله، لو كان فلانٌ حيًا-لعمها من الرضاعة-دخل علي؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نعم، إن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة) 68.
وعن عائشة، أن عمها من الرضاعة يسمى أفلح، استأذن عليها فحجبته، فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها: (لا تحتجبي منه، فإنه يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب) 69.
يقول أبو زهرة «وذلك لأنها لما رضعت من امرأة أخيه على ولد أخيه اعتبر أبًا رضاعيًا لها، فيكون هو عمها» 70.
4.الرضاعة والحضانة والنفقة.
الرضاعة:
وردت آيات في القرآن الكريم تدل بالنص الصريح على وجوب ارضاع الأم لطفلها قوله: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ) [البقرة:233] .
فالمرأة يجب عليها إرضاع ولدها ما دامت في عصمة والده، وإن كان والده قد مات وليس للولد مال: لزمها رضاعه في المشهور، وقيل أجرة رضاعه على بيت المال، وإن كانت مطلقة طلاقًا بائنًا: لم يلزمها رضاعه، لقوله تعالى: (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ?) [الطلاق:6] .
إلا أن تشاء هي فهي أحق به بأجرة المثل، وإن لم يقبل الطفل غيرها وجب عليها إرضاعه 71.
الحضانة:
تعرف الحضانة أنها: «تربية الطفل، والقيام بأمره ورعايته، وحفظه عما يضره، واعتماد ما يصلحه؛ فهي حفظ من لا يستقل بنفسه وتربيته حتى يستقل بنفسه، وهي ولاية وسلطنة، لكنها بالنساء أشبه» 72.
وتنتهي فترة الحضانة عند سن التمييز، وخص الأم بتربية ولدها لأنها أخبر وأعلم، وعليه أصبر؛ لما جبلت عليه من فضل الميل إلى الأولاد، وكثرة الحنو والإشفاق 73.
والأم أحق بحضانة ولدها الطفل من أبيه ذكرًا كان أو أنثى، ما لم تتزوج، والأب أحق بحضانته من الأم إذا تزوجت قولًا واحدًا 74، فعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عبد الله بن عمرو، أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وإن أباه طلقني، وأراد أن ينتزعه مني، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنت أحق به ما لم تنكحي) 75.
واختلف في مستحق حضانة الطفل بعد الأم من القرابات على روايتين:
أولًا: إن قرابات الأب أولى بحضانته من قرابات الأم.
ثانيًا: قرابات الأم أولى بذلك من قرابات الأب 76.
فهناك ما يسمى بالأم الحاضنة، وهي التي تحضن الصغير غير أمه وتلي شأنه وتقوم على رعايته، ولقد كانت أيام الرسول صلى الله عليه وسلم، كأم أيمن حاضنة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا يثبت لها حكم من أحكام الأمومة، وليس لها غير البر والإحسان.
النفقة:
يجب على الأب تحمل نفقة الأم طيلة مدة الرضاع بما فيه الكفاية حسب العرف والأمثال، ومنعه من أن يمنع الأم من إرضاع الولد لسببٍ من الأسباب، مع تنبيه الأم إلى عدم جواز تكليف أحد بأكثر من وسعه وطاقته 77، ففي النفقة قال سبحانه وتعالى: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) [البقرة:233] .
أي: على الوالد النفقة مدة الرضاع، وفي موضعٍ آخر قال تعالى: (? وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى?) [الطلاق:6] .
وقوله تعالى: (لا يكلف الله نفسا الا وسعها) حسب طاقة وقدرة الأب وهي نفقة واجبة بحسب العرف 78.
قال ابن تيمية: «والصواب المقطوع به عند جمهور العلماء أن نفقة الزوجة مرجعها إلى العرف وليست مقدرة بالشرع، بل تختلف باختلاف أحوال البلاد والأزمنة، وحال الزوجين وعاداتهما» 79؛ فإن الله سبحانه وتعالى قال: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) [النساء:19] .
وعن عائشة: أن هند بنت عتبة، قالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني ما يكفيني وولدي، إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم، فقال: (خذي ما يكفيك وولدك، بالمعروف) 80.
5.شناعة تشبيه الزوجة بالأم (الظهار) .
كان الظهار في الجاهلية طلاقًا لا رجعة بعده، بل هو أشد الطلاق عندهم؛ لما فيه من تشبيه الزوجة بالأم التي تحرم حرمة على التأبيد، وقيل في أول الإسلام، وقيل لم يكن طلاقًا من كل وجه، وكانوا في الجاهلية إذا كره أحدهم امرأته ولم يرد أن تتزوج بغيره آلى منها أو ظاهر، فتبقى معلقة لا ذات زوج ولا خلية تنكح غيره، وجاء الإسلام فأبطل هذا الحكم، وجعل الظهار محرمًا قربان المرأة حتى يكفر زوجها، ولم يجعله طلاقًا كما كانوا يعتبرونه في الجاهلية 81.
«وقد اتفق العلماء على حرمته فلا يجوز الإقدام عليه، لأنه كذب وزور وبهتان، وهو يختلف عن الطلاق، فالطلاق مشروع، وهذا ممنوع، ولو أقدم الإنسان عليه يكون قد ارتكب محرمًا ويجب عليه الكفارة» 82.
ووضح القرآن الكريم الكفار بقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ? ذَ?لِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ ? وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ?3?فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ? فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ? ذَ?لِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ? وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ? وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ?4?) [المجادلة:3 - 4] .
«قال فقهاء الشافعية إنه من الكبائر، فمن أقدم عليه اعتبر كاذبًا معاندًا للشرع، ودليل ذلك قوله تعالى: (وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا) » 83.
أولًا: حقوق الأمومة:
لا يعرف التاريخ دينًا ولا نظامًا كرم المرأة باعتبارها أمًا، وأعلى من مكانتها ومنزلتها، مثل الإسلام، حيث إنه أكد الوصية بها، وجعل برها من أصول الفضائل، كما جعل حقها أوكد من حق الأب، لما تحملته من مشاق الحمل والوضع والإرضاع والتربية، وهذا ما يقرره القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، ويكرره في أكثر من موضع؛ ليثبته في أذهان الأبناء ونفوسهم، ولذلك وجب علينا أن نبين بعض الحقوق لهذه الأم وهي كالتالي:
1.الإحسان.
لقد أمر الله عز وجل ببر الوالدين وإكرام الأم وإحسان صحبتها.
قال تعالى: (وَقَضَى? رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًاں) [الإسراء:23] .
وقال تعالى: (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) [لقمان:15] .
أي يجب علينا برها ورحمتها والنزول عند أمرها فيما لا يخالف أمر الله سبحانه وتعالى، ولا نؤذيها البتة وإن كانت كافرة، بل يجب علينا الإحسان إليها، وتطبيق ما فرض الله لها من فعل المعروف لها، والقول الجميل، والتحنن عليها، والرأفة بها، والدعاء بالخير لها، وما أشبه ذلك من الأفعال التي ندب الله عباده أن يفعلوها 84.
قال تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا) [الأحقاف:15] .
والإحسان للأم يدخل فيه أنواع بر الوالدين كلها حيث يكون بلين الجانب، وألا يرفع الصوت فوق صوتها، ولا يجب الرد، ويكون لها كالعبد الذليل لسيده 85.
والإحسان إلى الأم من أفضل الأعمال وأكثرها أجرًا ومثوبة، فقد جاء عن عبد الله رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: (الصلاة على وقتها) قلت: ثم أيٌ؟ قال: (ثم بر الوالدين) قلت: ثم أيٌ؟ قال: (ثم الجهاد في سبيل الله) 86.
وقد ثبت التأكيد على بر الأم خاصة، جاء في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجلٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: (أمك) قال: ثم من؟ قال: (ثم أمك) قال: ثم من؟ قال: (ثم أمك) قال: ثم من؟ قال: (ثم أبوك) 87.
وعن معاوية بن جاهمة السلمي، أن جاهمة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، أردت أن أغزو وقد جئت أستشيرك، فقال: (هل لك من أمٍ؟) قال: نعم، قال: (فالزمها، فإن الجنة تحت رجليها) 88.
2.خفض الجناح.
جاء في كتابه العزيز قوله عز وجل: (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ) [الإسراء:24] .
والمقصود بالجناح هنا هو الرعاية والإحاطة، وشبهت هذه المعاني بالجناح الذي يكون به قوة الطائر، وإضافة الذل إليه لتكون الرعاية ذلًا لهما، وتواضعًا من غير استكبار، فلا ينبغي أن نرفع أيدينا على والدينا، ولا ينبغي أن نحد البصر إليهما تغيظًا، ويجب التواضع لهما، ولا نتعال عليهما 89.
فالحق سبحانه وتعالى يأمرنا باللين للأم وخفض الجاح لها وتكون ذليلًا لها-مهما كنا أعزاء-ولا نمنعها أو نخالفها من شيء أحبته 90، ويجب خفض الجناح بحسن المداراة ولين المنطق، والمبادرة إلى الخدمة، وسرعة الإجابة، والصبر على أمرهما، وألا ندخر عنهما ميسورًا 91.
«والتواضع ينبغي أن يكون رحمة بهما وشفقة عليهما، لا لأجل امتثال الأمر وخوف العار والنقد فقط» 92.
3.الرفق.
الرفق واللين مع الأم يكون بدعوتها إلى الإيمان.
قال تعالى: (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا) [الإسراء:23] .
وحقيقته أن كلمة (أُفٍّ) تقال عند الضجر من الشيء واستثقاله، فوجه الله عز وجل الخطاب لنا بالرفق مع الأم، فلا تؤفف من شيء تراه منها مما يتأذى منه الناس، ولكن يحب أن نصبر على ذلك، ونحتسب في أجر الصبر عليها، كما صبرت علينا في صغرنا، وقوله (وَلَا تَنْهَرْهُمَا) الانتهار من النهر، وهو الزجر بالإغلاظ والصياح، وقوله (وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا) قولًا لينًا هينًا سهلًا، وعدم رفع الصوت عليها وعدم الزجر والشدة بها 93، ولنا في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم القدوة الحسنة التي يقتدى ويحتذى بها ونسير على أثرهم.
فعن عائشة، أنها قالت: «كان رجلان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبر من كان في هذه الأمة بأمهما: عثمان بن عفان، وحارثة بن النعمان، فأما عثمان، فإنه قال: ما قدرت أن أتأمل أمي منذ أسلمت، وأما حارثة، فإنه كان يفلي رأس أمه، ويطعمها بيده، ولم يستفهمها كلامًا قط تأمر به حتى يسأل من عندها بعد أن يخرج، ماذا قالت أمي؟» 94.
4.الطاعة في المعروف.
طاعة الأم في معروف غير معصية فرض واجب على الإنسان، مقابلة للمعروف بمثله، ووفاء للإحسان، وتقدير الفضل، واحترام نظام الأسرة، والطاعة لا تراعى في ركوب كبيرة ولا في ترك فريضة على الأعيان، فالانقياد لها ليس انقيادًا مطلقًا، بل هو انقياد محكوم بحدود العدل، والخير، وتلزم طاعتها في المباحات وتستحسن في ترك الطاعات المندوبات، فإذا دعت إلى منكر، فلا طاعة لها، قال تعالى في محكم التنزيل: (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى? أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ? وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ?) [لقمان:15] .
يعني الأبوين الكافرين أي صلهما بالمال وادعهما برفق 95.
وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما، قالت: قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد قريش، إذ عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومدتهم مع أبيها، فاستفتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله إن أمي قدمت علي وهي راغبة أفأصلها؟ قال: (نعم صليها) 96.