حيث بينت الآية السابقة أن الله تعالى ما جعل أهل التبني أبناء للذين تبنوهم، وأن هذا التبني هو قول من تبنى، وأن الله تعالى يقول الحق الذي لا يجيز لكم التبني، وأن الله تعالى هو الذي يهدي إلى طريق ذلك الحق، ثم تأتي هذه الآية الكريمة؛ لتأمر الذين تبنوا أن يدعوا هؤلاء الأولاد بأسماء آبائهم في الدم، فإن ذلك أعدل عند الله تعالى، فإن لم يعلم آباؤهم، فقولوا: أخونا فلان، أو ولينا فلان، وليس عليكم إثمٌ، إن أخطأ الرجل بعد النهي، فنسبه إلى الذي تبناه ناسيًا، فليس عليه في ذلك إثم، ولكن الأمر الذي يحاسب عليه الإنسان هو أن يدعوهم إلى غير آبائهم، قاصدًا ذلك من قلبه 59.
1.إن العاطفة القلبية صفة لازمة ثابتة للأبوين؛ إذ إن الله تعالى جعلها مسوغًا لصبر الوالدين على أولادهما، في الرعاية والتربية والحب والحنان، فهي عاطفة فطرية، فطر الله تعالى الوالدين، وجعل الإسلام لها ضوابط ومحاذير.
وفي هذا المبحث توضيح لذلك من خلال مسألتين:
أولًا: عاطفة الأبوة فطرة:
ويظهر ذلك في قوله تعالى: (قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ) [يوسف:13] .
أي: إن مجرد ذهابكم به يؤلمني، من شدة مفارقته علي، وقلة صبري عن رؤيته، فيريبني أن تتركوه بإهمالكم به، وانشغالكم عنه بالرعي والصيد، فأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه لاهون، بصيدكم ولعبكم ورميكم 60، ولا شك أن نبي الله يعقوب عليه السلام قد أظهر بلسانه ما يجول بعاطفته القلبية، التي فطرها الله تعالى عليه، فهو بشر في هذه الصفة الأبوية.
وقد وردت آية كريمة، تبين عاطفة الأم الفطرية، وذلك في قوله تعالى: (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى? فَارِغًا ? إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى? قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) [القصص:10] .
أي: وصار قلب أم موسى صلى الله عليه وسلم فارغًا من كل شيء إلا من أمر موسى صلى الله عليه وسلم، كأنها لم تهتم بشيء سواه، فإن كادت لتصيح شفقة عليه من الغرق، أو الهلاك، لما سمعت بوقوعه في يد فرعون، فطار عقلها من فرط الجزع والدهش، ولولا عناية الله تعالى، وتثبيته لها لاعترفت بأنه ابنها، من شدة عاطفتها الفطرية، بل إن تثبيتها كان بالربط على القلب؛ لتنال صفة الإيمان بالله تعالى 61.
ثانيًا: الموازنة بين عاطفة الأبوة، وعقيدة الولاء:
ويظهر ذلك في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ ? وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى? يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ? وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) [التوبة:23 - 24] .
أي: «يا أيها المؤمنون، لا تتخذوا من آبائكم وأبنائكم وإخوانكم وعشيرتكم وأزوجكم نصراء لكم، ما داموا يحبون الكفر، ويفضلونه على الإيمان، ومن يستنصر بالكافرين فأولئك هم الذين تجاوزوا الطريق المستقيم» 62.
وقل: يا محمد صلى الله عليه وسلم إن كان تفضيلكم للآباء والأبناء والإخوة والزوجات والأقرباء والأموال التي جمعتموها، والتجارة التي تخافون عدم رواجها، والبيوت الجميلة التي أقمتم فيها، كل هذا مقدمًا في التفضيل على حب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، والجهاد في سبيله، فانتظروا غضب الله تعالى، ومن عقابه ونكاله بكم، والله لا يوفق الخارجين عن طاعته 63.
1.يؤكد هذا المبحث على بيان حال الأبوين يوم القيامة، بين فرار من التزامه تجاه ابنه، أو فرار من التزام الابن تجاه أبيه، فلا فداء يذكر؛ إذ إن الناس بين جنة ونار، ولا يبقى هناك إلا الملك الجبار، الذي يحاسب ويفتش، ويغفر ويرحم، فإذا كان الآباء صالحين، واجتهدوا في صلاح الأبناء، فإن الله تعالى من رحمته يلحق الذرية بآبائهم في الجنة.
وفي هذا المبحث توضيح لذلك، من خلال المسائل الآتية:
أولًا: الفرار:
يظهر ذلك في قوله تعالى: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ(34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ) [عبس:34 - 35] .
فقد بينت الآية السابقة أنه إذا جاء يوم القيامة، ويرى المرء أعز أقاربه، وأخصهم لديه، وأولاهم بالحنو والرأفة والعطف، من: أخ، وأم، وأب، وزوجة، وولد، عندها يفر منهم ويبتعد عنهم؛ لأن الهول عظيم، والخطب جليل 64.
وفي تقديم الأخ على الأم والأب والزوجة والولد؛ أسباب، منها أن الله تعالى بدأ بالأقل، وختم بالأكثر؛ لأن الإنسان أشد شفقة على بنيه من كل من تقدم ذكره، وإنما يفر منهم؛ لاشتغاله بنفسه 65.
ثانيًا: الفداء:
يظهر ذلك في قوله تعالى: (يُبَصَّرُونَهُمْ ? يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ) [المعارج:11] .
فقد بينت الآية السابقة أن يوم القيامة لا يسأل صديقٌ صديقه الحميم، وتأتي هذه الآية الكريمة؛ لتبين أنه «يبصر بعضهم بعضًا، فيتعارفون، أو يبصر المؤمنون الكافرين، أو يبصر الكافرون الذين أضلوهم في النار، أو يبصر المظلوم ظالمه، والمقتول قاتله» 66، فيحب أو يتمنى الكافر المشرك لو يفتدي بأعز أقاربه في الدنيا، من بنيه أولًا، ثم زوجه وأخيه، وعشيرته أو أمه التي تربيه 67.
ثالثًا: إلحاق الذرية بالآباء في الجنة:
يظهر ذلك في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ ? كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ) [الطور:21] .
أي: «والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم في منزلتهم في الجنة، وإن لم يبلغوا عمل آبائهم؛ لتقر أعين الآباء بالأبناء عندهم في منازلهم، فيجمع بينهم على أحسن الأحوال، وما نقصناهم شيئًا من ثواب أعمالهم، كل إنسان مرهون بعمله، لا يحمل ذنب غيره من الناس» 68.
ويستفاد من هذه الآية عظيم بركة الآباء الصالحين؛ إذ إن صلاحهم واجتهادهم في إصلاح أبنائهم جعلهم جميعًا في منزلة واحدة في الجنة، فالآية هنا تبين أن الآباء هم بوابة الأمان للأبناء، إن اتبعوا آباءهم بالإيمان بالله تعالى.
موضوعات ذات صلة:
آدم، إبراهيم، الاتباع، الأمومة
1 انظر: المفردات، الأصفهاني، ص 57 - 58، التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي، ص 35، الكليات، الكفوي، ص 25.
2 التعريفات، ص 7.
3 الكليات، ص 25.
4 التوقيف على مهمات التعاريف، ص 35.
5 انظر: المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، باب الهمزة، ص 8 - 10.
6 انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي 2/ 114، الوجوه والنظائر، الدامغاني ص 59 - 60.
7 انظر: لسان العرب، ابن منظور، 3/ 467، مختار الصحاح، الرازي، ص 345.
8 انظر: التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي، ص 333.
9 انظر: مختار الصحاح، الرازي، ص 345.
10 انظر: لسان العرب، ابن منظور، 3/ 467.
11 انظر: التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي، ص 340.
12 انظر: الصحاح، الجوهري، 5/ 1863.
13 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 5/ 108.
14 انظر: المصباح المنير، الفيومي، 1/ 92.
15 انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، 3/ 629.
16 انظر: نظم الدرر، البقاعي، 7/ 381، 382، تفسير الجلالين، المحلي والسيوطي، ص 196.
17 انظر: الجواهر الحسان، الثعالبي، 4/ 139.
18 انظر: محاسن التأويل، القاسمي، 7/ 279.
19 انظر: التفسير البسيط، الواحدي، 15/ 512 - 513.
20 انظر: المصدر السابق 15/ 510.
21 أخرجه أحمد في مسنده، بداية مسند أبي هريرة، 7/ 183، رقم 7362، وابن ماجه في سننه، كتاب الطهارة، باب الاستنجاء بالحجارة والنهي عن الروث والرمة، 1/ 208، رقم 313.
قال أحمد شاكر: إسناده صحيح.
22 انظر: جامع البيان، الطبري، 15/ 554.
23 انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية، 3/ 220.
24 انظر: المصدر السابق.
25 انظر: تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين، 3/ 374.
26 فتح القدير، الشوكاني، 4/ 273.
27 انظر: المصدر السابق.
28 انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود، 7/ 71، 72.
29 المنتخب في تفسير القرآن الكريم، لجنة من علماء الأزهر، ص 614.
30 انظر: فتح البيان، القنوجي، 10/ 287.
31 انظر: التفسير الميسر، نخبة من أساتذة التفسير، ص 412.
32 انظر: الفواتح الإلهية، الشيخ علوان، 2/ 133.
33 انظر: روح البيان، إسماعيل حقي، 5/ 490.
34 انظر: التفسير المظهري، 6/ 202 - 203.
35 انظر: تفسير السمرقندي، 1/ 196.
36 انظر: التفسير البسيط، الواحدي، 20/ 28 - 30.
37 انظر: تفسير السمرقندي، 3/ 255.
38 انظر: تفسير السمرقندي، 2/ 605.
39 انظر: زاد المسير، ابن الجوزي، 3/ 549.
40 انظر: المنتخب في تفسير القرآن الكريم، لجنة من علماء الأزهر، ص 349.
41 انظر: التفسير الميسر، نخبة من أساتذة التفسير، ص 247.
42 تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 874.
43 انظر: غريب القرآن، ابن قتيبة، ص 256.
44 انظر: تفسير السمرقندي، 2/ 486.
45 انظر: تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين، 2/ 269.
46 انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي، 3/ 10.
47 الجامع لأحكام القرآن، 13/ 109 - 110.
48 انظر: لباب التأويل، الخازن، 3/ 400.
49 انظر: الكشف والبيان، الثعلبي، 6/ 188.
50 انظر: المصدر السابق.
51 انظر: معالم التنزيل، البغوي، 2/ 450.
52 انظر: الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب، 5/ 3401.
53 انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 196، التفسير المنير، الزحيلي، 4/ 275.
54 انظر: تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين، 1/ 199.
55 انظر: الوجيز، الواحدي، ص 258.
56 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشهادات، باب الشهادة على الأنساب، والرضاع المستفيض، والموت القديم، 3/ 170، رقم 2645، ومسلم في صحيحه، كتاب الرضاع، باب تحريم ابنة الأخ من الرضاعة، 2/ 1071، رقم 1447.
57 انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة، 10/ 5232.
58 انظر: المنتخب في تفسير القرآن الكريم، لجنة من علماء الأزهر، ص 522.
59 انظر: تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين، 3/ 387.
60 انظر: بيان المعاني، عبد القادر العاني، 3/ 182.
61 انظر: فتح البيان، القنوجي، 10/ 93.
62 المنتخب في تفسير القرآن الكريم، لجنة من علماء الأزهر، ص 261.
63 انظر: التفسير الميسر، نخبة من أساتذة التفسير، ص 190.
64 انظر: التفسير المنير، الزحيلي، 30/ 75.
65 انظر: التسهيل، ابن جزي، 2/ 454.
66 تفسير القرآن، العز بن عبد السلام، 3/ 362.
67 انظر: المصدر السابق.
68 التفسير الميسر، مجمع الملك فهد، ص 524.