ولم يقف هذا الشيطان عند هذا الحد؛ بل واصل قائلًا: ولأضلنهم عن طريق الهدى، ولأمنينهم بتعويقي إياهم عن طاعتك بالأماني الكاذبة المتمثلة في أنهم لا يلقون عذابًا، أو أن الله سوف يغفر لهم، ولآمرنهم فيطيعونني، فيجعلون لآلهتهم نصيبًا مما رزقهم الله، كما يعلمونها بقطع آذانها؛ لتعرف أنها للآلهة، ولآمرنهم أيضًا فيطيعونني في تغيير خلق الله بالبدع والمعاصي.
ثم قال الله جلَّ جلاله: إن من اتخذ الشيطان وليًّا من دونه تعالى، فقد عاداه، ومن عاداه، فقد تم له أعظم الخسران، فالشيطان لا يملك من الأمر شيئًا، فكيف يحقق لأوليائه النجاة والسعادة؟ وحينئذٍ يعلن الله عز وجل حكمه في قوة ووضوح أن أولئك الشياطين وأولياؤهم سوف يكون مصيرهم إلى النار، ومن ثم لا يجدون عنها معدلًا أو مهربًا 77.
هذا وقد بين الله عز وجل أن من يتخذ الشيطان وليًّا من دون الله تعالى، فبئس ما اختار لنفسه من ولاية الشيطان الذي لا يأمره إلا بالفحشاء والمنكر عن ولاية الرحمن الذي كل النجاة والسعادة والفلاح في ولايته 78.
يقول جلَّ جلاله: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا} [الكهف:50] .
ويقول جلَّ جلاله في موضع آخر: {فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأعراف:30] .
أي: من أقبل على الله تعالى بإيمان، هداه الله عز وجل، وخفف عنه مؤنة الطاعة، وبغضه في المعصية، أما الفريق الآخر الذي تأبىَّ على الله تعالى، ولم يستجب لهدايته، فكيف يعينه الله تعالى؟
فإنه يتركه في غيه ويخلي بينه وبين الضلالة، فالذين حقت عليهم الضلالة، إنما كان ذلك بسبب اتخاذهم الشياطين أولياء من دون الله عز وجل، ويحسبون أنهم على هداية في ارتكابهم للمعاصي، فهذا كفر وتبجح على الله تعالى 79.
وعليه فإن من ثبتت ولايته للشيطان، وامتاز بصفات أولياء الشيطان، فإن الله تعالى أمر أولياءه المؤمنين بقتال أولياء الشيطان؛ لأنه إما أن يكون القتال في سبيل الله عز وجل، أو في سبيل الطاغوت، فوجب أن يكون كلُّ ما سوى الله تعالى طاغوتًا، كما بين الله عز وجل أن كيد الشيطان ضعيف، فقال: {الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} [النساء:76] .
فالله تعالى ينصر أولياءه، وكذلك الشيطان ينصر أولياءه، ولكنه بما أن كيد الشيطان ضعيف، فولايته ونصرته لأوليائه ضعيفة أيضًا، والله تعالى ناصرٌ أولياءه لا محالة 80.
وخلاصة القول: إن من آثار ولاية الشيطان، أن الضلالة قد حقت عليهم، فكذبوا الرسل، وزعموا أن ما هم عليه هو الحق المنجي من كل مكروه بخلاف دعوات الأنبياء والرسل، وزين لهم الشيطان أعمالهم، وصار وليهم في الدنيا فأطاعوه واتبعوا أوامره، فعرضوا أنفسهم للقتال من قبل أولياء الرحمن، فلهم عذاب أليم موجع في الآخرة؛ لأنهم رضوا بولاية الشيطان، فاستحقوا هذا العذاب، فيقول الله تعالى: {تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النحل:63] .
إن الحديث عن هذا الأمر يقتضي الحديث عن ولاية الكافرين لبعضهم البعض وآثارها، وكذلك الحديث عن ولاية المنافقين للكافرين وآثارها، وأيضًا الحديث عن ولاية الظالمين لبعضهم البعض وآثارها، وتفصيل ذلك فيما يأتي:
أولًا: ولاية الكافرين بعضهم البعض وآثارها:
تحدث القرآن الكريم عن اتخاذ الكافرين بعضهم البعض أولياء، حيث يقول الله تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (80) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [المائدة:78 - 81] .
والمعنى: إن الذين كفروا من بني إسرائيل لعنهم الله تعالى في التوراة والإنجيل، وفي الزبور، وفي القرآن، وذلك بسبب عصيانهم لله عز وجل، واعتدائهم على خلقه، ثم بين الله تعالى حالهم حين كان لا ينهى أحدٌ منهم الآخر عن فعله المعاصي وارتكابه الآثام، ثم ذمهم على ذلك؛ ليحذر ما كانوا يفعلونه ويرتكبونه، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم القواعد الإسلامية، ومن أَجَلِّ الفرائض الشرعية، ولهذا كان تاركه شريكًا لفاعل المعصية، ومستحقًّا لغضب الله عز وجل، وانتقامه، كما وقع لأهل السبت منهم، فإن الله تعالى مسخ الفاعلين، وكذلك الذين لم يشاركوهم في هذا الفعل، فصاروا جميعًا قردة وخنازير.
ثم ذكر الله تعالى أن من اليهود أمثال كعب بن الأشرف وأصحابه يتولون الذين كفروا من المشركين الذين ليسوا على دينهم بالمحبة والموالاة والنصرة، ثم ذم الله تعالى ما زينته وسولته لهم أنفسهم، أو بئس ما قدموه لأنفسهم حتى يعاقبوا عليه يوم القيامة، ففعلهم هذا موجب لسخط الله تعالى عليهم، وهذا واضحٌ أنه من آثار ولايتهم للمشركين أمثالهم.
ثم ذكر الله تعالى أنه لو كان هؤلاء اليهود يؤمنون بالله عز وجل، وبرسولهم الذي أرسله الله تعالى إليهم، وما أنزل عليهم من كتاب سماوي، ما اتخذوا المشركين أولياء؛ وذلك لأن الله تعالى ورسوله المرسل إليهم وكتابه المنزل عليهم قد نهوهم عن ذلك، ولكن أكثرهم خارجون عن ولاية الله تعالى، وعن الإيمان به وبرسوله وبكتابه 81.
يقول سيد قطب رحمه الله: «وهذا التقرير كما ينطبق على حال اليهود على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ينطبق على حالهم اليوم وغدًا، وفي كل حين، كذلك ينطبق على الفريق الآخر من أهل الكتاب في معظم أرجاء الأرض اليوم، مما يدعو إلى التدبر العميق في أسرار هذا القرآن، وفي عجائبه المدخرة للجماعة المسلمة في كل آنٍ.
لقد كان اليهود هم الذين يتولون المشركين ويؤلبونهم على المسلمين، {وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا} ، كما حكى عنهم القرآن الكريم، وقد تجلى هذا كله على أتمه في غزوة الأحزاب، ومن قبلها ومن بعدها كذلك إلى اللحظة الحاضرة، وما قامت إسرائيل في أرض فلسطين أخيرًا إلا بالولاء والتعاون مع الكافرين الجدد من الماديين الملحدين!
فأما الفريق الآخر من أهل الكتاب، فهو يتعاون مع المادية الإلحادية كلما كان الأمر أمر المسلمين! وهم يتعاونون مع الوثنية المشركة كذلك، كلما كانت المعركة مع المسلمين! حتى و «المسلمون» لا يمثلون الإسلام في شيء. إلا في أنهم من ذراري قوم كانوا مسلمين!
ولكنها الإحنة التي لا تهدأ على هذا الدين ومن ينتمون إليه، ولو كانوا في انتمائهم مدعين! وصدق الله العظيم: {تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} » 82.
ويقول الله جل جلاله: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} [الأنفال:73] .
والمعنى: إن الكفار بعضهم أولياء بعض في النصرة والتعاون على قتال المسلمين، فهم في جملتهم فريق واحد ضد الحق وأهله-وإن كان بعضهم يعادي بعضًا-، ولم يكن في الجزيرة العربية وقت نزول السورة إلا اليهود والمشركون، فكان اليهود يتولون المشركين، وينصرونهم على النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين معه، كما أن هؤلاء اليهود قد نقضوا العهود التي كانت بينه وبينهم حتى قاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم، وأجلاهم عن خيبر.
ثم وجه الله تعالى خطابه إلى المؤمنين على سبيل التهديد والتوعد بأنهم إن لم يفعلوا ما شرع الله تعالى لهم من ولاية بعضهم البعض، ومن تعاونهم وتناصرهم تجاه ولاية الكفار لبعضهم البعض، فإن لم يفعلوا ذلك، فإنهم سوف يقعون في الفتنة والفساد في الأرض، وسيعود عليهم بالضرر بسبب تخاذلهم الذي يفضي إلى فشلهم وظفر الأعداء بهم، كما أنه يفضي إلى اضطهادهم في دينهم بصدهم عنه كما كان الحال مع ضعفاء المسلمين في بداية الدعوة الإسلامية في مكة قبل الهجرة 83.
ففي قوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} «فيه تعريضٌ للمسلمين بأنهم لا يناصرون الكفار، ولا يتولونهم، وهذا بمفهومه مفيد لنفي الموارثة والمؤازرة بينهم وبين المسلمين، وإيجاب المباعدة والمصارمة وإن كانوا أقارب» 84.
ثانيًا: ولاية المنافقين للكافرين وآثارها:
كما تحدث القرآن الكريم عن ولاية الكافرين لبعضهم البعض، فإنه تحدث عن ولاية المنافقين للكافرين، ووضح آثار هذه الولاية، فقال جلَّ جلاله: {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (138) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (139) وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (140) الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (141) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (142) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (143) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (144) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} [النساء:138 - 145] .
ومعنى هذه الآيات: أن الله تعالى يبشر المنافقين -على سبيل التهكم-، وهم الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، يبشرهم بأقبح بشارة، وهي العذاب الأليم الموجع، وذلك بسبب اتخاذهم الكافرين أولياء عن طريق محبتهم ومعاونتهم ونصرتهم، في حين أنهم تركوا ولاية المؤمنين، فما الذي دفعهم إلى هذا؟ هل يبتغون العزة ويطلبونها عندهم؟ فإن العزة الحقيقية لله عز وجل، وفي موالاته وموالاة المؤمنين.
يقول السعدي رحمه الله: «وهذا هو الواقع من أحوال المنافقين، ساء ظنهم بالله وضعف يقينهم بنصر الله لعباده المؤمنين، ولحظوا بعض الأسباب التي عند الكافرين، وقصر نظرهم عما وراء ذلك، فاتخذوا الكافرين أولياء يتعززون بهم ويستنصرون، والحال أن العزة لله جميعًا، فإن نواصي العباد بيده، ومشيئته نافذة فيهم، وقد تكفل بنصر دينه وعباده المؤمنين، ولو تخلل ذلك بعض الامتحان لعباده المؤمنين، وإدالة العدو عليهم إدالة غير مستمرة، فإن العاقبة والاستقرار للمؤمنين، وفي هذه الآية الترهيب العظيم من موالاة الكافرين، وترك موالاة المؤمنين، وأن ذلك من صفات المنافقين، وأن الإيمان يقتضي محبة المؤمنين وموالاتهم، وبغض الكافرين وعداوتهم» 85.
ثم يخاطب الله تعالى كلَّ من أظهر الإيمان سواء كان مؤمنًا حقيقيًّا أم منافقًا، أن الله تعالى نزل عليكم في القرآن العظيم أنه إذا سمعتم الكافرين يكفرون بآيات القرآن، ويستهزئون بها، فلا تجلسوا معهم حتى يتحدثوا بحديث آخر، ويتركوا الخوض في القرآن، فإنكم إن قعدتم معهم كنتم مثلهم في الكفر، ثم هددهم الله عز وجل بأنه سوف يجمع الفريقين: الكافرين والمنافقين في الآخرة في نار جهنم؛ وذلك لأن المرء يحشر مع من أحب، ولا يخفى ما في هذا من وعيد وتحذير من مخالطتهم ومجالستهم.
ثم ذكر الله تعالى تربص المنافقين بالمؤمنين، فهم ينتظرون بهم الدوائر، فإن كان للمؤمنين غلبة على الأعداء، وحازوا الغنائم، قال المنافقون للمؤمنين: أعطونا مما غنمتموه من الكافرين، وإن كان للكافرين غلبة على المؤمنين، قال المنافقون للكافرين: ألم نكن قادرين على قتلكم وأسركم لصالح المسلمين؟ فأبقينا عليكم، وثبطنا عزائم المسلمين حتى انتصرتم عليهم، فهاتوا نصيبنا مما أخذتم، فإننا نواليكم، ولا ندع أحدًا يصيبكم بأذى.
ثم بين الله تعالى مصير الفريقين: المنافقين والمؤمنين، وهو أنه سوف يحكم ويفصل بينهم بالحق، ولن يمكن الكفرة من رقاب المؤمنين، فيبيدوهم ويستأصلوهم، فإن العاقبة للمؤمنين في الدنيا والآخرة 86.
وبعد ذلك أخبر الله تعالى عن سلوك المنافقين الخاصِّ، فهم يخادعون الله عز وجل إذ يظهرون الإيمان به، وبنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وهم على خلاف ذلك، فالخداع هو أن تجعل من تخدعه يرى منك ما يحبه، وتستر عليه ما يكرهه، فعاملهم الله تعالى بالمثل، فأراهم ما يحبون، وستر عليهم ما يكرهونه منه وهو العذاب الذي أعده الله تعالى لهم في الدنيا والآخرة.
فإن الله جل جلاله لا يخادع، فهو العالم بالسرائر والضمائر، وبالإضافة إلى هذا أخبر الله تعالى أنهم إذا قاموا إلى الصلاة قاموا متباطئين متثاقلين؛ لأنهم لا يؤمنون بالثواب الأخروي، فهم يراءون المؤمنين بالأعمال الصالحة حتى لا يتهمونهم بالكفر، كما أنهم لا يذكرون الله تعالى إلا قليلًا؛ وذلك لعدم استقرار الإيمان في قلوبهم، وعدم حبهم لله عز وجل، فهم مذبذبون بين الإيمان والكفر، فهم فريق ليسوا بالمؤمنين الكاملين في إيمانهم، ولا بالكافرين الكاملين في كفرهم، فهم دائمًا في تردد وحيرة، وهذه هي حالة يجعل الله تعالى فيها من يضله الله عز وجل، فلا يوجد سبيل إلى اهتدائه 87.
حينئذٍ حذر الله تعالى المؤمنين أن يفعلوا فعل المنافقين، ويوالوا الكافرين، فأمرهم ألا يتخذوا الكافرين نصراء وأعوانًا يصاحبونهم ويصادقونهم ويناصحونهم، ويسرون إليهم بالمودة، ويفشون سرائر المؤمنين وأحوالهم الداخلية، فإن موالاة الكافرين دليل على النفاق، ولا يصدر هذا إلا عن منافق، فهل يريد المؤمنون أن يجعلوا لله عز وجل على أعمالهم حجة بينة يستحقون بها عقابه إذا اتخذوهم أولياء.
ثم أوضح الله تعالى عقوبة المنافقين على أعمالهم، والتي كان من ضمنها موالاتهم للكافرين، فجعل مكانهم في الطبقة السفلى من النار، والنار سبع دركات، فهي متداركة بعضها فوق بعض، والسبب في هذه العقوبة دون غيرها وأنها أشد من عقوبة الكافر نفسه، هو أن المنافق مثل الكافر في الكفر، وضم إلى كفره الاستهزاء بالإسلام وأهله، وهذا العذاب لهم لن يجدوا أحدًا ينقذهم منه، أو يخففه عنهم 88.
ثالثًا: ولاية الظالمين لبعض وآثارها:
تحدث القرآن الكريم أيضًا عن ولاية الظالمين لبعضهم البعض، والآثار المترتبة على هذه الولاية.
يقول الله جل جلاله: {وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (16) وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (17) ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (18) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ} [الجاثية:16 - 19] .
والمعنى: أن الله عز وجل يبين في هذه الآيات مدى إنعامه على بني إسرائيل، فقد آتاهم التوراة، ومَنَّ عليهم بالحكم والنبوة في ذريتهم، ورزقهم الطيبات الحلالات، وفضلهم على عالمي زمانهم، فلم يكن أحد في زمانهم أكرم على الله تعالى منهم، كما أعلمهم وأخبرهم بمبعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ووضح لهم صفاته وزمانه وأمره، ولكنهم اختلفوا، وسيحكم الله تعالى ويقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون.
ثم وجه الله تعالى الخطاب إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فقد جعله الله عز وجل على سنة وطريقة من الدين بعد موسى عليه السلام، وأمره باتباعها وعدم الحيد عنها إلى أهواء الكافرين، وذلك أن الكافرين كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: ارجع إلى دين آبائك، فإنهم كانوا أفضل منك، فذكر الله تعالى أنه إن اتبع النبي صلى الله عليه وسلم أهواءهم، فإن هؤلاء الكافرين لن يدفعوا عنك من عذاب الله تعالى شيئًا، وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض في المحبة والنصرة والموالاة، أما الله جلَّ جلاله فهو ولي المتقين وناصرهم ومؤيدهم، وما أشد الفرق بين الولايتين! 89.
هذا وقد بيَّنَ الله تعالى الآثار المترتبة على ولاية الظالمين لبعضهم البعض، وذلك في الحوار سيدور بين الله تعالى، وبين الجن والإنس يوم القيامة ساعة الحشر، فيقول جلَّ جلاله: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (128) وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأنعام:128 - 129] .
فيخاطب الله تعالى الجن أنكم أضللتم كثيرًا من الإنس، وجعلتموهم أتباعًا لكم في عبادة غير الله تعالى، ومخالفة أمره وتوحيده، فيقول أولياء الجن من الإنس: لقد تعاون بعضنا بعضًا في معصية الله عز وجل ومخالفة أمره، كما انتفع بعضهم ببعض بأنواع من المنافع، منها: أن الجني يستمتع بطاعة الإنسي له وعبادته وتعظيمه له، واستعانته به، والإنسي يستمتع بالجني أيضًا حين ينال أغراضه، ويبلغها بسبب خدمة الجني له بعض شهواته، فإن الإنسي يعبد الجني، فيخدمه الجني، ويحصل له منه بعض الحوائج الدنيوية.
وقول الإنسي: {رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا} على معنى أنه قد حصل منا من الذنوب ما حصل، وبلغنا أجلنا الذي أجلته لنا من الموت والبعث، فافعل بنا الآن ما تشاء، فالأمر أمرك، والحكم حكمك، وكأنهم يتضرعون إلى الله عز وجل، ولكن ليس هذا وقته.