فهرس الكتاب

الصفحة 673 من 2431

فقارون تنقل بسبب فرحه ومرحه من حالة إلى أخرى أسوأ منها، وهذا من آثار الفرح المذموم، الذي يستدرج صاحبه، ويغري به حتى يورده النار.

إن ترف قارون ومرحه جعله أنموذجًا لكل أصناف الفرح المذموم؛ فقارون عرف عنه حب المال وعبادته، وتقديم الفرح به على كل شيء. وقد كان من بني إسرائيل، قوم موسى، فآتاه الله تعالى مالًا كثيرًا، فرح به فرحًا جعله يتجاوز الحد، فتطاول على قومه، وأعرض عن الاعتراف بفضل الله، وتجاهل الحقوق الواجبة عليه، فاستحق بذلك ما استحق 83.

فقارون بغى على قومه، وانحاز إلى فرعون، فاستدرجه الله تعالى بأن آتاه مالًا كثيرًا، فلما فتن به وفرح، أهلكه الله.

فالفرح أمر قد وقع، فالمعنى: لا يظهر عليهم بركته، ولا يعمهم رحمته. ولما نهوه عن الفرح المطغى، أمروه بأن يطلب، فيما آتاه الله من الكنوز وسعة الرزق، ثواب الدار الآخرة، بأن يفعل فيه أفعال البر، وتجعله زادك إلى الآخرة 84.

ونقل الطبري عن ابن عباس: الفرحين: المرحين، وعن مجاهد: المتبذخين، الأشرين، البطرين الذين لا يشكرون الله على ما أعطاهم 85.

إن أصحاب الفرح الباطل فتنةٌ لغيرهم من الناس، بخاصة أولئك الذين تعلقت نفوسهم بالدنيا ومتاعها، فكانوا بحاجة إلى تقريع يعيد لهم صوابهم، وهو ما قامت به الفئة المؤمنة، التي تستحق الوصف بالوصف المتقدم، قال تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) [القصص:80] .

كان هلاك قارون مؤذنًا بأن الترف لا ينجي من عذاب الله تعالى، وكان في هلاكه وعيد شديد، لمن هم على شاكلته من المترفين المنحرفين، وتسلية للمؤمنين.

فالفرح المذموم له آثارٌ سلبية، فهو يجعل صاحبه يسيء الظن بالله؛ لأنه يخشى أن ينزع الله منه الأشياء المفرحة، والفرح المذموم - الذي لا ضابط له - يؤدي إلى حزن مذموم لا ضوابط له عند فوات نعمة، أو حصول نقمة، وهذا الشعور يفضي إلى التسخط، وعدم الرضا بالقضاء والقدر؛ وهذا هو الخسران بعينه.

والفرح المذموم يلهي عن شكر المنعم؛ لانشغال صاحبه بالفرح وآثاره المتمثلة بالمرح بأنواعه، ولاعتقاده بأن لا فضل لأحد عليه، ولقد قالها قارون من قبل حين دعي إلى الشكر: (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى? عِلْمٍ عِنْدِي) [القصص:78] .

إن عدم الشكر سبب مباشر لنزع النعم، ولعذاب الله (لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ? وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) [إبراهيم:7] .

ومن آثار الفرح المذموم الركون إلى الدنيا، والرضا بها، والحرص عليها؛ خشية أن يفوته بعض ما فيها من وسائل الفرح ودواعيه، وهذا يشغله - ولا شك - عن الآخرة والعمل لها.

يورث الفرح المذموم صاحبه العجب؛ بسبب حصوله على ما يفرح، والعجب مدعاة للاستهزاء بالآخرين، والبغي عليهم، كما فعل قارون.

ثالثًا: الفرح المباح:

الفرح لا تكاد تخلو منه نفس بشرية؛ فإنها تفرح، وتبدي سرورها ورضاها، حين تباشر ما من شأنه أن يفرحها في العادة، على اختلاف في الأشياء المفرحة بين إنسان وآخر، فقد يطير إنسان ما فرحًا بشيء، لا يحرك هذا الشيء نفسه ساكنًا عند آخر، ولا عجب، فإن المفرحات أشياء مكتسبة، بخلاف الفرح نفسه، هذا مع الإقرار بوجود أشياء يفرح عامة الناس بها؛ كالمال، والنجاح، والحياة، والتميز، وما شابه ذلك.

إن الفرح مباح، معفو عنه؛ كونه انفعالًا، ما لم يطرأ عليه مؤثر خارجي يحيله إلى فرح محمود، أو مذموم، ومن هنا وجه الشرع عنايته إلى تهذيب الفرح وضبطه.

إن المسلم أولى الناس بهذا الفرح؛ فإن فيه إظهارًا لنعمة الله تعالى عليه، وانسجامًا مع طبيعة النفس السوية.

لقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يضحك ضحك الفرح عندما يرى ما يسره، وكان يضحك مما يضحك الناس، وكان يتعجب مما يتعجب من مثله، ويستغرب وقوعه 86.

فلما قدم جعفر بن أبى طالب رضي الله عنه من الحبشة إلى المدينة، يوم أن فتح الرسول صلى الله عليه وسلم خيبر، فتلقاه الرسول صلى الله عليه وسلم وقبل جبهته، وقال: (والله ما أدري بأيهما أفرح: بفتح خيبر أم بقدوم جعفر) 87.

فالرسول صلى الله عليه وسلم يفرح، ويسعى؛ ليفرح أصحابه معه، فقد جاء في حديث الدجال قوله صلى الله عليه وسلم: (لكن تميمًا أتاني، فأخبرني خبرًا منعني القيلولة؛ من الفرح وقرة العين، فأحببت أن أنشر عليكم فرح نبيكم) 88.

وكان الصحابة الكرام إذا رأوا الغيم، فرحوا 89؛ استبشارًا بنزول المطر وإنبات الأرض، وما يتبع ذلك من خيرات تتمناها النفس، وتفرح بها.

إن توبيخ الله تعالى للكافرين بقوله: (ذَ?لِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ) [غافر:75] - دليلٌ على أن الفرح بالحق ممكن أن يكون محمودًا أو مباحًا جائزًا.

فالفرح المباح قد يشتد، فيوقع صاحبه في أخطاء غير مقصودة، في أثناء تعبيره عن هذا الفرح، أي: تجاوز الصواب، وهو قول العبد الذي أضل راحلته: (اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح) 90؛ فلما اشتد عليه الفرح منع صاحبه من إدراك البديهيات، فضلًا عن غيرها.

راعي الإسلام طبيعة الفطرة الإنسانية: فنجد أن هناك فرحًا مشروعًا شاملًا لجميع حاجات ودوافع الإنسان التي تتطلبها جوانبه المختلفة مثل (الروح، والعقل، والجسد) مما يدل على أن من خصائصه العموم والشمول ومراعاة الفطرة.

لقد خلق الله الإنسان من طين، ونفخ فيه من روحه، وجعل لكل من الجسد والروح مطالبه (. أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [الملك:14] .

والإنسان نفس ومزاج وأعصاب وإحساس، وهي وإن لم تكن ظاهرة إلا أن لها الدور الأعظم في صحة الجسد، وانتشاله من كثير من الأمراض، ولو تأمل الإنسان القرآن العظيم الذي ما فرط في شيء، قال تعالى: (? وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) [النحل:89] .

فالقرآن ذكر أمورًا وأشياء تدخل السعادة على النفس، إضافة إلى أمور أخرى تنبع من داخل النفس والذات الإنسانية.

وهذه الدوافع على أنواع نتناولها في النقاط الآتية:

أولًا: دوافع فكرية:

الفرح من الانفعالات الإنسانية الفطرية التي لابد أن تنتاب كل أحد منا في فترة من الفترات، قال تعالى: (أَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى?) [النجم:43] .

لقد بين لنا القرآن الكريم المنهج السليم الذي يجب أن يقوم عليه الفرح لدى الفرد، فالفرح أمر نسبي يتوقف على أهداف الإنسان في الحياة، فمن كان هدفه الحصول على شيء من متاع الدنيا فقط وهذا حال الكثيرين ومنهم الكفار، كان نجاحه في تحقيق أهدافه باعثا على فرحه وسروره قال تعالى: (وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ) [الرعد:26] .

وهذا النوع لا ينعم في الواقع بالحياة السعيدة المطمئنة المستقرة، فإذا أنعم الله عليه بنعمة الصحة وسعة الرزق ووفرة المال شعر بالفرح والسعادة، وإذا ما أصابه ضرر أو بلاء وفقد بعض النعم التي كان يتمتع بها أو عجز عن تحقيق هدف يأمل به تملكه الاكتئاب واليأس والاضطراب وجحد بالنعم الأخرى 91.

والدوافع الفكرية تنقسم إلى قسمين:

وهذا ما سيتم الحديث عنه في النقاط الآتية:

الدوافع الفكرية الحسية الخارجية للفرح، مثل: النظر في الألوان.

قال تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى? يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ?) [البقرة:187] .

وقال تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا ? وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ) [فاطر:27] ].

وقال تعالى: (يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ ? وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا) [طه:102] وقال تعالى: الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ) [يس:80] .

وقال سبحانه (قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا ? قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ) [البقرة:69] .

من دوافع الفرح الفكرية النظر إلى الألوان لما لها التأثير على فرح لإنسان، فهي تعالج النفس، وتعدل الطبع والمزاج، وتسمو بالأرواح، وتغذي الأعصاب وتفيد الإحساس بالراحة 92.

وتأثير اللون في حياة البشر اليومية لا يخفى على أحد، فهناك ألوان تبعث السرور في النفس، وتشيع السعادة في حياة الفرد، ومنها ما ينفر منه المرء، وتشعره بالكآبة والملل والاضطراب النفسي، وهناك ألوان ترفع معنويات الفرد، وأخرى تثبطها، ومنها ما يوحي بدفء المشاعر، ومنها ما يوحي ببرودها وجمودها.

وذكر القرآن الكريم في مواضع عديدة الألوان وهي: الأبيض والأخضر والأصفر والأحمر والأسود واللون الأزرق.

فاللون الأبيض، ذكر للصفاء، والقلوب الطيبة التي لا تخفى أضغانًا، كالمرآة تعكس ما يقع عليها، لذا كان علامة على وجوه أهل السعادة يوم القيامة، وهو لون شرابهم وكؤوسهم وأنهارهم، ولون نسائهم، هو اللون العاكس لحال السعداء.

قال تعالى: (يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ(45) بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ) [الصافات: 45 - 46] .

قوله: (بَيْضَاءَ) مثل قوله تعالى:. قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًاھ) [الإنسان:16] أي: قوارير كأنها في بياضها من فضة، فهن إضاءات صافيات الغلائل فيها أنها في طيب الرائحة وسطوعها، وأرجها كأرج المسك والكافور 93.

قال قتادة في تفسير قوله تعالى: (يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ) «أي خمر جارية (بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ) قال الحسن خمر الجنة أشد بياضا من اللبن» 94.

وأما اللون الأسود: ورد ذكره في القرآن الكريم في جزاء الفرح المذموم، و حال الكفار في عرصات يوم القيامة.

قال تعالى: (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ? فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ) [آل عمران:106] .

وقال تعالى: (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ ? أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ) [الزمر:60] .

فللون الأسود في تلك الآيات الكريمة، لون الحزن والهم والغم والكآبة في الدنيا، وكذلك هو لون جهنم، كما في حديث أبي هريرة قال: (أوقد على النار ألف سنةٍ حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف سنةٍ حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنةٍ حتى اسودت فهي سوداء مظلمةٌ) 95.

وأما اللون الأزرق: قال تعالى (يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ ? وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا) [طه:102] .

يقول أبوالسعود: «يحشر المجرمون زرقًا أي: حال كونهم زرق العيون وإنما جعلوا كذلك لأن الزرقة أسوأ ألوان العين وأبغضها إلى العرب فإن الروم الذين كانوا أعدى عدوهم زرقٌ ولذلك قالوا في صفة العدو أسود الكبد وأصهب السبال وأزرق العين أو عميًا لأن حدقة الأعمى تزرق» 96.

يأتي اللون الأخضر في الجمال في المرتبة الثانية فقبله الأبيض ثم الأخضر، قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا) [الأنعام:99] .

وقال تعالى: الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ) [يس:80] .

وعند العرب الأخضر يطلق على كل جميل فيقال: الأخاضر للذهب واللحم ويكنى عن المرأة السوداء بالخضراء تفائلًا، وكذا عن الحسناء.

واللون الأخضر لون النباتات والزروع التي نشاهدها يوميًا والتي تدخل على النفس كثيرًا من البهجة والسرور، ولون الخضرة يقوي النظر ويزيد في حاسة البصر، وسبب ذلك فيما يقوله أهل الطب أن الأخضر يجمع الروح الباصر جمعًا رفيقًا مستلذًا غير عنيف.

يقول سيد قطب في تفسير قوله تعالى: (أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا ? أَإِلَ?هٌ مَعَ اللَّهِ ? بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَں) [النمل:60] : «حدائق بهيجة ناضرة حية جميلة مفرحة، ومنظر الحدائق يبعث في القلب البهجة والنشاط والحيوية، وتأمل هذه البهجة والجمال الناضر والحي الذي يبعثها كفيل بإحياء القلوب، وتدبر آثار الإبداع في الحدائق كفيل بتمجيد الصانع الذي أبدع هذا الجمال العجيب، وأن تلوين زهرة واحدة وتنسيقها ليعجز عنه أعظم رجال الفنون من البشر، وأن تموج الألوان، وتداخل الخطوط، وتنظيم الوريقات في الزهرة الواحدة ليبدو معجزة تتقاصر دونها عبقرية الفن في القديم والحديث، فضلًا عن معجزة الحياة النامية في الشجر وهي السر الأكبر الذي يعجز عن فهمه البشر» 97.

وأما اللون الأصفر: قال تعالى: (قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا ? قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ) [البقرة:69] .

طلبوا من موسى عليه السلام زيادة في التعنت وكثرة السؤلات وصفًا آخر لهذه البقرة التي أمروا بذبحها، فقالوا: (ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا) فأجابهم الله تعالى على لسان موسى: (قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا) أي صفراء اللون: وهذا أجمل لون؛ كشعاع الشمس الذهبي عند الغروب.

قال ابن عباس: (فَاقِعٌ لَّوْنُهَا) شديدة الصفرة تكاد من صفرتها تبيض وقوله: (تَسُرُّ النَّاظِرِينَ) : أي: تعجبهم من حسن منظرها وجمال لونها 98.

قال ابن عباس: «من لبس نعلًا صفراء لم يزل في سرور ما دام لابسها، وذلك قوله تعالى: (تَسُرُّ النَّاظِرِينَ) » 99.

يقول الكسائي: فقع لونها إذا خلصت صفرته وعن كون اللون الأصفر باعثًا للسرور 100.

قيل: (فَاقِعٌ لَّوْنُهَا) شديد الصفرة تكاد من صفرتها تبيض، وقيل: صافية اللون، وهي تسر الناظرين، لأنك إذا نظرت إلى جلدها تخيلت أن شعاع الشمس يخرج من جلدها 101.

وأما الدافع الفكري الثاني للفرح هو الحلي والأحجار الكريمة.

فقد تعددت الآيات الكريمة التي تحدثت عن تحلي المؤمنين يوم القيامة بألوان الحلي المختلفة من الذهب والفضة والأحجار الكريمة، إضافةً إلى الآيات التي أكدت على كون الذهب والفضة من شهوات الحياة الدنيا المحببة إلى النفس، والتي تدخل الفرح في من اقتناها. قال تعالى: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ?) [آل عمران:14] .

الذهب مؤنث، ولذلك يصغر على ذهيبة، ويجمع على أذهاب وذهوب، واشتقاقه من الذهاب، ويقال: رجل ذهب بكسر الهاء-رأى معدن الذهب فدهش و «الفضة» تجمع على فضض، واشتقاقها من انفض إذا تفرق 102.

قال القرطبي: «والذهب مكيالٌ لأهل اليمن، قال: واشتقاق الذهب والفضة، يشعر بزوالهما وعدم ثبوتهما كما هو مشاهد في الوجود» 103.

والذهب والفضة: إنما كانا محبوبين يبعثان على الفرح لأنهما جعلا ثمن جميع الأشياء، فمالكها كالمالك لجميع الأشياء 104.

وأما الأحجار الكريمة فقد ذكرت في أكثر من موضع في القرآن الكريم، على سبيل وصفها مصدرًا للجمال، ومصدرًا للفرح، وعلى أنها باعثة على البهجة والانشراح والمتعة.

قال تعالى واصفًا الحور العين في الجنة: (كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ) [الرحمن: 58] .

أي: كأنهن يشبهن الياقوت والمرجان في صفائهن وحمرتهن قال قتادة: كأنهن في صفاء الياقوت وحمرة المرجان، لو أدخلت في الياقوت سلكًا ثم نظرت إليه لرأيته من ورائه 105.

وقال تعالى: (كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ) [الواقعة:23] .

(جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ) [فاطر:33] .

الأساور: جمع أسورة التي هي جمع سوار فالأساور جمع الجمع، وهي حلية تلبسها النساء الآن في معاصمها، ولؤلؤًا هو ما يستخرج من البحر من جوف الصدف 106.

ترتبط الأحجار الكريمة في أذهان الناس بالفرح والجمال، ويعتقد البعض أن لها أثرًا علاجيًا في العديد من الأمراض الجسدية والنفسية.

الدوافع الفكرية غير الحسية للفرح، مثل: الفرح بما عند الإنسان الجاهل من العلم.

قال تعالى: فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) [غافر:83] .

أخبر الله تعالى عن الأمم المكذبة بالرسل، وماذا حل بهم من العذاب الشديد، مع شدة قواهم، وما أثروه في الأرض، وجمعوه من الأموال، فما أغنى عنهم ذلك شيئا، ولا رد عنهم ذرة من بأس الله؛ وذلك لأنهم لما جاءتهم الرسل بالبينات، لم يلتفتوا إليهم، ولا أقبلوا عليهم، واستغنوا بما عندهم من العلم في زعمهم عما جاءتهم به الرسل.

قال السدي: فرحوا بما عندهم من العلم بجهالتهم، فأتاهم من بأس الله ما لا قبل لهم به 107.

فحين جاءتهم الرسل إلى هؤلاء الجاهلين، فرحوا بما لديهم من العلوم الدنيوية كالتجارة والزراعة، واغتروا بتلك القشور التي كانوا يسمعونها ممن كانوا يزعمون أنهم على شيء من العلم الديني، واستهزءوا بما جاءهم به الرسل من علوم تهدى إلى الرشد، وتدعو إلى إخلاص العبادة لله، واعتقدوا- لغبائهم- وانطماس بصائرهم- أنه لا علم أنفع من علومهم ففرحوا بها 108.

ذكر الزمخشري في تفسير قوله تعالى: (فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ) قال فيه وجوه:

الأول: أنه أراد العلم الوارد على سبيل التهكم في قوله تعالى: (بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ ?) [النمل:66] .

وعلمهم في الآخرة أنهم كانوا يقولون لا نبعث ولا نعذب.

والثاني: أن يريد علم الفلاسفة والدهريين عن بنى يونان، وكانوا إذا سمعوا بوحي الله: دفعوه وصغروا علم الأنبياء إلى علمهم.

والثالث: فرحوا بعلمهم بأمور الدنيا ومعرفتهم بتدبيرها، كما قال تعالى: (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) [الروم:7] .

فلما جاءهم الرسل بعلوم الديانات، لم يلتفتوا إليها وصغروها واستهزءوا بها، واعتقدوا أنه لا أنفع وأجلب للفوائد من علمهم، ففرحوا به 109.

ثانيًا: دوافع نفسية:

لقد بين القرآن أن الفرح والسرور والسعادة الحقة ذلك الذي يكون نتاج العمل الصالح. وأن تمسك الإنسان بالإيمان والتقوى والعمل الصالح هو السبيل للحصول على السعادة في الحياة الآخرة والأمن والطمأنينة والسرور والفرح الدائم.

قال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى? وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ? وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [النحل:97] .

وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ(57) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَ?لِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ (58 ) ) [يونس:57 - 58] .

كثيرًا ما نسمع من يقول عن شخص ما: نكدي، وآخر مرح، فلو ملك الأول المال والعقار وحصل الوضع الاجتماعي المناسب. هل يتغير طبعه، ولو تعرض الثاني لمتاعب الزمان هل يتغير طبعه؟ أم الفرح يورث كالمال تمامًا!

فالقرآن الكريم وضح أن الفرح والشقاوة تورث كالصفات والأخلاق والأحاسيس والتدين والكفر كما تورث الصفات الحسية من طول أو قصر أو لون بشرة أو لون شعر؛ لنرى.

قال تعالى: (وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا ?26?إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا ?27?) [نوح:26 - 27] .

لو تأملنا في قوله تعالى الآية الكريمة (وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا) نجدها تشير إلى أن الكفار يضلون غيرهم من عباد الله، إضافة إلى أنهم يلدون الفجار الكفار أمثالهم. فقد أشارت الآية أن مواليدهم الخارجة من بطون أمهاتهم فجارًا كفارًا، فجرهم وكفرهم معهم مصاحبًا لهم، موروثًا عن آبائهم وأجدادهم يسري في عروقهم لا ينفك عنهم، بل هو من أصل خلقتهم كلون بشرتهم، أو عيونهم أو هيئة شعرهم لذلك لا خير فيهم، ولا يستحقون البقاء الذي لا ينتج إلا أمثالهم، فلا بد من استئصال بذور الشر التي فقدت الغاية من سبب وجودها على هذه الأرض.

وجاء في الأمثال «تكاد المرأة أن تلد أخاها» دليلٌ على توارث الصفات الخلقية. وفي ذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: للرجل الذي سأل عن غلامه الذي ولد أسودًا، فقال له: (هل لك من إبل. قال: نعم، قال: ما ألوانها. قال: حمر، قال: هل فيها من أورق قال: نعم، قال: فأنى ذلك. قال: لعله نزعه عرق، قال: فلعل ابنك هذا نزعة) 110.

وعن مريم عليها السلام نجد القرآن الكريم يصفها بحسن المنبت قال تعالى: (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا) [آل عمران:37] .

وفي هذا يقول الإمام علي: «إذا كرم أصل الرجل كرم مغيبه ومحضره» 111 أي: من كان ينتمي إلى نسب عريق في الفضائل.

فالفرح: يشمل كل ألوان الخير والراحة والرفاه والبركة.

والشقاء: يشمل جميع صنوف القلق والضيق والشدة.

وجينات يرثها الإنسان بتقدير الله وإرادته مصداقًا لحديث النبي صلى الله عليه وسلم (أن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا أو أربعين ليلةً ثم يكون علقةً مثله ثم يكون مضغةً مثله ثم يبعث إليه الملك فيؤذن بأربع كلماتٍ فيكتب رزقه وأجله وعمله وشقيٌ أم سعيدٌ ثم ينفخ فيه الروح فإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يكون بينها وبينه إلا ذراعٌ فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينها وبينه إلا ذراعٌ فيسبق عليه الكتاب فيعمل عمل أهل الجنة فيدخلها) 112.

وعن سعد ابن أبي وقاصٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أربعٌ من السعادة: المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب الهنيء. وأربع من الشقاء: الجار السوء والمرأة السوء والمركب السوء والمسكن الضيق) 113.

مما سبق يتبين أن الصفات التي لها قابلية الانتقال من الآباء إلى الأبناء عديدة مثل لون البشرة والعين والشعر، وكذلك السجايا الخلقية والصفات الحميدة كالشجاعة والكرم والبشاشة والتفاؤل، أو الرذيلة كالكفر والفجور والكآبة والشقاء والتشاؤم.

أولًا: الحديث عن الفرح الممدوح:

القرآن الكريم سيبقى المعجزة الخالدة الدائمة في اللفظ والمضمون والأسلوب، فقد كانت معجزات الأنبياء السابقين متفوقةً عاليةً على تحديات عصورهم وأممهم. أما القرآن فهو معجزة خاتم الأنبياء والمرسلين، الخالدة الباقية على البشرية وعلى العالمين على مر العصور والدهور.

فأساليب القرآن الكريم في عرض الفرح، تعد عنايةً فائقةً بتنوع أساليب النصوص القرآنية وتدبرها وتأملها، واستنباط الأسلوب الذي يسري في نسقها، وجوانب الجمال الذي تتسم به.

1.الأسلوب القصصي.

فأشار القرآن الكريم إلى أن القصص القرآنية وسيلةٌ من الوسائل الكثيرة إلى تحقيق الهدف الأصيل، والعناصر في القصة القرآنية تابعةٌ للهدف منها، وللعبرة التي سيقت من أجلها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت