فهرس الكتاب

الصفحة 2002 من 2431

الجدال

أولًا: المعنى اللغوي:

إنّ المتتبع لمعاني كلمة (جدل) ومشتقاتها في اللغة العربية يجدها تدور حول المعاني السبعة التالية:

1.استحكام الشيء وانتظامه؛ ومنه: جدلت البناء: أحكمته، ودرع مجدولة: المحكمة العمل.

2.امتداد الخصومة، واللدد فيها، مع القدرة عليها.

3.مراجعة الكلام.

4.المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة.

5.الصرعة والقوة والشدة، يقال: جدل الغلام يجدل جدولًا يعنى اشتدّ، ومنه إسقاط الإنسان صاحبه على الجدالة، وهي الأرض الصلبة.

6.الفتل الشديد؛ يقال: جدلت الحبل، أي: أحكمت فتله؛ فكأنّ المتجادلين يفتل كل واحد الآخر عن رأيه.

7.الشّاكلة والحال والطّريقة التي جدل عليها الإنسان، تقول: عمل على جديلته: أي شاكلته التي جدل عليها 1.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

عرف العلماء الجدال بعدة تعريفات، أهمها خمسة:

الأول: «المراء الذي يتعلق بإظهار المذاهب وتقريرها» 2.

الثاني: «التخاصم بما يشغل عن ظهور الحق ووضوح الصواب» 3.

الثالث: هو القياس المؤلف من المشهورات والمسلمات لإلزام الخصم غالبًا، وإظهار صحة المذهب وسلامته 4.

الرابع: «مقابلة الحجة بالحجة؛ فإن كان في الوقوف على الحق كان محمودًا، وإن كان في مدافعة الحق كان مذمومًا» 5.

الخامس: «إظهار المتنازعين مقتضى نظرتهما على التدافع والتنافي بالعبارة، أو ما يقوم مقامها من الإشارة والدلالة» 6.

وخلاصة التعريفات السابقة: أن الجدال: مقابلة المتنازعين الحجة بالحجة عند التدافع والتخاصم؛ لإلزام الخصم غالبًا، وتقرير المذهب، سواء أكان حقًا أم باطلًا.

وعند تأمل معاني الجدال لغةً واصطلاحًا يظهر الترابط بينهما في النقاط الآتية:

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 4 ... (? ? ? ? ? ? ?) [النساء: 109]

الفعل المضارع ... 20 ... (? ? ? ? ? پ پ پ) [النحل: 111]

فعل الأمر ... 1 ... (ے ے ? ?) [النحل: 125]

المصدر ... 4 ... (پ ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 197]

وجاءت لفظة الجدل في القرآن الكريم على ثلاثة أوجه 8:

الأول: الخصومة: ومنه قوله تعالى: (? ?) [غافر: 5] ، أي: خاصموا بالباطل.

الثاني: المراء: ومنه قوله تعالى: (? ? ? ?) [البقرة: 197] ، أي: ولا مراء في الحج.

الثالث: الدعاء: ومنه قوله تعالى: (ے ے ? ) [النحل: 125] ، أي: ادعهم بالتي هي أحسن.

8.المحاجة:

المحاجة لغةً:

الحَجّ: الغلبة بالحُجَّّة، يقال: حَجَّه يَحُجُّه حَجًّا، إذا غلبه على حجّته، ومنه الحُجّة بالضّمّ: الدّليل والبرهان، وقيل: ما دفع به الخصم، وإنما سمّيت حجّةً لأنّها تحجّ، أي تقصد؛ لأنّ القصد لها وإليها، وبها يقصد الحقّ المطلوب، وجمع الحجّة حججٌ وحجاجٌ 9.

المحّاجة اصطلاحًا:

قدرة الفرد على توظيف ما يمتلكه من الأدلة والبراهين العقلانية الموضوعية في قضية خلافية؛ لإثبات دعواه، وإيضاح فكرته، مع تفنيد حجج مخالفيه، والوصول بهم إلى الاقتناع بهذه الفكرة، والإيمان بها، دون إلزامهم باتباعها، والسير عليها 10.

الصلة بين الجدال والمحاجّة:

يمكن التفريق بين الجدل والمحاجّة من خلال النقاط التالية:

يهدف الجدال غالبًا إلى إفحام الخصم، بينما تهدف المحاجّة إلى الوصول إلى الحق والصواب.

يغلب على الجدال الأسلوب الانفعالي، والتعصب للرأي، بينما يغلب على المحاجّة الأسلوب المنطقي الهادئ، وتتبع الصواب.

المحاجّة أعم من الجدال؛ فالجدال يقوم على تقرير المذهب، سواء أكان حقًا أم باطلًا، بينما المحاجّة تقوم على تقرير المذهب، وتحقيق الصواب.

الجدال غالبًا يترك أثرًا سلبيًا على العلاقة بين المتجادلين؛ لأنّه يقوم على تسجيل النقاط السلبية على المخالفين، بخلاف المحاجّة التي تعتمد على الإيجابية والتعاون؛ لاكتشاف الحقيقة 11.

المناظرة:

المناظرة لغةً:

المناظرة في اللغة مشتقة من المادة اللغوية (نظر) ، ومن معانيها: تأمل الشيء بالعين المجردة، وتقليب البصيرة لإدراك الشيء ورؤيته، والتّأمّل والفحص، وقد يراد بالنظر المعرفة الحاصلة بعد الفحص، والطلب؛ يقال: انظر لي فلانًا أي: اطلبه، والمقابلة؛ والعرب تقول داري تنظر إلى دار فلان، ودورنا تناظر أي: تقابل، والإمهال، والترقب والتوقع، واللّمحة السّريعة 12.

المناظرة اصطلاحًا:

المحاورة بين طرفين متضادين في الرأي، والقائمة على الأدلة المنطقية والبراهين والإحصائيات الدقيقة، يقصد كل منهما تصحيح قوله وإبطال قول الآخر بأدب رفيع، مع الرغبة في إظهار الحق، والراجح على المرجوح، وتحقيق الفائدة المبنية على المناصحة والحلم 13.

الصلة بين الجدال والمناظرة:

يمكن التفريق بين الجدل والمناظرة من خلال النقاط التالية:

يقوم الجدل على المخاصمة والشحناء، بينما المناظرة تقوم على التعاون والمناصحة.

يهدف المجادل إلى إظهار النفس ورفض الغير، بينما المناظرة تهدف إلى إظهار الحق، وإفادة المناظر.

أدلة المجادل مبنية على الأهواء غالبًا، بينما الأدلة في المناظرة مبنية على التحديد والدقة.

إنّ الجدال لا يخلو من التجني على الأشخاص والتعدي على المحارم، بينما المناظرة ميزانها الأدب الرفيع والحكمة.

الممارة:

المماراة لغةً:

المماراة في اللغة مشتقة من المادة اللغوية (مري) ، ويعني: المسح على الشيء؛ ومنه مراه مريًا، ومرى الفرس مريًا: إذا جعل يمسح الأرض بيده أو رجله، ويأتي بمعنى الاستدرار؛ ومنه: الريح تمري السحاب وتمتريه تستخرجه وتستدرّه، ومنه: الصلابة في الشيء، والشك، والجحود؛ يقال: مراه حقّه أي جحده، الجدل؛ ومنه: ماريت الرجل أماريه مراءً إذا جادلته 14.

المماراة اصطلاحًا:

الطعن في كلام المخالف وإن كان ظاهر الحق، على سبيل الملاحاة والتدافع والمغالبة؛ لبيان عجزه وضعفه، ولإظهار مزيّة النفس ومكانتها، والتحقير من شأن المخالف، دون الالتفات إلى الحق والصواب 15.

الصلة بين الجدال والمماراة:

إنّ المتأمل لمصطلحي الجدل والمماراة يجد بينهما فروقًا دقيقة، منها:

المراء لا يكون إلّا اعتراضًا، بخلاف الجدال الذي يكون ابتداءً واعتراضًا.

الجدال يكون محمودًا ومذمومًا، بخلاف المراء فلا يكون إلّا في الباطل؛ فهو مخاصمة في الحق بعد ظهوره.

يغلب على المراء إظهار حظ النفس مع تحقير الغير في المكانة والمعرفة، بينما نجد ذلك بحالة أقل في الجدال 16.

المنازعة:

المنازعة لغةً:

المنازعة في اللغة مشتقة من المادة اللغوية (نزع) ، وتأتي بمعنى الجذب؛ يقال: نزع القوس إذا جذبها، ومنه: نزع الإنسان إلى أهله، ومنه: تنازع القوم اختصموا، وبينهم نزاعةٌ أي خصومةٌ في حقّ، ومنه: قوة العزيمة في الرأي والهمة؛ يقال للرجل الجيّد الرأي: إنّه لجيّد المنزعة، ومنه القلع؛ يقال: نزعت الشيء من مكانه نزعًا إذا اقتلعته 17.

المنازعة اصطلاحًا:

المخاصمة والمخالفة القائمة على التنازع والتجاذب لنفي ما عند الآخر ومحوه، سواء أكان حقًا أم باطلًا، والموصلة في الغالب إلى الفشل والانتكاس 18.

الصلة بين الجدال والمنازعة:

إنّ المتأمل لمصطلحي الجدال والمنازعة يجد بينهما فروقًا دقيقة، منها:

إنّ غاية الجدال إفحام الخصم وإلزامه، بينما الغاية في المنازعة نفي الآخر وتحقيره وإظهار عجزه.

إنّ الجدال في بعض المواقف يقود إلى الرأي الصحيح، بينما المنازعة طريقها واحد هو الفشل والانتكاس.

الجدال يقوم على الأدلة والبراهين، بينما المنازعة تقوم على المخالفة ابتداءً؛ بدليل أو بغير دليل.

المحاورة:

المحاورة لغة:

المحاورة في اللغة مشتقة من المادة اللغوية (حور) ، ومن معانيه: الرجوع عن الشيء وإلى الشيء، والنقصان بعد الزيادة، ودوران الشيء، وتدويره، واللون؛ فالحور: شدّة بياض العين في شدّة سوادها، والحواريّون القصّارون 19، ومن معانيه: التجاوب، والاستنطاق؛ يقال: استحاره أي: استنطقه 20.

المحاورة اصطلاحًا:

مراجعة الكلام بين طرفين في مسألة اختلفت فيها نظرتهما؛ بقصد تصحيح الكلام، وإظهار الحجة، وإثبات الحق، في جو يغلب عليه الهدوء والإيجابية؛ لتبادل الأفكار، والتنوع في الآراء، مع الحرص على تقرير الحق والصواب 21.

الصلة بين الجدال والمحاورة:

إنّ المتأمل لمصطلحي الجدال والمحاورة يجد بينهما فروقًا دقيقة، منها:

كلمة المحاورة تتسع لكل أساليب التخاطب، سواء في حال التوافق أو الاختلاف، بينما كلمة الجدال تختزن في داخلها معنى الخلاف والشجار 22.

المحاورة يسودها الهدوء والطمأنينة والتعاون، بينما الجدال يحمل في عمقه معاني التحدي والصراع غالبًا.

المحاورة وسيلة حضارية للتواصل وتبادل الأفكار والآراء، بينما الجدال وسيلة لإفحام الخصم وتقرير المذهب غالبًا.

المخاصمة:

المخاصمة لغةً:

المخاصمة في اللغة مشتقة من المادة اللغوية (خصم) ، ويأتي بمعنى الجدل والمنازعة؛ يقال: خاصمه خصامًا وخصومة، أي: جادله ونازعه، وبمعنى الشّق؛ يقال للخصمين: خصمان؛ لأخذ كلّ واحد منهما في شقٍ من الحجاج والدّعوى، والطرف والجانب والزاوية، تلقين الحجة؛ يقال: أخصم صاحبه إذا لقّنه حجّته على خصمه 23.

المخاصمة اصطلاحًا:

اللجاج في الكلام من أجل المعارضة والمعاندة ابتداءً؛ يستوفي به المخاصم مراده من خصمه، في جو من التشاحن والتباغض ورفض الآخر 24.

الصلة بين الجدال والمخاصمة:

إنّ المتأمل لمصطلحي الجدال والمخاصمة يجد بينهما فروقًا دقيقة، منها:

الجدال يكون ابتداءً واعتراضًا، بينما المخاصمة لا تكون إلّا اعتراضًا.

الجدال يهدف إلى إفحام الخصم وتقرير المذهب، بينما المخاصمة تهدف إلى تحقيق المصلحة المادية أو المعنوية.

الحجة والدليل هو سبيل الحسم في الجدال، بينما المخاصمة تحتاج إلى طرف ثالث للفصل فيها.

الجدال يسوده جو من التعصب للرأي غالبًا، بينما المخاصمة يسودها جو من التباغض والشقاق.

1.إنّ المتأمل لآيات القرآن الكريم المتعلقة بموضوع الجدال، يجد أنّها تدور حول نوعين من الجدال:

2.الجدال المحمود.

3.الجدال المذموم.

وسنتناول في هذا المبحث النوع الأول وهو الجدال المحمود في القرآن الكريم.

والمراد بالجدال المحمود: الجدل الذي يقصد به إظهار الحق وتأييده بالأدلة والبراهين، والدعوة إليه بالحسنى، واستكشاف الأحوال، والعلم بالأمور المجهولة، وتعليم الآخرين العلم، أو تبيين الباطل ودحضه والتحذير منه 25.

وله صور عدة، يمكن تقسيمها إلى الأنواع الآتية:

أولًا: الجدال لبيان الحق:

لقد شرع الإسلام الجدال سبيلًا لبيان الحق، وإقامة الأدلة والبراهين عليه؛ بالعلم والمنطق والبيان، وبيان ضعف حجج المخالفين وتناقض مناهجهم، وإزالة الشبهات التي يثيرها أهل الباطل في مواجهتهم لأهل الحق، وإقامة الحجة على المخالفين من أهل الزيغ والضلال.

قال تعالى: (گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ں ں ?) [الأنبياء: 18] .

ومن أبرز صور الجدال لبيان الحق صورتان؛ وهما جدال الأنبياء عليهم السلام لأقوامهم، والجدال لأهل الكتاب.

الصورة الأولى: جدال الأنبياء عليهم السلام لأقوامهم:

لقد قدّم الأنبياء نماذج رائعة في الجدال الإيجابي؛ لبيان الحق، ودعوة الناس إليه، ودحض ما عليه أهل الباطل والإلحاد، سالكين أفضل السبل في تحقيق ذلك.

وتميز جدال الأنبياء عليهم السلام، بعدة ميزات، منها:

1.يقصد الأنبياء عليهم السلام من جدالهم تحقيق أمرين: دعوة الناس إلى الحق، وتقريره في نفوسهم، وردّ شبهاتهم، وتنقية النفوس منها.

لذلك فهو يحتاج إلى أسلوب راقٍ من أساليب القول والمحاجة، وحجة قوية، وكلمةٍ معبّرة 26.

وقد ظهر هذا المعنى جليًّا في المجادلة القوية بين إبراهيم عليه السلام والنمرود.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گگ گ ? ? ? ? ?) [البقرة: 258] .

إنّ النمرود لما حاجّ نبي الله إبراهيم عليه السلام في الله عز وجل، جاءه عليه السلام بحجة قوية وهي قدرة الله عز وجل على إحياء الأجسام وإماتتها (چ چ ? ?) ، فقابل النمرود هذه الحجة بقدرته على ذلك من خلال القتل والعفو عن القتل (? ? ? ) ، وهنا ينتقل نبي الله إبراهيم عليه السلام معرضًا عن هذا الاعتراض الفاسد، إلى حجة لا يصلح فيها تمويه النمرود كما فعل في الحجة الأولى، ولا يقع فيها الالتباس، ويظهر فيها عجز النمرود عن نقضها (? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گگ) ، ولكنّ أهل الضلال والطغيان لا يستجيبون لمثل هذه الأدلة، ويمتنعون عن سبل الهداية والرشاد؛ ظلمًا لأنفسهم، وتكبرًا عن الحق 27.

2.القوة في قول الحق، والجرأة في نقض الباطل، بغض النظر عن طبيعة المخالفين ومكانتهم.

حيث نجد نبي الله إبراهيم عليه السلام لما ذكر له قومه سبب عبادتهم للأصنام؛ أنّهم وجدوا آباءهم يعبدونها؛ ظانّين أنّه عليه السلام يقدّس الآباء وإن كانوا على ضلالة، فنراه عليه السلام جمعهم وآباءهم في التخطئة بلا هوادة؛ ليعلموا أنّ فعل الآباء مهما بلغوا من المكانة والتقديس لا قيمة له إذا تعارض مع حقيقة الألوهية، وتفرد الله عز وجل بالعبادة الخالصة 28، «وأنّ الباطل لا يصير حقًّا بكثرة المتمسكين به» 29.

قال تعالى: (? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأنبياء: 51 - 54] .

وأهل الباطل في جدالهم لا يملكون حجة حقيقية لما يعتقدون به، فغاية ما يحتجون به في كثير من مواقفهم لمعارضة أهل الحق، إظهار أهل الحق في صورة العاقّين لآبائهم، المفرطين بثوابت الأجداد، فغاية حجتهم التقليد الأعمى للآباء والأجداد.

قال تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ) [الزخرف: 23] .

وقد عاب الله عز وجل عليهم ذلك، قال تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ?) [المائدة: 104] .

3.إنّ جدال الأنبياء يحمل في طياته معاني المحبة والمودة والسماحة، يقابل الإساءة بالإحسان، ويرد الطعن واللعان بأجمل الكلمات وأرق العبارات، يهدف إلى الإقناع بالنظر والتدبر، ويبتعد عن الإخضاع والإلزام بالقهر والسلطان 30.

يظهر هذا المعنى جليًّا في دعوة نبي الله نوح عليه السلام لقومه؛ حيث قابلوه بالاتهام والتشويه، فقابلهم بالتودد والتلطف.

قال تعالى: (? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [هود: 25 - 28] .

إنّ نبي الله نوحًا عليه السلام يواجه قومه رسالة التوحيد، منذرًا المخالفين بالعذاب الأليم، ومبشرًا المستجيبين بالجنة، مظهرًا لهم خوفه عليهم من العذاب الأليم يوم القيامة، لكنّه يجابه بالرفض المطلق من قومه؛ متعللين بكونه عليه السلام بشرًا، وأنّ أتباعه من الضعفاء والفقراء والرعاع، بل إنّ قوم نوح عليه السلام تمادوا في طغيانهم فوصفوا نبي الله نوحًا عليه السلام وأتباعه بالكذب 31، ومع كل ذلك بقيت الرحمة هي الخلق البارز في تعامل نبي الله نوح عليه السلام مع قومه، الرحمة التي لا يعرفها إلّا من استقام على منهج الله عز وجل، قد أخلص قلبه لله عز وجل، وصفت نفسه، وصدق عزمه (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) .

4.الاعتقاد بأنّ ما يدعون إليه هو الحق الذي يجب على الناس اتباعه؛ فهو وحي الله عز وجل إليهم؛ ليخرجوا الناس من الظلمات إلى النور، خصّهم الله عز وجل بمميزات استحقوا بها الرسالة، وإن لم يستطع أصحاب البصائر العمياء من البشر إدراكها 32.

إنّ نبي الله نوحًا عليه السلام لما تكالب عليه قومه، وعابوا عليه أنّه من البشر، انطلق بكل ثقة مستيقنًا بنفسه، مبيّنًا لهم أنّ الله عز وجل منحه الحجة الواضحة البيّنة، وخصّه بالنبوة، قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [هود: 28] .

كما حكى الله عز وجل عن الأنبياء وأقوامهم هذا الموقف المتكرر، قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ?) [إبراهيم: 10 - 11] .

إنّ الاتفاق في البشرية لا يعني بالضرورة المساواة في كل شيء؛ فقد أجمع العقلاء على وجود التفاوت الكبير بين أفراد البشر في قدراتهم العقلية والفكرية والأخلاقية والإنتاجية؛ حتى أنّا نجد من يأتي بالإصلاح والخير لأمته وأهله ما يفوق أفعال مئات الألوف من السابقين واللاحقين 33، فإذا كان هذا التفاوت بين عموم البشر، فكيف وإن كان الإنسان مؤيدًا من الله عز وجل بالوحي والرسالة؟.

5.الثقة بالله عز وجل، واليقين بنصره وتأييده؛ لأنّ الله عز وجل معهم، يحفظهم ويعصمهم من كل سوء، حتى ولو احتال الناس جميعًا من أجل مناهضتهم وإلحاق الضرر بهم 34.

قال الله عز وجل حاكيًا على لسان نبيه هود عليه السلام: (? ? ? ? ? پ پپ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ?) [هود: 54 - 55] .

إنّ نبي الله هودًا عليه السلام لما دعى قومه إلى التوحيد جابهه قومه بالإنكار والجحود؛ حيث ترقّوا في حججهم من السيء إلى الأسوء، فردّ عليهم حججهم الباطلة؛ معلنًا براءته مما اقترفوه من الشرك، مشهدًا الله عز وجل على ذلك؛ ثقةً منه بقوة حجته وبرهانه، مشهدًا إيّاهم على رفضه لمنهجهم وشركهم غير مبال بهم، وبما يزعمونه من قدرة شركائهم على إيقاع الضرر به، ومتحديًا لهم أن يجمعوا كيدهم وشركاءهم؛ ليوقعوا به الأذى والضرر إن استطاعوا بلا إمهال ولا تأخير، وهذا دليل واضح على عدم خوفه منهم أو من آلهتهم المزعومة؛ فقد وكّل أمر حفظه إلى الله عز وجل، فهو الحافظ لأوليائه، القاهر لأعدائه 35.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?چ چ چ چ ? ? ?) [هود: 56] .

6.إنّ الأنبياء في جدالهم يقصدون قضية واحدة، ألا وهي قضية دعوة الناس إلى توحيد الله عز وجل، وإفراده بالعبادة، لا يلتفتون لغيرها من القضايا، ولا ينصرفون عنها إلى مسائل جانبية يحاول المخالفين استدراجهم إليها؛ للتأثير على القضية الأولى موضوع الجدال 36.

إنّ من أهم الآداب التي يجب على المجادل استعمالها للوصول إلى مراده وبغيته؛ تحديد السؤال والجواب، وعدم الخروج من مسألة حتى يستوفي الكلام فيها، وألّا يسمح للمخالف أن يدخله في معارك جانبية 37.

فهذا نبي الله نوح عليه السلام لم يستطع قومه صرفه عن القضية التي يدعو إليها، أو يؤثّروا في قوة طرحه لها.

قال تعالى: (? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ?) [الأعراف: 59 - 62] .

7.الشجاعة والحزم في طرح الأدلة والبراهين، وعدم إعطاء المخالف الوقت الكافي للاستفادة من قدرات مؤيديه، ومباغتة المخالف بالحجة تلو الأخرى بكل صرامة وحسم.

يستفاد هذا المعنى من مناظرة نبي الله موسى عليه السلام مع فرعون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت