فهرس الكتاب

الصفحة 1956 من 2431

إن الله تعالى قد بين في كتابه العزيز أن المخلوقات تأتي إلى ربها، وتنقاد لأمره، طوعًا أو كرهًا، فقال تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} [فصلت: 11] .

وإن هذه الآية جاءت في سياق الخطاب القرآني للنبي صلى الله عليه وسلم حتى يقول الكفار: أئنكم لتكفرون بالله تعالى، الذي قدر وجود الأرض في يومين، وتجعلون له الند والشريك، وهو منزه عن ذلك.

فالله تعالى أسماؤه رب العالمين، رب كل من السماوات والأرضين، الذي جعل فوق الأرض الجبال الرواسي الشامخات، وبارك فيها، وبين كميتها وأقدارها، التي تتناسب مع سكانها وأبنائها، وكل ذلك حصل في أربعة أيام استوت استواءً بلا نقصان ولا زيادة، يومان في خلق الأرض، ويومان في جعل الرواسي، وتقدير الأقوات، فتلك أربعة كاملة، ثم يومان آخران للسماوات السبع، فتلك ستة أيام، كما نطقت الآيات.

وتبين هذه الآية التي هي شاهد الكلام أن الله تعالى استوى إلى السماء وقصد إليها بعد خلقها وخلق الأرض، وحال السماء سعة الاستواء إليها من الله تعالى كانت دخانًا بما لا يعلم كنهه وحقيقته إلا الله تعالى، فقال عند ذلك رب العالمين للسماء والأرض: انقادا لأمري مختارتين أو مجبرتين على وجهٍ معين، وفي وقت مقدر، فقالتا: أتينا مذعنين لك، ليس لنا إرادة تخالف إرادتك 63.

وهذا تمثيل لسرعة الانقياد، وتصوير لكون وجودهما كما هما عليه جاريًا على مقتضى الحكمة البالغة، والإرادة السامية 64.

1.إن مصطلح الإكراه قد أخذ مساحةً لا بأس بها في الأحكام الشرعية، التي وردت في الخطاب القرآني، ومن ثم فإن الحديث الآتي عن أثر ذلك المصطلح في هذه الأحكام، من خلال دراسة أمثلة من هذه الآثار، وذلك فيما يأتي:

أولًا: الأثر الشرعي المترتب على الإكراه في الإيمان:

إن الإسلام دينٌ يحترم العقل، وينسجم مع الفطرة السليمة؛ ولذلك فهو يرفض المنهج الإكراهي والإجباري في اعتناقه، وفي مسألة الإيمان والدين لا يعتبر الإكراه لا شرعًا ولا عرفًا بأدلة واضحة من كتابه سبحانه وتعالى، بل إن الله سبحانه وتعالى استنكر على نبيه صلى الله عليه وسلم إصراره على إكراه المصرين على الكفر والعناد للدخول في الإيمان، فقال تعالى: {أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [يونس: 99] .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فلا يصح كفر المكره بغير حق، ولا إيمان المكره بغير حق؛ كالذمي الموفي بذمته، كما قال تعالى فيه: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة: 256] .

بخلاف المكره بحق، كالمقاتلين من أهل الحرب، حتى يسلموا إن كان قتالهم إلى الإسلام، أو إعطاء الجزية، إن كان القتال على أحدهما» 65.

وقال ابن قدامة: «وإذا أكره على الإسلام من لا يجوز إكراهه كالذمي والمستأمن، فأسلم: لم يثبت له حكم الإسلام حتى يوجد منه ما يدل على إسلامه طوع» 66.

وأختم هذه المسألة بما قاله الدكتور محمد الغزالي: «الإكراه على الفضيلة لا يصنع الإنسان الفاضل، كما أن الإكراه على الإيمان لا يصنع الإنسان المؤمن؟ فالحرية النفسية والعقلية أساس المسئولية، والإسلام يقدر هذه الحقيقة ويحترمها، وهو يبنى صرح الأخلاق» 67.

ثانيًا: الأثر الشرعي المترتب على الإكراه في البيوع:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت